Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
الفصل الثلاثون
ما أوتي عيسى ح / ٥٦١
وقوله تعالى ﴿إذا جاء نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ - النصر ١ - فتحُ مكة
خُصَّ بين الفتوح بالفتح لعِظَمِ قدرِهِ، وإنها بلدةُ المهاجرين الذين أخرجوا
منها، أهلها كانوا أشد الناس عداوَة لرسول الله وَلَّ وأصحابِه، لأن القراباتِ
والجيران أشد تقاطعاً وتباغُضاً، فبشره بفتحها قبل كونه، ويدخلون (الناسُ)
أفواجاً في دينه، فحققَ الله تعالى له بشارَتَه بفتحِها، فقدِمت الوُفودُ
الجامعات عليه المدينة مسلمين منقادين له ولدينه، فقبَضَ اللَّهُ نبيّهُ وقد
طَّقَ الإِسلامُ اليمنَ إلى شجر عُمان وأقصى نَجْدِ العراقِ(١)، بعدَ مكةً
والحجازَ، وبسطَ رُواقَه وجِرانه بالغور (٢)، فجرى حكمُ الله تعالى
وحكمُهُ وَّ على أهل مكةَ والطائف وعُمان والبحرين واليمن واليمامَة.
ومنه قوله تعالى ﴿وأخْرَىْ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيها قد أَحَاطَ اللَّهُ بها﴾ -
الفتح ٢١ - العجم وفارس وكقوله تعالى ﴿وأرْضاً لم تَطَؤُوهَا﴾ - الأحزاب
٢٧ - يعني: فارس والرومَ، فوجدوا ما وعدَ الله تعالى كما وعدهم.
ومنه قوله تعالى ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأسٍ شَديدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ
يُسْلِمُون﴾ - الفتح ١٦ - وهم أهل فارس والروم وبنو حنيفة أصحابُ
مُسَيْلمَة، فقاتلهم أبو بكر ثم عمر، لم يختلف أحدٌ من أهل القِبلة أن
المُخَلَّفين من الأعْرابِ لم يُدْعَوْا إلى شيء من الحروب بعد توليهم عن
النبيِ وََّ، حتى دُعُوا في زمان أبي بكر إلى أصحاب البأسِ مُسَيْلمَة وبني
حنيفة .
ووعد ◌َ﴿ بَيْضاءَ المدائِنْ واصْطَخْر وفتحَ كنوزٍ کسری.
(١) النجد: ما أشرف من الأرض، وهو في بلاد العرب أعلاه: تُهامة واليمن، وأسفله العراق
والشام، وأوله من جهة الحجاز ذاتُ عِرْق - القاموس -.
(٢) الغور: ضد النجد، والمعنى ثبت الإِسلام واستقر في الجبال والسهول والوديان.

٦٢٢
الفصل الثلاثون
ما أوتي عيسى ح / ٥٦٢
وقال لِعَدي بن حاتم: ما يمنعُك إلا ما ترى بأصحابي من
الخصاصة، فيوشكنّ أن تخرج الطّعينَةُ من الحِيرةِ بغير جِوار، فأبصرَ ذلك
عديّ بعينه.
ومنه قوله تعالى ﴿ عَسى اللَّهُ أن يَجْعَلَ بينكم وبينَ الذين عادَيْتُم
منهم مَوَدَّة﴾ - الممتحنة ٧ - فكان ذلك تزويجُ النبيّ وَّرَ بِأَم حَبِيبَة، وإسلامُ
أبي سفيان، فزالت العداوَةُ، وَآلَتْ إلى مودة ووُصْلة.
ونظائرُ ذلك كثير مما اطلَع اللَّهُ نبِيَّه وَلَ مما أسرّه المنافقون واليهودُ
في أمره.
وفي القرآنِ قصصٌ كثيرة اكتفينا منها بما ذكرناه.
٥٦٢ - حدثنا محمد بن علي بن حبيش قال ثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال
ثنا أحمد بن يونس ثنا حماد بن سلمة (١) عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب.
إن أولَ مَنْ سَلَّ سيفَه في سبيل الله الزبيرُ بن العَوّام، قال: وكان في
شِعبِ البَطائِح فسمع نغمةً أن النبيِ نََّ قُتِلَ، فأخذ السيفَ فخرجَ عُرياناً
في يدِهِ السيفُ صَلْتاً، فلقيَه رسولُ اللهِ وَلَ كَفة كَفة، فقال: ما لَكَ؟ قال:
سمعت أنك قُتلتَ، قال: فما كنتَ صانعاً؟ قال: أردتُ أن أستعرضَ أهلَ
مكة، قال النبي ◌َّ صلى الله عليك وعلى سَيْفِك(٢).
(ح/٥٦٢) قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ٥٢٧/١ أخرجه الزبير بن بكار من طريق
عروة بن الزبير وابن المسيب أ. هـ. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٥٦١/١ على هامش
الإصابة - من حديث سعيد بن المسيب من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عنه. ومن
حديث عروة من طريق الزبير بن بكار عن أبي ضمرة أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن
أبيه فذكره وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣٦٠/٣ من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة
فذكر نحوه أ. هـ. وقال في مجمع الزوائد ١٥٠/٩ وعن عروة قال: أول من سلَّ سيفاً في سبيل
الله الزبير بن العوام ورجاله ثقات.
(١) في الأصل ((صماد ثنا سلمة)) والصواب ما أثبتناه - كما في الاستيعاب وغيره -.
(٢) في الاستيعاب ((فصلى عليه ودعا له ولسيفه)).

٦٢٣
الفصل الثلاثون
ما أوتي عيسى ح / ٥٦٣
٥٦٣ - في حديث آخر (لِكُلِّ نبيٍ حَوارِيٌ وحَوَاريي الزُّبَيْر).
● فإن قيل: فإن عيسى بن مريم كان سيَّاحاً جواباً للقِفار والبراري.
كذلك كان سياحةُ محمدٍ وََّ أعظمَ وأكثرَ، الجهادُ، فاستنفد في
عشر سنين ما لا يُعَدُّ من حاضرٍ وبادٍ، وافتتح القبائلَ الكثيرة وَ ل﴿ من مبعوثٍ
بالسيف، لا يوري بالكلام، ومجاهدٍ في سبيل الله لا ينامُ إلا على دَم، ولا
مستقراً إلا متجهزاً لقتال الأعداء، وباعثاً إليهم سريّة في إقامة الدين،
وإعلاءِ الدعوة وإبلاغ الرسالة.
· فإن قيل: فإن عيسى كان زاهداً، يقنعُه اليسيرُ، ويُرضيه القليلُ
خرج من الدنيا كَفافاً لا لَهُ ولا عليه.
قلنا: إن محمداً وَل ◌َ أزهدُ الأنبياء، كالثلاثة عشر(١) ... من يطيف
به، فما رُفعت مائدته قطّ وعليها طعام، ولا شبعَ من خُبْزِ بُرّ ثلاثَ ليالٍ
متوالياتٍ، وكان يربِط الحَجَر على بطنِهِ، لباسُه الصُّوفُ، وفِراشُه إهاب
شاةٍ (٢)، ووسادتُه من أُدُمٍ حشوها ليف، يأتي عليه الشهران والثلاثة لا
يوقد في بيته نارُ المصباح(٣). تُوفي ودرعُه مرهونة، لم يترك صفراءَ ولا
بيضاءَ(٤)، مع ما عُرِضَ عليه من مفاتيحَ خزائن الأرض، ووُطَّءَ له من
البلاد، ومُنِحَ من غنائمِ العبادِ، فكان يقسِم في اليوم الواحدِ ثلاث مائة
(ح/٥٦٣) أخرجه البخاري في صحيحه عن جابر قال: قال رسول اللّه وَّر يوم الأحزاب:
من يأتيني بخبر القوم؟ فقال الزبير أنا، ثم قال من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال
من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، ثم قال: إن لكل نبي حوارياً وحواربي الزبير - ر: فتح
الباري ٤١٠/٨.
(١) بياض في الأصل - وفي العبارة تحريف وسقط -.
(٢) إهاب شاة: جلدها.
(٣) لعل الصواب ((المطبخ)).
(٤) أي ديناراً ولا درهماً.

٦٢٤
الفصل الثلاثون
ما أوتي عيسى ح / ٥٦٤
ألف، ويعطي الرجلَ مائةً من الإِبل، والخمس(١)، ويعطي ما بينَ الجبلين
من الأغنام ، ويُمسي ويأتيه السائلُ فيقولُ: (والذي بعثك بالحقّ ما أمسَى
في آلِ محمدٍ صاعْ من شعيرٍ ولا من تمرٍ، أجوُ يوماً وأشبعُ يوماً، فإذا
جعتُ تضرَّعتُ، وإذا شبعتُ حمدتُ) وكيف لا يكونُ ذلك لِمن عظَّمه الله
فقال تعالى ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيم﴾ - القلم ٤ -.
• فإن قيل: فإن عيسى عليه السلام رُفِعَ إلى السماء.
قلنا: قد عُرِضَ على محمد ◌َّرَ البقاءُ عند وفاتِهِ، فاختارَ ما عند الله
وقرَّبه على البقاءِ في الدنيا، فقبضه الله ورفَع روحه إليه، ولو اختارَ البقاء
في الدنيا لكان كالخَضر وإلياس وعيسى عليهم السلامُ عند الله في
سماواته، وفي عالمه في أرضِه، لأن عيسى مقيمٌ في السماء، وإلياس
والخَضِر يجولان في السمواتِ والأرضين، مع أن قوماً من أمة نبينا وعَه
رُفِعُوا كما رُفِع عيسى عليه السلام، وذلك رَفْعُ عامِرٍ بن فُهَيْرة مولى أبي بكر
الصديق والناسُ ينظرون، ودفنُ العلاء بن الحَضْرَمي، وماتَ في خلافة
أبي بكر باليمن في أرض العدوّ، فخافوا أن يُنْبَشَ قبرهُ ويُستخرجَ، فذهبوا
يطلبونه ليُنقَل من أرض العدو في یومهم الذي دفنوه فیه، فلم يقدروا علیه،
ولا يُدری أین ذُهب به.
٥٦٤ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا عبيد بن غنام وعبدان بن أحمد قالا ثنا
أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسمعيل عن الزهري قال:
(ح/٥٦٤) قال في الخصائص ٥٥٢/١ أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق جعفر بن
عمرو بن أمية الضمري أن أباه حدثه عن جده فذكره أ. هـ. وقال ابن كثير في السيرة ١٣١/٣
وروى البيهقي من طريق إبراهيم بن إسماعيل حدثني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده
عمرو بن أمية فذكره. أ. هـ. قلت كذا في السيرة عن جده عمرو بن أمية وقال الحافظ ابن حجر
في الإصابة ١٣٣/١ أخرجه ابن منده في ترجمة أمية ابن عمرو الحديث من طريق جعفر بن =
(١) لعل الصواب ((والخمسين)) كفعله عليه الصلاة والسلام في الجِعْرَانَة.

