Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
ح / ٤٤٩
الفصل الخامس والعشرون
الفرج ثنا محمد بن عمر الواقدي حدثني ابن أبي سُبرة عن موسى بن سعيد عن
العِرْباض بن سارية قال:
كنتُ ألزَمُ باب رسول الله وَّر في الحضر وفي السفر، فرأينا ليلة نحنُ
بتبوك قد بُلينا بحاجة، ورجعنا إلى منزل رسول الله وي ليه وقد بعثني ومن عنده
من أضيافه، ورسول الله وَيه يريد أن يدخل قُبَّتَه ومعه زوجته أمُّ سَلَمة، فلما
طلعتُ عليه قال: أين كنت منذ الليلة، فأخبرته، فطلع جُعالُ بن سُراقة(١)
وعبدالله بن مُغَفَّل المزني، فكنا ثلاثة كلنا جياع، إنما نعيش بباب
النبيِ وَ ﴿، فدخل رسولُ الله ◌َّ وطلب شيئاً نأكله، فلم يجده، فخرج إلينا
فنادى بلالاً ، يا بلال هل من عشاء لهؤلاء النَّفر؟ قال: والذي بعثك بالحق
نفضنا جُرُبَنا وحَميتَنا (٢) قال: انظر عسى أن تجدَ شيئاً، فأخذ الجُرُبَ
ينفضُها جِراباً جِراباً، فتقع التمرةُ والتمرات، حتى رأيت في يده سبعَ
تمرات، ثم دعا بصحفة فوضع التمر فيها، ثم وضع يده على التمرات،
فسمى الله، فقال: كلوا بسم الله، فأكلنا فأحصيت أربعاً وخمسين تمرة
أعدها عداً ونواها في يدي الأخرى، وصاحباي يصنعان مثل ما أصنع
فشبعنا، فأكل كلّ واحد منا خمسين، ثم إذا رفعنا أيدينا إذ التمرات السبع
كما هي، فقال: يا بلال إِرفعها، فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل منها شبعاً،
قال: فبينا نحن حول قُبة النبي ◌َّه وكان يتهجد من الليل، فقام تلك الليلة
يصلي، فلما طلع الفجر قام وركعَ ركعتي الفجر، فأذن بلال وأقام، فصلى
رسول الله وَ﴾ بالناس، ثم انصرف إلى فِناء قبته فجلس، وجلسنا حوله،
فقال رسول الله وَلجه: هل لكم في الغداء؟ قال العربْاضُ: فجعلت أقول
في نفسي أي غداء؟ فدعا بلالاً بالتمراتٍ، فوضع يده عليهن في الصَّحفَة
(١) ويسمى أيضاً ((جبيل بن سراقة)) كما في القاموس والاستيعاب.
(٢) الحميت: الزق يوضع فيه السمن.

٥٢٢
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٥٠ - ٤٥١
ثم قال: كلوا بسم الله، فأكلنا - والذي بعثه بالحق - حتى شبعنا، وإنَّا
لعشرة، ثم رفعوا أيديهم منها شبعاً، وإذ التمرات كما هي، فقال رسول
الله ◌َل لولا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نَرِدَ المدينة
من آخرنا، فطلع عليهم غلامٌ، فأخذ رسول الله و له التمراتِ بيده فدفعها
إليه، فولى الغلام يلوكهن.
٤٥٠ - حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبلٍ قال
حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدي وروح قالا ثنا مالك عن أبي الزبير عن أبي الطّفيل
عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره:
أنهم خرجوا مع رسول اللهِوَ لَّ إلى تبوك، وكان النبيص ◌َ لّ يجمعُ بين
الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعاً، ثم قال: إنكم ستأتون إن شاء
الله غداً عین تبوك وإنکم تأتونها حین یضحی النهار، فمن جاءها فلا يمسّ
من مائِها شيئاً حتى آتي، فجئنا، وقد سبق إليها رجلانٍ، والعينُ مثل
الشراك تبض بشيء من مائها فسألهم(١) رسول الله صل ى: هل مسستما من
مائِها شيئاً؟ قالا: نعم، فسبَّهما رسولَ الله وَّهِ، وقال لهما ما شاءَ الله أن
يقول، فاغترفوا من العين بأيديهم قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، ثم
غسل رسول الله وَّر فيه وجهَه ويديه، ثم أعاده فيها، فجرت العينُ بماءٍ
كثيرٍ، فاستقى الناسُ، ثم قال رسول الله وَّهِ: يوشك يا معاذُ إن طالت بكَ
حياةٌ أن ترى ها هنا ماءً(٢) قد ملأ جناناً.
٤٥١ - حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى قال ثنا أحمد بن محمد
(ح / ٤٥٠) أخرجه مسلم في صحيحه ٦٠/٧ والبيهقي في الدلائل ٦٤/٢ وأحمد ٢٣٨/٥.
(ح/٤٥١) أخرجه ابن إسحاق ٥٢٢/٢ مرسلاً.
(١) في مسلم ((فسألهما رسول الله)).
(٢) في مسلم (أن ترى ما ها هنا قد ملىء جنان)). نقول: ومن يزور تبوكاً اليوم يجد هذه
المنطقة كلها جناناً تعمها الخضرة والبساتين وتتفجر منها المياه. وصدق رسول الله ◌َطير.

