Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الفصل التاسع
ح / ٨٣
يهابُ صَوْلَتَها الأسْدُ المَهاصير
فربما ربما أضْحَوْا بمنزلَةٍ
والهُرْمُزان وسابورٌ وسابورُ
منهم أخو الصَّرح بهرام وإخوته
ان قد أقل فمحقورٌ ومهجور
والناسُ أُولادُ علَّاتٍ(١) فمن علموا
فذاكَ بالغيب محفوظُ ومَنْصورُ
وهم بنو الأم إلَّ إن رأَوْا شعبا(٢)
فالخيرُ مُتَّبَعٌ والشرُّ محذور
والخيرُ والسرّ مجموعان في قَرَنٍ
قال: فرجعَ عبدُ المسيح إلى كسرى فأخبره فقال: إلى أن يملك منا
أربع عشَرَ ملِكاً تكون أمور وأمور، قال: فملك منهم عشرة في أربع سنين
وملك الباقون بعده.
٨٣ - وقال محمد بن إسحاق عن الفَضْل بن عيسى الرَّقاشي عن الحسن
البصري :
إِنَّ أصحابَ رسول الله وََّ قالوا: يا رسول الله ما حجَّةُ الله على
كسرى فيك؟ قال بعثَ اللَّهُ إليه مَلَكاً فأخرج يده من سورِ جدارٍ بيته الذي
هو فيه تلألأ نوراً، فلما رآها فزع، فقال: لمَ تفزع يا كسرى؟ إنَّ الله عَزَّ
وجلّ قد بعث إليك رسولاً، وأنزل عليه كتاباً فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك،
قال: سأنظر.
:
(ح/٨٣) لم نجده عند غير أبي نعيم، وهو حديث مرسل، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي
وهو منكر الحديث : - تقريب التهذيب -.
(١) أولاد علات: الأخوة من الأم.
(٢) في القول الفسيح ((نشبا)).

ں

ح / ٨٤
الفصل العاشر
١٤٣
الفَصْلِ الْعَاشِرْ (١)
ذكر ما جرى على أصحاب الفيل عام مولده وَله
وقصة الفيل من أشهر القصص، قد نطق بها القرآن
٨٤ - حدَّثنا سليمان بن أحمد قال ثنا عباس بن الفضل الأسفاطي ثنا إبراهيم بن
المنذر الحِزامي قال ثنا عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري عن الزبيربن موسى عن أبي
الحويرث قال:
سمعتُ عبد الملك بن مروان يقول لِقَباث بن أشْيمَ الليثي: يا
قَبَاث، أنت أكبرُ أم رسول الله وَِّ فقال: رسولُ الله ◌َّ أكبر مني، وأنا
أسنّ منه، وُلد رسول الله وََّ عامَ الفيل، وتنبّأ على رأس أربعين من الفيل،
ووقفت بي أمي على رَوْثِ الفيل مَحيلًا(٢) أعقلهُ.
(ح/٨٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٦٢٥/٣ من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن
الزبير بن موسى بسند حديث الباب ومتنه دون قوله ووقفت بي أمي .. إلخ وقال ابن حجر في
الإصابة ٢١٤/٣ أخرجه البغوي بسنده تاماً أ. هـ. وأشار ابن عبد البر إلى هذه الرواية في
الاستيعاب ٢٥٦/٣ من رواية أبي الحويرث ولفظ الجزء الأخير من الحديث: ووقفت بي أمي
على روث الفيل وأنا أعقله أ. هـ. وأخرجه الترمذي برقم ٣٦٢٣ من طريق محمد بن إسحاق عن
عبد المطلب بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده. وقال الترمذي هذا حديث حسن
غريب لا نعرفه إلاّ من حديث محمد بن إسحاق أ. هـ. وقال ابن حجر في الإصابة: المعروف ما
أسنده البغوي أنَّ عبد الملك بن مروان هو الذي سأل قباث بن أشيم وبذلك جزم عبد الصمد
وابن سميع .
(١) هو الفصل الثالث عشر في تصنيف أبي نعيم.
(٢) محيلاً: متغيراً ..

١٤٤
الفصل العاشر
ح / ٨٥ - ٨٦
٨٥ - حدَّثنا أحمد(١) بن إسحاق قال ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال ثنا
جعفر بن محمد بن جعفر المدايني ثنا زياد بن عبدالله البكّائي عن محمد بن إسحاق عن
المطلب بن عبدالله بن قيس بن مَخْرَمة عن أبيه عن جده قال:
وُلِدَ رسولُ اللهِ وَلتز عام الفيل.
٨٦ - حدَّثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا
يونس بن عبد الأعلى ثنا عبدالله بن وَهْب قال أخبرني ابن لَهِيعة عن عُقَيْل بن خالد عن
عثمان بن المغيرة بن الأخنس أنَّه قال:
كان من حديث أصحاب الفيل أنَّ أبرهة الأَشْرَم الحبشي كان ملك
اليمن، وأنَّ ابن ابنته أكثُوم بن الصباح الحميري خرج حاجًّاً، فلما
انصرفَ من مكة نزلَ بكنيسةٍ بنَجْران(٢)، فغدا عليها أناسٌ من أهل مكة
فأخذوا ما فيها من الحُلِيّ، وأخذوا متاع أكشوم، فانصرف إلى جدِّه الحبشي
مُغضباً، فلما ذكر له ما لقي بمكة من أهلها، تألَّى(٣) بيمين أن يهدم
البيت، فبعث رجلاً من أصحابه يقال له شَمِر بن مَصْفود (٤) على عشرين
ألفاً من خَوْلان ونفرٍ من الأشعريين، فساروا حتى نزلوا أرض خَثْعَم فتنحت
(ح/٨٥) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ١٥٩/١ وأخرجه الترمذي من طريقه مطولاً برقم
٣٦٢٣ وقال حسن غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن إسحاق أ. هـ. وأخرجه الحاكم في
المستدرك ٦٠٣/٢ مختصراً وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وأخرج البزار
والطبراني في الكبير عن ابن عباس أنَّ رسول الله ولد عام الفيل ورجاله موثقون - مجمع الزوائد
١٩٦/١ - وكذا أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٠١/١ من حديث ابن عباس وغيره.
(ح/٨٦) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٩٠/١ من طرق متعددة جمع رواياتها. وقال ابن
حجر: أخرجه الحاكم ٥٣٥/٢ مختصراً وقال صحيح الإسناد ثمَّ البيهقي من طريق قابوس بن
أبي طبيان عن ابن عباس.
(١) في الأصل ((محمد بن إسحاق)) والصواب ما ذكرناه انظر الحديثين ٨٦ و ٨٧
(٢) نجران: من مخاليف اليمن.
(٣) تألَّى: آلى على نفسه، حلف.
(٤) في شرح المواهب ((الأسود بن مفصود)).