٦٢٥
الفصل الثلاثون
ما أوتي عيسى ح / ٥٦٤
أخبرني جعفر بن عمروبن أمية عن أبيه أن رسول الله
بعثه وحدَه عَيْناً على قريش، قال: فجئتُ إلى خشبة خُبَيْب وأنا
أتخوّف العين، فرقيتُ فيها، فأطلقت خُبَيْباً، فوقع على الأرض، فانتبذتُ
غير بعيد، ثم التفتّ فلم أرَ خُبيباً كأنما ابتلعته الأرضُ فما رؤي إلى
الساعة .
قال أبو بكر بن أبي شيبة وقد كان جعفر بن عون قال عن جعفر بن
أمیة عن أبيه عن جده.
= عون عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده فذكره
ثم قال: وهذه القصة مذكورة في المغازي لعمرو بن أمية لا لأبيه مشهورة به لا بأبيه، وقد بين
علي بن المديني أمرها بيانً شافياً في كتاب العلل فقال بعد أن ساق الحديث من طريق ابن
مجمع المذكور جعفر بن عمرو هذا ليس هو عمرو بن أمية الضَّمري لصلبه وإنما هو جعفر بن
عمرو بن فلان بن عمرو بن أمية وإنما الحديث عن أبيه عمرو عن جده عمرو بن أمية قلت -
القائل ابن حجر - فالضمير في قوله عن جده عائد إلى عمرو بن فلان لا إلى جعفر وتبين أن
الحديث من مسند عمرو بن أمية الضمري لا من مسند أمية ثم قال ابن حجر: ووقع في معجم
الطبراني في الحديث المذكور عن جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن
الزهري أخبرني جعفر. وقوله عن الزهري من المزيد في متصل الأسانيد. أ. هـ.

:

ح / ٥٦٥
الفصل الحادي والثلاثون
٦٢٧
الفَصْل الَوَاحِدَ وَالثلاثون (١)
في رواية خبرين يشتملان على جُمَلٍ من صفاته البديعة،
وأخلاقه الحميدة الرفيعة، وأحواله العجيبة العظيمة،
وما يتضمن ذلك من آدابه وسننه وشرائعه الموافقة
لقضايا المعقول في الصحة والجواز
اقتصرنا من ذكر أخلاقه وصفاته على هذين الخبرين:
٥٦٥ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا علي بن عبد العزيز قال ثنا مالك بن
إسماعيل النهدي. وثنا أبو بكر الطلحي، قال ثنا إسمعيل بن محمد المزني قال ثنا أبو
غسان مالك بن إسماعيل قال ثنا جُمَّيْع بن عُمَيْر بن عبد الرحمن العجلي قال حدثني
رجل بمكة عن ابن أبي هالة التميمي :
(ح/ ٥٦٥) قال السيوطي أخرجه ابن سعد ٤٢٢/١ مطولاً. والترمذي في الشمائل رقم ٧ من
طريق سفيان بن وكيع عن جميع بن عمير مختصراً. والبيهقي والطبراني وأبو نعيم وابن السكن
في المعرفة وابن عساكر ثم ذكره مطولاً - الخصائص ١٨٨/١ - وقال في مجمع
الزوائد ٢٧٨/٨ أخرجه الطبراني وفيه من لم يسم أ. هـ. وقال ابن كثير في الشمائل ٥٥
قال يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ رحمه الله حدثنا سعيد بن حماد الأنصاري المصري وأبو
غسان مالك بن إسماعيل النهدي قالا حدثنا جميع ابن عمير بن عبد الرحمن العجلي فذكره بسند
حديث الباب مطولاً، ثم قال ورواه الحافظ أبو عيسى الترمذي في كتاب الشمائل من طريق
جميع بن عمير بن عبد الرحمن العجلي حدثني رجل من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا
عبدالله سماه غيره يزيد بن عمر عن ابن لأبي هالة عن الحسن بن علي قال سألت خالي فذكره،
ورواه الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل عن أبي عبدالله الحاكم النيسابوري فذكره من طريق
آخر عن الحسن قال سألت خالي هند بن أبي هالة فذكره. قلت: وفيه جميع بن عمير قال الحافظ
ابن حجر ضعيف ونقل الذهبي في الميزان عن أبي داود قوله أخشى أن يكون كذاباً ثم قال
ووثقه ابن حبان.
(١) هو الفصل الخامس والثلاثون في تصنيف أبي نعيم.

