Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٩ رجلٍ على أمر صاحبه، قال، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إن فلاناً أوصى بي إليك وأمرني باللحُوقِ بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ قال إني والله ما أعلمُ رجلاً على ما كنا عليه إلا رجلاً بنَصِيبين(١) وهو فلان، فالْحَقْ به، فلما مات وغيِّبَ لحقتُ بصاحب نَصِيبين، فجئته فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي (٢) فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبه، فأقمت معه فوجدته خيرَ رجلٍ ، فوالله ما لبث إذ نزل به الموتُ، فلما حضرته الوفاة قلت: يا فلان إن فلاناً أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني به؟ قال يا بني: ما أعلم أحداً بقيَ على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل أمرنا، فإن أحببت فأته، فإنه على أمرنا قال، فلما ماتَ وغيّب لحقتُ بصاحب عمورية، وخبرته خبري، فقال أقم فأقمت عنده فوجدته خیرَ رجلٍ على هَذْ.، أصحابه وأمرهم، لم أر أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرة ولا أدأبَ ليلاً ونهاراً منه، قال ثم اكتسبتُ حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال، ثم نزل به أمرُ الله فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي أن آتي فلاناً، ثم أوصى بي فلانٌ إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني والله ما أعلم أصبح على ما كنا عليه أحدٌ من الناس آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلَّكَ زمانُ نبيّ، هو مبعوثٌ بدین إبراهیم الخلیل، يخرجُ بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حَرَّتين، بها نخلٌ، به علامات لا تخفى، يأكل الهديةَ ولا يأكلُ (١) مدينة شمال بلاد الشام كانت قاعدة ديار ربيعة. (٢) في السيرة ((صاحباي)). ٢٦٢ ومما يدخل في الباب ح / ١٩٩ الصَّدَقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعتَ أن تلحقَ بتلك البلادِ فافعل، قال: ثم إنه مات وغيِّبَ ومكثتُ بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مرّ بِي نفرٌ من كلْبٍ تجارٌ، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه، قال، فأعطيتهم إياها، وحملوني معهم، حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل يهودي عبداً، فكنت عنده، ورأيت النخلَ فرجوت أن يكون البلدَ الذي وَصَفَ لي صاحبي ولم يحقق(١) لي في نفسي، فبينا أنا كذلك، إذ قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمتُ بها، وبعثَ الله رسولَهُ فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر لما أنا فيه من شغل الرّق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عَذْقٍ (٢) لسيدي أعملُ فيها بعضَ عمله، وسيدي جالسٌ تحتي، إذ أقبل ابن عم له، فوقف عليه، فقال: يا فلان قاتل الله بني قيلة(٣) والله إنهم الآن يجتمعون بقُباء(٤) على رجلٍ قدمَ عليهم من مكة اليومَ يزعمون أنه نبي، قال فلما سمعتها أخذتني العُروراء(٥) حتى ظننت أني ساقِطٌ على سيدي، فلما نزلت على النخلة، جعلت أقول لابن عمه ذلك، ما تقول؟ قال فغضب سيدي فلكمني لكمةً شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك، قلت: لا شيء أردت أن استثبته مما قال، فکان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسیت أخذته، ثم (١) في السيرة ((ولم يحق في نفسي)). (٢) العذق: النخلة بحملها. (٣) بنو قيلة: هم الأنصار. (٤) قباء: موضع قرب المدينة. (٥) العروراء: الرعدة. ٢٦٣ ح / ١٩٩ ومما يدخل في الباب ذهبت به إلى رسول الله ﴿ ﴿ وهو بقُباء، فدخلتُ عليه، فقلتُ له: إنه بلغني أنك رجل صالح، معك أصحابٌ لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم، ثم قربته إليه فقال رسول الله وَله لأصحابه: كلوا، وأمسكَ يده فلم يأكل، قال فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفتُ عنه فجمعت شيئاً، ثم تحول رسول الله وَلقول إلى المدينة، ثم جئته فقلت له: إني رأيتُكَ لا تأكل الصَّدقة وهذه هدية أكرمتك بها، قال، فأكلَ رسولُ الله وَلِّ وأمر أصحابه فأكلوا معه، فقلت في نفسي : هاتان ثنتان، ثم جئت رسول الله وَّ وهو ببقيع الغَرْقَد(١)، قد تبع جنازة رجلٍ من أصحابه، عليه شملتان له، هو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدبرتُه أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتَم الذي وَصَفَ لي صاحبي، فلما