١٤٥
الفصل العاشر
ح / ٨٦
خثعم عن طريقهم، وكلَّمهم التّقْتَالُ (١) الخَثْعَمي وكان يعرف كلامَ الحبشة
فقال: [ هذانِ على شمرانٍ قوسي على أكلت وسهمي قحافة ](٢) فأنا جارٌ
لك، فسار معه وأحبه، فقال له التقتال: إني أعلم الناسِ بأرضِ العرب،
وأهداه بطريقهم، فطفق يجبهم في مسيرهم الأرض ذات المَهْمَهِ(٣)، حتى
تقطعت أعناقهم عطشاً، فلما دنا من الطائف خرج إليهم فارسٌ (٤) من
خثعم ونصر وثقيف فقالوا: ما حاجتك إلى طريقنا، وإنّما هي قرية صغيرة،
لکنا ندلك علی بیت بمکة يُعبد، وهو حرز لمن یجاء إليه من ملكه، ثمّ له
ملك العرب، فعليك به ودعنا منك، فأتاه حتى بلغ ((المُغَمِّس))(٥) فوجد
إيلا لعبد المطلب بن هاشم مائة ناقة مقلَّدة، فأنهبها بين أصحابه، فلما
رأى ذلك عبدُ المطلب جاءَه، وكان جميلاً، وكان له صديقٌ من أهل اليمن
يقال ذو نَفْر (٦) فسأله أن يرد إليه إبله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن
شئتَ أدخلتُكَ على الملك، فقال عبد المطلب: فافعل، فأدخله عليه،
فقال: إن لي إليك حاجةً، قال: قُضِيَتْ كلُّ حاجةٍ جئت تطلُبها، قال: أنا
في بلد حرام، في سبيل بين أرض العرب وبين أرض العجم، وكانت لي
مائة ناقة مُقَلَّدة ترعى هذا الوادي، بين مكة وتِهامة، عليها نُميرُ أهلنا(٧)،
(١) لعلَّ هذا لقب النفيل بن حبيب الخثعمي فإنَّ المعروف في كتب السيرة أنَّه هو الذي كلَّمهم،
كما في سيرة ابن هشام وإتحاف الورى بأخبار أم القرى.
(٢) العبارة هنا فيها اضطراب ولعلَّ صوابها كما جاء في الروض الأنف ((هاتان يداي لك على
شهران وناهس)) وشهران وناهس هما قبيلي خثعم ـ ر: تهذيب سيرة ابن هشام ٢٨/١ .
(٣) المهمة: المفازة، الأرض المقفرة.
(٤) في سيرة ابن هشام: خرج إليه ((مسعود بن معتُّب)) في رجال من ثقيف - ر: تهذيب سيرة ابن
هشام ٢٨/١ -.
(٥) المغمس: موضع قرب مكة في طريق الطائف.
(٦) في الأصل ((ذو عمرو)) وما أثبتناه هو الصواب كما في سيرة ابن هشام.
(٧) نمير أهلنا: الميرة المؤنة، أي: نجلب عليها المؤنة لأهلنا.

١٤٦
الفصل العاشر
ح / ٨٦
ونخرج إلى تجارتنا، ونتحمل من عدونا، عدا عليها جيشُك فأخذوها،
وليس مثلُك يَظلم من جاوره، فالتفت الحبشي إلى ذي نَقْرِ(١) ثمَّ ضرب
بإحدى يديه على الأخرى عجباً فقال: لو سألني كلَّ شيء أحرزه أعطيته
إياه، أما إبلك فقد رددتها عليك، ومثلها، فما منعك أن تُكلِّمني في بيتكم
هذا، وبلدكم هذا، فقال عبد المطلب، أمَّا بيتنا هذا وبلدنا هذا فإنَّ لهما
ربّاً، إن شاء أن يمنعهما منعهما، ولكني أكلمك في مالي، فأمر عند ذلك
بالرحيل، وتألَّى(٢) ليهدِمَنّ مكة، فانصرف عبد المطلب، وسُمع تألّيه في
مكة، وقد هرب أهلها، فليس بها أحدٌ إلَّ عبد المطلب وأهل بيته،
فأخبرهم بذلك، فاندفع يرتجز وهو يطوف حول الكعبة:
ـع رحله(٣) فامنَعْ حِلَالَكْ(٤)
لا هُمَّ إنَّ المرءَ يمن
لا يَغْلِبِنَّ صليبُهم
ومِحالُهم عَدْوا مِحالَك(٥)
فالأمر ما بدا لك
فلئن فعلتَ فبها وإلَّ
أمرٌ تُتِمُّ به فِعالك
ولئن فعلت فإنَّه
غَدَوا لجموعِهم
والفيل كي يدوسوا عيالك
ـبتنا فواحُزْنا هنالك(٦)
ولئن تركتهم وكعـ
فلمَّا توجه شَمِر(٧) وأصحابه بالفيل وقد أجمعوا ما أجمعوا، طفق
كلما وجهوه إلى مكة أناخ وبرك، فإذا صرفوه عنها من حيث أتى أسرع
(١) في الأصل ((ذي عمرو)).
(٢) تألَّى: آلى على نفسه.
(٣) في الأصل ((حِلّه)) فصححناه من إتحاف الورى وشرح المواهب.
(٤) الحلال: جمع حلة وهم القوم المجتمعون.
(٥) المِحال: الشدَّة والقوة.
(٦) وردت الأبيات في سبيل الهدى والرشاد، وإتحاف الورى، وسيرة ابن هشام وغيرها بزيادة
ونقص واختلاف.
(٧) تقدم أنّه ((الأسود بن مفصود)).