٥٢٣
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٥٢ - ٤٥٣
ابن أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحق عن عبدالله ابن أبي بكر بن عياش(١)
ابن سهل قال:
أصبحَ الناسُ ولا ماءَ معهم فشكوا إلى رسول الله وَ ◌ّر فدعا الله عز
وجل، فأرسلَ سحابةً فأمطرت حتى ارتوى الناسُ واحتملوا حاجتهم من
الماء .
٤٥٢ - وحدثنا محمد بن أحمد بن حمدان قال ثنا الحسن بن سفيان ثنا حرملة
ابن يحيى ثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث عن ابن أبي هلال عن عتبة
ابن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبدالله بن عباس أنه قال:
قيل لعمر بن الخطاب حَدِّثْنا من شأن ساعة العسرةِ قال عمر:
خرجت مع رسول الله وَل﴿ إلى تَبوك في قيظٍ شديدٍ، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه
عطشٌ، حتى ظننا أن رقابنا تنقطع، حتى أن كان الرجلُ لينحرَ بعيره فيعصر
فَرْثَه(٢) فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول الله،
إن الله عز وجل قد عوَّدك في الدعاء خيراً، فادع لنا ربَّك قال: أتحبُّ
ذلك؟ قال: نعم، فرفع يديه، فلم يُرجعهما حتى قالت السماءُ فأظلَّت ثم
سكَتَ، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظُر فلم نجدْها جاوَزَتْ العَسْكر.
٤٥٣ - وحدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى المروزي ثنا أحمد بن
(ح/ ٤٥٢) أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في الزوائد رقم ١٧٠٧ والحاكم وصححه
والبيهقي ٦٣/٢ - مخطوط حلب - انظر الخصائص ١٠٥/٢ - قال في مجمع الزوائد ١٩٥/٦
ورواه الطبراني في الأوسط والبزار ورجال البزار ثقات.
(ح/ ٤٥٣) أخرجه ابن إسحق في السيرة ٥٢٢/٢ عن عبدالله بن أبي بكر عن عباس بن
سهل بن سعد الساعدي وأخرجه البيهقي ٦٤/٢ - مخطوط حلب - من طريق ابن إسحاق لكن
قال عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي أو عن العباس عن سهل بن سعد الشك مِنِّي
فذكره، وأخرجه ابن إسحاق في المغازي من حديث عباس بن سهل - ر: فتح الباري ٨٧/٤ -
قلنا: الحديثُ عند البخاري من طريق عباس ابن سهل الساعدي عن أبي حميد الساعدي - ر:
فتح الباري ٨٧/٤ -.
(١) الصواب ((عن عباس بن سهل)).
(٢) الفرث: بقايا الطعام في الكرش.

٥٢٤
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٥٤
محمد بن أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: فذكر لنا الزهري،
ويزيد بن رومان، وعبدالله بن أبي بكر، وعاصم بن عمرو بن قتادة، وغيرهم من
علمائنا، قالوا :
٠
كان رسول الله وَله حين مرَّ بالحِجْرِ نزلها، واستقى الناسُ من بئرها،
فلما راحوا منها قال رسولُ الله وَلّ للناس: لا تشربوا من مائِها شيئاً، ولا
تتوضأوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلِفوه الإِبل، ولا تأكلوا
منه شيئاً، وقال: لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحبُه، قال، ففعل
الناسُ ما أمرَهُم به رسول الله وَلَّ، إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج
أحدُهما لحاجته، وخرج الآخرُ في طلب بعيرٍ له، فأما الذي ذهب لحاجته
فخُنقِ على مَذْهَبِه، وأما الذي ذَهَب في طلب بعيره فاحتملته الريح،
وطَرحته بجبلي طيءٍ، فأخبر بذلك رسول الله و ﴿ فقال: ألم أنهكم أن
يخرُج رجلٌ إلا ومعه صاحبٌ له، ثم دعا للذي أُصيبَ على مَذْهبه فشفي،
وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيّءٍ، فإن طيِّئاً أهدَتْه لرسول الله وَّ حين قدم
المدينة .
قال الشيخ: وما ذكر الواقدي في هذه الغزوة من الدلائل(١):
٤٥٤ - ما أنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا
الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر:
أن عبد الله ذا البجَادَيْن من مُزَيْنة کان یتیماً لا مال له، ثم مات أبوه فلم
(ح/ ٤٥٤) قال في الخصائص ١١١/٢ أخرجه أبو نعيم من طريق الواقدي، وقال في
مجمع الزوائد ٣٦٩/٩ وأخرج البزار قصة دفنه في تبوك، وفيه عباد بن أحمد العرزمي وهو
متروك. وأخرجه ابن إسحاق في السيرة ٥٢٧/٢ من طريق محمد بن إبراهيم بن الحارث
التيمي، وهو ثقة، ولکنه مرسل.
(١) في الأصل بعد قوله: من الدلائل، العبارة التالية ((إن عبدالله ذا البجادين من مزينة))
فحذفناها لأنها كما يظهر من أخطاء النساخ.

ح / ٤٥٤
الفصل الخامس والعشرون
٥٢٥
يورثه شيئاً، وكان عمّه ميّلًا(١) فأخذه وكفله حتى كان قد أيسر، وكانت له
إبل وغنمٌ ورقيقٌ، فلما قدِم رسول الله وَّ المدينة جعلتْ نفسُه تتوق إلى
الإِسلام، ولا يقدر عليه من عمّه، حتى مضت السنون والمشاهدُ كلُّها،
فانصرف رسولُ الله وَله من فتح مكة راجعاً إلى المدينة، فقال عبدالله
ذو البِجَاديْن لعمّهِ: يا عم إني قد انتظرتُ إسلامك، فلا أراك تريد محمداً،
فأذَنْ لي في الإِسلام، فقال: والله لئن اتبعتَ محمداً لا أتركُ بيدك شيئاً
كنتُ أعطيتُك إلَّ نزعته منك، قال عبد العزى - وهو اسمه يومئذ - فأنا والله
متّع محمداً، وتاركٌ عبادةَ الحجر، هذا ما بيدي فخذه، فأخذ كل ما كان
أعطاه حتى جرَّده من إزاره، فأتى أمه فأعطته بجاداً لها [ فشق بجاده ](٢)
باثنين فاتزر بواحد، واتَّشح بالآخر، ثم أقبلَ المدينة، فاضطجع في
المسجد في السَّحر، ثم صلى رسولُ الله ◌َِّ، ثم جعل يتصفَّحُ الناسَ لما
انصرف من صلاة الصبح، فنظر إليه رسول الله و سير فقال: من أنت؟ قال:
أنا عبد العزى، قال: أنت عبدالله ذو البِجَادَيْن، ثم قال: أنزل مني قريباً،
فكان يكون من أضيافِه ﴿ ويعلمُه القرآن، حتى قرأ قرآناً كثيراً، والناسُ
يتجهزون إلى تَّبُوك، وكان رجلاً صيِّتاً، وكان يقومُ في المسجد فيرفعُ صوتَه
بالقراءة، فقال عمر: يا رسولَ الله ألا تسمعُ إلى صوتٍ هذا الأعرابي،
يرفع صوته بالقرآن، قد منع الناسَ القراءة، فقال رسول الله وَله: دعه يا
عمر فإنه خرجَ مهاجِراً إلى الله ورسوله.
فلما خرجوا إلى تبوك قال: يا رسول الله أدع لي بالشهادة، فقال:
أبغني لحاءَ شجرةٍ، فأبغاه لحاءَ شجرة، فربطها رسول الله وَلير على عضده
(١) أي ذو مال كثير.
(٢) ما بين الحاصرين أخذناه من سيرة ابن هشام ٥٢٧/٢ ليستقيم المعنى. والبجاد الكساء
الغليظ.

