Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ الفصل السادس عشر ح / ٢١٢ - ٢١٣ اللاحقي ثنا محمد بن أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن سهل بن أيوب ثنا سهل بن بكار قال ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله وَله، فقالت قريش: هذا سِحْرُ ابن أبي كبشة، قال، فقال: انظروا ما يأتيكم به السُّفَّار(١)، فإن محمداً لا يستطيع أن يسحرَ الناسَ كلَّهم، قال، فجاء السُّفَّار فقالوا كذلك. ٢١٢ - حدثنا سهل بن عبدالله وسليمان بن أحمد قالا ثنا الحسين بن إسحاق قال ثنا يحيى الحماني قال ثنا هشيم عن (٢) المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبدالله قال: انشقَّ القمرُ ونحن بمكة، فقالت كفار قريش: سِحْرٌ، سحَركم ابنُ أبي كبشة، فانظروا إلى السُّفَّار يأتونكم، فإن أخبروكم أنهم رأوه مثل ما رأيتم فقد صَدَق، قال، فما قدم عليهم أحدٌ من وجه من الوجوه إلا أخبروهم بأنهم رأوه. رواه عمر بن أبي قيس(٣) عن مغيرة مثله. ما روي في عرض النبي وَليُ نفسَه على قبائل العرب: ٢١٣ - حدثنا عبدالله بن جعفر قال ثنا إسماعيل بن عبدالله قال ثنا ابن يوسف التّنيسي قال ثنا عبدالله بن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي # حدثته أنها قالت: قلتُ للنبيِ وَلَّ: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: (ح/٢١٢) انظر حاشية رقم (ح/ ٢١١). (ح/٢١٣) أخرجه البخاري في صحيحه - ر: فتح الباري ١٢٣/٧ - ومسلم ١٨١/٦. (١) السفار: المسافرون. (٢) في الأصل ((هشيم بن المغيرة)) والصواب ما أثبتناه كما في فتح الباري. (٣) في ميزان الاعتدال ((عمرو بن أبي قبيس)). ٢٨٢ الفصل السادس عشر ح / ٢١٤ لقيت(١) من قومِكِ، وكان أشدُ ما لقيت منهم يوم العَقَبة، إذ عرَضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي، فلم أشعر إلا وأنا بقْن الثعالب(٢)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبرائيل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمعَ قولَ قومِكَ وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك بملك الجبال، فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد قد سمع اللَّهُ قولَ قومك وأنا مَلَك الجبال، قد بعثني ربُّك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأَخْشَبَيْن(٣)، فقال النبي ◌ِّه: أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبدُ اللَّهَ وحدَه ولا يُشرك به شيئاً. ٢١٤ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن زكريا الغلابي قال ثنا شعيب ابن واقد الصَّفار قال ثنا أبان بن عثمان عن أبان بن تغلب. وثنا إبراهيم بن عبدالله بن إسحاق قال ثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال ثنا عبد الجبار بن كثير التميمي الرقي قال ثنا محمد بن بشير قال ثنا أبان بن عبدالله البجلي عن أبان بن تغلب قال ثنا عكرمة عن ابن عباس قال حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أمر الله عز وجل نبيَّه وَّ أن يعرِضَ نفسه على قبائلِ العربِ خرج - وأنا معه وأبو بكر - إلى منى حتى دفَعنا إلى مجلسٍ من مجالسِ العرب، فتقدم أبو بكر فسلّم، وكان أبو بكر مقدَّماً في كل حين، وكان رجلاً نسَّابة (٤)، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: وأي ربيعة (ح/ ٢١٤) قال ابن حجر وأخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل بإسناد حسن. (١) في البخاري ((لقد لقيت)). (٢) قرن الثعالب: هي قرن المنازل ميقات أهل نجد، يبعد عن مكة مسيرة يوم وليلة. (٣) جبلان في مكة. (٤) نسابة: عالم بالأنساب. ٢٨٣ ح / ٢١٤ الفصل السادس عشر أنتم؟ من هامتها أم من لَهازِمِها(١)؟ قالوا: بل من هامتها العظمى، فقال أبو بكر: من أي هامتها العظمى؟ قال الغلابي في حديثه، بل من اللّهزمَة العُظمى، قال: وأي لِهِزِمَتها أنتم؟ قالوا: ذُهَل الأكبر، قال أبو بكر: أفمنكم عوفٌ الذي كان يقال ((لا حُرَّ بوادي عوف)) قالوا: لا، قال: أفمنكم بِسْطام بن قيس بن مسعود، أبو الملوك ومنتهى الأحياء؟ قالوا لا. قال: أفمنكم الحَوفَزان(٢) بن شريك قاتلُ الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم جسَّاس بن مُرَّة بن ذُهَل حامي الذَّمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدَلِف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، فقال لهم: أفأنتم أخوال الملوك من كِنْدة؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم أصهار الملوك من لَخْم؟ قالوا لا، قال لهم أبو بكر: فلستم بذُّهَل الأكبر، بل أنتم ذُهَلُ الأصغر، قال: فوثب إليه منهم غلام يدعى دَغْفَل حين بقل وجهه(٣) فأخذ بزمام ناقةٍ أبي بکر وهو يقول: إنّ على سائِلنا أن نسألَه والعبءُ لا تعرفُه أو نجهله يا هذا، سألتنا فأخبرناك فلم نكتمك شيئاً، ونحن نريد أن نسألك، فمن أنت؟ قال له: رجل من قريش، فقال له الغلام: بخٍ بخٍ أهل السُّؤدد والرياسة، وأزمة العرب وهداتها، فممن أنت من قريش؟ قال له: من بني تيم بن مُرة، فقال له الغلام: أمكنت والله الرامي من صفاة الثّغْرَة، أفمنكم قصيُّ بن كلاب الذي قَتَلَ بمكةً المتغلَّبين عليها، وأجلى بقيتهم، وجمع (١) لهازم: مفردها لهزمة، وهي العظم الناتىء في اللحي تحت الأذن، وقوله من هامتها أم من لهازمها يعني من أعلاها أم من أدناها، والتعبير مجازي . (٢) الحوفزان: هو لقب الحارث بن شريك وسمي بذلك لأن قيس بن عاصم رضي الله عنه حفزه - أي طعنه - بالرمح حين خاف أن يفوته. (٣) بقل وجه الغلام: إذا نبت الشعر فيه. ٢٨٤ الفصل السادس عشر ح / ٢١٤ قومَه من كل أوبٍ حتى أوطنهم مكة، ثم استولى على الدار، ونزّل قريشاً منازٍلها، فسمته العربُ بذلك مُجَمِّعاً وفيه يقول الشاعر لبني عبد مناف: أليسَ أبوكم كان يُدْعى مجمِّعاً به جمَعَ اللَّهُ القبائلَ من فِهْر قال: لا، قال الغلام: أفمنكم عبدُ مناف الذي انتهت إليه الوصايا، وأبو الغَطاريف(١) السادة؟ قال: لا، قال: أفمنكم عمرو بن عبد مناف، هاشم الذي هَشم الثريد لقومه وأهل مكة مُسْنِتونَ عِجاف، وفيه يقول الشاعر: ورجالُ مكةً مسنتون عجافُ(٢) عمرو العُلا هَشم الثريدَ لقومه عند الشتاءِ ورحلةً الأصیْافِ سنوا إليه الرِّحلتين كلاهما فالمحُّ خالِصه لعبدٍ منافٍ كانت قريشٌ بيضةً فتفلَّقت والقائلين هلمّ للأضيافِ(٣) الرائشين وليس يعرفُ رائشٌ والمانعين البَيْضَ بالأسياف (٤) والضاربین الکبش یبرقُ بيضه منعوكَ من ذُلِّ ومن إقراف(٥) لله دركَ لو نزلتَ بدارِهم قال: لا، قال أفمنكم عبدُ المطلب شيبة الحمد، وصاحبُ بئر مكة، مطعِمُ طير السماءِ والوحوش والسباع في الفلاءِ الذي كأن وجهه قمرٌ يتلألأ في الليل المظلم - وقال عبدُ الجبار في الليلة الظلماء الداج - قال: لا، قال: أفمن أهل الإِفاضة (٦) أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الحِجابة (٧) أنت؟ (١) غطاريف: مفردها غطريف وهو السخي. (٢) مسنتون: أصابهم القحط - عجاف: مفردها أعجف، وهو الهزيل. (٣) الرائشون: المغنون الناس، المطعمون. (٤) المانعون البيض: المدافعون عن البلاد. (٥) إقرافٌ عليك: بغيٌ عليك. (٦) الإفاضة: قيادة أمر الحجاج. (٧) الحجابة: خدمة الكعبة وصاحبها بيده مفاتحها. ٢٨٥ الفصل السادس عشر ح / ٢١٤ قال: لا، قال أفمن أهل الندوة(١) أنت؟ قال لا، قال أفمن أهل السِّقاية(٢) أنت؟ قال: لا، قال أفمن أهل الرِّفادة(٣) أنت؟ قال: لا، قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا، ثم جذَب أبو بكر زمامَ الناقة من يده، فقال له الغلام : صادفَ درءُ السيل سيلاً يدفعه يهضبه حيناً وحيناً يصدعُه ثم قال: أما والله يا أخا قريش، لو ثَبَتَّ لي لخبّرْتُك أنّك من زمعات (٤) قريشٍ ولست من الذوائب(٥)، فأقبل إلينا رسول الله وَّر يتبسم، قال عليُّ : قلت له: يا أبا بكر لقد وقعتَ من الأعرابي على باقِعَة(٦) فقال: أجل يا أبا الحسن، إنه ليس من طامَّة إلا فوقها طامَّة والبلاء موكل بالقول، قال، ثم انتهينا إلى مجلسٍ عليه السكينةُ والوقارُ وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلّم، قال علي: وكان مُقدَّماً في كل حين، فقال لهم أبو بكر: ممن القومُ، قالوا نحن بنو شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله و لي﴿ فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عزّ في قومِهم، وكان في القوم مَفْروق بن عمرو، وهانىء بن قُبَيْصة، والمثنى بن حارثة، والنعمانُ بن شريك، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق بن عمرو، وكان مفروق قد غلبهم بياناً ولساناً، وكان له غديرتان(٧) تسقطان على (١) الندوة: دار بناها قصيّ بمكة للمشورة وكانت بيد بني عبد الدار. (٢) السقاية: هي سقاية الحجاج لقلة الماء في مكة. (٣) الرفادة: كانت قريش تخرج من مالها قسماً وتدفعه إلى صاحب الرفادة ليصنع فيه طعاماً يأكله الفقراء من زوار البيت الحرام، وكانت في بني نوفل، ثم في بني هاشم. (٤) زمعات قريش: أتباعهم. (٥) ذوائب: مفردها ذؤابة، وذؤابة كل شيء أعلاه، وهم الأشراف من القوم. (٦) يقال رجل باقعة: أي ذو حيلة ومكر، داهية. (٧) غديرتان: صغيرتان من الشعر. ٢٨٦ الفصل السادس عشر ح / ٢١٤ صدره، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكر، فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال له: إنا لنزيد على الألف، ولن يُغلب ألفٌ من قلة، قال: فكيف المَنعةَ فيكم؟ قال: علينا الجَهْد ولكل قوم جِد، قال أبو بكر: فكيف الحربُ بينكم وبين عدوكم؟ قال مفروق: إنا أشدُّ ما نكون غضباً حين نَلْقَى، وإنا أشد ما نكون لقاءً إذا غضبنا، وإنا لنؤثر الجيادَ على الأولاد، والسلاحَ على اللقاح، والنصرُ من عند الله، يُديلنا مرة(١)، ويُديل علينا مرة، لعلك أخو قريش؟ قال أبو بكر: إن كان بلَغَكم أنه رسول الله فها هو ذا، فقال مفروق: وقد بلغنا أنه يَذْكر ذلك، ثم التفت إلى رسول الله وَله فقال: إلى مَ تدعو يا أخا قريش، فتقدم رسول الله وَّ فجلس، وقام أبو بكر يظلله بثوبه، فقال رسول الله ولاتر: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تُؤووني وتمنعوني وتنصروني حتى أؤدي عن الله تعالى ما أمرني به، فإن قريشاً قد تظاهرتْ على أمرٍ الله، وكذّبتْ رسوله، واستغنت بالباطل عن الحقّ، واللَّهُ هو الغني الحميد، قال له: وإلى مَ تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله وَلته . ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَثْلُ ما حرَّم ربُّكم عليكم: ألّ تُشرِكوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾(٢) إلى قوله تعالى ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وصَّاكم به لعلَّكم تَتَّقُون ﴾. (١) یدیل: يقهر ويغلب. (٢) الأنعام آية ١٥١ وما بعدها، وتمام الآيات ﴿وبالوالدين إحساناً ولا تَقْتُلوا أولادَكم مِنْ إمْلاقٍ نجِنُ نرزُقُكم وإيّاهم، ولا تَقْرَبوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَن، ولا تقتُلُوا النّفْسَ التي حرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقّ، ذلكم وصّاكمٍ به لعلكم تعقلون * ولا تقرَبوا مالَ اليتيم إلّ بالتي هي أحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّه، وأوفوا الكيل والميزانَ بالقِسْطِ لا نكلفُ نفساً إلا وُسْعَها، وإذا قُلْتُم فاعدِلوا ولو كان ذا قُربى، وبِعَهْدِ اللّه أوْفُوا، ذلكم وَصَّاكم به لعلّكم تَذَكَّرون* وأن هذا صِراطي مُستقيماً فَتَّبِعوه، ولا تَّبِعُوا السُّبُلَ فتفرَّقَ بكم عن سبيله .. ﴾. ٢٨٧ ح / ٢١٤ الفصل السادس عشر وقال له مفروق: وإلى مَ تدعو أيضاً يا أخا قريش؟ فوالله ما هذا من كلام الأرض، ولو كان من كلامهم لعرفناه، فتلا رسول الله وَلفي ﴿إنّ الله يأمرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ﴾(١) إلى قوله تعالى ﴿لعلَّكم تَذَكرون﴾. فقال له مفروق: دعوت والله يا قرشي إلی مکارم الأخلاق، ومحاسن الأعمالِ ، ولقد أفِكَ(٢) قومٌ كذّبوك وظاهروا عليك - وكأنه أحبَّ أن يُشركه في الكلام هانىء بن قُبَيصة - فقال: وهذا هانىء بن قبيصة، شيخُنا وصاحبُ ديننا، فقال له هانىء: قد سمعتُ مقالتك يا أخا قريش، وصدّقتُ قولَك، وإني أرى أنّ تَرْكَنا ديننا واتّباعنا إياك على دينك لمجلسٍ جلستَه إلينا ليس له أولٌ ولا آخر، [إن](٣) لم نتفكر في أمرك وننظر في عاقبةٍ ما تدعونا إليه [إنه](٣) زلة في الرأي وطيشة في العقلِ وقلة نظرٍ في العاقبة، وإنما تكون الزّلةُ مع العجلَة، وإن من ورائنا قوماً نكره أن نعقِد عليهم عقداً، ولكن ترجعُ ونرجعُ وننظر وتنظر - وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة - فقال: وهذا المثنى شيخُنا وصاحبُ حربنا، فقال المثنى: قد سمعتُ مقالتَك واستحسنت قولك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمتَ به، والجواب هو جواب هانىء بن قُبَيْصة، إنما نزلنا بين صَيْرَيْن أحدُهما اليمامة، والأخرى السِّماوة(٤) فقال له رسول الله صلير: وما هذان الصيران؟ فقال له: أما أحدهما فَطُفُوف(٥) البر وأرض العرب، وأما الآخر (١) النحل ٩٠ وتمام الآية ﴿وإيتاءِ ذي القُربى وينهى عن الفَحْشاءِ والمنكر والبَغِيْ يعظُكُم لعلكُم تَذّكرون﴾. (٢) أفك: كذب. (٣) ما بين الحاصرين من زياداتنا ليستقيم المعنى. (٤) من الأصل ((السمامة)) وما أثبتناه هو الصواب كما في البداية والنهاية. (٥) الطفوف: مفردها طف، وهي ساحل البحر وجانب البر. ٢٨٨ الفصل السادس عشر ح / ٢١٥ فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى أن لا نُحْدِث حدَثً، ولا نُؤويَ مُحْدِثاً، ولعل هذا الأمر الذي تدعو إليه تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنبُ صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، فإن أردت أن ننصرَك مما يلي العرب فعلينا(١)، فقال رسول الله ◌َّهِ: ما أسأتُمُ الرَّدَّ إذ أفصحتُم بالصدق، إنه لا يقوم بدين الله إلا مَنْ حاطه من جميع جوانبه. ثم نهضَ رسولُ الله ◌َ ﴿ قابضاً على يد أبي بكر، ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا رسولَ اللهِ وَالت. قال علي: وكانوا صُدُقاً صُبْراً رضوان الله عليهم أجمعين(٢). ٢١٥ - قال الكلبي(٣) وأخبرني عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: (ح/٢١٥) قال ابن حجر في الإصابة ٣٤٣/٤ في ترجمة ضباعة بنت عامر بعد أن ذكر القصة مختصرة: هذا مع انقطاعه ضعيف أ. هـ. وأخرجه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه كما في البداية - انظر حياة الصحابة ٦٨/١ - قلت: وأشار إليها أبو نعيم في آخر