٦٢٨
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٥
عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال سألتُ خالي هند بن أبي هالة
التميمي وكان وصَّافاً عن حِلية النبيِ وََّ، وإني أشتهي أن يصفَ لي منها
شيئاً أتعلَّقُ به، فقال: كان رسول الله وَِّ فخماً مُفخَّماً، يتلألأ وجهُه تلألؤَ
القمر ليلة البدر، أطولُ من المربوع، وأقصرُ من المَشَذَّب(١)، عظيمُ
الهامة، رَجِلُ الشعر إن انفرقت عَقيصتَه فرق وإلا فلا، يجاوزُ شعره شحمةً
أذنيه إذا هو وفره، أزهرُ اللون(٢)، واسعُ الجبين، أزجُ الحَواجب سَوابغ في
غير قَرٍَ، بينهما عِرق يدرُّه الغضب، أقْنى العِرْنِين له نورٌ يعلوه، يحسبُه
من لم يتأملُه أشَم، كثُّ اللحية، سهلُ الخدّين، ضَليعُ الفَم، أشنب،
مُفْلّجُ الأسنان، دقيقُ المَسْربة، كأن عنقَه جيدُ دمية في صفاءِ الفضة،
معتدلُ الخلق، بادنٌ متماسِكٌ، سواءُ البطن والصَّدر، عريضُ الصدْر، بعيدُ
ما بين المِنكبين، ضخمُ الكَراديس، أنوَرُ المُتَجَرَّد(٣)، موصولٌ ما بين
اللَّة(٤) والسُرَّة بشعرٍ يجري كالخَطّ، عاري الثَّديين والبطن مما سوى
ذلك، أشعرُ الذّراعين والمَنْكِبين(٥) وأعالي الصدر، طويلُ الزَّنَّدين، رحبُ
الراحة، سَبْطُ القَصَبِ شَئنُ الكفين والقدمين، سائلُ الأطراف(٦)، خُمْصَانُ
الأخْمَصَيْن، مسيحُ القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زالَ قَلْعاً(٧)، يخطو
تَكفِّيّاً، ويمشي هوناً، ذَريعُ المِشيةَ، إذا مشى كأنما ينحطَّ من صَبَبٍ، وإذا
التفتَ التفتَ جميعاً، خافِضُ الطرف، نظرهُ إلى الأرضِ أطولُ من نظره
إلى السماء، جلُّ نظرهِ الملاحظة، يسوقُ أصحابَه، يبدأ من لقي بالسلام.
(١) سيأتي تفسير الغريب في آخر الحديث وسنقتصر هنا على تفسير ما لم يفسّر.
(٢) أزهر اللون: أبيض مشرق.
(٣) أنور المتجرد: مشرق الجسد.
(٤) اللبة: موضع القلادة من العنق.
(٥) المنكب: مجتمع رأس العضد والكتف.
(٦) سائل الأطراف: ممتدها، طويلها.
(٧) أي: قالعاً لرجله من الأرض.

٦٢٩
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٥
قلت: صفْ لي منطقه؟ قال: كان ﴿ متواصلَ الأحزانِ، دائمَ
الفِكرةِ، ليست له راحة، لا يتكلمُ في غير حاجة، طويلَ السكوت، يفتحُ
الكلامَ ويختُمه بأشداقِهِ، ويتكلمُ بجوامعِ الكَلِم، [ كلامه ](١) فصلٌ لا
فُضول ولا تَقصير، دمِثٌ ليس بالجافي ولا المهين، يعظّم النعمة وإن دَقَّت،
لا يَذُمّ منها شيئاً، لا يَذُمٌ ذَوَاقاً(٢)، ولا یمدحه، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان
لها، وإذا تُعوطيَ الحق لم يعرفه أحد (٣)، ولم يقم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر
له، لا يغضبُ لنفسه، ولا ينتصرُ لها، إذا أشار أشار بكفّه كلها، وإذا
تعجّب قلبها، وإذا تحدَّث اتصل بها، فيضرب بباطن راحتهِ اليمنى باطنَ
إبهامه اليسرى، وإذا غضِبَ أعرَض وأشاحَ، وإذا فرِحِ غَضَّ طَرفه، جُلُّ
ضحكه التبسّم، ويَفْتَرّ عن مثلِ حبّ الغمام.
قال فكتمتها الحسينَ زماناً، ثم حدثته، فوجدته قد سبقني إليه،
فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مَدخَلهِ ومخرجه وشكلِه فلم
يَدْ منه شيئاً.
قال الحسين: سألتُ أبي عن دُخولِ رسولِ الله وَّل .
فقال: كان دخولُ رسول الله وَلّ لنفسه مأذوناً له في ذلك، فكان إذا
آوى إلى منزله جزأ دخولَه ثلاثة أجزاء، جزء الله عز وجل، وجزء لأهله،
وجزء لنفسه، ثم جزأ جزءَه بينه وبين الناس، ويرد ذلك إلى العامة (٤) ولا
يدَّخر عنهم شيئاً، فكان من سيرته في جزءٍ الأمة: إيثارُ أهلِ الفَضْل بإذنه
وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو
(١) ما بين الحاصرتين من الشمائل.
(٢) الذواق: المأكول والمشروب.
(٣) في شمائل الترمذي ((فإذا تُعُدِّيَ الحق لم يقم لغضبه شيء)).
(٤) في الشمائل ((فيرد ذلك بالخاصة على العامة)).

٦٣٠
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٥
الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم [ ويشغلهم ](١) فيما
أصلحهم والأمة من مسألتهم عنه، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول
(ليبلّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلغوني حاجةً من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه
من أبلغَ سلطاناً حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبّت الله قدَميه يوم القيامة))
ولا يُذكَر عنده إلا ذاك، ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون رواداً ولا يفترقون
إلا عن ذَوَاق(٢)، ويخرجون أدِلَّة(٣).
قال: فسألته عن مَخْرَجِه كيف كان يصنع فيه؟
فقال: كان رسولُ الله ﴿ ﴿ يخزن لسانَه إلا مما يعنيهم (٤) ويؤلّفُهم ولا
يفرّقهم، أو قال: ينفّرهم، ويكرمُ كريمَ كلِّ قوم ويُوَلّيه عليهم، ويحذّر
الناسَ ويحترِسُ منهم من غير أن يطوى عن أحد بِشْره ولا خُلُقه، يتفقد
أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويُحسِّن الحسنَ [ ويُقويه ](٥)
ويقبح القبيح ويُوهِنه، معتدلُ الأمر غير مختلف، لا يغفُل مخافة أن يغفُلوا
أو يميلوا، لكل حالٍ عنده عَتَاد، لا يقصّر عن الحقِّ ولا يجاوِزُه، الذين
يلونه من الناس خِيارُهم، أفضلهم عنده أعمُّهم نصيحة، وأعظمُهم عنده
منزلة أحسنَهم مواساة ومؤازرة.
فسألته عن مجلسه؟ فقال: كان رسول الله وَل﴿ لا يجلسُ ولا يقوم إلا
على ذِكرٍ، ولا يُوطِّنُ الأماكن وينهى عن إيطانِها، إذا انتهى إلى قومٍ جلسَ
حيث ينتهي به المجلس، ويأمرُ بذلك، ويعطي كلَّ جلسائه بنصيبه، لا
(١) ما بين الحاصرين من الشمائل.
(٢) الذواق: الطعام والشرب، والمعنى هنا أنهم لا يتفرقون إلا عن علم وأدب يتعلمونه، يقوم
لأنفسهم وأرواحهم مقام الطعام والشراب لأجسامهم.
(٣) أدلة: مفردها دليل، أي فقهاء يدلون غيرهم إلى الهدى والعلم.
(٤) في الشمائل ((يعنيه)).
(٥) ما بين الحاصرين من الشمائل.

٦٣١
ح / ٥٦٥
الفصل الحادي والثلاثون
يحسِب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو فاوضه(١) في حاجةٍ
صابره حتى يكونَ هو المنصرف، ومن سأله حاجةً لم يردّه إلا بها أو بمْسورٍ
من القول، قد وسِعَ الناسَ بسطُه وخلقه فصارَ لهم أباً وصاروا عنده في
الحق سواء، مجلسه مجلسُ حِلمٍ وحياءٍ وصبرٍ وأمانةٍ ، لا تُرفع فيه الأصوات
ولا تُؤْبَنُ فيه الحُرَم، ولا تُثَنّى فلتاته، متعادِلين يَتفاضلون فيه بالتقوى،
متواضعين يوقرون الكبيرَ، ويرحمون الصغيرَ، ويؤثرون ذوي الحاجة،
ويحفظون الغريب.
قال: قلت كيف كانت سيرته في جلسائه؟.
قال: كان رسول الله وَِّ دائمَ البشر، سهلَ الخلق، ليّنَ الجانب،
ليس بفظًّ ولا غليظ، ولا صَخَّابٍ في الأسواقِ، ولا فخَّاش، ولا عيَّاب،
ولا مزّاح، يتغافَلُ عما لا يشتهي، ولا يونس منه [ راجيه ](٢) ولا يخيب
فيه، قد تَرَك نفسَه من ثلاث: المراء، والإِكثار(٣)، وما لا يعنيه؛ وتركَ
الناسَ من ثلاث: كان لا يذمُّ أحداً، ولا يعيّره، ولا يطلُب عورته، ولا
يتكلم إلا فيما رجا ثَوابه، إذا تكلم أطرق جُلساؤه، كأنما على رؤوسهم
الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده [ الحديث ](٤)، من تكلّم
أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوَّلهم، يضحك مما يضحكون
منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجَفْوَة من منطقه
ومسألته، حتى إن أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالبَ حاجةٍ
(١) في الأصل ((قاومه)) فصححناه من الشمائل.
(٢) ما بين الحاصرين من الشمائل.
(٣) في الشمائل ((والإِكبار)).
(٤) ما بين الحاصرين من الشمائل.

٦٣٢
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٥
يطلُبها فأرشدوه، ولا يقبل الثناء إلا مِن مُكافىء، ولا يقطع على أحد حديثه
حتى يَجُوزَ، فيقطعه بنهي أو قيام.
قال، قلت: كيف كان سكوتُ رسول الله ◌ِ﴾؟
قال: كان سكوته وَير على أربع، على الحِلم، وعلى الحذر،
والتقدير، والتفكر؛ فأما تقديره: ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس،
وأما تذكره: أو قال تفكره، ففيما يبقى ويفنى(١) وجُمعَ له الحلم في
الصبر، فكان لا يُغضبه شيء ولا يستفزّه، وجُمع الحذر في أربع: أخذه
بالحَسَن ليُقتدى به، وتركه للقبيح ليُتناهى عنه، واجتهادُ الرأي فيما أصلح
أمته(٢)، والقيامُ فيما يجمعُ لهم الدنيا والآخرة.
حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن عبد العزيز قال سمعت أبا عبيد القاسم بن
سلّام يقول:
المُشَذَّب: المفرطُ في الطول وكذلك هو في كل شيء، قال جرير:
ألوي بها شذب العروق مُشَذَّب فكأنما وَكَنْتُ على طربال
قوله رجل الشعر: الذي ليس بالسبط الذي لا تكسُّرَ فيه [ ولا ](٣)
القطط الشديد الجعودة، يقول هو جعد بين هذين.
والعَقيصَة: الشعرُ المعقوص وهو نحو من المظفور(٤)، ومنه قول
عمر رضي الله عنه ((من لَبَّدَ أو عَقَصَ أو ظَفَر فعليه الحلق)).
وقوله أُزج الحواجب سوابغ: الزّجج في الحواجب: أن یکون فيها
(١) في الأصل ((يتقي ويعني)) فصححناه من كنز العمال.
(٢) كذا ولعل الصواب ((يصلح أمته)).
(٣) ما بين الحاصرين من زياداتنا ليستقيم المعنى، ولعله من سقط النساخ.
(٤) أي: المضفور.
:
:

ح / ٥٦٥
الفصل الحادي والثلاثون
٦٣٣
تَقَوّس مع طول في أطرافها، وهو السبوغ فيها، قال جميل بن معمر:
إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوماً وزجَّجْن الحواجِبَ والعُيونا(١)
وقوله في غير قرن: القرن التقاء الحاجبين حتى يتصلا، يقول ليس
هو كذلك، ولكن بينهما فُرجة، يقال للرجل إذا كان كذلك أَبْلَج، وذكر
الأصمعي أن العرب تستحبُّ هذا.
وقوله بينهما عرق يدره الغضب: يقول، إذا درّ العرق الذي بين
الحاجبين، ودُروره: غلظه ونتؤوه وامتلاؤه.
قوله أقنى العِرْنِين: يعني الأنف يكون فيه دقة مع ارتفاع في قصبته،
يقال منه رجل أقنى وامرأة قَنياء.
والأشَمّ: أن يكون الأنف لا قناً فيه(٢)
وقوله كث اللحية: الكثوثة أن تكون اللحية غير دقيقة ولا طويلة،
ولكن فيها كثافة من غير عِظَم ولا طول.
وقوله ضليع الفم: أحسبه يعني خلة في الشفتين(٣).
وقوله أشْنَب: الأشنب هو الذي في أسنانه رقة وتحدد، يقال منه
رجل أشنب وامرأة شنباء. ومنه قول ذي الرمة:
لمياءُ في شفتيها حوَّة لعس وفي الثنايا وفي أنيابها شَنَبُ
والمُفَلَّج: الذي في أسنانه تفرّق.
(١) أي: زججن الحواجب وكحلن العيون.
(٢) القنا في الأنف: ارتفاع وسط قصبته وضيق منخريه.
(٣) فقد كانت شفتا رسول الله فيهما ذبول ورقة وحسن.

٦٣٤
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٥
والمسرُبَة: الشعر بين اللبة إلى السرة، شعر يجري كالخط. قال
الأعشى(١):
الآن لما ابيَضَّ مَسرُبتي وعضضتُ من نابي على جَذم
وقوله جِيدُ دُمية: الجيدُ: العنق، والدمية: الصورة.
وقوله ضخم الكراديس: اختلف الناس في الكراديس فقال بعضهم:
هي العظام، ومعناه أنه عظيم الألواح، وبعضهم يجعلُ الكرادیس رؤوس
العظام، والكراديس في غير هذا: الكتاب(٢).
الزندان: العظمان اللذان في الساعدین المتصلان بالکفین، وصفه
بطول الذراع.
سَبْطِ القَصَب: القصب: كل عَظْم ذي مخ، مثل العضدين
والذراعين، وسبوطها: امتدادها، يصفه بطول(٣) العظام.
وقوله شَئنُ الكفين والقدمين: يريدان: فيهما بعض الغلظ.
والأخمص من القدم: في باطنها ما بين صدرها وعقبها وهو الذي لا
يلصق بالأرض من القدمين في الوطء.
قال الأعشى يصف امرأة بإيطائها في المشي.
كأن أخمَصَها بالشوكِ مِنْتَعِلُ
وقوله خمصان الأخمصين: يعني أن ذلك الموضع من قدميه في
تجافٍ عن الأرضِ وارتفاع، وهو مأخوذ من خموصَةِ البطن، وهي ضُمرة،
ومنه يقال رجل خُمْصَان وامرأة خُمْصانة.
(١) نسبه في لسان العرب إلى الحارث بن وعلة الذهلي.
(٢) كذا، ولعله ((الكتائب)) ففي لسان العرب ((الكراديس: كتائب الخيل)).
(٣) في الأصل ((طول)) ولعل الصواب ما أثبتناه.

٦٣٥
ح / ٥٦٥
الفصل الحادي والثلاثون
وقوله مسيح القدمين: يعني أنهما متساويتان ملساوان ليس في
ظهورهما تكسر، ولهذا قال: ينبو عنهما الماء، يعني أنه لا ثبات للماء
عليهما .
وقوله إذا خطا تكفأ: يعني التمايل، أخذه من تكفي السفن.
وقوله ذريع المشية. يعني واسع الخطا.
كأنما ينحط من صبب: أراه يريد أنه مقبل على ما بين يديه، غاضّ
بصَره، لا يرفعه إلى السماء، وكذلك يكونُ المنحط، فسره فقال خافض
الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء.
وقوله إذا التفت التفت جميعاً: يريد أنه لا يلوي عنقه دون جسده
فإن فيه بعض الخِفَّة والطيش.
وقوله دمث: وهو اللين السهل، ومنه قيل للرجل دمث، ومنه
حديث: أنه كان إذا أراد أن يبول ويسير مال إلى دمث.
وقوله أعرض وأشاح، الإشاحة: الجد وقد یکون الحذر.
وقوله يفتر عن مثل حب الغمام. الافترار: أن تُكشّر الأسنان ضاحكة
من غير قهقهة، وحب الغَمامِ : الْبَرَد، شبه به بياض أسنانه.
قال جرير:
تُجري السواكَ على أغرّ كأنه بَرَدٌ تَحَدَّرَ مِن مُتونِ غَمَامِ
وقوله يدخلون رواداً. الرواد: الطالبون، واحِدُهم رائد، ومنه قولهم
((الرائدُ لا يَكْذِبُ أهله)).
وقوله لكل حال عنده عتاد: يعني عدة قد أعدَّ له.
لا يوطن الأماكن: أي لا يجعلُ لنفسه موضعاً يُعرفُ، إنما يجلس

