Indexed OCR Text
Pages 1-20
دَلاتِ النَّيُوَة وَمَعْرفة أُخَالِ صَاحِبْ الشَّرِيَة لأبي بكر أحْمَدُبْ الُْسْنِ اَلْبَيْهَقِىّ (٣٨٤ - ٤٥٨) هـ السفر الأول بسم الله الرحمن الرحيم ١ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً أبداً إِلی يوم الدين . أخبرنا الشيخ الإمام السديد(١)، أبو الحسن : عبيد الله (٢) بن محمد بن أحمد البيهقي ، قراءةً عليه وأنا أسمع فأقرّ به ، قال : حدثنا الشيخ الإِمام(٣) ، أبو بكر : أحمد بن الحسين بن علي البيهقي - رحمه الله - قال : الحمد لله الأول بلا ابتداء ، والآخر بلا انتهاء ، القديم الموجود لم يَزَلْ، الدّائم الباقي بلا زوال، المتوحِّد بالفَرَدَائِيَّةِ، المُنْفَرِدِ بالإِلهيّة ، له الأسماء الحُسْنَى، والصفات العُلَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وهو السَّمِيعُ البصيرُ﴾(٤) (١) في ( ص ) : اخرنا الشيخ الإمام الحافظ الناقد، أبو نزار: ربيعة بن الحسن اليمني قراءتي عليه ، قال : أنبأنا الشيخ الإمام الحافظ: أبو المجد المبارك بن علي بن الحسين المعدادي المعروف بابن الطباخ ، قال : أخبرنا الشيخ السديد .. (٢) في (ح): عبد، وهو غلط من الناسخ، والصحيح. ((عبيد)) كما هو في نسخه (ص) ، وهو حصيد المصنف ، مضتْ ترحمته في تقدمتنا للكتاب . (٣) في ( ص ) : الزاهد الحافط الناقد . . (٤) الآية الكريمة (١١ ) من سورة الشورى . العليم القدير، العليّ الكبير ، الوليّ الحميد ، العزيز المجيد ، المُبْدِىء المُعِيد ، الفعَّال لما يريد، له الخلق والأمر، وبه النَّفع والضّر ، وله(٥) الحكم والتقدير ، وله الملك والتّدبير ، ليس له في صفاته شبيه ولا نظير ، ولا له في إِلَهِيَّتِهِ شريكٌ ولا ظهير ، ولا له في ملكه عَديلٌ ولا وزير ، ولا له(٦) في سلطانه وليُّ ولا نصير ، فهو المتفرد بالملك والقدرة ؛ والسلطان والعظمة ، لا اعتراض عليه في مُلكِهِ ولا عتاب عليه في تدبيره ، ولا لَوْمَ في تقديره . ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له ، إِلهاً واحداً أَحداً ، سيداً صَمَداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا . ونشهد أَنَّ مُحمداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ونبيّه وصَفيّه، ونَجِيُّه ووليُّه ورَضِيُّهُ ، وأَمْيُنُه على وحيه ، وخِيرَتُهُ من خلقه ، أَرسله بالحق بشيراً ونذيراً ، وَدَاعِياً إِلى الله بإذنه وسراجاً منيراً . صلى الله عليه وعلى آله الطيبين ، وعلى أصحابه الطاهرين ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، وسلَّم تسليماً كثيراً . والحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته ، وجَنَّسَهم بإرادته وجعلهم دليلاً على إِلهَتِهِ ، فكلُّ مَفْطُورٍ شاهد بوحدانيته ، وكلّ مخلوق دالّ على رُبُوبِيَّتِهِ . وخلق الجنَّ والإِنس ليأمرهم بعبادته من غير حاجة له إِليهم ، ولا إِلى أحد من بَرِيَّتِهِ ، وركَّب فيهم العقل الذي به يدرك دلائل قدمه ووجوده ، وتوحيده وتمجيده ، وحدوث غيره بإبداعه واختراعه ، وإِحداثه وإيجاده . وبعث فيهم الرسل كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِليْكَ كَما أَوْحَيْنَا إِلى نُوحٍ والنَِّّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأُوْحَيْنَا إِلى إِبراهيم واسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأَسْباطِ وعيسى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهارونَ (٥) في ( ص ) : وإليه . (٦) له : ساقطة من ( ص ) . ٦ وسليمان . وآتينا داوُدَ زَبُوراً، وَرُسُلَّا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً. رُسَلَّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئلاً يَكونَ لنَّاسِ عَلى اللّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّه عزيزاً حكيماً﴾(٧) يعني - والله أعلم - لئلا