الحديث. (١) كذا في الأصل، والمعنى فعلينا نصرك، ولعل الصواب ((فعلنا)). (٢) إلى هنا ينتهي الجزء الأول من الأصل ويبدأ الجزء الثاني منه وإليك سند سماع القسم الثاني من هذا الكتاب وهو الذي يبدأ من هنا كما جاء في الأصل: أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ الثقة أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري رحمة الله عليه وذلك في الآخر من سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وذلك في منزله بدار الخلافة عمرها الله ببغداد حماها الله تعالى، قال أنا الفقيه أبو سعد محمد بن أبي عبدالله بن محمد بن المطرز قراءة عليه بمنزله بأصبهان قال أنا الإِمام أبو نُعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الحافظ. (٣) في الإصابة قال ابن حجر: أخرجه أبو نعيم من طريق عبدالله بن الأجلح عن الكلبي. فيظهر أن في سند حديث الباب سقطاً، أو أن صانع هذا المختصر قد حذف ذلك. ٢٨٩ ح / ٢١٥ الفصل السادس عشر أتانا رسولُ اللهِ وَّه ونحن بسوق عكاظ فقال: ممن القوم؟ قلنا من بني عامر بن صَعْصَعة، قال من أي بني عامر؟ قلنا بنو كعب بن ربيعة، قال كيف المَنَعة فيكم؟ قلنا: لا يُرام ما قِبَلنا ولا يصطلى بنارنا، قال، فقال لهم: إني رسولُ الله فإن أتيتكم تمنعوني حتى أُبلَّغ رسالة ربي ولم أُكرِهِ أحداً منكم على شيء؟ قالوا: ومن أي قريش أنت؟ قال: من بني عبد المطلب، قالوا فأين أنت من بني عبد مناف؟ قال: هم أولُ من كذَّبني وطَردني، قالوا: ولكنّا لا نطردُك ولا نؤمنُ بك، ونمنعك حتى تبلغَ رسالة ربك، قال، فنزل إليهم والقوم يتسوقون، إذ أتاهم بُجْرَة بن فراس القشيري(١) فقال: من هذا الذي أراه عندكم أنكره؟ قالوا: محمد بن عبدالله القرشي، قال: ما لكم وله؟ قالوا: زعم لنا أنه رسول الله، يطلبُ إلينا أن نمنعَه حتى يبلِّغَ رسالة ربه، قال: فماذا رددتم عليه؟ قالوا: قلنا في الرَّحب والسعة، نخرجُك إلى بلادنا ونمنعُك مما نمنع به أنفسنا، قال بُجْرَة ما أعلمُ أحداً من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشر من شيء ترجعون به، ثم بدأتُم لتنابُذ الناس، وترميكم العربُ عن قوس واحدٍ، قومُه أعلمُ به، لو آنسوا منه خيراً لكانوا أسعدَ الناس به، تعمدون إلى رهيق(٢) قوم قد طرده قومه وكذّبوه فتؤوونه وتنصرونه، فبئس الرأي رأيتم، ثم أقبل على رسول الله وَّرَ فقال: قمْ فالْحَقْ بقومِك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربتُ عنقك، قال، فقام رسول الله وَّه إلى ناقته فركبها فغمز الخبيثُ بجرةُ شاكِلَتها(٣) فقمَصَت برسول الله وَ لهَ فألقته، وعند بني عامر يومئذ (١) في الأصل ((بجرة بن قيس)) فصححناه من الإصابة وسيرة ابن إسحق، وهو موافق لما جاء في آخر هذا الأثر في الصفحة التالية عند قوله ((واسم الاثنين النضر ... )). (٢) رهيق قوم: سفيههم. (٣) مکان قيدها. ٢٩٠ الفصل السادس عشر ح / ٢١٥ ضباعة بنت عامر بن قرط، كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله الَله بمكة، جاءت زائرة إلى بني عمها، فقالت: يا آل عامر، ولا عامر لي، أيُصنع هذا برسولِ الله وَّل بين أظهركم لا يمنعه أحدٌ منكم، فقام ثلاثةُ نفر من بني عمها إلى بجرة واثنان أعاناه، فأخذ كلّ رجلٍ منهم رجلاً فجلد به الأرض، ثم جلس على صدره، ثم علوا وجوهَهم لطماً، فقال رسول الله وَلقل: اللهم بارك على هؤلاء والْعَنْ هؤلاء، قال فأسلم الثلاثة الذين نصروه، فقُتِلوا شهداء، وهلك الآخرون لعناً. واسم الاثنين النفر اللذين نصرا بجرة بن فراس(١): حزنُ بن عبد الله، ومعاوية بن عبادة. وأما الثلاثة الذين نصروا رسول الله ﴿ له فغِطريف، وغَطَفان ابنا سهل، وعروة بن عبدالله. أخبرناه عن يحيى بن صاعد قال ثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال ثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثني محمد بن السائب الكلبي. وفي رواية محمد بن إسحاق(٢) قال حدثني الزهري: فلما صدر الناسُ رجعتْ بنو عامرٍ إلى شيخ لهم قد كان أدركته السنُّ حتی لا يقدر أن يُوافي معهم الموسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه في ذلك، سألهم عما كان في موسمهم، فقالوا: جاءَنا فتى من قريشٍ ثم حدَّثَ إنه أحدُ بني عبد المطلب، یزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه، ونقوم معه، ونخرج به معنا (١) في الأصل ((واسم الثلاثة النفر الذين نصروا بجرة: فراس وحزن ... )) والصواب ما ذكرناه. (٢) أخرجها في السيرة ٤٢٥/١ هكذا مرسلة، وهي في البداية والنهاية ١٣٩/٣. ٢٩١ الفصل السادس عشر ح / ٢١٦ - ٢١٧ إلى بلادنا، قال، فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تَلاف؟ هل لذُناباها من مَطْلب(١)؟ فوالذي نفس فلانٍ بيده ما تَقَوَّلها إسماعيليٌّ(٢) قط، إلا أنها الحقّ، فأين كان رأيُكم. ٢١٦ - حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال ثنا منجاب قال ثنا إبراهيم بن يوسف عن زياد بن عبدالله عن محمد بن إسحاق قال حدثني رجل من کنْدَة يقال له یوسف عن أشياخ قومه أنهم حدثوه قالوا: كان رسول الله وَل﴿ رأى في منامه أنه ينصره أهل مدَرٍ ونخل(٣) فأتى كِندة فقال: إني قد رأيتُ في منامي أنه ينصرني أهلُ مدَرٍ ونخلٍ ، فأنتم أهل مدرٍ ونخلٍ ، فهل لكم في ذلك؟ قالوا: نعم، إن جعلت لنا الولاية بعدَك، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ لستُ فاعلُه، وأدبروا عنه، فقال رسول الله وَله: وجوهُ ملوكٍ وأعقابٌ غَدَرة. ٢١٧ - حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال ثنا أبو كُرَيْب قال ثنا مصعب بن المقدام قال ثنا إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبدالله قال: كان رسولُ الله وَلّ يعرض نفسه على الناس بالموقف يقول: ألا رجلٌ يعرضُني على قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلّغ كلامَ ربي، قال: فأتاه رجلٌ من هَمْدان(٤) فقال: ممن أنت؟ فقال: من هُمْدان، قال: فعند (ح/٢١٦) لم أجده عند غير أبي نعيم وسنده مقطوع - ر: الخصائص ٤٥٣/١ -. (ح/ ٢١٧) قال ابن حجر في الفتح ٢١٩/٨ رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من حديث جابر، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٥/٦ أخرجه أحمد ورجاله ثقات وابن أبي شيبة برقم ١٨٤٣١ . (١) هذا مثل يضرب لما فات من الأمر. (٢) في الأصل ((ما يقولها إسماعيلي)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام، ويظهر أنه من أخطاء النساخ. والمعنى: أنه ما ادعى النبوة أحد من بني إسماعيل كذباً قط. (٣) أهل مدر ونخل: أهل قری. (٤) همدان: قبيلة من قبائل اليمن. ٢٩٢ الفصل السادس عشر ح / ٢١٨ - ٢١٩ قومك منَعة؟ قال: نعم، فذهب الرجلُ ثم أنه خشي أن يخفرَه قومه، فرجع إلى النبي بَّهَ، قال، أذهبُ فأعرضُ على قومي، ثم آتيك، فذهبَ وجاءت وفودُ الأنصارِ في رجب. لفظ مصعب أتم(١) . ٢١٨ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عبدالله بن عدس المصري قال ثنا هارون بن موسى الفروي قال ثنا إسحاق بن محمد قال ثنا عبدالله بن عمرو حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ اللهِ وَِّ يعرض نفسه في كلِّ سنةٍ على القبائل من العرب أن يؤووه إلى قومِهم حتى يبلّغَ كلام الله عز وجل ورسالاتِه، ولهم الجنة. ٢١٩ - أخبرنا أبو عمر محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي حدثني أيوب بن النعمان بن عبدالله بن كعب بن مالك عن أبيه عن عبدالله بن كعب بن مالك قال: أقام رسولُ اللهَ وَّ ثلاثة سنين من نُبُوَّته مستخفياً، ثم أعلن في الرابعة، فدعا عشر سنين، يُوافي الموسم، يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومِجَنَّة وذي المجاز(٢)، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يُبلّغ رسالة ربه عز وجل ولهم الجنة، فلا يجدُ أحداً ينصرُه، حتى أنه يسأل عن القبائلِ ومنازلهم قبيلة قبيلة حتى انتهى إلى بني عامر بن صَعْصَعة، فلم يلقَ من أحدٍ من الأذى قطّ ما لقي منهم، حتى خرج من عندهم وأنهم ليرمونه من (ح/٢١٨) قال في مجمع الزوائد ٤٢/٦ رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبدالله بن عمر العمري وثقه أحمد وجماعته، وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢٧/١ من طريق الواقدي. (ح/٢١٩) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢١٦/١ من طريق الواقدي أيضاً والواقدي متروك. (١) كذا في الأصل، ولم يسبق حديث مصعب، ولعل صانع هذا المختصر قد حذفه. (٢) عكاظ، ومجنة، وذو المجاز: ثلاثة أسواق من أسواق العرب المعروفة. ح / ٢٢٠ الفصل السادس عشر ٢٩٣ ورائه، حتى انتهى إلى بني مُحارِب بن خَصْفَة، فوجد فيهم شيخاً ابن مائة سنة وعشرين سنة، فكلمه رسول الله وَالر ودعاه إلى الإِسلام وأن يمنعه حتى يبلّغ رسالة ربه، فقال الشيخ: أيها الرجل قومُك أعلم بنَّئِك، والله لا يؤوب بكَ رجلٌ إلى أهله إلا آبَ بشرِّ ما يؤوبُ به أهلُ الموسم، فاغن عنا نفسك، وإن أبا لهب لقائمٌ يسمعُ كلامَ المُحاربي، ثم وقف أبو لهب على المحاربي فقال: لو كان أهلُ الموسم كلُّهم مثلُك لتَرَك هذا الدين الذي هو عليه، إنه صابىء كذّاب، قال المحاربي: أنت والله أعرف به، هو ابن أخيك ولحمتك، ثم قال المحاربي: لعلّ به يا أبا عتبة لَمَماً، فإن معنا رجلاً من الحيّ يهتدي لعلاجِه، فلم يرجعْ أبو لهب بشيء غير أنه إذا رآه وقف على حيّ من أحياءِ العرب صاحَ به أبو لهب إنه صابىء كذاب. قال الشيخُ رحمة الله عليه: ومن القبائل الذين سماهم الواقدي أنه عليه السلام عرض عليهم نفسَه ودعاهم إلى الإِسلام: بنو عامر، وغسان، وبنو فَزارة، وبنو مُرّة، وبنو حنيفة، وبنو سُلَيْم، وبنو عبس، وبنو نصر من هوازن، وثعلبة بن