١٤٧
ح / ٨٦
الفصل العاشر
السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل، وخرجت عليهم طيرٌ من البحر
لها خراطيم كأنَّها البَلَس(١)، شبيهة بالوطاويط، حمرٌ وسود، فلما رأوها
أشفقوا منها، وسقط في أذرعهم فقال شمر(٢) ما يعجبكم من طيرٍ خمال
جّبها الليلُ إلى مساكنها، فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق، تقعُ في
رأس الرجل فتخرج من جوفه، وكان فيهم أخوان من كِندة، أمَّا أحدهما
ففارق القومَ قبل ذلك، وأمّا الآخرُ فلحق بأخيه حين رأى ما رأى، فبينما هو
يحدِّثه عنها إذ رأى طيراً منها، قال: كان هذا منها، فدنا منه الطيرُ فقدغَه(٣)
بحجرٍ، فمات، فقال أخوه الناجي منها:
خبت لذي الغِمرين ما لقينا (٤)
فإنك لو رأیت ولن ترانا
بظلِّ سحابةٍ مرت علينا
خشيتَ الله لمَّا بثّ طيراً
كأنْ قد كان للحُبشانِ دينا
وباتوا كلهم يدعو بحقِّ
فلمَّا أصبحوا من الغد أصبح عبد المطلب ومن معه على جبالهم فلم
يروا أحداً غشيهم، فبعث ابنه على فرسٍ له سريع ينظر ما لقوا، فإذا القوم
مُشدَّخون(٥) جميعاً، فرجع يدفع فرسَه كاشفاً عن فخذه، فلما رأى ذلك
أبوه قال إنَّ ابني أفرسُ العرب، وما كشف عن فخذه إلَّ بشيراً أو نذيراً،
فلما دنا من ناديهم بحيث يُسمعُهم الصوت، قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا
جميعاً، فخرج عبدُ المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم، فكانت أولُ أموال
بني عبد المطلب من ذلك المال. وقال عبد المطلب:
(١) البلس: الزرازير.
(٢) تقدم أنه ((الأسود بن مفصود)).
(٣) فدغ: كسر، والمراد به هنا رماه. وفي إتحاف الورى ((فقذفه)).
(٤) في إتحاف الورى ٣٩/١ ((لدى جنب المغمس ما لقينا)).
(٥) شدخ الرأس: شجه.

١٤٨
الفصل العاشر
ح / ٨٧
وقد رَعَوا بمكة الأجبالا
أنتَ منعتَ الجیشَ والأفیالا
وقد خَشينا منهم القِتالا وكل أمرٍ لهمُ مِعضالا
شكراً وحمداً لك ذا الجلالا
وقال عمارة العبد(١) :
اللَّهُ ربي ووليّ الأنفس أنت حبستَ الفيلَ بالمُغَمَّس
فانصرف الأسود بن مفصود(٢) هارباً وحده، وكان أوَّل منزل نزله
سقطت يدُه اليمنى، ثمَّ نزل منزلاً آخر فسقطت يده اليسرى، فأتى منزله
وقومه، وهو حينئذٍ لا أعضاء له، فأخبرهم الخبر وقصَّ عليهم ما لقيت
جیوشُه، ثم فاضَتْ نفسُه وهم ينظرون .
قال الشيخ: روی قصة أصحاب الفيل من وجوه، وسیاقُ عثمان بن
المغيرة أتمُّها وأحسنها شرحاً، وذكر أنَّ عبد المطلب بعث بابنه عبدالله،
فهو وهم بعض النقلة، لأنَّ الزهري ذكر أنَّ عبدالله بن عبد المطلب كان
موتُه عام الفيل، وأنَّ الحارث بن عبد المطلب كان أكبر ولد عبد المطلب،
وكان هو الذي بعثه على فرسِه لينظر ما لقي القوم.
٨٧ - حدَّثنا أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن محمد بن سليمان قال ثنا يونس بن عبد
الأعلى قال ثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري.
أنَّه أول ما ذُكر من أمْرِ عبد المطلب بن هاشمٍ جد رسول
اللهِ وَّهِ: أنَّ قريشاً خرجت من الحرم فارَّة من أصحاب الفيل، وهو
غلامٌ شابُّ فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبغي العِزَّ في غيره،
فجلس عبدُ المطلب عند البيت، ورحلت قريشٌ عنه، فلم يزل ثابتاً
(ح/٨٧) هذا الحديث مرسل من مراسيل الزهري.
(١) في إتحاف الورى ((وقال عكرمة العبدري)).
(٢) في الأصل ((شمر بن مصفود)).