رأى رسول الله و طر أني استدبرته عرف أني أستثبته في شيء وُصِفَ لي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكبيت عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسولُ الله ◌َّر تحوّل، فتحولت بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدّثتك يا ابن عباس، فأعجبَ ذلك رسولَ اللهِ وَّ﴾، وأحب أن يسمع ذلك أصحابُه، ثم قال لي: كاتِبْ يا سلمان(٢)، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة بالفقير(٣) وبأربعين أوقية، فقال رسول الله و ير أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين وَدِيَّة (٤)، والرجل بخمسة عشر، والرجل بقدر ما عنده، حتى جمعوا ثلاثمائة وَدِية فقال رسول الله وسلّ: اذهب يا سلمان ففَقَّرهما(٥) فإذا فرغت (١) بقيع الغرقد: مقبرة أهل المدينة. (٢) أي اتفق مع سيدك على أن تدفع له مبلغاً من المال تُعتَق به. (٣) الفقير: الحفرة التي تغرس فيها الفسيلة. (٤) وديّة: صغار فسائل النخل وغيره. (٥) في السيرة ((ففقر لهما)). ٢٦٤ وما يدخل في الباب ح / ١٩٩ فآذني حتى أكون أنا الذي أضعها بيدي، قال فَفَقرت لها، وأعانني أصحابي حتى فرغت، فجئته فأخبرته فخرج رسول الله وَ ير معي إليها، فجعلنا نقرب له الوَدِيّ(١) ويضعه رسول الله وَّ بِيَدِهِ حتى فرغنا، فوالذي نفس سلمانَ بيده ما مات منها وَدِيَّةٌ واحدة، فأدّيت النخل وبقي عليّ المال، فأتى رسولُ اللهِ وَّه بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن، فقال رسول الله وَ له: ما فعل الفارسيُّ المكاتبُ، قال، فدُعيت له، فقال: خذ هذه فأدِّها مما عليك يا سلمان، قال: قلت: فأين تقع هذه يا رسولَ الله مما عليّ؟! قال خذها فإن الله سیؤدي بها عنك، فوزنت لهم منها - والذي نفس سلمانَ بيده - أربعين أوقية، فأوفيتُهم حقُّهم، وعتَقَ سلمان، فشهدتُ مع رسول الله وَّهِ الخَنْدَق حُرّاً ثم لم يفتني مشهدٌ. (١) الودي: مفردها وديَّة وهي صغار الفسيل. ٢٦٥ الفصل السادس عشر الْفَصْلِ السَّادِيسَ عَشِ (١) في ذكر ما دار بينه وبين المشركين لما أظهر الدعوة، وما جرى عليه من أحواله إلى أن هاجر، وما كان من صبره على بلوى الدعوة واحتمال الأذية وإيراد الآيات والبراهين عليها وکان ژ فيما قاله عروة بن الزبير وابن شهاب ومحمد بن إسحاق من حين أنزل عليه ﴿ اقْرَأ باسْمِ رَبِّك الذي خَلَقَ﴾ - العلق ١ - إلى أن كلف الدعوة وإظهارها فيما أنزل عليه ﴿فاصْدَع بما تُؤْمَر وأَعرِض عن المشركين﴾ - الحجر ٩٤ - ﴿وأنذِرْ عَشيرَتَكَ الأَقْرَبين﴾(٢) ﴿وَقُلْ إني أنا النذيرُ المبين ﴾ - الحجر ٨٩ - ثلاث سنين، لا يُظهر الدعوة إلا للمختصين به، منهم: خديجةُ وأبو بكر وعلي وزيد وغيرهم رضي الله عنهم، ثم أعلن الدعوةَ وصدع بها بأمر الله نحو عشر سنين، فكان عمّه أبو طالب له حامياً، وعنه دافعاً وذاباً، فعظم عليه وَّر وعلى أصحابه مَنْ أجابه إليها البلاءُ، واشتد، ومُنعوا من إظهارِ التوحيد والتصديق، ويعذَّبون ويهانون إلى أن أذن الله لهم في هجرة الحبشة، فكان عثمان بن عفان وجعفر بن أبي طالب،، وأبو سلمة بن عبد الأسد وجماعة كثيرة، خرجوا إلى النجاشي، فأحسن مجاورَتهم، وأخرجَ المشركون عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد إلى (١) هو الفصل العشرون في تصنيف أبي نعيم. - (٢) سورة الشعراء، الآية ٢١٤. ٢٦٦ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٠ النجاشي ليردهم إلى قريش، فَخيَّهم النجاشي، وردهما خائبين، فازداد المشركون في الشدة على المسلمين، وتآمروا في قتل النبي ◌َّر، ثم أدخلوه وبني هاشم الشِّعب، وكتبوا الصحيفةً على أن لا يبايعوهم ولا يجامعوهم، فبقوا مُحصرين ثلاث سنين، إلى أن سلَّط الله عز وجل الأَرَضَةَ(١) على الصحيفة، فلحست ما فيها من الجَوْر والظلم، وكان مع ذلك ◌َله داعياً إلى الله عز وجل، فخرجوا من الشِّعب، وتوفي أبو طالب فلم يكن في عشيرته وأعمامِه حامياً ولا ذاباً عنه، فخرج إلى الطائف يلتمسُ النصرَ من عند أخواله بني عبد ياليل، فلم يقبلوه، وکان یَعرُضُ نفسه في المواسمِ على قبائل العرب أن يؤووه وينصروه ليبلّغ رسالاتِ ربه، فلم يقبله أحدٌ، إلى أن قيَّض الله تعالى له الأنصارَ، فبايعوه وأذن لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فانتظر هو ◌َ ر ليأذن الله عز وجل له في الهجرة. ٢٠٠ - أُخبرت عن المتبعي عن داود بن عمرو الضبي قال ثنا أبو راشد وهو المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق قال