٥٢٦
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٥٥
وقال: اللهم إني أحرمُ دمَه على الكفار، فقال: يا رسولَ اللَّهِ ليس هذا
أردتُ، فقال رسولُ الله وَه إنك إذا خرجتَ غازياً في سبيل الله فأخذَتْك
حُمّى فقتلتك، فأنت شَهيد، أوْ وقَصَتْك دابتُك فأنتَ شهيد لا تبال بأيته
كان، فلما نزلوا تبوك أقاموا بها أياماً، ثم توفي عبدالله ذو البِجَادِيْن.
وكان بلالُ بن الحارث المزني يقول: فحضرتُ رسولَ اللهِ وَّر، ومع
بلال المؤذّن شعلةُ نارٍ عند القبر، وإذا رسول الله وَّر في القبر، وأبو بكر
وعمر يُدَلِّيانه إلى رسول الله وَّه وهو يقول: ادليا إليَّ أخاكُما، فلما هَيَّه
الشقه في اللَّحْد قال: اللهم إني أمسَيْتُ عنه راضياً فَارْضَ عنه، قال، فقال
ابن مسعود: يا ليتني كنتُ صاحبَ اللحد.
٤٥٥ - حدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى المروزي قال ثنا أحمد بن
محمد بن أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال:
ولما انتهى رسول الله وَ ﴿ إلى تبوك دعا خالد بن الوليد فبعثه إلى
أَكْدِرِ دُومَة(١) وهو: أكْدِر بن عبد الملك، رجل من كِنْدة وكان ملِكاً
عليها، وكان نصرانياً؛ فقال رسولُ اللهِ وَّ لخالد: إنك ستجده يصيدُ
البقَر، فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلةٍ مقمِرَة
(ح/ ٤٥٥) قال ابن حجر أخرجه ابن إسحاق في المغازي قال حدثنا يزيد بن رومان
وعبدالله بن أبي بكر فذكره وأخرج نحوه عن عروة في المغازي أيضاً من رواية ابن لهيعة عن أبي
الأسود عن عروة - ر: الإصابة ١٣٢/١ - وقال في موضع آخر رواه ابن منده في الصحابة من
طريق ابن إسحق، قال ابن منده: هذا مرسل وقد وقع لنا مسنداً فأخرجه من طريق أبي المعارك
السماح بن معارك بن مرة بن صخر بن بجير بن بجرة الطائي حدثني أبي عن جدي عن أبيه
بجير بن بجرة قال فذكر نحو القصة، قال ابن حجر: وأخرجه ابن السكن وأبو نعيم من هذا
الوجه وأبو المعارك وآباؤه لا ذكر لهم في كتب الرجال - ر: الإصابة ١٤٢/١ - وأخرجه البيهقي
٦٦/٢ - مخطوط حلب - من طريق ابن إسحاق قال أنا يزيد بن رومان وعبدالله بن أبي بكر أن
رسول الله﴿ بعث خالداً فذكره، وأخرجه ابن إسحاق في السيرة ٥٢٦/٢.
(١) أكيدر تصغير ((أكدر)) و((دومة)) بلد بين الحجاز والشام، وهي دومة الجندل.

ح / ٤٥٥
الفصل الخامس والعشرون
٥٢٧
صافيةٍ وهو على سطْح له، ومعه امرأته، فأتت البقر تحكّ بقرونِها بابَ
القصر، فقالت له امرأته: هل رأيتَ مثل هذا قط؟ قال: لا، ومن يترك
هذا؟ قالت: لا أحد، فنزل فأمر بفرسه فأسرج، وركبَ، ورکبَ معه نفرٌ
من أهلِ بيته، فيهم أخٌ له يقال له حسان، فركب، وخرجوا معه
بمطاريدِهم، فلما خرجوا تلقتهم خيلُ رسولِ الله وَلغيره، فأخذته، وقتلوا
أخاه حساناً، وقد كان عليه قَبَاءِ(١) له من الديباج مُخَوصٌ(٢) بالذهب،
فاستلبَه خالد فبعث به إلى رسول الله وَلير، ثم إن خالداً قدم بأكيدر على
رسول الله ﴿ فحقنَ له دمَه وصالحَه على الجزية، ثم خلَّى سبيله، فرجع
إلى قريته، فقال رجل من طيّء، يقال له بُجير بن بُجْرَة، يذكر قول رسول
اللّه ◌َليّ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، وما صنع البقرُ تلك الليلة؟ حتى
استخرجه لتصديقٍ قول النبي قال:
رأيتُ اللَّهَ يهْدي كلّ هادٍ
تباركَ سائقُ البقراتِ ليْلًا (٣)
فإنا قد أمِرنا بالجهادِ (٤)
فمن يكُ حائِداً عن ذِي تَبَوكٍ
أكَيْدِر: ملكُ دومةَ الجندل، ودُومَة الجَنْدَل: على عشرِ ليالٍ من
المدينة، وعشر ليالٍ من الكوفة، وعشر ليال من دمشق بها(٥) نخل وعيون.
(١) القباء: ثوب يلبس فوق الثياب ويتمنطق عليه.
(٢) مخوص: مزین.
(٣) عند البيهقي وفي السيرة ((إني)) بدلاً من ((ليلاً)).
(٤) في البيهقي بعد ذكر الأبيات قال: زاد فيه غيره وليس في روايتنا: فقال النبي وَّر ((لا يفضض
الله فاك)) فأتى عليه تسعون سنة فما تحرك له ضرس ولا سن. وذكر في شرح المواهب أن
هذه الرواية عند أبي نعيم، وليس لها ذكر هنا ويظهر أنها من الروايات التي حذفها صانع
هذا المنتخب.
(٥) في الأصل ((بلا)) فصححناه من فتح الباري ومراصد الإطلاع.