يقولوا : نحن وإِن عَلِمُنا بعقولنا أُنَّ لنا صانعاً ومدّبِّراً ، فلم نعلم وجوبَ عبادَتِهِ علينا ولا كيفيّتها ، ولا إِذا عَبَدْناه ما يكون لنا ، وإِذا لم نعبُدْهُ ما يكون . فقطع حُجَّتَهم وبَعَثَ فيهم رُسُلًا يأمرونهم بعبادَتِهِ ، ويُبَيّنون لهم كيفيتها ، ويبشرون بالجنة من أَطاعَه، وينذرون بالنار مَنْ عصاه ، وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بعذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لقالُوا: رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلينا رسولاً فَنَّبع آياتك مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزَى﴾(٨). وأَيِّد كُلِّ واحد مِنْ رسله بما دلّ على صدقه من الآيات والمعجزات التي باينوا بها مَنْ سواهم مع استوائهم في عين ما أُيِّدوا به . ومعجزات الرسل كانت أُجناساً كثيرة : وقَدْ أَخْبَرَ الله - عز وجل - أنه أُعطى ((موسى)) - عليه السلام - تِسْعَ آيات: العصا، واليد ، والدّم ، والطوفان، والجراد ، والقُمَّل، والضفادع، والطَّمس(٩)، والبحر. (٧) الآيات (١٦٣ - ١٦٥ ) من سورة النساء . (٨) الآية الكريمة (١٣٤) من سورة طه . (٩) الطمس على أموالهم، وجاء في القرطبي ( ١٠: ٣٢٦) أن الآيات التسع هي: ((العصا، واليد، واللسان، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم)) بدون ذكر ((الطمس)). وقد جاء ذكر ما أعطاه الله لموسى من الآيات في سورة الأعراف الآية (١٣٣): ((فَأُرْسَلْا عَلَيْهِمُ الطُّوْفَانَ، والْجَرَادَ ، والقُمِّلَ، والضَّفَادِعِ، والدَّمَ ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فأُسْتَكْبَرُوا وَكَانوا قَوْماً مُجْرمیں )). وفي سورة الإِسراء الآية (١٠١): ((وَلَقَدْ آتْنا موسىْ تِسْعَ آياتٍ بَيِّنَاتٍ أُسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُم ، فقالَ له فرعونُ : إِنّي لَأَظُنُكَ يا مُوسىْ مَسْحُوراً)). وقد ذكر في القرآن الكريم أشياء كثيرة من معجزات موسى - عليه السلام - ( أحدها) : إزالة العقدة = ٧ فأما ( العصا): فَكانَتْ حُجّته(١٠) على الملحدين والسحرة جميعاً، وكان السحر في ذلك الوقت فاشياً ، فلما انقلبتْ عَصاه حيّة تسعى ، وتلقّفتْ حِبالَ السَّحَرَةِ وعِصِيَّهم - علموا أَن حركتها عن حياةٍ حادِثَةٍ فيها بالحقيقة ، وليست من جنس ما يتخيّل(١١) بالحيل. فجمع ذلك الدّلالةَ على الصانع وعلى نبوته جميعاً . = من لسانه، وصار فصيحاً، ( وثانيها) انقلاب العصا حية ، (وثالثها ) تلقف الحية حبال السحرة وعصيهم مع كثرتها ، ( ورابعها): اليد البيضاء ، و ( خمس أخر) وهي : الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع، والدم، ( والعاشر): شق البحر ((وإذ فرقنا بكم البحر))، ( والحادي عشر): الحجر: ((اضرب بعصاك الحجر)) (التاني عشر): إظلال الجبل ((وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة)) ( الثالث عشر): إنرال المن والسلوى عليه وعلى قومه، ( الرابع عشر والخامس عشر): قوله تعالى: ((ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين، ونقص من التمرات)) ( السادس عشر): الطمس على أموالهم من النخل ، والدقيق ، والأطعمة ... وذكر الله - جل شأنه - في القرآن هذه المعجزات الست عشرة لموسى - عليه السلام - ١ وتخصيص التسعة بالذكر لا يقدح فيه ثبوت الزائدعليه ، أما الآيات التسع ؛ فقد اتفقوا على سبع منها وهي : العصا، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقمل، والضفادع، والدم ، وبقي الاثنتان، ولكل واحد من المفسرين قول آخر فيهما، وأجودها ما روى صفوان بن عسَّال. أَنَّ يَهُودِيَّيْنٍ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَذْهَبْ بِنَا إِلَى هذَا الَّبِيَ نَسْأَلُهُ ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ نَبِّ فَإِنَّهُ إِنْ سَمِعَها تَقُولُ نَبِّ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعُْنٍ ، فَأَتْيَا النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تَسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلّمَ: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحِقَّ ، وَلَ تُسْرِفُوا ، وَلاَ تَسْحَرُوا، وَلاَ تَمْتُوا بِبْرِي؛ إِلَى سُلْطَانٍ فَيُقْتُلَهُ، وَلاَ تَأْكُوا الرِّبَا، وَلاَ تَقْذِفُوا مُحْصَّنَةٌ ، ولا تَفِرُّوا مِنَ الَّحْفِ، ثَكَّ شُعْبَهُ: وَعَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْهُودِ خَاصَّةٌ لَا تَقْلَدُوا فِي السَّبْتِ فَقَبِّلَا يَدَيْهِ وَرِحْلِيْهِ وَقَالَ: نَشْهَدُ أَنَّكَ بَيِّ، قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا ، ؟ قَالاَ: إِنَّ دَاوُدَ دَعَا اللَّهَ ، أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٍّ وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا الْهُودُ . قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسْنٌ صَحِيحٌ. / الترمذي (٥ : ٣٠٦) (١٠) في (ص) حُجةٌ . (١١) في (ح) : ينتحل. ٨ وأما ( سائر الآيات) التي لم يَحتجْ إِليها مع السحرة فكانت دلالته على فرعون وقومه القائلين بالدّهر، فأظهر اللّه بها صحّةً ما أَخبرهم به موسى من أَن له ولهم رباً وخالقاً . وأُلَانَ اللّه الحديد (لداود))(١٢)، وسخَّر له الجبال والطير، فَكَانَتْ تُسَبِّحُ مَعَهُ(١٣) بالعشيّ والإِشْرَاق . وأقدر ((عيسى بن مريم)) على الكلام في المهد . فكان يتكلّم كلام الحكماء، وكان يحيى له الموتى، ويبرىء - بدعائه أو بيده إِذا مسح - الأكْمَه والأبرص ، وجعل له أن يجعل من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائراً بإِذن الله (١٤). ثم إِنه رفعه من بين اليهود لمَّا أَرادوا قتله وصلبه(١٥)، فَعَصَمَهُ الله بذلك (١٢) في الآية الكريمة (١٠) من سورة سبأ: ﴿ وَلَقْدْ آتَيْنا دَاوُدَّ مِنّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوَّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ ، وَأَلَنًا لَهُ الحديدَ ﴾. (١٣) في (ح): ((له ))، وأثلبتُّ ما في الآية القرآنية الكريمة من (١٨) من سورة ص: ﴿ إِنَّا سَخَّرْنا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ (١٤) وهو ما جاء في الذكر الحكيم في الآية الكريمة (١١٠) من سورة المائدة: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم ذكر نعمتي عليك وعلى والدّتِكَ إِذْ أَّدتُكَ بروح القدس تُكْلَمُ الناسَ في المهد وكَهْلاً وإذ علمتكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلقُ من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بأذني وتُبريءُ الأكمه والأبرص باذني وإذ تُخرج الموتى بإذني وإذ كففتُ بني اسرائيل عنك إذا جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا الّ سحرٌ مبين﴾. (١٥) وجاء في (( القرآن الكريم)) في سورة النساء . الآيات من ١٥٩/١٥٧ : ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّهِ وما قتلوُهُ وما صَلَبُوُه ولكن شُبَّ لَهُمْ وان الذين اختلفوا فيه لفي شكٍ منه مالهم به من علم الا اتباع الُّنَّ وما قتلوه يقيناً، بل رَفْعَهُ اللّه إليه وكان الله عزيزاً حكيماً وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الكتابِ إِلَّ لْيُؤْمِنْنَ به قبل مَوْتِهِ ويوم القيامةِ يَكُونُ عليهم شهيداً ﴾. ٩ من أَن يَخْلُصَ أَلمُ القتل والصَّلب إِلى بدنه ، وكان الطبُّ عامًا غالبا في زمانه ، فَأَظْهَرَ اللّه تعالى بما أجراه على يده ، وعجز الحُذَّاقْ من الأطباء عما هو أقلّ من ذلك بدرجات كثيرة - أنَّ التعويل على الطبائع وإنكار ما خرج عنها باطل ، وأنَ للعالم خالقاً ومدبِّراً ، ودلّ باظهاره ذلك له ، وبدعائه على صدقه ، وبالله التوفيق . " فأَما النبي المصطفى، والرسول المُجْتبى، المبعوث بالحقِّ إلى كافة الخلق من الجنِّ والإِنس ، أبو القاسم : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، خاتم النبيين ، ورسول ربّ العالمين ، صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين - فإِنه أكثر الرسل آياتٍ وبيناتٍ وذكر بعض أهل العلم أن أعلام نبوته تبلغ ألفاً . فأما ( العَلَمُ ) الذي اقترنَ بدَعْوَتِهِ ولم يزل يتزايد أيام حياتِه ، ودام في أمته بعد وفاته - فهو ((القرآن)) العظيم ، المعجز المبين ، وحبل الله المتين ، الذي هو كما وصفه به من أَنزله فقال : ﴿وإِنَّه لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يأتيه الباطلُ مِنْ بَيْنِ يديْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(١٦) . وقال : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كتابٍ مَْنُونٍ لا يَمْسُّه إِلَّ المُطَهِّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالِمِينَ﴾(١٧). وقال : ﴿بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾(١٨) وقال : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحقُّ﴾(١٩). (١٦) سورة فصلت : (٤١، ٤٢). (١٧) الآيات الكريمة (٧٧ - ٨٠) من سورة الواقعة (١٨) سورة البروج: (٢١ ،٢٢). (١٩) الآية الكريمة (٦٢) من سورة آل عمران. ١٠ وقال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مبارٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لِعَلَّكُمْ تُرْحِمُون﴾(٢٠). وقال: ﴿إِنّها تذكِرة، فَمَنْ شَاءَ ذكرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكرَّمةِ ، مرْفُوعة مُطَهَّرَةٍ ، بَأَيْدِي سَفْرَةٍ ، كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾(٢١). وقال: ﴿قُلْ لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والجنُّ علَى أَنْ يَأْتُوا بمثْل هذا القُرآن لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا﴾(٢٢) . فَأَبان جلّ جلَالُه أنه أَنزله على وصفٍ مُباينٍ لَأوصاف كلام الشرٍ؛ لأنه منظومٌ وليس بمنثور ، ونظمُه ليس نظمَ الرسائل ، ولا نظم الخطبِ ، ولا نظم الأشعار ، ولا هو كَأَسْجَاعِ الكُهَّان . وَأَعْلَمَ أَنَّ أَحداً لا يستطيع أن يأْتي بمثله. ثم أمره أن يتحداهم على الإِتيان به إِن ادَّعَوْا أنهم يقدرون عليه أو ظنوه . فقال: ﴿قُلْ فَاقْتُوا بِعَشْرٍ سُوْرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾(٢٣) ثم نقصهم تسعاً فقال: ﴿فَائْتُوا بسورةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾(٢٤) . فكان من الأمر ما يصفه . غير أَن مِنْ قَبْلِ ذلك دلالةً، وهي أن النبي ، مَ*، كان غير مدفوع عند الموافق والمخالف عن الحَضَافَة والمَتّانَة وقوّة العقل والرأي . ومن كان بهذه المنزلة ، وكان مع ذلك قد انتصب لدعوة الناس إلى دينه - لم ينجز بوجه من الوجوه أن يقول للناس : إِئتوا بسورة من مثل ما جئتكم به من القرآن ولن تستطيعوه ، فإِن أتيتم به فأنا كاذبٌ وهو يعلم من نفسه أن القرآن منزل (٢٠) الآية الكريمة (١٥٥) من سورة الأنعام . (٢١) سورة عبس الآيات: (١١ - ١٦). (٢٢) الآية الكريمة (٨٨) من سورة الإِسراء . (٢٣) الآية الكريمة (١٣) من سورة هود. (٢٤) الآية الكريمة (٢٣) من سورة البقرة . ١١ ٦ عليه ، ولا يأمن أن يكون في قومه من يعارضه، وأن ذلك - إِن كان - يُبْطِل (٢٥) دعوته . فهذا إِلى أَن يذكر ما بعده(٢٦) - دليلٌ قَاطِعٌ على أنه لم يقل للعرب إثتوا بمثله إِن استطعتموه ولن تستطيعوه ، إِلا وهو واثق متحقّق أنهم لا يستطيعونه ، ولا يجوز أن یکون هذا الیقین وقع له إلا من قبل ربّه الذي أُوْحی إليه به ، فوثق بخبزه . وبالله التوفيق . وأما ما بعد هذا فهو: أَن النبيِّ وَِّ قالَ لهم : اثتوني(٢٧) بسورةٍ مِنْ مِثْلِهِ إِن كنتم صادقين . فطالت