حدثني الأجلح عن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: بينا رسولُ اللهِ وَّرَ في المسجد، وأبو جهل بن هشام، وشَيْبَة وعُتبة (ح/ ٢٠٠) أخرجه مسلم ١٧٩/٥ من طريق زكريا عن أبي إسحاق مختصراً وأخرج البخاري في صحيحه من طريق إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال حدثني عمرو بن ميمون أن عبدالله بن مسعود فذكر الحديث دون قصة أبي البختَرِيّ - ر: فتح الباري ٣٦٣/١ - وكذا أخرجه من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق بسنده ـ ر: فتح الباري ١٤١/٢ - قال ابن حجر وروى هذا الحديث ابن إسحاق في المغازي قال حدثني الأجلح عن أبي إسحاق والقصة مشهورة في السيرة، وأخرجها البزار من طريق ابن إسحاق وأشار إلى تفرد الأجلح بها عن أبي إسحاق، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨/٦ رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه الأجلح ابن عبدالله الكندي وهو ثقة عند ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره وقال ابن حجر في تقريب التهذيب هو صدوق. (١) الأرضة: دويبة تأكل الخشب. ح / ٢٠٠ الفصل السادس عشر ٢٦٧ ابنا ربيعة، وعقبةُ بن أبي مُعَيْط، وأمية بن خلف، قال أبو إسحاق ورجلان آخران لا أحفظُ اسميهما، كانوا سبعة، وهم في الحِجْر، ورسول الله وَله يُصلي، فلما سجد أطالَ السجودَ، فقال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفَرْئِها(١)، فيلقيهِ على ظهرِ محمد، فانطلق أشقاهم وأسفلُهم عُقْبَة بنُ أبي مُعَيْط، فأتى به، فألقاه على كتفه، ورسول الله صلَّ ساجدٌ، قال ابن مسعود: وأنا قائمٌ لا أستطيع أن أتكلم، ليس عندي عشيرةٌ تمنعني، فأنا أرهبُ، إذْ سمعتْ فاطمةُ بنت رسول الله وَّ بذلك، فأقبلت حتى ألقت ذلك عن أبيها، ثم استقبلت قريشاً فشتمتهم، فلم يُرجِعوا إليها شيئاً، ورفَعَ رسولُ اللهِ وَلّ رأسه كما كان يرفع عند تمام سجوده، فلما قضى صلاته قال: ((اللهمّ عليكَ بقريشٍ ، اللهم عليك بقريشٍ، اللهم عليك بقريش: اللهم عليك بعُقْبَة، وعُتْبَة، وأبي جهل، وشَيْبَة، وذينِك الرجلين)) ثم خرج رسولُ الله ◌َ﴿ من المسجد ولقيهُ أبو البَخْتَرِيّ ومع أبي البخْتَريّ سوطٌ يتخصر به، فلما لقيه النبي وَلهو أنكر وجهَه فأخذه، فقال: تعالَ مَا لَكَ؟ قال النبيِ﴿: خلّ عني، قال: عليّ الله أن لا أخلّي عنك أو تخبرني ما شأنك فلقد أصابك شيء، فلما علم النبي ◌ّ أنه غير مُخلِّ عنه أخبره فقال: إن أبا جهل أمر أن يُطرَحِ عَلَيَّ فَرْثٌ، فقال أبو البَخْتَرِيّ: هلم إلى المسجد، فأبى، فأخذه أبو البَخْتَريّ، فأدخله إلى المسجد، ثم أقبل على أبي جهل، فقال يا أبا الحكم أنت الذي أمرتَ بمحمدٍ فطُرح عليه الفرث قال: نعم، فرفع السوط فضرب رأسَه، فثارت الرجال بعضُها إلى بعض، فصاح أبو جهل فقال: ويحكم من له؟ إنما أراد محمد أن يُلقي بيننا العداوةَ وينجو هو وأصحابه. (١) الفرث: ما في كرش الحيوان من أقذار. ٠ .. : ٢٦٨ الفصل السادس عشر ح/ ٢٠١ - ٢٠٢ المستهزئون وأسماؤهم وذكر ما عجل الله عز وجل لهم من الخزي والهوان(١): ٢٠١ - فحدثنا حبيب بن الحسن ثنا محمد بن يحيى المروزي ثنا أحمد بن محمد ابن أيوب ثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال : خمسةُ نفرٍ من قومه كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم فمنهم: الأسوَدُ بن المطلب بن أُسَد أبو زَمعةَ دعا عليه(٢) رسولُ اللهِ وَّ بما كان يبلغه من أزاه(٢) واستهزائه(٢) فقال اللهم آعم بصره واثْكله ولده، والأسودُ ابن عبد يَغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهره، والوليدُ بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم، والعاص بن وائل بن هشام بن سعد بن سهل، والحارثُ بن الطُّلاطِلَة بن عَمْرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان، قال: فلما تمادوا في الشّ وأكثروا برسول الله وتقليل الاستهزاءَ أُنزل الله تعالى ﴿فاصْدَع بما تُؤْمِرْ وأعْرِض عن المشركين * إنا كَفْيناكَ المسْتهزئين * الذينَ يجْعَلون مَع اللَّهِ إلَهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلِمُونَ﴾ - الحجر ٩٤ - ٩٦ -. ٢٠٢ - وحدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير: (ح/ ٢٠١) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٤٠٨/١ ورجاله ثقات وقد صرح ابن إسحاق بسماعه من یزید بن رومان لكنه مرسل. (ح/٢٠٢) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ٤١٠/١ ورجاله ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بسماعه من يزيد بن رومان ولكنه مرسل. وقال السيوطي في الخصائص ٣٦٥/١ أخرجه البيهقي وأبو نعيم عن ابن عباس فذكر نحو حديث الباب ثم قال: وله طرق عن ابن عباس وغيره أوردتها = (١) في الأصل ((قال الشيخ وأما المستهزئون ... )) فحذفنا ((قال الشيخ وأما)» مراعاة لحسن التبويب. (٢) في الأصل ((عليهم، أذاهم، استهزائهم)) كلها بالجمع، والصواب ما أثبتناه بدليل ما بعده، وكما في سيرة ابن هشام. ٢٦٩ ح / ٢٠٢ الفصل السادس عشر أن جبريل عليه السلام أتى النبي وي ليه وهو يطوف بالبيت [ فقام وأقام رسول الله ](١) إلى جَنْبه، فمر به الأسودُ بن المطلب، فرمى في وجهه ورقة خضراء فعمي . ومرّ به الأسودُ بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بَطْنه فمات منه حَبَناً(٢). ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح بأسفل كعب رجله وكان أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجرُّ سَبَلَتَه(٣) وذلك أنه مر برجل من خزاعة یریش نبلاً له فتعلق سهم من نبله في إزاره فخدشه ذلك الخدش، ولیس بشيء، فلما أشار إليه جبريل عليه السلام انتقض به ذلك الخدش فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض به حماره على شبرقة(٤)، فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطَّلاطِلَة الخزاعي، فأشار إلى رأسه فامتخض(٥) قیحاً فقتله. = في التفسير المسند. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤٧/٧ بعد أن أخرجه من حديث ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى ﴿ إنا كفيناك المستهزئين) بمعنى قريب من حديث الباب أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه محمد بن عبد الحكيم النيسابوري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. (١) ما بين الحاصرين من سيرة ابن هشام. (٢) هو انتفاح البطن من داء. (٣) السبلة: فضول الثياب. (٤) الشبرقة: الخفيف المتفرق من النبات. (٥) في الأصل ((فاحتمص)) فصححناه من سيرة ابن هشام، والمعنى: تحرك القيح في رأسه. ٢٧٠ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٣ ٢٠٣ - حدثنا إبراهيم بن أحمد المقرىء قال ثنا أحمد بن الفرج قال ثنا أبو عمرو الساقدي قال ثنا محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كانَ رسولُ اللهِ وَِّ مستخفِياً سنين لا يُظهرُ شيئاً مما أنزل الله عز وجل حتى نزلت ﴿فاصْدَْ بما تُؤمر﴾ - الحجر ٩٤ - يعني أظهرْ أمَرَك بمكة، فقد أهلك الله المستهزئين بك وبالقرآن، وهم خمسةُ رهطٍ، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية، قال، فقال رسول الله وَ له: أراهم أحياء بعدُ کلهم، فأهلِکوا في يوم واحد وليلة. فمنهم: العاصُ بن وائل السّهمي، خرج يومه ذلك في يوم مطير فخرج على راحلته يسير، وابن له يتنزه ويتغذى، فنزل شِعباً من تلك الشعاب، فلما وضع قدمَه على الأرض قال لُدِغْتُ، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، وانتفختْ رجلُه حتى صارت مثل عنقِ البعير، فمات مكانه. ومنهم: الحارثُ بن قيس السَّهمي أكلَ حوتاً مالحاً، ويقال طرياً، فأصابه عليه عطشٌ، فلم يزل يشربُ عليه الماء حتى انقدّ (١) عليه بطنه، فمات وهو يقول قتلني ربُّ محمد. ومنهم: الأسودُ بن المطلبُ بن الحارث بن عبد العزى كان له ابن يقال له زَمْعَة، وأبرّ شيءٍ به، وكان إذا خرج قال: أسير كذا وكذا ذاهباً، وأسير مُقبلاً كذا وكذا، فلا يخرم ما يقول لأبيه، قال، فكان رسولُ الله وَيته قد دعا على الأسود أن یعمی بصرهُ، وأن یثکلَ ولده، قال فأتاه جبريلُ علیه (ح/٢٠٣) لم أجده عند غير أبي نعيم بهذا اللفظ وفيه الكلبي وهو متروك وهو بمعنى الحدیث رقم ((٢٠٢)). (١) انقدّ: بعج. ٢٧١ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٣ السلام بورقةٍ خضراء فرماه بها، فذهب بصرهُ، قال، وخرج في اليوم(١) الذي واعدَه فيه ابنه، ومعه غلامٌ له، فأتاه جبريل عليه السلام وهو قاعدٌ في أصلِ شجرةٍ، فجعل ينطحُ برأسِه، ويضربُ وجههَ بالشَّوْكِ، فاستغاثَ بغلامِه فقال له غلامه: ما أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسِك، حتى مات(٢)، وكان يقولُ قتلني ربُّ محمد، وكان يقال إنه بقي حتى قُتِلَ ولدهُ يومَ بدر وأثكله، ثم مات. ومنهم الوليد بن المغيرة المخزومي مرّ على أنْبُلٍ (٣) لرجل من بني خزاعة قَدْ راشها(٤)، وقد جعلها في الشمس، فوطئها، فانكسرت، فتعلق به سهم منها فأصابَ أکحله فقتله. ومنهم: الأسودُ بن عبدٍ يغوث خرج من أهله فأصابه السَّموم، فاسودٌ حتی عاد حبشیاً، فأتى أهله فلم يعرفوه، فأغلقوا دونه الباب حتى مات وهو يقول قتلني ربُّ محمد. فقتلهم الله جميعاً كل رجل بغير قتل صاحبه، فأظهر رسولُ الله وَ لِّ أمرَه وأعلنه بمكة. فأما قصة دخول بني هاشم شعب أبي طالب لما تحالفت قريش على أن لا يبايعوا بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يخالطوهم وما في ذلك من دلالته على نبوته(٥) اليه. (١) في الأصل ((خرج ابنه في اليوم ... )) والصواب ما أثبتناه، لأنه كان قد خرج ليستقبل ولده وقد قدم من الشام. (٢) وروي ((حتى خرجت عيناه)) كما في السيرة الحلبية ٣٤٨/١. (٣) النبلُ: السهام العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها وتجمع على نبال وأنبال ونُبلان، أما جمعها على ((أنبل)) فلم أجده. (٤) راشها: أضعفها، براها. (٥) في الأصل (من دلالته عليه)) فعدّلنا العبارة بما يتفق مع السياق. ٢٧٢ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٤ - ٢٠٥ ٢٠٤ - حدثنا بذلك سليمان بن أحمد قال ثنا إبراهيم بن سويد الشامي قال ثنا · عبد الرزاق قال ثنا معمر عن الزهري [ عن علي بن حسين ](١) عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، أين منزلنا غداً؟ قال: وهل ترك لنا عقيلٌ من دار أو رِباع (٢)، منزِلنا بخَّيْفِ بني كنانة، حيث تقاسمتْ قريشٌ على الكُفر. ٢٠٥ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني قال ثنا أبي ثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما أقبل عمرو بن العاص من الحبشة من عند النجاشي إلى مكة قد أهلك الله صاحبه، ومنعه حاجته، اشتد المشركون على المسلمین کأشدّ ما كانوا، حتى بلغ [ المسلمين ](٣) الجهدُ، واشتد عليهم البلاءُ، وعمد المشركون من قريش، فأجمعوا مكرّهم وأمرهم على أن يقتلوا رسولَ الله ◌َّ علانيةً، فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع بني عبد المطلب، فأجمع لهم أمرَهم على أن يُدخِلوا رسول الله وَِّ شِعْبَهم(٤) ويمنعوه ممن أراد قتلَه فاجتمعوا [ على ذلك](٥) كافرُهم ومسلمُهم منهم من فَعله حميَّةً، ومنهم (ح /٢٠٤) أخرجه البخاري في صحيحه من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق بسند حديث الباب - ر: فتح الباري ٥١٦/٦ - كما أخرجه من طريق بن وهب عن يونس عن ابن شهاب بالإِسناد نفسه ١٩٦/٤ وفيه زيادة، وأخرجه مسلم أيضاً ١٠٨/٤ كتاب الحج وأبو داود وابن ماجة . (ح/ ٢٠٥) في الخصائص ٣٧٤/١ أخرجه البيهقي وأبو نعيم من طريق موسى بن عقبة عن الزهري فذكر نحو حديث الباب وقال ابن حجر في الفتح ١٩١/٨ رواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي ثم ذكر نحو هذه القصة. (١) ما بين الحاصرين من صحيح البخاري، ويظهر أنه من سقط النساخ. (٢) الرباع: جمع رَبْع وهو المنزل المشتمل على أبيات. (٣) ما بين الحاصرين من الخصائص. (٤) الشعب: الحي الكبير. (٥) ما بين الحاصرين من الخصائص. ٢٧٣ الفصل السادس عشر ح/ ٢٠٥ من فعله إيماناً ويقيناً، فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسولَ، واجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يُسلموا رسولَ اللهِوَ لته للقتل، وكتبوا بمكرهم صحيفةً وعهوداً ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفةٌ ولا رحمة ولا هوادة، حتى يُسلموا رسول الله وَله للقتل، فلبث بنو هاشم في شِعبهم ثلاثَ سنين، واشتدّ عليهم فيهنّ البلاءُ والجهد، وقطعوا عليهم الأسواقَ، فلا يتركون طعاماً يدنو من مكة، ولا بيعاً إلا بادروا(١) إليه ليقتلهم الجوع، يريدون أن يتناولوا بذلك سفكَ دمِ رسول الله ﴾آلآد . وكان أبو طالب إذا أخذ الناسُ مضاجعَهم أمر رسولَ الله وَلِّ فأتى فِراشَه حتى يراه من أرادَ به مكراً أو غائلةً، فإذا نوم الناسُ أخذ أحد بنیه أو إخواته أو بني عمه فاضطجعَ على فراش رسولِ اللهِوَّهِ، وأمر رسولُ الله ◌َلّ أن يأتي بعضَ فُرشهم فيرقد عليها. فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم(٢) رجالٌ من بني عبد مناف ورجالٌ من بني قُصَيّ ورجال ممن سواهم، وذكروا الذي وقعوا فيه من القطيعة فأجمعوا أمرهم في ليلتهم على نقض ما تعاقدوا عليه، والبراءة منه، فبعث الله عز وجل على صحيفتهم التي فيها المكرُ برسول الله وَِّ الأرْضَة(٣)، فلحست كل شيء كان فيها، وكانت معلقة في سقف الكعبة، وكان فيها (١) في الخصائص ((إلا بادروهم إليه فاشتروه)). (٢) تلاوم: لام بعضهم بعضهم. (٣) الأرضة: دويبة تأكل الخشب. ٢٧٤ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٥ عهد الله وميثاقه، فلم تترك فيها شيئاً إلا لحسته، وبقي فيها ما كان من شرك أو ظلم أو بغي، فأطلَع اللَّهُ تعالى رسوله على الذي صُنِع بالصحيفة، فذكر ذلك لعمه، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبدالمطلب، حتى أتى المسجد، وهو حافلٌ من قريش، فلما رأوهم أتوا بجماعة أنكروا ذلك، فظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، وأتوهم ليعطوهم رسولَ الله وَّر، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمورٌ بينكم لم نذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صُلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، [ فبادر اللعينُ أن يأتيهم بحديثٍ رسول الله وَّر الذي أخبره الله به ](١) فأتوا بصحيفتهم مُعجَبين بها، لا يشكّون أن الرسول مدفوع إليهم، فوضعوها بينهم وقالوا: قدْ آن لكم أن تقبلوا أو ترجعوا إلى أمرٍ يجمعُ عامّتكم ويجمع قومَكم، ولا يقطع بيننا وبينكم إلا رجل واحد قد جعلتموه خطراً لعشيرتكم وفسادكم . قال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمراً فيه نَصَفُ(٢) بيني وبينكم، هذه الصحيفة التي في أیدیکم، إن ابن أخي قد أخبرني، ولم يكْذِبني، أن الله عز وجل بعث عليها دابَّة، فلم تترك فيها اسماً لله إلا لحسته، وترك فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديثُ كما يقول فأفيقوا، فوالله لا نُسْلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلاً دفعنا إليكم صاحبنا، فقتلتم، أو استحييتم، قالوا لقد رضينا بالذي تقول، وفُتحت الصحيفةُ، فوجدوا الصادق المصدوقَ قد أخبرَ خبرها قبل أن تُفْتَح، فلما (١) هذه العبارة التي بين الحاصرين مقحمة كما يظهر وهي غير موجودة في السيرة. (٢) نصف: إنصاف. ح / ٢٠٥ الفصل السادس عشر ٢٧٥ رأتها قريشٌ كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله ما كان هذا إلا سِحرٌ من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لشرّ ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسولِ الله وَل﴿ وأصحابِه ورهطِه، والقيام على ما تعاقدوا عليه، فقال أولئكَ النفرُ من بني عبد المطلب: إن الأوْلى بالكذب والسحر غيرَنا، فكيف ترون، فإنّا نعلم أن الذي أجمعتم عليه من قطيعتِنا أقرب للجبْتِ(١) والسحر، ولولا الذي أجمعتم فيها من السحر لم تفسد الصحيفة، وهي في أيديكم، فما كان الله عز وجل من اسم هو فيها طَمَسه، وما كان من بغي تَرَكه في صحيفتكم، أفنحن السحرةُ أم أنتم، فندم المشركونَ من قریشٍ عند ذلك. وقال رجالٌ، منهم: أبو البَختَرِيّ وهو العاص بن هشام بن الحارث ابن عبد العزى بن قصي، ومنهم المُطعِم بن عدي، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لُؤي، وكانت الصحيفةُ عنده، وزهير بن أمية، وزمَعْة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قُصَي في رجال من قريشٍ ولدتهم نساء بني هاشم كانوا قد ندموا على الذي صنعوا فقالوا: نحن براءً من هذه الصحيفة، قال أبو جهل: هذا أمرٌ قُضِيَ بليلٍ . قال محمد بن إسحاق: فلما اجتمعت قريشٌ على ذلك أقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً، حتى جهدوا ألا يصل إليهم إلا شيء مستخْفٍ به، من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل فيما يذكرون لقيَ حكيم بنّ حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحاً يريد به عمتّه خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله وَلير معه في الشّعب، فتعلق به وقال: أتذهبُ بالطعام إلى بني هاشم، والله لا تبرحُ أنت وطعامك حتى أفضحَك بمكة، ۔ (١) في الأصل ((الخبث)) فصححناه من الخصائص. ٢٧٦ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٥ فجاء أبو البخْتَري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد فقال: ما لك وله؟ قال: يحملُ الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعامٌ كان لعمتِه عنده، فبعثت إليه، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها !! خلِّ سبيلَ الرجل، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، فاحتمل أبو البختري لَحْيَ جملٍ فضربه فشجّه ووطئَه وطئاً شديداً، وحمزةُ بن عبد المطلب قد یری ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسولَ الله ◌َّهِ وأصحابَه فيشمتوا بهم، ورسولُ الله وَّر مع ذلك يدعو قومه إلى الله عز وجل ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، لا يتقي فيه أحداً من الناس. قال محمد بن إسحاق: ثم أنه قام في نقض الصحيفة التي كاتبتْ فيها قريشٌ على بني هاشم وعلى بني المطلب نفرٌ من قريش، ولم يُبْلَ فيها أحسن من بلاءٍ هشام بن عمرو بن الحارث بن حُبيب بن نصر بن مالك بن خثيل(١) بن عامر بن لؤي وذلك أنه كان ابن أخي(٢) نضلة بن هاشم بن عبد مناف بن قصي لأنه كان نضلة وعمرو أخوين لأم، فكان هشام لبني هاشم واصِلاً، وكان ذا شرفٍ في قومه، وكان فيما بلغني يأتي بالبعير قد أوْقَر (٣) طعاماً وبنو هاشم وبنو المطلب في الشّعب ليلاً، حتى إذا أقبله فمَ الشعب خلع خِطامَه من رأسه ثم ضرب على جنبه، فدخل الشّعب عليهم، فيأتي به قد أوقره یزا(٤) فيفعل به مثل ذلك، ثم أنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم، فكانت أمه عاتكة بنت عبد (١) وفي سيرة ابن هشام ((حسل)). (٢) في الأصل ((كان أخا نضلة)) والصواب ما أثبتناه كما في السيرة. (٣) أوقره: حمله. (٤) في الأصل ((برأ) بالراء المهملة وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام. والبزّ: الثياب. ٢٧٧ ح / ٢٠٥ الفصل السادس عشر المطلب فقال له: يا زهيرُ قد رضيتَ بأن تأكل الطعام، وتلبسَ الثيابَ، وتنكح النساء، وأخوالُك حيث قد علمت، لا يُباعون ولا يُبتاع منهم، ولا ينكحون ولا يُنكح إليهم، أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى مثل الذي دعاكَ إليه منهم ما أجابك إليه أبداً، قال ويحك يا هشام، فماذا أصنع إنما أنا رجلٌ واحدٌ، والله لو كان معي رجل آخر لقمتُ في نقضها حتى أنقضها، قال: وقد وجدتُ رجلاً، قال من هو؟ قال أنا، قال زهير؛ ابغنا ثالثاً، فذهب إلى المُطْعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقال له: يا مطعِم أقد رضيتَ أن يهلك بطنانٍ من بني عبد مناف وأنت شاهدٌ على ذلك، موافق لقريش؟! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سِراعاً، قال ويحك فماذا أصنع؟! إنما أنا رجلٌ واحد قال: قد وجدتُ ثانياً قال من هو؟ قال أنا، قال: ابغنا ثالثاً، قال: قد فعلتُ قال: من هو؟ قال زهير بن أبي أمية قال: ابغنا رابعاً، قال، فذهب إلى أبي البَخْترِيّ بن هشام فقال له نحواً مما قال للمُطْعِم بن عدي، قال: وهل من أحدٍ يُعينُ على هذا؟ قال: نعم: قال من هو؟ قال: زهير بن أبي أمية والمُطْعِم بن عدي وأنا، قال: ابغنا خامساً قال: فذهب إلى زَمْعَة بن الأسود ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قُصيّ، فكلمه وذكرَ له قرابتهم وحقهم، فقال: فهل على هذا الأمر الذي تدعو إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى له القومَ، فاتَّعدوا خَطْم الحَجُون(١) ليلاً بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك فأجمعوا أمرهم، وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهيرُ: أنا أبدؤكم فأكونُ أولَ من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهيرُ بن أبي أمية عليه حلة له، فطافَ بالبيتِ سبعاً،ثم أقبل (١) خطم الحجون: موضع، والحجون جبل بأعلى مكة. ٢٧٨ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٦ على الناس فقال: يا أهل مكة أنأكلُ الطعامَ ونلبس الثيابَ وبنو هاشم هلكى لا يُباعون ولا يبتاعُ منهم؟! والله لا أقعد حتى تُشَقّ هذه الصحيفةُ الظالمةُ القاطعةُ، قال أبو جهل، وكان في ناحية المسجد: كذبتَ والله لا تشق، قال زَمْعَة، أنت والله أكذب، مارضينا كتابتها حين كُتِبِتْ، قال أبو البَخْترِي صدَقَ زمْعة، لا نرضى ما كُتِبَ فيها، ولا نُقِرُّ به، قال المُطْعِم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله تعالى مما كتب فيها، قال هشام بن عمرو نحواً من ذلك، فقال أبو جهل هذا أمر قُضِيَ بليل، تشوور فيه(١) بغير هذا المكان، وأبو طالب في ناحية المسجدِ، وقام المطعمِ بن عدي إلى الصحيفة ليشقُّها، فوجدَ الأرَضَة قد أكلتها إلا: باسمك اللهم. وكان كاتبُ الصحيفة ((منصور بن عكرمة)) فشُلّتْ يدُه فيما يزعمون. ٢٠٦ - أخبرنا محمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثني خارجة بن عبدالله عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباسٍ قال: ما كان أبو لَهبِ إلا من كفار قريش، ما هو حتى خرجَ من الشّعْب حين تمالأتْ قريش، حتى حصرنا في الشُّعب وظاهَرَهم، فلما خرج أبو لهب من الشِّعب لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة حین فارق قومه، فقال: يا ابنة عتبة هل نُصِرَتِ اللاتُ والعُزّى وفارَقَتْ من فارَقها؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة، قال أبو لهب: يعدُنا محمد أشياء لا نراها كائنة، يزعم أنها كائنة بعدَ الموت، فماذا وضعَ في يديّ؟! ثم نفخَ في يديه (ح/٢٠٦) لم أجده عند غير أبي نعيم، وفيه الواقدي وهو متروك. (١) في الأصل ((تشق رقية)) وهو تصحيف وما أثبتناه هو الصحيح من سيرة ابن هشام. ٢٧٩ الفصل السادس عشر ح / ٢٠٧ - ٢٠٨ - ٢٠٩ وقال: تبّاً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد، فنزلت ﴿ تَبَّتْ يَدَا أبي لَهَبِ ﴾ - المسد: ١ -. قال ابن عباس: فحُصِرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرةَ، حتى أن الرجل منا ليخرج بالنفقة فما يُبَايَع حتى يرجع، حتى هلك منا من هلك. وقيل مات المطعِم بن عدي بعد هجرةِ النبي ◌َّ بسنةٍ وهو يومئذ ابنُ تسع وتسعين سنة. فأما انشقاق القمر فكان بمكة لما افتتح المشركون أن يريهم النبي ◌َّى: ٢٠٧ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا أبو بكر بن أبي عاصم قال ثنا محمد بن حاتم أبو سعيد قال ثنا معاوية بن عمرو عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: انشق القمرُ فرأيتُه فرقتين. ٢٠٨ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا أبو بكر بن أبي عاصم قال ثنا عبيد الله ابن معاذ قال ثنا أبي قال ثنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، وثنا أبو محمد ابن حيان ثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن يحبی قالا ثنا نصر بن علي قال حدثني أبي قال ثنا شعبة قال أخبرني الأعمش أنه سمع مجاهداً يحدث عن ابن عمر قال: انشقّ القمرُ على عهدٍ رسول الله وَّ فقال رسول الله وَليل: اشهدوا. ٢٠٩ - حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا بكر بن سهل قال ثنا عبد الغني بن سعيد قال ثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس: (ح/٢٠٧) قال ابن حجر في الفتح ١٨٣/٨ أخرجه الطبراني. (ح/٢٠٨) أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٣/٨ والترمذي برقم ٢١٨٣ وقال: حسن صحیح. (ح/٢٠٩) لم أجده عند غير أبي نعيم وقال ابن حجر في الفتح ١٨١/٨ إسناده ضعيف. ٢٨٠ الفصل السادس عشر ح / ٢١٠ - ٢١١ في قوله تعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ الساعَةُ وانشَقَّ القَمَر ﴾ قال ابن عباس: اجتمعتِ المشركون إلى رسول الله وَلاير، منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، والعاصُ بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى، وزَمْعَة بن الأسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم كثير، فقالوا للنبي وَله: إن كنتَ صادقاً فشُقّ القمر لنا فرقتين، نصفاً على أبي قُبَيْس(١) ونصفاً على قُعَيْقِعان(٢)، فقال لهم رسول اللّه وَّ: إن فعلتُ تؤمنوا؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بَدْرٍ، فسأل رسول اللّه ◌َ﴿ الله عز وجل أن يعطيَه ما سألوا، فأمسى القمرُ قد مَثُلَ نصفاً على أبي قُبيس، ونصفاً على فُعَيقعان، ورسول الله وَلّ ينادي: يا أبا سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم اشهدوا. ٢١٠ - حدثنا عبدالله بن جعفر ثنا عامر بن إبراهيم بن عامر ثنا محمد بن عامر عن جدي عامر قال ثنا بشر بن الحسين ثنا الزبير بن عدي عن الضحاك عن ابن عباس قال: جاءت أحبارُ اليهودِ إلى رسولِ اللهِ وَّر فقالوا: أرِنا آيةً حتى نؤمن، فسأل النبي ◌َّ﴿ ربَّه عز وجل أن يَرِيَهُم آية، فأراهم القمرَ قد انشق، فصار قمرين، أحدهما على الصَّفا، والآخرُ على المرْوَة، قدر ما بين العصرِ إلى الليل ينظرون إليهما، ثم غاب القمرُ فقالوا: هذا سِحرٌ مستمر. ٢١١ - وحدثنا القاضي أبو أحمد قال ثنا محمد بن أيوب ثنا علي بن عثمان (ح/ ٢١٠) لم أجده عند غير أبي نعيم وفيه بشر بن الحسين وهو متروك. (ح/٢١١) أخرجه البخاري معلقاً قال: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبدالله .. إلخ قال ابن حجر في الفتح ١٨٣/٨ وصله أبو داود الطيالسي عن أبي عوائه، برقم ٢٤٤٧ ورويناه في فوائد أبي طاهر الذهلي من وجه آخر عن أبي عوانة، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق هشيم كلاهما عن مغيرة عن أبي الضحى بهذا الإسناد، وقال في المقدمة: ورويناها بعلو في المعرفة لابن منده ٦٥/١. (١) أبو قبيس: جبل بمكة. (٢) قعيقعان: جبل بالأهواز.