٥٢٨
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٥٦ - ٤٥٧
٤٥٦ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عبدالله الحضرمي قال ثنا
مصرف بن عمرو اليمامي قال ثنا أبو أسامة ثنا مجالد عن عامر عن صلة بن زفر قال:
قلنا لحذيفة رضي الله عنه: كيفَ عرفت المنافقين
ولم يعرفهم أحد من أصحاب رسول الله و سر أبو بكر ولا عمر؟
قال: إني كنت أسير خلفَ رسول الله وَ لغيره، فنام على راحلته، فسمعت ناساً
منهم يقولون لو طرَحْناه عن راحلته فاندقَّت عنقُه فاسترحنا منه، فسِرت بينه
وبينهم، وجعلت أقرأ وأرفعُ صوتي، فانتبه النبي ◌َّ فقال: من هذا؟ فقلتُ
حذّيفة، قال: من هؤلاء خلفك؟ قلت فلان وفلانٌ حتى عددتُ
أسماءهم، قال: وسمعتَ ما قالوا؟ قلت: نعم، ولذلك سرتُ بينك
وبينهم، فقال: إن هؤلاء فلاناً وفلاناً، حتى عدَّد أسماءهم، منافقون، لا
تُخبرَنَّ أحداً.
ذكر ما جرى من الدلائل في غزوة مؤتة :
٤٥٧ - أخبرنا محمد بن أحمد ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج
قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال:
إن مؤتة دونَ دمشق، أدنى البلقاء، وإن النبي ◌َّ لما عسكر أصحابُه
بالجَرْف، ولم يبين لهم الأمراء، فلما صلى الظهرَ جلس، وجلس أصحابُه
حوله، فجاءه النعمان اليهودي، فَوَقَف على رسول الله وَّلته مع الناس، فقال
(ح/٤٥٦) قال في مجمع الزوائد ١٠٩/١ أخرجه الطبراني في الكبير وفيه مجالد بن
سعید وقد اختلط، وضعفه جماعة.
(ح / ٤٥٧) أخرجه البيهقي وأبو نعيم من طريق الواقدي قال: حدثني ربيعة بن عثمان عن
عمر بن الحكم عن أبيه - الخصائص ٧٠/٢ - وذكره إلى قوله صادق بار، وأخرج البيهقي تتمة
الحديث من طريق الواقدي أيضاً قال حدثني محمد بن صالح التمار عن عاصم بن عمر بن قتادة
وحدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية عن عبدالله بن أبي بكر بن حزم قالا لما التقى الناس
فذكره إلى آخر الحديث - الخصائص ٧٢/٢ - قلنا: وأصلُ الحديث عند البخاري في صحيحه
من حديث ابن عمر - فتح الباري ٥٣/٩ -.

٥٢٩
ح / ٤٥٧
الفصل الخامس والعشرون
رسول الله وَله: أميرُ الناس زيدٌ، فإن قُتل فجعفر، فإن أصيب فعبدالله بن
رَواحة، فإن أصيب فليرتَضِ المسلمونَ منهم رجلاً فليجعلوه عليهم، فقال
النعمان: يا أبا القاسم إن كنتَ نبياً فسميت من سميتَ قليلاً أو كثيراً أصيبوا
جميعاً، لأن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجلَ على القوم
قالوا: إن أصيب فلان، فلو سمُّوا مائة أصيبوا جميعاً، ثم جعل اليهودي
يقول لزيد: إِعهَدْ، فإنك لا ترجعُ إلى محمد أبداً إن كان نبياً، قال زيد:
فاشهَد أنه صادقٌ بارٌ، قال الواقدي: فلما التقى الناس بمؤتة جلس رسول
اللّه ◌َ﴾ [ على المنبر](١) وهو ينظر إلى معتركهم، فقال رسول الله والتى :
أخذ الراية زيدٌ، فجاءه الشيطان فحبّب إليه الحياةَ وكرَّه إليه الموت، وحبَّب
إليه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإِيمانُ في قلوب المؤمنين تحبِّب
إليَّ(٢) الدنيا، فمضى قدماً حتى استشهد رحمه الله، فصلى عليه رسول
الله وَ لّ وقال: استغفروا له، ودخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الرايةَ جعفرُ
ابن أبي طالب، فجاءه الشيطان فمَنَّاه الحياة وكرَّه إليه الموت، فقال: الآن
حين استحكم الإِيمانُ في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا، ثم مضى قُدماً
حتى استشهد [ فصلى عليه رسولُ اللهِ وَليهِ ودعا له، ثم قال رسولُ اللهِ وَالآتى :
اسغفروا لأخيكم فإنه شهيد ](٣) وقد دخلَ الجنةَ وهو يطيرُ في الجنةِ
بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة، ثم أخذ الراية بعده عبدُالله بن
رُواحة، فاستشهد، ثم دخل الجنة معترضاً، فشَقَّ على الأنصار، فقيل: يا
رسول الله ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل، فعاتب نفسه،
فاستشهد، فدخل الجنة، فسرِّيَ عن قومه.
(١) ما بين الحاصرين أخذناه من الخصائص.
(٢) في الأصل ((إليهم)) فصححناه من الخصائص.
(٣) ما بين الحاصرين من الخصائص.