١٤٩
الفصل العاشر
ح / ٨٨
بالحرم حتى أهلكَ اللَّهُ الفيلَ وأصحابَه، ورجعت قريشٌ وقد عظُم فيهم
عبد المطلب لما رأوا من بصيرته وتعظيمه لمحارم الله عزَّ وجلّ.
٨٨ - حدَّثنا أبو عمر محمد بن أحمد بن حسن بن محمد بن حمزة قال ثنا
الحسن بن علي بن الجَهم قال ثنا الحسين بن الفَرَج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال
ثنا عبدالله بن عمر بن زهير.
عن عبد الله بن خِراش الكعبي عن أبيه قال: أقبلَ عبد المطلب
يومئذ، وأقبلَ أصحابُ الفيل، فلما رأى عبدُ المطلب ما هم به سارَ سريعاً
على فرسِه حتى أوْفى على حِراء(١)، ومعه عمرو بن عائِذ بن عمران بن
مخزوم، ومُطْعِم بن عَدي بن نَوْفل بن عبد مناف، ومسعود بن عمرو
الثقفي (٢) ينظرون كلما حمل الحبشة الفيلَ على الحرمِ ربضَ الفيل،
فتقبل الحبشةُ بحرابهم ورماحهم وعصيهم يطعنونه بها، فيقوم فإذا حملوه
على الحرم بركَ وصاحَ، وإذا وجهوه من حيث جاء ولّى وله وجيفٌ(٣)،
وأي وجه شاؤوا طاوَعهم ما لم يحملوه على الحرم، قال فبينا عبدُ المطلب
وأصحابه على حِراء، وهم يحملون الفيل على الحرم ويأبى، إذ قال
عمرو بن عائذ لعبد المطلب: انظر، هل ترى شيئاً؟ قال عبد المطلب أرى
طيراً تأتي من قِبَل البحر قطعاً قطعاً، وهي صفرٌ أصغر من الحمام، سودُ
الرؤوس حمرُ الأرجل والمناقير، قال عمرو قد رأيتُها، فأقبلت حتى حلّقت
على القوم، مع كل طائر ثلاثةُ أحجار، في منقاره حجر، وفي رجليه
(ح/٨٨) فيه الوقدي متروك، وكذلك عبد الله بن خراش.
(١) هو جبل حراء قرب مكة.
(٢) الصواب: مسعود بن عمير الثقفي، وهو سيد ثقيف، وذكر في طبقات ابن سعد ٩٢/١ ((أبو
مسعود الثقفي)) وفي سيرة ابن هشام ذكر في موضع ٢٦١/١ ((أبو مسعود)) وفي موضع آخر
٤١٩/١ ((مسعود)).
(٣) أي: اضطراب من سرعة المشي.

١٥٠
الفصل العاشر
ح / ٨٨
حجران، فقال عبد المطلب لمسعود هل ترى شيئاً؟ قال: نعم، أرى
سواداً كثيراً من قبل البحر كثيفاً، قال عبد المطلب: هو طائر قال مسعود:
صدقت، قد والله عرفت حيث حلّوا بنا أن لو أرادوا الرَّبة (١) لقدروا عليها.
قال الواقدي وحدثني قَيْس بن الربيع عن الأعْمَش عن أبي سفيان عن عبيد بن
عُمَير قال:
لما أراد الله عز وجل أن يهلك أصحاب الفيل، أرسل عليهم طيراً
انشئت من البحر كأنها الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار مجَزَّعة(٢)،
حجر في منقاره، وحجران في رجليه، فجاءت حتى صفّت على رؤوسهم،
وصاحت، وألقت ما في أرجُلها ومناقيرها، فما على الأرض حجرٌ وقع على
رجلٍ منهم إلا خرج من الجانب الآخر، إذا وقع على رأسه خرج من دُبُره.
قال وحدثني عمر بن طحلة عن جُوثَة بن عبيد بن أمية بن عبد الرحمن قال سمعت
نَوْفل بن معاوية الدّئلي يقول:
رأيت الحصاة التي رُميَ بها أصحابُ الفيل حصى مثل الحمص،
وأكبر من العدس، حمر مختّمة كأنها جِزْع ظَفار(٣).
قال وحدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال:
أُقْلِتَ نُفَيْلِ الحميري، قال الواقدي: وسمعت أنه لما وَلّى أبرهةُ
مدبراً جعل نفيل يقول:
أينَ المَفَرُّ والاله الطّالبُ والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب
ومما ذكره محمد بن إسحاق (٤) وغيره من سبب غزو أبرهة البيت:
(١) في إتحاف الورى ٤٢/١ ((الدية)).
(٢) مجزعة: مقطعة.
(٣) جزع: ضرب من الخرز، وظفار: بلد باليمن قرب صنعاء والمعنى: أنها تشبه الخرز
المنسوب إلى ظفار ومن صفته أن فيه سواداً وبياضاً.
(٤) انظر تهذيب سيرة ابن هشام ٢٦/١ .