المُهْلَةُ والنِّظِرَةُ لهم في ذلك ، وتواترت الوقائع والحروبُ بينه وبينهم فَقُتِلَت صَنَادِيدُهُم ، وسُبِيتْ ذَراريهم ونساؤهم ، وانتهبت أموالهم ، ولم يتعرض أحدٌ لمعارضته، فلو قدروا عليها لاقْتَدَوْا بها أَنْفُسَهُم وأَوْلادَهم وأهاليهم وأموالهم . ولكان الأمر في ذلك قريباً سهلاً عليهم ؛ إذ كانوا أَهل لِسَانٍ وفصاحة ، وشعرٍ وخطابة . فلما لم يأتوا بذلك ولا ادَّعوه صحَّ أنهم كانوا عاجزين عنه . وفي ظهورِ عَجْزهم بَيَانُ أَنَّه في العجز مثلُهم؛ إِذ كان بشراً مثلَهم لسانُه لسانهم ، وعاداته عاداتهم، وطباعُه طباعُهم ، وزمانُه زمانُهم ، وإذا كان كذلك. وقد جاء بالقرآن - وجب القطع بأنَّه من عند الله ، تعالى جَدُّه ، لا من عند غيره . وبالله التوفيق . قال أبو عبد الله : الحسين بن الحسن الحليمي (٢٨) - رحمه الله: فإن (٢٥) في الأصل (ح): ((يطلب)). (٢٦) في الأصل (ح): ((إِلى أن يذكر إلى ما بعده)). (٢٧) في (ص ) : أثتوا . (٢٨) هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم القاضي (٣٣٨ - ٤٠٣ ) أصله من بخارى ، ويعتبر أنبه المتكلمين في بلاد ما وراء النهر وأنظرهم ، وآدبهم ، وكان مقدماً فاضلاً كبيراً له مصنفات مفيدة = ١٢ ذكروا ((سجع مُسَيلمة)) فكل ما جاء به مسيلمة لا يعدو أن يكون بعضه محاكاة (٢٩) وسرقة ، وبعضه كأساجِيعِ الكهان ، وأراجيز العرب وقد كان النَّبيُّ ﴿* يقول ما هو أحسنُ لفظا، وأَقومُ معنىَّ وأَبينُ فائدة ، ثم لم تقل له العربُ: ما أنت ! تتحدَّانا على الإِتيان بمثل القرآن وتزعم أنَّ الإِنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا يمثله لم يقدروا عليه، ثم قد جئتَ بمثله مقرّاً(٣٠) - إنه ليس من عند الله وذلك قوله : أنا ابن عبد المطلب(٣١) أنا النبي لا كذب = ينقل منها الحافظ أبو بكر البيهقي كثيراً، وقال ابن كثير في ((البداية والنهاية)): ((كان الحليمي رجلًا عظيم القدر ، لا يحيط بكنه علمه إلا غواص)). ومن تصانيفه (( المنهاج في شعب الإيمان)) كتاب جليل في نحو ثلاثة مجلدات يشتمل على مسائل فقهية تتعلق بأصول الإيمان ، وأحوال القيامة ، وفيه معانٍ غريبة لا توجد في غيره)). ترجمته في : طبقات الشافعية للعبادي ص (١٠٥)، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ، وفيات الأعيان (١: ٤٠٣)، البداية والنهاية (١١: ٣٤٩)، المنتظم (٧: ٢٦٤)، تذكرة الحفاظ (٣: ١٠٣٠)، شذرات الذهب (٣: ١٦٧)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١ : ١٧٠). (٢٩) في الأصل : ((محالا). (٣٠) في (ح): مفترى، وأثبت في ( ص). (٣١) أخرجه البخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد (٥٢). باب: مَنْ قاد دابة غيره في الحرب . فتح الباري (٦: ٦٩)، كما أخرجه البخاري ((أيضاً)) بعده في: (٦١) باب: بغلة النبي ◌َّر. فتح الباري (٦ : ٧٥)، وفي (٩٧) باب: مَنْ صَفَّ أصحابه عند الهزيمة ، ونزل عن دابته فاستنصر. فتح الباري (٦ : ١٠٥). وأخرجه البخاري ((أيضاً)) في : ٦٤ - كتاب المغازي، (٥٤) باب: قول الله تعالى: ﴿ويوم حُنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم ... ﴾ فتح الباري (٨: ٢٧). وأخرجه مسلم في : (٣٢) كتاب الجهاد والسير - (٢٨) باب : في غزوة حنين ، حديث رقم (٧٨)، (٨٠). وأخرجه الترمذي في : كتاب الجهاد في باب : الثبات عند القتال (٤ : ٢٠٠). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤: ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٩، ٣٠٤). ١٣ وقوله : ولا تصَدَّقنا ولا صَلَّينا (٣٢) تاللّهِ لولا الله ما اهتدينا وَثَبِّتِ الأَقْدَامِ إِنْ لَقَيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنًا وقوله : اللهم إن العيش عيش الآخرة فَارْحَمِ الأَنْصَارَ والمهاجرة(٣٣) (٣٢) أخرجه البخاري في (٥٦) كتاب الجهاد والسير (٣٤) بات: حفر الخندق. فتح الباري (٦ : ٤٦)، وفي : (٨٢) كتاب القدر ١٦ - باب: وماكنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فتح الباري. (١١ : ٥١٥، ٥١٦ ). كما أخرجه البخاري أيضاً في : كتاب التمني ٧ - باب: قول الرجل : لولا الله ما هتدينا - فتح الباري (١٣: ٢٢٢)، وأخرجه مسلم ((أيضاً)) في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير (٤٣) باب: غزوة خيبر ، حديث رقم (١٢٣)، ونسب هذا الرجز لعامر بن الأكوع، وأخرجه مسلم في الحديث الذي يليه ونسبه لسلمه بن الأكوع ، وأخرجه مسلم في ٤٤ - باب : غزوة الأحزاب - حديث رقم (١٢٥) صفحة (١٤٣٠) من حديث البراء بن عازب، وأن النبي 18 قائله يوم الأحزاب وهو ينقل معهم التراب . وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣ : ٤٣١) (٤: ٤٧، ٤٨، ٥٢، ٢٨٢، ٢٨٥، ٢٩١، ٣٠٢). وهو عند مسلم ((أيضاً)) صفحة (١٤٤٠) وأن الذي كان يرتجز هو عامر . وهذا لا يمنع من أن الرسول# قد قاله وأن بعض الصحابة قد ارتجز به أيضاً . (٣٣) أخرجه البخاري في أول كتاب الرقاق، فتح الباري (١١: ٢٢٩)، كما أخرجه ((أيضاً)» في ٥٦ - كتاب الجهاد ٣٣ - باب : الصبر عند القتال ، وأن الصحابة قالوا له مجيبين : نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا فتح الباري : (٦ : ٤٥ - ٤٦). وأخرجه البخاري ((أيضاً)) في باب : البيعة في الحرب من كتاب الجهاد ، فتح الباري (٦ : ١١٧). وأخرجه مسلم في : ٣٢ - كتاب الجهاد (٤٤) باب: غزوة الأحزاب ، حديث رقم (١٢٦، ١٢٩) صفحة (١٤٣١ - ١٤٣٢). = ١٤ وقوله : (( تعس عبد الدينار والدرهم ، وعَبْدُ الخميصة (٣٤) ، إِنْ أُعطى مِنْها رضي وإِن لم يُعْطَ سَخِط: تعس وانتكس(٣٥)، وإِن شيك(٣٦) فلا انتقش(٣٧). فلم يَدَّعِ أحد من العرب أن شيئاً من هذا يشبه (٣٨) القرآن وأن فيه كسراً (٣٩) لقوله . * * وحكى الأستاذ أبو منصور: محمد بن الحسين بن أبي أيوب(٤٠) فيما كتب إِليَّ عن بعض أصحابتا أنه قال : يجوز أن يكون هذا النظم قد كان فيما بينهم فعجزوا عنه عند التحدي ، = وأخرجه الترمذي في : كتاب المناقب باب : في مناقب أبي موسى الأشعري ، حديث رقم (٣٨٥٦)، ص (٥ : ٦٩٣). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢ : ٣٨١)، (٣: ١٧٢، ١٨٠، ٢١٦، ٢٧٦)، (٥ : ٣٣٢). (٣٤) (الخميصة) : كساء أسود مربع له علامان . (٣٥) (تعس وانتكس) : أي عاوده المرض وشقي . (٣٦) (إن شيك): أي إذا أصابته شوكة لا قدر على إخراجها بالمنقاش . (٣٧) الحديث أخرجه البخاري في : ٥٦ - كتاب الجهاد ، ٧٠ - باب الحراسة والغزو في سبيل الله. فتح الباري (٦: ٨١)، كما أخرجه ((أيضاً)) في الرقاق ١٠ - باب: ما يتقى من فتنة المال. فتح الباري (١١ : ٢٥٣). وأخرجه ابن ماجه في : ٣٧ - كتاب الزهد (٨) باب: في المكثرين ، حديث رقم (٤١٣٦)، ص (١٣٨٦). (٣٨) في (ص): (( شبه)). (٣٩) في (ص ) : كثيراً . (٤٠) بالأصل (ح ) محمد بن الحسن ، وهو خطأ من الناسخ ، وصحته : محمد بن الحسين بن أبي أيوب ، الأستاذ ، حجة الدين ؛ أبو منصور المتكلم ، تلميذ ابن فورك ، صاحب كتاب (( تلخيص الدلائل))، وفاته سنة (٤٢١)، وله ترجمة في طبقات الشافعية للسبكي (٤ : ١٤٧)، والوافي بالوفيات (٣ : ١٠). ١٥ فصار مُعجزةً ؛ لأن إخراج ما في العادة عن العادة نَقْضٌ للعادة ، كما أَن إِدخال ما ليس في العادة في الفعل نَقْضُ للعادة . وبسط الكلام في شرحه . وأيّهما كان فقد ظهرت بذلك معجزته ، واعترفت العرب بقصورهم عنه ، وعجزهم عن الإتيان بمثله . وفيما حكى الشيخ ((أبو سليمان: حَمْد(٤١) بن محمد الخطّابي))(٤٢) عن بعضِ أَهل العلم: أَنّ الذي أَوْرَدَهُ المصطفى ◌َ على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإِتيان بمثله - أَعْجَبُ في الآيةِ، وأَوضحُ في الدلالة من إِحياءٍ الموتى وإِبْراءِ الأَكْمَهِ والأبرص؛ لأنّه أَتى أَهلَ البلاغة ، وأُربابَ الفصاحة ، ورؤساءَ البيان والمتقدمين في الألسن (٤٣)، بكلامٍ مفهوم المعنى عندهم ، فكان عجزُهم أعجبَ من عجز من شاهد المسيح عن إحياء الموتى ، لأنهم لم يكونوا يطيقون فيه ولا في إِبراءِ الأُكمه والأبرص، ولا يَتَعَاطَوْنَ عِلْمَهُ ، وقريشُ (٤١) في (ص) : أحمد . (٤٢) أبو سليمان الخطابي : حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البُسْتي الخطابي ، أحد أحفاد أخ الخليفة عمر بن الخطاب (٣١٩ - ٣٨٨). كان معاصروه يرونه في الدقة العلمية والورع ، والتقوى قريناً لأبي عبيد (( القاسم بن سلام))، وكان ذا موهبة شعرية ، وكان يكسب قوته من التجارة ، ثم اتجه في خريف عمره إلى التصوف، وهو أول شارح لصحيح البخاري في كتابه « إعلام السنن في شرح المشكل من أحاديث البخاري))، وله ((معالم السنن)) شرح لكتاب السنن لأبي داود ... وغيرهما . ترجمته في الفهرست لابن خير ص ٢٠١ ، المنتظم لابن الجوزي (٦ : ٣٩٧)، الأنباء للقفطي (١: ١٢٥)، تذكرة الحفاظ للذهبي (١٠١٨)، البداية والنهاية (١١: ٢٣٦)، بغية الوعاة للسيوطي، شذرات الذهب (٣ : ٢٧). (٤٣) في (ص ) : اللَّسَن. ١٦ كانت تَتَعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة . فدلّ أَن العجز عنه إِنما كان لأن يصير عَلّماً على رسالته وصِحَّة نبوته . وهذا حُجَّةٌ قاطعة ، وبرهانٌ واضح . قلنا: وفي القرآن وجهان آخران من الإعجاز . ( أحدهما ) : ما فيه من الخبر عن الغيبِ ، وذلك في قوله عز وجل : ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلُّه﴾(٤٤) وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (٤٥) وقوله في الروم: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلُونَ في بِضْعٍ سِنِين﴾ (٤٦) وغير ذلك من وعده إياه بالفتوح في زمانه وبعده، ثم كان كما أخبر. ومعلوم أنه وَ# كان لا يعلم النجوم ولا الكهانة ولا يجالس أهلها". ( والآخر) : ما فيه الخبر عن قصص الأولين من غير خلاف ادّعى عليه فيما وقع الخبر عنه مَن كان من أهل تلك الكتب. ومعلوم أَنه ◌َّ كان أُمّباً لا يقرأ كتاباً ولا يخطّه . ولا يجالس أهل الكتب للَّخذ عنهم . وحين زع بعضهم أنما يعلمه بشر - رَدّ الله ذلك عليهم فقال: ﴿لِسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِليهِ غْجِيَ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبين﴾ (٤٧) فزعم أهل التفسير أَنه كان لابن الحَضْرَمِيُّ غلامان نصرانيان يقرآن كتاباً لهما بالرومية، وقيل بالعبرانية. فكان #. يأتيهما فيحدثهما ويعلِّمهما ، فقال المشركون : إِنما يتعلَّم محمد منهما ، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (٤٨) . (٤٤) الآية الكريمة (٣٣) من سورة التوبة . (٤٥) الآية الكريمة (٥٥) من سورة النور. (٤٦) الآية الكريمة (٣) من سورة الروم. (٤٧) الآية الكريمة (١٠٣) من سورة الذــ .. (٤٨) وهي شبهة من شبهات منكومبو محمد #، وذلك لأنهم ١٢و. يقولون: إن محمداً إنما يذكر هذه القصص وهذه الكلمة .. . تفيدها من إذن آخر ويتعلمها منه، واختلفوا في هذا البشر، فقيل: هو عبد لبني عمر بن لؤي، يقال له: ((يَعيش)) وكان يقرأ الكتب ، وقيل : ((عداس)) غلام عتبة بن ربيـ»، بيل (( أبو ميسرة الرومي)) وقيل غير ذلك، ولا فائدة من ذكر = ١٧ ( م ٧ - دلائل النبوة جـ ١ ) قال (( الحَلِيمِي)): مَنْ تَعَلَّقَ بمثلِ هذا الضعيف لم يسكت عن شيء يتهمه به . فدل على انه لو اتهموه بشيء مما نفيناه عنه لذكروه ولم يسكتوا عنه . وبالله التوفيق . قلنا : ومن وقف على ما أخذه العلماء من القرآن على إِيجازه من أنواع العلوم ، واستنبطوه من معانيه ، وكتبوه ودونوه في كتب لعلها تزيد على ألف مجلدة - علم أنَّ كلام البشر لا يفيد ما أفاد القرآن ، وعلم أنه كلام رب العزة . فهذا بيّن واضح لمن هُدِيَ إِلى صراط مستقيم . ثم إِن لنبينا وعليه وراء القرآن من الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة ما لا