٥٣٠
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٥٨ - ٤٥٩
٤٥٨ - حدثنا عبدالله بن جعفر قال ثنا إسمعيل بن عبدالله قال ثنا سليمان بن
حرب قال ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن خالد بن هلاب (١) عن أنس بن مالك قال:
نعى رسول الله وَلّ جعفراً وزيداً [وابنَ رواحة ](٢) ونعاهم قبل أن
يجيءَ خبرُهم وعيناه تذرفان.
٤٥٩ - حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا ابن يحيى ثنا أحمد بن محمد بن أيوب
قال ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبدالله بن أبي بكر عن أم
عيسى الجزار عن أم جعفر(٣) بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت
عمیس(٤) قالت:
لما أصيب جعفر وأصحابُه دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ وَّهِ وقد دبغْتُ
أربعين إهاباً، وعجنتُ عجيني، وغسلت بنيَّ ودهنتُهم ونظّفتُهم، قالت،
فقال رسول اللّه وَّهُ: إِنْتِنِي ببني جعفر، فأتيتُه بهم، قالت، فشمّهم وذرفت
عيناه، فقلت: يا رسول الله، والله ما يبكيك؟ أبلّغك عن جعفر وأصحابه
شيء؟ قال: نعم، أصيبوا هذا اليوم، قالت فقمت أصيح، واجتمع إليّ
النساءُ، وخرج رسولُ اللهِ وَّ﴿ وقال لا تَغْفلوا عن آلٍ جعفر من أن تصنَعُوا
لهم طَعاماً، فإنهم قد اشتغلوا بأمر صاحبهم.
(ح/٤٥٨) أخرجه البخاري في صحيحه من طريق أحمد بن واقد عن حماد بن زيد بسند
حديث الباب - انظر فتح الباري ٥٤/٩ - وقد ذكره أبو نعيم هنا مختصراً وفي البخاري أتم منه.
(ح/٤٥٩) قال في الخصائص ٧٤/٢ أخرجه ابن إسحق ٢٢/٤ بتحقيق الأبياري ورفيقيه،
وابن سعد والبيهقي، وقال في مجمع الزوائد ١٦١/٦ ورواه أحمد وفيه امرأتان لم أجد من
وثقهما ولا من جرحهما وبقية رجاله ثقات. نقول: وأخرجه ابن ماجة من حديث أسماء مختصراً
٢٥٢/١، وأبو داود ١٧٣/٢، والترمذي برقم ٩٩٨ والدارقطني ٧٩/٢ والحاكم ٣٧٢/١
وصححه ابن السكن، وانظر أيضاً: تلخيص الحبير ١٣٨/٢.
(١) الصواب ((حميد بن هلال)) كما في البخاري.
(٢) ما بين الحاصرين أخذناه من البخاري.
(٣) في ابن ماجة ((عن أم عون)) وما هنا موافق لما في سيرة ابن هشام.
(٤) في الأصل أسماء بنت عمير، والصواب ما أثبتناه كما في سيرة ابن هشام.

٥٣١
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٦٠ - ٤٦١
وما ذكر في غزوة الطائف:
٤٦٠ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني قال
ثنا أبي قال ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال:
لما أمر رسول الله وَل ـ حين حاصروا ثقيفاً - أن يقطع كلَّ رجل من
المسلمين خمسَ نخلات من دَوْمِهم(١)، فأتاه عمر بن الخطاب فقال: يا
رسول الله إنها عَفاء لم تُؤكل ثمارُها، فأمرهم أن يقطعوا ما أكلت ثمرتُه،
الأول فالأول، قال: وأقبل عيَيْنَة بن حصن، جاء إلى رسول الله وَ له فقال:
إِئذن لي أن أكلمهم يا رسول الله، لعل الله يهديهم، فأذن له رسولُ
اللهِ وَلّر، فدخل عليهم الحصنَ فقال: بأبي أنتم، تمسكوا بمكانِكم، والله
لنحنُ أذل من العبيد، وأقسم بالله لئن حدث به حدث لتملكن العربُ عزاً
ومَنعة، فتمسكوا بحصنكم، وإياكم أن تُعطوا بأيديكم، ولا يتكابرن(٢)
علیکم قطعُ هذه الشجر، ثم رجع عیینة إلى رسول الله ێے، فقال له رسول
الله ◌َلجر ماذا قلت لهم يا عيينة؟ قال: قلتُ لهم وأمرتهم بالإِسلام، ودعوتُهم
إليه، وحذَّرتُهم النار، ودَالْتُهُم على الجنة، فقال له رسول الله وَالطيار:
كذبت، بل قلت لهم كذا وكذا، فقص عليه حديثه، فقال: صدقت يا
رسولَ الله، أتوبُ إلى الله عز وجل وإليك من ذلك.
٤٦١ - وذكر محمد بن عمر الواقدي فيما أخبرناه محمد بن أحمد بن الحسن
قال ثنا الحسن بن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا محمد بن عمر الواقدي:
(ح / ٤٦٠) أخرجه البيهقي ٥٠/٢ مخطوط حلب من طريق أبي علاثة وهو بسند الحديث
٤٤٤.
(ح/ ٤٦١) هكذا أخرجه عن الواقدي بدون إسناد وذكر ابن حجر القصة في الإصابة في
ترجمة عروة. وقال في مجمع الزوائد ٣٨٦/٩ أخرجه الطبراني عن عروة بن الزبير وعن الزهري
وكلاهما مرسل وإسنادهما حسن.
(١) شجر عظام من الفصيلة النخلية، له ثمار في غلظ التفاحة ذات قشر صلب أحمر ونواة
ضخمة ذات لب.
(٢) في دلائل النبوة للبيهقي والخصائص ((يتكاثرون)).

٥٣٢
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٦١
أن عُروةَ بن مسعود وغيلانَ بن سلَمَة كانا تاجرين، خرجا إلى
جُرَش(١) بعد قَصْد رسول الله وَلّر إلى مكة عام الفتح يتعاملان على(٢)
الدبابات والمنجنيق والعَرَّادات(٣) فأحكما ذلك، ففتح الله عز وجل على
رسول الله وَ﴿ مكة، ورجعا هما إلى الطائف، فلما قدِماها نصبا المنجنيق
في جوف الحصن، وجعلا الدَّبابات، وأعدُّوا للقتال. ثم إن عروة بن
مسعود بعدما فرغ، ولم يُبقِ شيئاً فيما يرى هو وقومه إلا وقد فرغ منه فيما
يرون، ألقى الله عز وجل في قلب عروةَ الإِسلامُ، فلقي غَيْلان بن سلمة
فقال: ألا ترى إلى ما قد قرَّب اللَّهُ من أمر هذا الرجل؟ وإن الناس قد
دخلوا مکة کلّھم، فراغبٌ فیه وخائفٌ أن یوقع به، ونحن عند الناس أدهی
العرب، ومثلنا لا يجهل ما يدعو إليه محمد رَّلي وأنه نبي.
قال غَيْلان: لا تقل هذا يا أبا يعقوب، ولا يسمع منك، إني لا آمن
عليك ثقيفاً، وإن كان لك فيهم من الشرفِ ما لك فيها.
قال عروة: فأنا مُتَّبعُه وسائرٌ إليه.
قال غيلان: لا تعْجَل حتى تنظر وتدَبَّر.
قال عروة: أيّ أمر هو أبْيَن من أمر محمد وَله؟ إني ذاكرٌ لك أمراً لم
أذكره لأحد قط، وأنا ذاكره لك الساعة.
قال غيلان، وما هو؟
قال عروة: قدمتُ نجران في تجارة، وذلك قبل أن يظهر محمدٌ
(١) جرش: مخلاف من مخاليف اليمن من جهة مكة.
(٢) في سيرة ابن هشام ((يتعلمان صنعة)).
(٣) العراد: منجنيق صغير، وهو آلة من آلات الحرب.