١٥١
الفصل العاشر
ح / ٨٨
إن أبرهة بنى القُلَّيْسَ(١) بصنعاء، فبنى كنيسة لم يُرّ مثلها في زمانها
بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النَّجاشي ملك الحبشة: إني بنيتُ لك
أيها الملك كنيسة لم يُبْنَ مثلُها لملك كان قبلك، ولست بمُنْتَهٍ حتى أُصرفَ
إليها حاجّ العرب، فلما تحدثت العربُ بكتاب أبرهةَ ذلك إلى النجاشي
غضبَ رجلٌ من النَّسأة(٢) أحد بني فُقَيْم ثم أحد بني مالك بن كِنانة،
فخرج حتى أتى القَلَيْس فقعد فيها - يعني تغوط فيها - ثم خرج فلحق
بأرضه، فأُخبر أبْرَهَةُ بذلك فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: هذا رجل من
أهل هذا البيت الذي تحج إليه العرب بمكة، لما سمع قولك: ((أصرف إليها
حاجَ العرب)) غضب، فجاء فقَّعَد فيها، أي لَيْسَتْ لذلك بأهلٍ ، فغضب
عند ذلك أبرهةُ، وحَلَف ليسيرَنّ إلى البيت ليهدمه.
(١) هي كنيسة عظيمة بناها أبرهة.
(٢) النسأة: جمع ناسىء، وهم الذين كانوا ينسئون الشهور أي يؤرخون حرمة أحد الأشهر
الحرم.

١٥٣
الفصل الحادي عشر
ح / ٨٩ -٩٠
الفَصْل الْحَادِيُّ عَشِّرْ (١)
في ذكر نُشُوِّه وتصرفِ الأحوال به إلى أن أكرمه الله عز
وجل بالوحي فأسس له النبوة، وهيأ له الرسالة، وما ظهر
لقومه من استكماله خلال الفضل، واعترافهم به بما يكون
حجة على من امتنع من الانقياد له وَاليته .
٨٩ - حدثنا أحمد بن إسحاق قال ثنا محمد بن أحمد بن سليمان قال ثنا يونس
ابن عبد الأعلى قال حدثني ابن وَهْب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال:
بعَث عبدُ المطلب عبدَالله يَمْتار له من يَثْرِب تمراً، فتوفي عبدالله
بها، فولدَتْ آمنةُ أم محمدٍ محمد بن عبدالله، وكان في حِجْر جده عبد
المطلب.
٩٠ - حدثنا سليمان بن أحمد بن الحسين بن إسحاق التستري وثنا محمد بن
عبد الرحمن بن الفضل قال ثنا أحمد بن يحيى بن زهير قالا ثنا كرُدْوس(٢) بن محمد
(ح/٨٩) أخرجه ابن سعد ٩٩/١ من طريق الواقدي عن معمر عن الزهري وهو مرسل.
وأخرجه من طريق أخرى مرسلة فيها الواقدي أيضاً وهي مطولة وفيها أن عبدالله توفي في المدينة
عند عودته من الشام، وقال الواقدي هذه الطريق أثبت، والواقدي متروك والطريق التي ذكرها أبو
نعيم هنا مرسلة أيضاً.
(ح / ٩٠) فيه معلى بن عبد الرحمن وهو كذاب ـ ر: ميزان الاعتدال - وأخرجه الطبراني في
الكبير وأحمد بن حنبل في مسنده برقم ٢٥٠٦ وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف وبقية رجاله ثقات -
مجمع الزوائد ١٩٦/١ - وهو بغير إسناد حديث الباب ولفظه ((ولد رسول الله وَله يوم الاثنين
واستنبىء يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين وخرج منها مهاجراً يوم الاثنين)).
(١) هو الفصل الرابع عشر في تصنيف أبي نعيم.
(٢) كردوس هو خلف بن محمد بن عيسى الواسطي.

١٥٤
الفصل الحادي عشر
ح / ٩١ - ٩٢
الواسطي قال حدثني معلى بن عبد الرحمن قال ثنا عبد الحميد بن جَعْفَر عن الزهري
عن عُبَيْد الله بن عبدالله بن عُتْبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
وُلد رسولُ اللهِ وَّه يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول، وأنزلت
عليه النبوة في يومِ الاثنين في أول شهر ربيع الأول، ودخَلَ المدينة في يوم
الاثنين في أول شهر ربيع الأول، وتوفي في يوم الاثنين في أول شهر ربيع
الأول.
بيان رضاعه وفصاله وأنه ولد مختوناً مسروراً مقلية:
٩١ - حدثنا عبدالله بن محمد بن عثمان الواسطي قال ثنا نوح بن محمد الأيلي
قال ثنا الحسن بن عرفَة قال ثنا هُشيم بن بشِير عن يونس بن عُبَيْد عن الحسن عن أنس
بن مالك عن النبي وَيُ قال:
من كرامتي على ربيّ أني وُلدت مختوناً ولم يَرَ أحدٌ سوأتي .
٩٢ - حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي قال ثنا الحسين بن أحمد بن
عبدالله المالكي قال ثنا سليمان بن سلمة الخبائري ثنا يونس بن عطاء قال حدثني الحكم
ابن أبان قال ثنا ◌ِكْرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس رضي الله عنه قال:
وُلد رسول الله وَلِّ مختوناً مسروراً(١) فأعجَبَ ذلك جده، وحَظِي
عنده، وقال: ليكونن لابني هذا شأنٌ، فكانَ له شأنٌ.
(ح/٩١) وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط والخطيب وابن عساكر من طرق عن أنس
وصححه الضياء في المختارة - ر: الخصائص ١٣٢/١ - وقال في مجمع الزوائد ٢٢٤/٨ رواه
الطبراني في الصغير والأوسط وفيه شعبان الفزاري وهو متهم. قلت: حديث الباب من طريق
الحسن بن عرفة، وليس من طريق شعبان، وذكر السيوطي في الخصائص طرقاً أخرى له، أ. هـ.
قال الحاكم في المستدرك ٦٠٢/٢ ((تواترت الأحاديث أنه عليه السلام وُلِدَ مختونًا)).
(ح/٩٢) وأخرجه أيضاً البيهقي وابن سعد في الطبقات ١٠٣/١ بسند أبي نعيم وذكره في
الخصائص ١٣٢/١.
(١) مسروراً: مقطوع السرة.