العكابة، وكِنْدة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عُذرة، وقيس بن الخَطيم، وأبو الجيش أنس بن أبي رافع(١). ٢٢٠ - أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال ثنا عبدالله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال: جاءنا رسول الله وَل﴿ في منازِلنا - أي منازل بني عبس - بِمنى، ونحن نازلون بالجمْرة الأولى التي تلي مسجد الخَيْفِ، وهو (ح/ ٢٢٠) أخرجه الواقدي وأبو نعيم من طريقه - ر: الخصائص ٤٥٤/١ - والواقدي متروك. وهو في البداية والنهاية ١٤٥/٣ . (١) في الإِصابة: أنس بن رافع. ٢٩٤ الفصل السادس عشر ح / ٢٢٠ على راحلته، مُردِفاً خلفه زيد بن حارثة، فدعانا، فوالله ما استجبنا له، ولا خير لنا، قال، وقد كنا سمعنا به وبدعائه في الموسم، فوقف علينا يدعونا، فلم نستجب له، وكان معنا مَيْسَرة بن مسروق العبسي، فقال: أحلف بالله لو صدّقْنا هذا الرجل وحملْناه حتى نحلّ به وسط رحالنا لكان الرأي، فأحلِفُ بالله ليظهرنّ أمره حتى يبلُغ كلّ مبلغ، فقال له القوم: دعنا عنك لا تعرّضنا لما لا قِبَل لنا به، فطمع رسول الله ◌َّ في ميسرة، فكلمه، فقال ميسرة ما أحسنَ كلامك وأنوَره، ولكن قومي يخالفونني، وإنما الرجل بقومه، فإن لم يعضدوه فالعِدا أبعد، فانصرف رسولُ اللهِ وََّ، وخرج القومُ صادرين إلى أهلهم، فقال لهم ميسرة: ميلوا بنا إلى فَدَك، فإن بها يهود، نسائِلُهم عن هذا الرجل، فمالوا إلى يهود، فأخرجوا سِفراً لهم، فوضعوه، ثم درسوا ذِكرَ رسول الله وله النبي الأمي العربي، يركب الجمل، ويجزىء بالكسرة، وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجَعْدِ ولا بالسّبط، في عينيه حمرة، مشرّب اللون، فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه، وادخلوا في دينه، فإنا نحسدُه فلا نتبعه، ولنا منه في مواطن بلاءٌ عظيم، ولا يبقى أحدٌ من العرب إلا اتّبعه أو قاتَله، فكونوا ممن يتبعُه، فقال ميسرة: يا قوم إن هذا الأمرَ بيّن، قال القوم: نرجع إلى الموسم فنلقاه، فرجعوا إلى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالُهم، فلم يتبعه أحد منهم، فلما قدم رسولُ الله ﴿ المدينَة وحجَّ حجة الوداع، لقيه مَيْسرةُ، فعرفَه، فقال: يا رسول الله، والله ما زلتُ حريصاً على اتباعك من يوم أنخْتَ بنا، حتى كان ما كان، وأبى الله إلا ما ترى من تأخير إسلامي، وقد مات عامة النَّفر الذين كانوا معي، فأين مدخَلُهم يا نبي الله؟ فقال رسول الله وَل: كل من مات على غير دين الإِسلام فهو في النار، فقال الحمد للالذي أنقذني، فأسلمَ فحسُنَ إسلامُه، وكان له عند أبي بكر مكانٌ، - لفظ الحسن بن الجهم -. ٢٩٥ ح / ٢٢١ الفصل السادس عشر ٢٢١ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني قال حدثنا أبي قال ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما أفسد الله عز وجل صحيفة مكرِهم خرجَ النبيّ وَ لَّ وأصحابُه فعاشوا وخالطوا الناسَ، ورسول الله وَلّ في تلك السنين يعرضُ نفسَه على قبائل العرب في كلِّ موسم، ويكلم كل شريف، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يُؤووه ويمنعوه، ويقول: لا أُكرِه منكم أحداً على شيء، من رَضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أكرهه، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلَّغَ رسالاتِ ربي، ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء، فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلا قالوا: قومُ الرجل أعلمُ به، أفَترى رَجُلا يصلحُنا وقد أفسدَ قومَه، وذلك لِما ادّخر اللَّهُ عز وجل للأنصارِ من البركة. ومات أبو طالب وازداد من البلاءِ على رسول الله وَله شدّة، فعمد إلى ثقيفٍ يرجو أن يؤووه وينصروه، فوجد ثلاثة نفرٍ منهم سادةَ ثقيفٍ، وهم إخوَةٌ، عبدَ ياليل بن عمرو، وحبيب(١) بن عمرو، ومسعودَ بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء وما انتهك قومُه منه، فقال أحدهم: أنا أسرق ثيابَ الكعبة إن كان الله بعثك بشيءٍ قطّ، وقال الآخر: والله لا أكلّمك بعد مجلسِك هذا كلمة واحدة أبداً، لئن كنت رسولاً لأنت أعظم شرفاً وحقاً من أن أكلمك، وقال الآخر، أعَجَز اللَّه أن يرسلَ غيرَك !! وأقْشُوا ذلك في ثقيف - الذي قال لهم - واجتمعوا يستهزئون برسول الله وله (ح/ ٢٢١) قال في فتح الباري ١٢٣/٧ ذكره موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب وذكره ابن إسحاق ٤١٩/١ بغير إسناد. قلت رواية حديث الباب مرسلة كما أنها من رواية ابن لھیعة وهو قد خلط بعد احتراق کتبه. (١) في الأصل ((خبيب)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام وفتح الباري. ٢٩٦ الفصل السادس عشر ح / ٢٢١ وقعدوا له صفّين على طريقه، فأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجلَه ولا يضعُها إلا رضَخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون، فلما خلُص من صفَّيْهم وقدماه تسيلانِ الدماءَ، عمد إلى حائطٍ من كرومهم فأتى ظل حَبَلة (١) من الكرم، فجلس في أصلها مكروباً موجّعاً، تسيل قدماه الدماء، فإذا في الكرم عتبةُ بن ربيعة وشَيْبةُ بن ربيعة، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما، لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله، وبه الذي به، فأرسلا إليه غلامَهما ((عَدّاساً)) بعنبٍ، وهو نصراني من أهل نينوى(٢)، فلما أتاه وضَعَ العنبَ بين يديه، فقال رسول الله وَّل: بسم الله، فعجب عدّاس، فقال له رسول الله وَله: من أيِّ أرضٍ أنْتَ يا عَدَّاس؟ قال أنا من أهل نينوى، فقال النبي و ل﴿ من أهل مدينة الرجل الصالح يونُس بن متى، فقال له عداس: وما يدريك مَنْ يونس بن متى، فأخبرَه رسولُ اللهَ وَ لّ من شأن يونس ما عَرَفَ، وكان رسول الله وَلل لا يحقر أحداً يبلغه رسالات الله تعالى، قال: يا رسول الله أخبرني خبرَ يونس بن متى، فلما أخبره رسول الله وَلّر من شأن يونس بن متى ما أوحي إليه من شأنه، خَرَّ ساجداً للرسول وال﴿، ثم جعل يقبِّل قدميه وهما تسيلان الدماء، فلما أبصر عتبةُ وأخوه شيبةُ ما فعل غلامُهما سكتا، فلما أتاهما قالا له ما شأنك؟ سجدتَ لمحمد، وقبلتَ قدميه، ولم نرك فعلتَ هذا بأحدٍ منا، قال: هذا رجل صالحُ حدثني عن أشياءَ عرفتُها من شأن رسولٍ بعثه الله تعالى إلينا يدعى يونس بن متى، فأخبرني أنه رسول الله، فضحكا وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، إنه رجل يَخْدَع. ثم رجع رسول الله وَّر إلى مكة. (١) الحبلة: شجرة العنب. (٢) نينوى: هي قرية نبي الله يونس بن مَتّى بالموصل في العراق. ٢٩٧ الفصل السادس عشر ح / ٢٢٢ - ٢٢٣ ٢٢٢ - أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن فيما قرىء عليه ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي حدثني محمد بن عبدالله بن كثير بن الصلت عن ابن رومان وعبدالله بن أبي بكر وغيرهما قالوا: جاءَ رسولُ اللهِ وَلَ كِندة في منازِلهم بعكاظ، فلم يأتِ حياً من العرب كان ألينَ منهم، فلما رأى لينَهم وقوة جبههم(١) له، جعل يكلمهم ويقول: أدعوكم إلى الله وحدَهُ لا شريك له، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسَكم، فإن أظهرْ فأنتم بالخيارِ، فقال عامتهم: ما أحسنَ هذا القول، ولكنا نعبدُ ما كان يعبد آباؤنا، قال أصغرُ القوم: يا قوم اسبقوا إلى هذا الرجل قبل أن تُسبَقوا إليه، فوالله إن أهل الكتاب ليحدّثون أن نبياً يخرجُ من الحَرم قد أظل زمانُه، وكان في القوم إنسانٌ أعور، فقال امسكوا عليّ، أخرجَته عشيرتُه وتؤوونه أنتم، تحملونَ حربَ العرب قاطبةً، لا، ثم لا ، فانصرف عنهم حزيناً، فانصرف القومُ إلى قومِهم فخبروهم، فقال رجل من اليهودِ: والله إنكم مخطئون بخطئكم (٢) لو سَبَقتم إلى هذا الرجل لسُدْتم العربَ، ونحن نجد صفته في كتابنا، فوصفه للقوم(٣) الذين رأوه، كل ذلك يصدقونه بما يصف من صفته، ثم قال: نجد مخرجه بمكة، ودار هجرته يثرب، فأجمع القومُ ليوافوه في الموسم القابل(٣)، فحبسهم سيدٌ لهم عن تلك السنة، فلم يُواف أحد منهم، فمات اليهودي، فسُمع عند موته یُصَدِّقُ بمحمد ێ ويؤمن به . ٢٢٣ - حدثنا حبيب بن الحسن قال ثنا محمد بن يحيى بن سليمان قال ثنا (ح/٢٢٢) قال في الخصائص ٤٥٥/١ أخرجه الواقدي وأبو نعيم من طريق الواقدي قلت: والواقدي متروك. (ح/ ٢٢٣) قال في مجمع الزوائد ٤٢/٦ أخرجه الطبراني عن ابن إسحاق ورجاله ثقات قلت: وهو في السيرة ٤٢٨/١. (١) قوة جبههم: قوة منطقهم. (٢) كذا في الأصل: ولعل الصواب ((بحظكم)). (٣) في الأصل ((القوم)) و((قابل)) ما أثبتناه هو الصواب. ٢٩٨ الفصل السادس عشر ح / ٢٢٣ أحمد بن محمد بن أيوب قال ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: لما أراد الله عز وجل إظهار دينه، وإعزازَ نبيه وََّ، وإنجاز موعده له، خرجَ رسولُ اللهِ وَّ في الموسم الذي لقي فيه النَّفْرَ من الأنصار، يعرضُ نفسه على قبائل العرب كلّها، كما كان يصنع [ في كل موسم ](١)، فبينما هو عند العقبة(٢)، لقي رهطاً من الخِزْرَج أراد الله تعالى بهم خيراً. قال إبراهيم عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قال : لما لقيهم رسولُ اللهِ وَّ قال لهم: من أنتم؟ قالوا نحن الخزرجُ، قال أمِن موالي اليهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم، قالوا: بلى، قالوا، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإِسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ، قال، وكان مما صنع الله تعالى لهم في الإِسلام أن يهودَ كانوا معهم في بلادِهم، وكانوا أهل كتابٍ وعِلم، وكانوا [ هم ](١) أهل شرك أصحاب أوثان، وكانت الأوسُ والخزرجُ قد غزوهم ببلادهم، وكانوا إذا كان بينهم شيءٌ قالوا لهم: إن نبياً مبعوثٌ الآن، قد أظل زمانُه نتبعه فنقتلكم مَعَه قتلَ عادٍ وإرَم، قال، فلما كلم رسولُ الله وَلِّ أولئك النفرَ ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي توعَّدكم به اليهودُ، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، وصدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام، وقالوا له: إنا كنا قد تركنا قومَنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك (٣) فسنقدمُ عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم (١) ما بين الحاصرين من سيرة ابن هشام، ولا بد منه ليستقيم المعنى. (٢) العقبة: موضع بين منى ومكة. (٣) في الأصل ((لك)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام. ٢٩٩ ح / ٢٢٤ الفصل السادس عشر الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله فلا رجلٌ أعزَّ منك، ثم انصرفوا عن رسول الله وَ ر راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدّقوا، وهم فيما ذُكِر لي ستّةُ نفرٍ من الخزرج، منهم من بني النجار وهو (١): تَيْمُ الله، ثم من بني مالك بن النجار: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وعوفُ ومعاذ ابنا(٢) الحارث بن رِفاعة، ومن بني زُرَيق بن عامر: رافع بن مالك بن العجلان، ومن بني سَلِمة بن سعد ثم من بني سواد بن غَنْم: قُطْبَةُ بن عامر بن حَديدة، ومن بني حرام بن كعب: عُقْبة بن عامر بن نابي، ومن بني عُبيد ابن عدي: جابر بن عبدالله بن رِئاب بن النُّعمان. فلما قدموا المدينة على قومهم ذكروا لهم رسول الله وَ ي ودعوهم إلى الإِسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله وَّر، حتى إذا كان في العام المقبل وافى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلاً، فلقوا رسول الله وسلم بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوه على بيعة النساء، وذلك قبل أن يُفترضَ عليهم الحربُ، فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله وَّ معهم مُصعَب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فأمره أن يُقرِئَهم القرآن ويعلمَهم الإِسلام، ويفقههم في الدین، وكان مُصعب بن عُمَیر یسمی بالمدينة ((المقرىء)) وكان منزله على أبي أمامة بن زرارة أخي بني النجار. ٢٢٤ - أخبرنا أبو عمر محمد بن أحمد بن الحسن فيما قرىء عليه قال ثنا (ح/٢٢٤) لم نجده عند غير أبي نعيم، وفيه الواقدي وهو متروك. (١) في الأصل ((لك)) و((هم)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام. (٢) المعروف أن عوف بن الحارث وحده كان في هذه البيعة، أما معاذ بن الحارث فقد بايع في العام القابل - انظر سيرة ابن هشام، والسيرة الحلبية - ونحن لو أحصينا الذين ذكرهم أبو نعيم هنا لوجدناهم سبعة، لا ستة، وبذلك يتأكد صحة ما قلناه. ٣٠٠ الفصل السادس عشر ح / ٢٢٥ الحسن بن أبي الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثني إسحاق بن حباب عن يحيى بن یعلی قال: قال عليّ بن أبي طالب يوماً وهو يذكر الأنصار، وفضلهم وسابقتهم، ثم قال: إنه ليس بمؤمنٍ من لم يحبّ الأنصار ويعرفْ لهم حقوقَهم، هم والله رَبُّوا الإِسلام، كما يُربى الفَلْوُ(١) في فنائهم، بأسيافِهم وطولِ ألسنتهم وسخاء أنفسهم، لقد كان رسول الله و ير يخرج في المواسم فيدعو القبائلَ ما أحدٌ من الناس يستجيب له ويقبل منه دعاءه، فقد كان يأتي القبائل بِمِجَنّة وعُكاظ وبمنى، حتى يستقبل القبائل، يعود إليهم سنة بعد سنة، حتى أن القبائل منهم من قال ما آن لك أن تيأس منا؟! من طول ما يعرض نفسه عليهم، حتى أراد الله عز وجل ما أراد بهذا الحيّ منْ الأنصار، فعرض عليهم الإِسلام، فاستجابوا وأسرعوا وآووا ونَصَروا وواسوا، فجزاهم الله خيراً، قدِمنا عليهم، فنزلنا معهم منازلهم، ولقد تشاخُّوا فينا، حتى أن كانوا ليقترعون علينا، ثم كنا في أموالهم أحقّ بها منهم، طيّبةً بذلك أنفُسهم، ثم بذلوا مُهَجَ أنفسهم دون نبيهم ◌ََّ وعليهم أجمعين. ٢٢٥ - أخبرنا محمد بن أحمد قال ثنا الحسن بن أبي الجهم قال ثنا الحسين ابن الفرج قال ثنا محمد بن عمر قال ثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي منصور عن إبراهيم ابن يحيى بن يزيد بن ثابت عن أم سعد بنت سعد بن الربيع قالت: أقامَ رسولُ الله ◌َّل بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله عز وجل، فُيُؤْذَى ويُشتَم، حتى أراد الله عز وجل بهذا الحيّ من الأنصار ما أراد من الكرامة، فانتهى رسول الله وَّه إلى نفرٍ عند العقَبَة، وهم يحْلِقون رؤوسهم، قلت: من هم يا أمّه؟ قالت ستة نفرٍ أو سبعة، منهم من بني النَّجَّار ثلاثة: أسعدُ بن زرارة، وابنا عَفْراء، ولم تسم لي من بقي، قالت: (ح/ ٢٢٥) لم نجده عند غير أبي نعيم وفيه الواقدي وهو متروك. (١) الفلو: المهر الصغير.