ح / ٤٦١
الفصل الخامس والعشرون
٥٣٣
بمكة، وكان أسقُفها لي صديقاً، فقال: يا أبا يعقوب أظلكم نبيٌّ يخرجُ في
حَرمِكم .
قلت: ما تقول؟
قال: أي والمسيح، وهو آخرُ الأنبياء، وليقتُلَن قومَه قتلَ عادٍ، فإذا
ظهر ودعا إلى الله فاتبعه، وكن أولَ من يسبق إليه. لم أذكر من ذلك حرفاً
واحداً لأحد من ثَقيفٍ ولا غيرهم، لما كنت أرى من شِدَّتِهم عليه، وكنت
أنا من أشدِّهم عليه، بعدما سمعت من الأسقف ما سمعت، ثم غيَّر اللّهُ
قلبي من ساعتي هذه، وأنا متَّبعه، فاكتم عليَّ مخرجي يا غيلان لا
تذكُره(١)، فخرج ◌ُروةُ وما شعر به أحدٌ حتى قدِمِ المدينةَ على رسول
الله ◌َلِّ، فَسُرَّ به، وأسلم، وأخبر النبيَّ ◌َّل بكل ما كان يُريد، وما أُعَدَّ، وما
قذفَ الله في قلبه من الإِسلام وغيره عما كان عليه، وخبَّره خبرَ الأسقف.
فقال رسولُ اللهِ وَِّ: الحمد لله الذي هداكَ وأرادَ بك خيراً مما
أردت بنفسك.
ثم إن عروة استأذن رسولَ الله ◌َالر في الخروج إلى قومه وقال: يا
رسول الله ما رأيتُ مثلَ هذا الدّين ذهبَ عنه ذاهبٌ، فأقدمُ على قومي
بخير ما قدِم به وافِد على قومِه قط، إلا مَنْ قدم بمثل ما قدِمْت، وقد سُبقت
يا رسول الله في مواطن كثيرة.
فقال رسول الله وَله: إنهم إذَنْ قاتلوك.
فقال: يا رسولَ الله أنا أحبُّ إليهم من أبكارِ أولادِهم، ثم استأذنه
الثانية .
(١) في الأصل ((لا أذكره)) والصواب ما ذكرناه.

٥٣٤
الفصل الخامس والعشرون
ح / ٤٦٢
فقال رسول الله وَله: إنهم إذاً قاتلوك، فقال: يا رسول الله لو
وجدوني نائماً ما أيقظوني، ثم استأذنه الثالثة.
فقال: إن شئت فاخْرُج.
فخرج إلى الطائف، فدعا قومَه إلى الإِسلام، فقُتِل بها، فقال رسول
الله ◌َِّ: مثلُ عروةَ مثلُ صاحب يَس، دعا قومه إلى الله فقتلوه.
وفي رواية فاروق الخطابي فأذن له رسولُ الله ◌َ، فرَجَعَ إلى
الطائف، فقدم عشاءً، فجاءَه ثقيفٌ، فخَبَّرَهم، ودعاهم إلى الإِسلام،
ونصح لهم، فاتهموه وعضَهوه(١) وأسمعوه من الأذى ما لم يكن يخشاهم
عليه، فخرجوا من عنده، حتى إذا أسْحَروا وطلَعَ الفجرُ قام على غُرفة له
في داره فأذَّن بالصلاة، وتشهد، فرماه رجلٌ من ثقيفٍ بسهمٍ فقتله،
فزعموا: أن رسول الله وَ ل﴿ل حين بلغه قتلُه قال: مَثَلُ عروة مثل صاحِب
يَس، دعا قومَه إلى الله فقتلوه.
ذكر سرية زيد بن حارثة :
٤٦٢ - حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا محمد بن أيوب
قال ثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد بن هانىء الشجري حدثني أبي عن محمد
ابن إسحاق مولى ابن مخرمة عن الزهري عن عروة قال قالت عائشة رضي الله عنها:
بلغَ رسولَ اللهِ وَ لّ أن امرأة من بني فَزارة يقال لها أُم قِرْفَة(٢) قد
جهزت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها، قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا
(ح/٤٦٢) وأخرجه ابن سعد بدون سند نحوه ٩٠/٢ وقال السيوطي في الخصائص ٦٩/٢
أخرجه أبو نعيم.
(١) عضهوه: اختلقوا عليه الكذب.
(٢) هي فاطمة بنت ربيعة بن بدر زوج مالك بن حذيفة بن بدر عم عيينة بن حصن الفزاري - .
ر: فتح الباري ٣٩/٩ -.