١٥٥
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٣ - ح / ٩٤
٩٣ - حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبي حُصين قال ثنا محمد بن عبدالله
الحضرمي قال ثنا عبد الرحمن بن عيينة البصري قال ثنا علي بن محمد السلمي
المدايني قال ثنا سلمة بن محارب بن سلم بن زياد عن أبيه عن أبي بَكْرَة:
أن جبريل خَتّن النبي وَّ حين طهّر قلبَه .
٩٤ - وحدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا علي بن عبد العزيز ثنا محمد بن سعيد
الأصبهاني ثنا عبد الرحمن بن محمد المُحاربي، وثنا(١) محمد بن أحمد بن الحسن قال
ثنا محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَة قال ثنا مسروق بن المرزبان ثنا يحيى بن زكريا بن أبي
زائدة قالا ثنا(٢) محمد بن إسحاق عن جَهْم بن أبي الجَهْم عن عبدالله بن جعفر عن
حليمة بنت الحارث السعدية أم رسول الله و# التي أرضعته قالت:
أصابتنا سَنَةٌ شَهْباء(٣) لم تُبق لنا شيئاً، فخرجتُ في نِسوةٍ من بني
سعد بن بَكْر نلتمس الرُّضعَاء بمكة على أتانٍ لي قَمْراء(٤) فلم يبق منا امرأة
إلا [عرض عليها ](٥) النبيُّ وَّ فتأباه وعرض عليّ فأبيته، وذلك أن
الظؤورة إنما كانوا يرجون الخير من قِبَلِ الآباء، ويقولون: لا أب له، وما
(ح/٩٣) وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط وابن عساكر - ر: الخصائص ١٣٣/١ - وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٤/١ فيه عبد الرحمن بن عيينة وسلمة بن محارب ولم أعرفهما
وبقية رجاله ثقات.
(ح/٩٤) أخرجه ابن إسحاق في السيرة ١٦٢/١ وابن راهويه وأبو يعلى والطبراني والبيهقي
وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عبدالله بن جعفر عن حليمة السعدية - ر: الخصائص الكبرى
١٣٤/١ - وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٠/٨ أخرجه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات.
وقال ابن حجر في الفتح ٣٩٤/٧ وأخرجه الحاكم وابن حبان - ر: زوائد ابن حبان رقم ٢٠٩٤ .
(١) في الأصل ((ثنا)) دون حرف الواو، والصواب ما أثبتناه وذلك لأن محمد بن أحمد بن
الحسن من شيوخ أبي نعيم، ويدل على ذلك أيضاً قوله بعد ذلك ((قالا ثنا محمد بن
إسحاق».
(٢) يظهر أنه سقط هنا من السند اسم ((زياد البكائي)) عن محمد بن إسحق، لأنه ذكر في نهاية
القصة أنها لفظ زياد البكائي .
(٣) شهباء: مجدبة بيضاء لا يرى فيها خضرة.
(٤) قمراء: يميل لونها إلى الخضرة.
(٥) في الأصل ((إلا عرضت النبي)) والصواب ما أثبتناه كما في سيرة ابن هشام.

١٥٦
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٤
عسى أن تفعل أمّه؟ فلم تبق منهن امرأة إلا أخذت رضيعاً غيري، وحان
انصرافهن إلى بلادهن فقلت لزوجي: لو أخذتُ ذلك الغلامَ اليتيم لكان
أمثْلَ من أن أرجعَ بغير رضيعٍ ، فأتيتُ أمَّه فأخذتُه، فجئت إلى منزلي،
وكان لي ابنٌ صغير واللَّهِ لا ينام من الجوع، فلما ألقيتُ رسول الله وَّر على
تَدْبَيَّ أقبلا عليه بما شاء الله من اللبن حتى رَوِي وروي أخوه، وناما، فقام
زوجي إلى شارِفٍ(١) لنا، والله ما أن تَبضُّ(٢) بقطرة، فلما وقعت يده على
ضرعها فإذا هي حافِلٌ، فحلب، ثم أتاني فقال والله يا بنت أبي نُؤيب ما
أظن هذه النسَمَة الذي أخذناها إلا مباركة فأخبرني بخبر الشّارِف، وأخبرته
بخبر ثَدْيَيَّ وما رأيت منهما، ثم أصبحنا فغدونا، فكنت على أتان قمْراء،
واللَّهِ ما أن تلحق الحمر ضعفاً، فلما أن وضعتُ عليها رسول الله وَّل
جعلتْ تتقدمُ الركب، فيقولون: والله إن لأتانِك هذي لشأناً، قالت: فقدمنا
بلادنا، بلاد سعد بن بكر، لا نعرف من الله إلا البرکة، حتى إن كان راعینا
لينصرفُ بأغنامِنا حُفَّلاً، وتأتي أغنام قومِنا ما أن تَبِضُّ بقطرةٍ، فيقولون
الرعيانهم: ويحكم ارعوا حيث يرعى راعي بنتُ أبي ذؤيب، فلم نزل
كذلك، فبينما هما يوماً يلعبان في بَهْم(٣) لنا وراءَ بيوتنا إذ جاء أخوه
يسعى، فقال: ذلك القُرشي قد قُتِل، فأقبلتُ وأبوه، فاستقبلَنا وهو مُنْتَقِع
اللون، فجعلت أضمه إليّ مرة، وأبوه مرة، ونقول: ما شأنك؟ فيقول لا
أدري، إلا أنه أتاني رجلان فشقًا بطني فساطاه(٤) فقال أبوه ما أظن هذا
٤
الغلام إلا قد أصيب، فبادري به أهلَه من قبل أن يتفاقمَ به الأمرُ عندنا،
(١) الشارف: الناقة المسنة.
(٢) ما تبض: ما ترشح.
(٣) البهم: صغار الغنم.
(٤) ساطه: حركه وضرب بعضه ببعض.