٦٣٦
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٦
حيث ينتهي به المجلس، ومنه حديثه وَ لَه ((نهى أن يُوَطِّنَ الرجلُ المكانَ
كما يُوطّن البعير)).
وقوله لا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ: يقول لا يوصف فيه النساءُ، ومنه حديثه وَ ال
أنه نهى عن الشِّعْر إذا أبنت فيه النساء.
قال أبو عبيدة ثنا أبو إسمعيل المؤدّب عن مجالد عن الشعبي قال:
كان رجال في المسجد يتناشدون الشعر فأقبل ابن الزبير فقال: أفي حرم
الله وعند بيت الله تتناشدون الشعر؟. فقال رجل من أصحاب رسول
الله {آل﴾ ليس بك بأس يا ابن الزبير إن لم تفسد نفسك، إنما نهى رسول
الله وَلّ عن الشِّعر إذا أبنت فيه النساء، أو تُروى فيه الأحوال.
وقوله لا تنثى فلتاته: الفلتات السقطات يتحدث بها، يقال نَثَوْت
أنثو، والاسم منه النثا، وهذه الهاء التي في فلتاته، راجعةٌ على المجلس،
ألا ترى إلى صدر الكلام أنه سأله عن مجلسه، ويقال أيضاً: إنه لم يكن
لمجلسه فَلَتات يحتاجُ أحد يحكيها، فلتاته يريد: فلتات المجلس [ لا
يحدث ](١) بها بعضهم عن بعض.
٥٦٦ - حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن عبدة المصيصي من كتابه وما
أثبتناه إلا عنه قال ثنا صبيح بن عبدالله أبو محمد الفرغاني قال ثنا عبد العزيز بن عبد
الصمد العمي عن جعفر بن محمد عن أبيه، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي
الله عنها قالت:
كان من صفة رسول الله وقيل أنه لم يكن بالطويل البائن ولا المُشَذَّب
(ح/٥٦٦) قال في الخصائص ١٦٩/١ أخرجه ابن خيثمة في تاريخه والبيهقي وابن عساكر
أ. هـ. قال ابن كثير في الشمائل ٥٥ ورواه الحافظ البيهقي من طريق صبيح بن عبدالله
الفرغاني وهو ضعيف عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن جعفر بن محمد عن أبيه وهشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة.
(١) ما بين الحاصرين من زياداتنا ليستقيم المعنى.

٦٣٧
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٦
الذاهب - والمُشَذَّبُ: الطويلُ نفسه، إلا أنه الطّويلُ النحيفُ - ولم
يكن ◌َ﴿ بالقصير المتردّد، فكان يُنسب إلى الرَّبْعة إذا مشى وحده، ولم
يكن على ذلك يُماشيه أحد من الناسِ يُنسب إلى الطول إلا طالَه رسولُ
الله وَُّ، ولربما ماشى الرجُلين الطويلين فيطولُهما رسولُ اللهِوَ، وإذا
فارقاه نُسِبا إلى الطول، ونسب رسول الله وَلَ إلى الرَّبعة، ويقول وَلَيه
((جُعِلَ الخَيْرُ كله في الرّبعة)) وكان لونه ◌َّ ليس بالأبيض الأَمْهَق -
والأمْهَقُ: الشديدُ البياض الذي [ لا](١) يضرب بياضُه إلى الشَّهَبَة - ولم
يكن بالآدم، وكان أزهر اللون - والأزهر: هو الأبيضُ الناصعُ البياض الذي
لا يشوبُه صفرةٌ ولا حمرةٌ ولا شيء من الألوان. وقد نُعِتَ بعض نعته
بذلك، ولكن إنما كان المشرب حمرةً ما ضَحَى منه للشمسِ والرياح، وما
كان تحت الثياب فهو الأبيضُ الأزهر، لا يشك فيه أحد ممن وصفه بأنه
أبيض أزهر، فمن وصفه بأنه أبيض أزهر، فعنى ما تحت الثياب فقد
أصاب، ومن وصف ما ضحى منه للشمس والرياح بأنه أبيض مشرب
بحمرة فقد أصاب، ولونه الذي لا يُشَكّ فيه البياضُ الأزهر، وإنما الحُمْرَة
من قِبَل الشمس والرياح - وكان عرقُه في وجهه مثلَ اللؤلؤ، أطيب من
المسك الأذْفَرِ، وكان ◌ََّ رَجِلَ الشَّعْرِ حَسَنَه، ليس بالسَّبْط ولا الجَعْد
القَطِط، وكان إذا امتشط بالمشط كأنه حُبُك الرمال، وكأنه المتون التي في
الغُدُر إذا صفقتها الرياح، وإذا نكته بالمِرْجَلِ (٢) أخذ بعضُه بعضاً وتحلَّق
حتى يكون مُتحلقاً كالخواتيم، وكان من أول أمره قد سَدَل ناصِیته بين
عينيه، كما تُسدَل نواصي الخيل، حتى جاءه جبرئيل عليه السلام بالفَرْقِ
فَفَرَق، وكان شعرُه عليه السلام يضربُ منكبيه، وربَّما كان إلى شحمة
(١) كلمة (لا)) من زيادتنا ليستقيم المعنى.
(٢) المرجل: المشط.