٥٣٥
ح / ٤٦٣
الفصل الخامس والعشرون
محمداً، فقال النبيُّ وَّهِ: اللهمَّ أَثْكِلْها بولدِها، وبعث إليهم زيدَ بن
حارثة، فالتقوا بالوادي(١)، وقُتل أصحابُ زيد فارتُثَّ جريحاً، وقدم
المدينة، فعاهد الله أن لا يمسَّ رأسَه ماءٌ حتى يرجع إليهم، فبعث معه
رسول الله ﴿ بعثاً، فالتقوا، فقتَل بني فَزارة، وقَتل ولدَ أم قِرْفَة، وقَتل أم
قِرْفَة، وبعث بدرعها إلى رسول الله وَّ، فنصبه بين رمحين، وأقبلَ زيدٌ
حتى قدِمَ المدينة. قالت عائشة رضي الله عنها: ورسولُ الله وَلفي تلك الليلة
في بيتي، فقُرع البابُ، فخرج إليه يجرُّ ثوبَه حتى اعتنقه وقبله رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
قصة هدم بيت العزى:
٤٦٣ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا الحسين بن إسحاق قال ثنا علي بن
المنذر قال ثنا محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال:
لما فتح رسول الله وَ* مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخْلةً وكانت بها
العُزَّى، فأتاها خالدٌ وكانت على ثلاث سَمُرات(٢) فقطع السَّمُرات وهدمَ
البيتَ الذي كان عليها، ثم أتى النبيَّ وَّرَ فأخبره، فقال: إِرجع فإنك لم
تصنعْ شيئاً، فرجع خالدٌ فلما نظرت السّدَنة وهم حجبتها أمعَنوا في الجبل
وهم يقولون ((يا عزى خبّليه يا عزّى عوّريه)) (٣) فأتاها خالد فإذا امرأة عَريانة
ناشرة شعرها تحثو الترابَ على رأسها، فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم
رجع إلى النبي ◌َّهِ فأخبره بذلك، فقال: تلك العُزّى.
(ح/ ٤٦٣) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣٥/٢ مخطوط حلب من طريق أبي كريب عن
محمد بن فضيل بسند حديث الباب وأخرجه الطبراني وفيه يحيى بن المنذر وهو ضعيف - مجمعٍ
الزوائد ١٧٦/٦ - وأخرجه ابن سعد في الطبقات ١٤٥/٢ وأخرجه ابن إسحاق في السيرة مختصراً
٤٣٦/٢.
(١) هو وادي القرى كما في سيرة ابن هشام ٢٦٥/٤ بتحقيق الأبياري ورفيقيه.
(٢) السمرة: ضرب من شجر الطلح.
(٣) في البيهقي والخصائص زيادة ((وإلا فموتي برغُم)) ..

ح / ٤٦٤
الفصل السادس والعشرون
٥٣٧
الفَصْل السَّادِس وَالعشرُون
ما أخبر به ◌َل من الغيوب فتحقق ذلك
على ما أخبر به في حياته وبعد موته
كالأخبار عن نموّ أمره، وافتتاح الأمصار والبلدان الممصَّرة كالكوفة
والبصرة وبغداد على أُمَّته، والفتنِ الكائنة بعده، ورِدَّة جماعة ممن شاهده
ورآه عليه السلام، وإخبارِه بعددِ الخلفاء ومدتهم، والملكِ العضُوض
بعدهم، على ما ذكرناه من الخصالِ في ترجمةِ الأبواب والفُصول في أولِ
الكتاب .
٤٦٤ - أخبرنا أبو بكر بن خلاد قال ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا خالد بن
القاسم. وثنا فاروق الخطابي ثنا أبو مسلم الكشي ثنا سليمان بن حرب قالا ثنا حماد بن
زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثَوْبان رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَ﴿ إن الله تعالى زَوى لي الأرضَ فَأُريتُ مشارقَها
(ح/٤٦٤) هذا الحديث مؤلف من ثلاثة أحاديث بسند واحد جمعها المصنف أخرج مسلم
في صحيحه ١٧١/٨ من طريق حماد بن زيد عن أيوب بسند حديث الباب الحديث إلى قوله
((بعضهم بعضاً) وأخرج الترمذي برقم ٢١٧٧ مثله سنداً ومتناً وقال حسن صحيح وأخرج في
مكان آخر برقم ٢٢٣٠ بنفس السند إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين قال وقال رسول
الله﴿ لا تزال طائفة، إلى قوله: يأتي أمر الله، وقال حسن صحيح وأخرج في مكان ثالث برقم
٢٢٢٠ بنفس السند: لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل - إلى قوله ((لا نبي بعدي)) وقال حسن
صحيح، وأخرجه أبو داود في سننه ٤١٣/٢ تاماً من طريق سليمان بن حرب بسند حديث الباب
ومتنه، وكذا أخرجه ابن ماجة في الفتن ٢٤٢/٢ وأخرج الدارمي برقم ٢٧٥٥ جزءاً من الحديث:
إنما أخاف على أمتي - وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤٤٩/٤ مطولاً وقال: صحيح على شرط
الشیخین.

٥٣٨
الفصل السادس والعشرون
ح / ٤٦٥
ومغاربَها، وإن أمتي سيبلغُ ملكُها ما زوى لي منها، وأُعطيت الكنزين
الأحمرَ والأبيضَ، وإني سألتُ ربي لأمتي أن لا يُهلكها بسنة عامة، ولا
يُسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتَهم، وإن ربي قال:
إني إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يُردّ، وإني أعدُك لأمتك أن لا أهلِكها بسَنَة
عامَّة، ولا أسلُّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو
اجتمع عليهم من بين أقطارها حتى يكون يهلك بعضُهم بعضاً، ويسبي
بعضهم بعضاً.
ثم قال رسول الله وَله: إنما أخافُ على أمتي الأئمة المُضلِّين، فإذا
وُضِعِ السيفُ في أمتي لم يرفع عنها إلى يومِ القيامة.
وقال: لا تقومُ الساعةُ حتى تلحق قبائل أمتي بالمشركين وحتى
يعبدوا الأوثان، وإنه سيكونُ في أمتي ثلاثون كذاباً، كلهم يزعم أنه نبيّ،
وأنا خاتم النبيين لا نبيَّ بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على
الحقّ لا يضرُّهم من خذَلهم حتى يأتيَ أمرُ الله عز وجل.
٤٦٥ - حدثنا حبيب بن الحسن ثنا عمر بن حفص ثنا عاصم بن علي قال ثنا
شعبة عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه رضي الله
عنه :
عن النبي وَ ل﴿ قال: إنكم منصورون، ومفتوحٌ لكم، ومُصيبون، فمن
أدرك ذلك منكم فليتَّقِ الله، وليأمر بالمعروف ولْيَنْهَ عن المنكر، ومن كذَبَ
عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعدهُ من النار.
(ح/٤٦٥) أخرجه الترمذي رقم ٢٢٥٨ من طريق شعبة بسند حديث الباب ومتنه وقال
حسن صحيح وابن ماجة ٩/١ وابن حبان في الزوائد رقم ١٨٤١ وأبو داود الطيالسي رقم ٩٤ .