يخفى ، وأكثر من أن يحصى . فمن دلائل نبوته التي استدل بها أهل الكتاب على صحة نبوته : ما وجدوا في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله المنزلة من ذكره ونعته ، وخروجه بأرض العرب ، وإن كان كثير منهم حرّفوها عن مواضعها . ومن دلائل نبوته: ما حدث بين أيام مولده ومبعثه، وَ#، من الأمور الغريبة والأكْوَانِ العجيبة القادحة في سلطان أئمة الكفر والمُومِيّة لكلمتهم ، المؤيِّدة لشأن العرب ، المُنَّوِّهة بذكرهم كأَمر الفيل وما أُحلَّ الله بحزبه من العقوبة والنَّكَال . ومنها خمود نار فارس ، وسقوط شُرُفَات إِيوان كسرى ، وغيْض ماءٍ بُخَيْرة = الاختلاف هذا، وقد رد القرآن عليهم بأن القرآن إنما كان معجزاً لما في ألفاظه من الفصاحة ، فبتقدير أن تكونوا صادقين في أن محمداً ## يتعلم تلك المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدحٍ ذلك في المقصود ، إذ القرآن معجز في فصاحته ، وما ذكرتموه لا يقدح في ذلك المقصود . ١٨ ساوة ، ورؤ يا الموبذان وغير ذلك . ومنها : ما سمعوه من الهواتف الصارخة بنُعُوته وأوصافه والرّموز المتضمنة لبيان شأنه ، وما وجد من الكهنة والجن في تصديقه ، وإِشارتهم على أوليائهم من الإِنس بالإِيمان به . ومنها : انتكاس الأصنام المعبودة ، وخُرُورُهَا لوجوهها من غير دافع لها عن أَمكنتها تُومِىء - إِلى سائر ما رُوي في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته ، وبعدها - إِلى أَن بُعِث نبياً وبعد ما بُعِث . ثم إن له من وراء هذه الآيات المعجزات : انشقاق القمر ، وحنين الجذع، وخروجَ الماءِ من بين أصابعه ، حتى توضّاً منه ناس كثير . وتسبيحَ الطعام ، وإِجابةَ الشجرة إِيّاه حين دعاها ، وتكليمَ الذراع المسمومة إِياه ، وشهادة الذئب والضَبِّ والرضيعِ والمَيّتِ له بالرسالة ، وازدياد الطعام والماء بدعائه حتى أصاب منه ناس كثير ، وما كان من حلبه الشاة التي لم يُنْزُ عليها الفحل ، ونزول اللبن لها ، وما كان من إخباره عن الكّوَائن ، فوجد تصديقه في زمانه وبعده ، وغير ذلك مما قد ذُكر ، ودوّن في الكتب . وقد ذكرناها بأسانيد في كتاب (( دلائل النبوة)) الذي هذا ((مدخله)) وفي الواحد منها كفاية . غير أن الله تعالى لما جمع له بين أمرين: أحدهما بعثه إلى الجن والإِنس عامة، والآخر : ختمه النبوة به - ظَاهَرَ له من الحجج حتى إِن شذّت واحدة عن فريق بَلَغَتْهم أُخْرىٍ ، وإِن لم تنجع واحدة ، نَجْعت أُخرى، وإِن دَرَسَتْ على الأيام واحدةٌ بقيت أخرى ، وفيه في كل حال ؛ الحجة البالغة ، وله الحمد على . نظره لخلقه ، ورحمته لهم كما يستحقه . ١٩ فَصْلٌ فِي قَبُول الأُخْبَار أخبرنا أبو عبد الله : محمد بن عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس : محمد بن يعقوب ، قال : أخبرنا الربيع بن سليمان ، قال : أخبرنا أبو عبد الله : محمد بن إدريس الشافعي ، رحمه الله ، قال : قد وضع الله رسوله وَّه، من دينه وفرضه وكتابه المَوْضِعَ الذي أَبان جلَّ ثناؤه أَنَّه جَعَلَهُ عَلَّماً لدينِهِ ، بما افترض من طاعته وحَرِّمَ من معصيته ، وأَبَانَ من فضيلته بما قَرَنَ بين(٤٩) الإِيمان برسوله مع الإِيمان به، فقال: ﴿فَآمِنُوا بالله ورسوله﴾(٥٠) وقال: ﴿إِنَّما المؤمنونَ الذين آمنوا بالله ورسُولِهِ﴾(٥١) فجعل كمال ابتداءِ الإِيمان الذي ما سواه تبع له الإِيمان بالله ثم برسوله . قال الشافعي: ((أُخبرنا ابن عُيَّيْنَةَ عن ابن أبي نَجيح عن «مُجاهد)) في قوله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾(٥٢) قال: ((لا أُذكر إلا ذُكرت: أشهد أن (٤٩) كذا في الأصل (ح) والعبارة في الرسالة للشافعي، صفحة (٧٣): ((بما قرن من الإِيمان برسوله مع الإِيمان به ». (٥٠) الآية الكريمة (١٥٨) من سورة الأعراف. (٥١) الآية الكريمة (٦٣) من سورة النور . (٥٢) الآية الكريمة (٤) من سورة الشرح . ٢٠