٦٣٨
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٦
أذنيه، وكان ربما جعله غَدائر تخرج الأذُّن اليمنى من بين غَدِيرَتين
تكتنفانها، وتخرُج الأذن اليسرى من بين غديرتين تكتنفانها، ينظرُ مَن كان
يتأملُهما من بين تلك الغَدائر كأنهما توقَّدُ الكواكبُ الدُّرّيّة بین سواد شعره،
وكان أكثر شيبه وَ ل﴿ في الرأس، في فودَيْ رأسه - الفُودان حُرْفا الفرق - كان
أكثرُ شيبه في لحيتِه حولَ الذقن، وكان شيبهُ وَل﴿ كأنه خيوطُ الفضة، يتلألأ
بين ظهرَي سوادِ الشعر الذي معه، فإذا مُسَّ ذلك الشيب بصُفْرة - وكان وَله
كثيراً ما يفعل ذلك - صارَ كأنه خيوطُ الذهب يتلألأ بين ظهري سواد الشعر
الذي معه. وكان ◌َّ أحسنَ الناس وجهاً، وأنورهم لوناً، لم يصفه واصفٌ
قط بمعنى صفته إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر، يقول: هو أحسنُ في
أعين الناس من القمر، يُعرف رِضاه وغضبُه في سِرَارٍ (١) وجهه، كان ◌َلـ
إذا رضي أو سُرّ فكأن وجهَه المرآة، وإذا غضب تلوّن وجهه ◌َّۇ واحمرت
عيناه، وكان ◌َ لّ إذا رضي كما وصفه صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله
عنه :
أمينٌ مصطفى للخير يَدعو كضوءِ البدرِ زايَلَه الظلامُ
فيقول الناس: كان ◌َّ كذلك، وكان عمر بن الخطاب رضي الله
عنه كثيراً ما ينشد قولَ زهير بن أبي سُلمی :
لو كنتَ مِن شيءٍ سوى بَشَرٍ كنت المنوّر ليلةَ البدرِ
فيقول من سمعه: كذلك كان ◌َله .
وقالت عمتُه عاتكة بنت عبد المطلب بعدما سار من مكة مُهاجراً
فجزِعَتْ عليه:
(١) السرار: الخط في الجبهة والوجه.

ح / ٥٦٦
الفصل الحادي والثلاثون
٦٣٩
على المصطفى كالبدرِ مِن آلٍ هاشم
عينيّ جُودا بالدُّموعِ السَّواجم
وللدّين والدّنيا مقيم المعالم
على المُرتَضى للبرِّ والعَدل والتَّقى
وذي الفضلِ والداعي لخير التَّراجم
على الصادق المیمونِ ذي الحلم والنُّھی
فشّبَّهته بالبدر، وقد نعتته بهذا النعت ووفقت(١) له لِما ألقى الله عز
وجل من محبته في الصدور، وإنها لعلى دين قومِها، وكان ◌َّ أجلى
الجبين، إذا طلَع جبينه من بين الشعر أو اطلع من فلقٍ أو عند طَفَلِ
الليل(٢)، أو اطلع وجهُه على الناسِ يرى وجبينُه كأنه ضوءُ السراج الموقد
يتلألأ، وكانوا يقولون هو ختم قمر(٣)، وكان وَّ سهلَ الخدّين صلتهما -
الصَّلت الخدّ، هو: الأسيل الخد، المستوي، الذي لا يفوت بعضُ لحم
بعضه بعضاً - ليس بالطويل الوجه ولا بالمُكلْثَم (٤)، كَثّ اللحية - والكثّ
الكثير منابت الشعر - وكانت عَنْفَقَته(٥) بِ بارزة، فَنِيكاه حول العَنْفَقَة
كأنهما بياض اللؤلؤ، بأسفل عَنْفَقَتِه شعرٌ منقاد حسنة يقع انقيادهما على
شعر اللحية، حتى يكون كأنه منها - والفنيكان مواضع الطعام(٦) حول
العنفقة من جانبيها جميعاً - وكان ◌َّ أحسنَ عبادِ الله ◌ُنُقاً، لا يُنسب إلى
الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة،
مشؤِّب ذهباً، يتلألأ في بياض الفضة وحُمرة الذهب، وما غيََّته الثياب من
عنقه، وما تحتها، فكأنه القمر ليلة البدر، وكان ◌َّ عريض الصَّدر موصولَ
(١) في الأصل ((وقفت)) ما أثبتناه هو الصواب والله أعلم.
(٢) طفل الليل: اشتداد ظلامه .
(٣) ختم قمر: القمر ليلة البدر.
(٤) الوجه المكلثم: القصير الحنك الداني الجبهة، المستدير مع خفة اللحم.
(٥) العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى.
(٦) في الأصل ((مواضع الطعام)) وما أثبتناه هو الصواب والفنيكان: هما العظمان الناشزان أسفل
الأذنين بين الصدْغ والوجنة .

٦٤٠
الفصل الحادي والثلاثون
ح / ٥٦٦
ما بين لُبَّتِه إلى سُرَّته بشعرٍ مُنقاد [ كالقضيب ](١) لم يكن في صدره ولا
بطنه شعرٌ غيره، وكان ◌َِّ رحبَ الراحة سائلَ الأطراف كأن أصابعه قضبان
[ الفضة](٢) وكانت كفه ◌َّ ﴿ ألين من الخَزّ، وكأن كفه كف عطار، طيباً،
مسَّها بطيبٍ أو لم يمسَّها به، يصافحه المصافح فيظل يومه يجدُ ريحها،
ويضعها على رأس الصبي فُيُعرف من بين الصبيان، جميل ما تحت الإِزار
من الفخذين والساقين، معتدل الخلق، إذا مشى كأنما يتقلَّع ويتصبب في
صَبَب، يخطو تَكفِّياً، ويمشي الهُوَيْنا بغير تبختر، يقارب الخطى والمشي
على الهيبة، يبدر القومَ إذا مشى إلى خيرٍ أو سارع إليه، ويسوقُهم إذا لم
يسارع إلى [ شيء ](٣) مشيه الهُوينا(٤).
وكان يقول ومثله: أنا أشبه الناس بأبي آدم عليه السلام، وكان
إبراهيم عليه السلام أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقً.
آخر ما انتسخت من كتاب دلائل النبوة، والحمد لله رب العالمين
وصلواته على خير خلقه سيدنا محمد النبي وآله وأصحابه أجمعين وسلم
تسليماً كثيراً مباركاً طيباً كما هو أهله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم الکتاب
والحمد لله رب العالمين
(١و ٢) ما بين الحاصرين من دلائل البيهقي.
(٣) ما بين الحاصرين من دلائل البيهقي .
(٤) الهوينا: تقارب الخطى.