١٥٧
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٥ - ٩٦
فلم يكن له همٍّ إلا أن أتيتُ مكة فأتيتُ به أمه، فقلت: أنا ظئر ابني هذا،
قد فَصَلْتُه، وخشيتُ أن تقع عليه العاهَة فاقبليه، فقالت: ما لكِ زاهدةً فيه؟
وقد كنتِ قبل اليوم تسأليني أن أتركه عندك، لعلكِ خِفْتٍ على ابني
الشيطانَ، لا تخافي هذا، فإن ابني هذا معصومٌ من الشيطان - أو كلامٌ هذا
معناه - ألا أخبرك عني وعنه، إني رأيت حين ولدتُه بأنه خرج مني نور
أضاءت لي به قصور بُصْرى من أرض الشام - لفظ زياد البكائي -.
٩٥ - أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا الحسن بن الجهم قال ثنا
الحسين بن الفرج قال ثنا محمد بن عمر الواقدي قال حدثني موسى ابن شيبة عن عُمَّيْرة
بنت عبدالله بن كعب بن مالك عن بَرَّة(١) بنت أبي تجرأة قالت:
أول من أرضع رسول الله وَّ تُوَيْبَة - مولاة أبي لهب - بلبن ابنٍ لها
يقال له ((مسروح)) أياماً قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعَتْ قبلَه حمزةَ
ابن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي(٢).
٩٦ - قال الواقدي: وقدِم مكةَ عشر نُسوةٍ من بني سعد بن بكر يطلُّبْن الرّضاع،
وخرجت حليمةُ بنت عبدالله بن الحارث بن شِجْنَة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن فُصَيّة
[ ابن نصر](٣) بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عِكرمة بن خَصفَة بن قَيِس
عَيْلان بن مُضر.
(ح/ ٩٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٠٨/١ من طريق الواقدي وهو متروك، وأخرجه
البخاري في كتاب النكاح - فتح الباري ٤٦/١١ - من حديث أم حبيبة في عرضها أختها على
رسول الله، وفيه قول رسول الله: إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة تُوَيْبة. وقال ابن
حجر في الفتح ٤٤/١١ قال مصعب الزبيري كانت ثويبة أرضعت رسول الله بعدما أرضعت
حمزة ثم أرضعت أبا سلمة.
(ح/٩٦) أخرجه ابن سعد ١١٠/١ وأبو نعيم وابن عساكر عن يحيى بن يزيد السعدي من
طريق الواقدي - انظر الخصائص ١٤٣/١ - ورواية ابن سعد مختصرة ويظهر أن أبا نعيم علق
السند عن الواقدي .
(١) في الأصل ((عزيزة)) فصححناه من الإصابة وطبقات ابن سعد ١٠٨/١.
(٢) أرضع الرسول وَل ـ أمه سبعة أيام ثم ثويبة ثم بركة أم أيمن ثم حليمة - ر: إتحاف الورى
٥٧/١ _٠
(٣) ما بين الحاصرين من سيرة ابن هشام.

١٥٨
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٦
واسم أبيه الذي أرضعه(١) الحارثُ بن عبدالعُزّى بن رِفاعة بن
مَلّان(٢) بن ناصرة بن فُصيّة [بن نصر](٣) بن سعد بن بکر بن مَوزان،
وإخوته عبدُالله بن الحارث وأنّيسة بنت الحارث وحذافة (٤) بنت الحارث
وهي الشَّمّاء، وكانت الشماء تحضنه مع أمها، وخرجوا في سنةٍ حَمْراء(٥)
وخرجت بابنها عبدالله ترضعه، وأتان قَمْراء تدعى سِدرة، وشارفٌ ذَلْفَاء لا
لبن بها يقال لها السَّمْراء اللقوح، قد مات سَقَبُها(٦) بالأمس، ليس في
ضَرعها قطرةُ لبن، وقد يبس من العَجَفِ (٧)، وقالت أمّه آمنة لظئره حليمة:
والله إني لأرجو أن يكون مباركاً، فخرجَتْ برسول الله وَّ إلى منزلها،
فتجد حمارتها قد قطعت رسَنها وهي تجول في الدار، وتجد شارِفها قائمة
تقصعَ بجِرّتها(٨)، فقالت لزوجها: إن هذا المولود لمبارك، فقال: قد رأينا
بعضَ بركته، قال: ثم عمد إلى شارفِها فحلبها قعباً، فسقى حليمةً، ثم
حلبها قعباً آخر فشرب حتى روي، ولمس ضَرْعَها فإذا هي بعد حافل،
فحلب قعباً آخرَ فحقَتَه في سقاء له، ثم حَدَجوا (٩) أتانها وخرجوا، فركبتها
(١) في الأصل ((واسم ابنه الذي أرضعته)) والصواب ما أثبتناه كما في طبقات ابن سعد وسيرة ابن
هشام وغيرهما.
(٢) في الأصل ((بلان)) والصواب ما أثبتناه كما في الطبقات والسيرة.
(٣) ما بين الحاصرين من سيرة ابن هشام.
(٤) في الأصل ((جذامة)) والصواب ما أثبتناه كما في الاستيعاب وسيرة ابن هشام. وحذافة هي
((الشَّيْماء)) ويقال ((الشماء)) بلا ياء.
(٥) سنة حمراء: شديدة الجدب.
(٦) سقبها: ما قاربها في العمر.
(٧) العجف: الضعف.
(٨) تقصع بجرتها: ترد الطعام من معدتها إلى فيها لتمضغه، وذلك يعني أنها كانت قد أكلت
فامتلأت.
(٩) حدجوا: شدوا عليه الحدج، وهو الحمل.