٥٣٩
ح / ٤٦٦ - ٤٦٧ - ٤٦٨
الفصل السادس والعشرون
٤٦٦ - حدثنا الحسن بن عمر المعدل الواسطي قال ثنا عمر بن سهل الدقاق ثنا
محمد بن إسمعيل الحساني قال ثنا أبو معاوية الضرير قال ثنا يحيى بن سعيد عن عبدالله
ابن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله وَي إذا مشَت أمتي المطيطاء(١)، وخدمتها أبناءُ
الملوك، أبناءُ فارس والروم، سُلَّطَ شِرارُهم على خيارِهم.
٤٦٧ - حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر قال ثنا موسى بن هارون قال ثنا كثير
ابن عبيد الحذاء قال ثنا بقية قال ثنا بُخَيْر بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير
عن عوف بن مالك قال:
قام رسولُ الله ◌َّه فقال: الفقرَ تخافون؟ أوتَهمكم الدنيا؟ فإن الله
فاتحٌ لكم أرضَ فارس والروم، ويصبُّ عليكم الدنيا صبّاً، حتى لا يزيغَكم
بعدي إن زغتم إلا هي.
٤٦٨ - حدثنا محمد بن عمر بن سلمة قال ثنا مسلم بن خالد قال ثنا عبيد الله
ابن معاذ قال ثنا أبي عن المسعودي عن حبيب بن ثابت عن أبي عبيدة عن عبدالله قال:
(ح/٤٦٦) أخرجه البيهقي - الخصائص ٤١١/٢ - وأخرجه الترمذي برقم ٢٢٦٢ من طريق
زيد بن الحباب أخبرني موسى بن عبيدة حدثني عبدالله بن دينار عن ابن عمر فذكره مثل حديث
الباب ثم قال: هذا حديث غريب وقد رواه أبو معاوية عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبدالله
ابن دينار عن ابن عمر عن رسول الله نحوه ولا يعرف لحديث أبي معاوية عن يحيى بن سعيد
عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر أصل إنما المعروف حديث موسى بن عبيد. وقد روى مالك
ابن أنس هذا الحديث عن يحيى بن سعيد مرسلاً ولم يذكر فيه عن عبد الله بن دينار عن ابن
عمر أ. اهـ. ورواه الطبراني من حديث أبي هريرة لكنه قال في آخره سلط بعضهم على بعض،
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣٧/١٠ إسناده حسن، ور: الحديث في أخبار أصبهان
٣٠٨/١.
(ح/٤٦٧) أخرجه الطبراني وفي إسناده بقية - انظر المنذري في الترغيب والترهيب
١٨١/٤ - وهو بقية بن الوليد الكلاعي، قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب: صدوق كثير
التدليس عن الضعفاء.
(ح/٤٦٨) لم أجده من حديث ابن مسعود عند غير أبو نعيم - الخصائص ٤٠٢/٢ - ولكن
رواه من حديث أبي ذر الإِمام أحمد والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح -
انظر: مجمع الزوائد ٢٣٧/١٠ -.
(١) المطيطاء: التبختر.

٥٤٠
الفصل السادس والعشرون
ح / ٤٦٩
جاء رجلٌ إلى النبي وَ له فقال: أكلْنا الضبّع - يعني السنة - فقال: أنا
لغيرِ الضَّبُّع أخْوَفُ عليكم، أن تصُب الدنيا على أمتي صبّاً، فليت أمتي لا
يلبسون الذهبَ.
٤٦٩ - حدثنا محمد بن معمر قال ثنا عبدالله بن محمد بن ناجية قال ثنا أبو
السكين زكريا بن يحيى الطائي قال حدثني عم أبي زَخْرُ بن حصن عن جده حميد بن
منھب قال: قال جدي خُرێْم بن أوس:
هاجرتُ إلى النبي ◌ََّ، وقدمت عليه مُنصرفَه من تبوك، فأسلمتُ
فسمعته يقول: هذه الحيرة البيضاء قد رفعت لي، وهذه الشَّيْماء بنت نفيلة
الأزدية على بغلةٍ شهباء مُعتجرة بخمار أسود، فقلتُ: يا رسول الله إن نحن
دَخَلْنا الحيرةَ فوجدناها كما تصفُ فهي لي؟ قال هي لك، قال: ثم كانت
الرِّدَّة، فما ارتد أحدٌ من طيء، فأقبلنا مع خالد بن الوليد يريد الحيرة، فلما
دخلناها كان أول من تلقانا الشَّيْماء بنت نُفَيْلَة - كما قال رسولُ اللهِ وَه ـ
على بغلةٍ شهباءَ معتجرةً بخمارٍ أسود، فتعلقتُ بها فقلت: هذه وصَفَها لي
رسول الله وَ﴿، فدعاني خالدٌ بالبيّنة، فأتيت بها، فكانت البينة محمد بن
مَسْلَمَة ومحمد بن بشير الأنصاريان، فسلّمها إليَّ خالد، ونزل إليها أخوها
عبدُ المسيح بن نُفيلة يريد الصُّلْح، فقال: بِعْنيها، فقلت، لا أنقصُها والله
من عشر مائة، فأعطاني ألف درهم، وسلمتها إليه، فقالوا لي: لو قلت مائةً
ألفٍ لدَفَعها إليك، فقلت: ما كنت أحسب أن عدداً أكثر من عشرِ مائة.
(ح/٤٦٩) قال في الخصائص ٤٠٢/٢ أخرجه البخاري في التاريخ والطبراني والبيهقي،
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨٩/٨ رواه الطبراني ولم يذكر عنه شيئاً، وقال ابن حجر في
الإصابة ٤٢٣/١ رواه الطبراني من طريق حميد بن منهب وقال في مكان آخر ٣٥١/٣ أخرجه
ابن منده بطوله بسند حديث الباب وقال لا يعرف إلا بهذا الإسناد، تفرد به زكريا بن يحيى عن
زخر.