١٥٩
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٧
حليمةُ، وركب الحارثُ شارفَهم، وحملت حليمةُ رسولَ الله وَآلآ بين يديها
على الأتان، وطلعت على صواحبها بوادي السّرّر مرتعات فقلن: هي حليمة
وزوجها، ثم هذا حمارٌ أنْجى من حِمارتها، وهذا بعيرٌ أنجى من بعيرها،
وما يقدِران أن يضبطا رؤوسهما، حتى نزلت معهن، فقلن يا حليمة ماذا
صنعتٍ؟ فقالت أخذتُ والله خيرَ مولودٍ رأيته قط، وأعظمه بركة، فقالت
النسوة: أهو ابن عبد المطلب؟ فقالت حليمة: نعم، فأخبرَتْهُن من إقبال
دَرِّها ودَرِّ لَقوحِها، وما رأوا من نجاءِ الأتانِ واللقّحة، فقالت حليمة: فما
رحلنا من منزلنا حتى رأيتُ الحسدَ في بعض نسائنا، فرحن إلى بلادهن،
قالت: فقدمنا على عشرة أعنُزٍ، ما يُرُمْن من البيت هُزالاً، فإن كنا لنريح
الإِبل وإنها لحفَّل، فنحلب ونشرب، ونحلبُ شارِفَنا غَبوقاً وصَبوحاً(١)،
وإني لأنظر إلى الشارِف قد نصبت في سنامها، وأنظر إلى عَجُزِ الأتان
وكأنها فيها الأفْهار(٢)، وإن كان عَجُزِها دَبَراء(٣) لما نخَسَها، وجعل أهل
الحاضر يقولون لرعيانهم: ابلغوا حيث تبلغُ غنمُ حليمة، فيبلغون، فلا
تأتي مواشيهم إلا كما كانت تأتي قبل ذلك.
ولقد كان رسول الله وَلم يمسّ ضرعَ شاةٍ لهم يقال لها ((أطلال)) فما
يطلب منها ساعةً من الساعات إلا حلبت غَبوقاً وصَبوحاً وما على الأرض
شيء تأكله دَابَّة .
٩٧ - فحدثني عبد الصمد بن محمد السعدي عن أبيه عن جده قال:
(ح/٩٧) قال في الخصائص ١٤٤/١ أخرجه أبو نعيم من طريق الواقدي عن عبد الصمد
ابن محمد السعدي عن أبيه عن جده، والواقدي متروك.
(١) الغبوق: ما يشرب في المساء، والصبوح ما يشرب في الصباح.
(٢) أي أن اللحم قد تكتل كتلاً كتلا من السمن. وفي إتحاف الورى ٦٢/١ ((الأمهار)) وهو خطأ.
(٣) الدبراء: قرحة الدابة. وفي إتحاف الورى ٦٢/١ ((لدابراً مما نخسها)).

١٦٠
الفصل الحادي عشر
ح / ٩٧
حدثني بعض من كان يرعى غنم حليمة: إنهم كانوا يرون غنمها(١) ما
ترفع رؤوسها، ويُرى الخضر في أفواهها وأبعارها، وما تزيد غنمنا على أن
تَرْبِض(٢)، ما تجد عوداً تأكله، فتروح الغنم أغْرَثَ(٣) منها حين غدت،
وتروح غنمُ حليمة يُخاف عليها الحَبَطَ (٤).
قالوا: فمكث سنتين و﴿ حتى فُطِم، فكأنه ابن أربع سنين، فقدموا
به على أمه زائرين لها وهم أحرص [شيء ](٥) على [ رده ](٥) مكانه لما
رأوا من عِظَم بركته، فلما كانوا بوادي السُّرَرِ (٦) لقيت نفراً من الحبشة وهم
خارجون منها، فرافقتْهم، فسألوها، فنظروا إلى رسول الله وَّه نظراً
شديداً، ثم نظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه، وإلى حُمْرة في عينيه،
فقالوا: يشتكي أبداً عينيه؟ للحمرة التي فيها، قالت: لا، ولكن هذه
الحمرة لا تفارقه، فقالوا هذا والله نبيّ، فغالبوها عليه، فخافتهم أن
يَغلِيوها، فمنعه الله عز وجل، فدخلت به على أمّه وأخبرتها بخبره وما رأوا
من بركته وخَبرِ الحبشة، فقالت آمنة: إِرجعي بابني فإني أخاف عليه وباءَ
مكة، فوالله لیکونَنَّ له شأنٌ، فرجعت به.
وقام سوقُ ذي المجاز، فحضرت به، وبها يومئذ عَرَّاف من هوازن
يُؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم، فلما نظر إلى رسول الله وَله وإلى الحمرةِ
في عينيه، وإلى خاتم النبوة، صاح: يا معشر العرب فاجتمع إليه أهلُ
(١) في الأصل ((يرعون غنماً)) فصححناه من الخصائص. وإتحاف الورى ٦٢/١.
(٢) تربض: تطوي قوائمها وتقيم.
(٣) أغرث: أكثر جوعاً. وفي إتحاف الورى ٦٢/١ ((أهون)).
(٤) الحبط: الانتفاخ من كثرة الأكل.
(٥) ما بين الحاصرين من الخصائص ١١٤/١.
(٦) وادي السرر: مكان على أربعة أميال من مكة - معجم البلدان -.