Indexed OCR Text

Pages 401-420

وَ خلية، ولهذا كان التسليم من تمام الصلاة وواجباتها عند مالك،
وكذا الجلوس [١٢٦/أ] للتشهد، ولم (١) يذكره، وكذا إن كان عليه
سهو واجب فإنه لا تتم الصلاة إلا به، ولم يذكره.
يُوَضِّحُه (٢) الجواب الرابع: أن عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى
أن التشهد ليس بفرض، بل إذا جلس مقدار التشهد فقد تمت
صلاته، تشهد أو لم يتشهد، والحديث دليل على أن الصلاة لا تتم
إلا بالتشهد. فإن كان استدلالكم بأنه علق التمام بالتشهد فلا تجب
الصلاة بعده صحيحًا، فهو حجة عليكم في قولكم بعدم وجوب
التشهد؛ لأنه علق به التمام، وبطل قولكم بنفي فرضية (٣) التشهد،
وإن لم (٤) يكن الاستدلال به صحيحًا بطل معارضة(٥) أدلة الوجوب
به، وبطل قولكم بنفي الصلاة على النبي بَّ، فبطل قولكم على
التقديرين .
فإن قلتم(٦): نحن نجيب عن هذا بأن قوله: ((فإذا قلت هذا
فقد تمت صلاتك))، المراد به تمام الاستحباب، وتمام الواجب قد
انقضى بالجلوس .
(١) في (ظ، ت، ش، ب، ج)(لم).
(٢) سقط من (ظ، ت، ج) كلمة (يوضحه).
(٣) في (ح) (فريضة).
(٤) سقط من (ظ) (لم يكن).
(٥) سقط من (ب، ش).
(٦) في (ظ) (قلت).
٤٠١

قيل لكم: هذا فاسد على قول من نفى وجوب (١) الصلاة،
وعلى قول من أوجبها، لأن من نفى وجوبها لا ينازع في أن تمام
الاستحباب موقوف عليها، وأن الصلاة لا تَتِمُّ التمام المستحب إلا
بها، ومن أوجبها يقول: لا تَتِمُّ التمام الواجب إلا بها، فعلى
التقديرين لا يمكنكم الاستدلال بالحديث أصلاً.
قوله: روى أبو داود، والترمذي حديث عبدالله بن عمرو (٢)،
وفيه :
٣٤٥ - ((إذا رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته))
جوابه من وجوه:
أحدها: أن الحديث معلول. وبيان تعليله من وجوه:
[١٢٦/ ب].
أحدها: أن الترمذي قال: ((ليس(٣) إسناده بالقوي، وقد
اضطربوا في إسناده)) .
الثاني: أنه من رواية عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي
وقد ضعفه غير واحد من الأئمة.
الثالث: أنه من رواية بكر بن سوادة، عن عبدالله بن عمرو،
(١) سقط من (ح).
(٢) تقدم تخريجه برقم (٣٣١).
(٣) في (ظ) (إن إسناده ليس بالقوي).
٤٠٢

ولم يلقه(١)، فهو منقطع.
الرابع: أنه مضطرب الإسناد، كما ذكره الترمذي.
٣٤٦ - الخامس (٢): أنه مضطرب المتن، فمرة يقول: ((إذا
رفع رأسه من السجدة فقد مضت صلاته))، ولفظ أبي داود،
والترمذي غير هذا، وهو:
٣٤٧ - ((إذا أحدث الرجل وقد جلس في آخر صلاته قبل أن
يسلم فقد جازت صلاته))، وهذا غير لفظ الطحاوي.
٣٤٨ - ورواه الطحاوي أيضًا بلفظ آخر فقال: ((إذا قضى
الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو، أو أحد ممن ائتمَّ(٣) بالصلاة معه
قبل أن يسلم الإمام فقد تَمَّت صلاته، فلا يعود فيها))، فهذا معناه
غير معنى الأول. قال الطحاوي: وقد روي بلفظ آخر:
٣٤٩ - ((إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده
ثم أحدث فقد تمت صلاته)).
وكلها مدارها على الإفريقي، ويوشك أن يكون هذا من سوء
حفظه، والله أعلم.
(١) لأن بكرًا توفي سنة ١٢٨ هـ، بينما عبدالله بن عمرو توفي سنة ٦٣هـ، فبين
وفاتيهما ٦٥ سنة، وهذا يدل على عدم اللقي. انظر: تهذيب الكمال
(٢١٦/٤)، والتقريب رقم (٣٤٩٩).
(٢) سقط من (ب) من قوله (أنه مضطرب الاسناد ... - إلى - الخامس).
(٣) في (ب، ت، ش، ج) (أتم) وفي (ظ) (أتم للصلاة).
٤٠٣

٣٥٠ - قوله: وقال علي رضي الله عنه: ((إذا جلس مقدار
التشهد فقد(١) تمت صلاته)).
جوابه: أن علي بن سعيد قال في ((مسائله)): ((سألت أحمد بن
حنبل عمن ترك التشهد فقال: يعيد. قلت: فحديث عليٍّ رضي الله
عنه: ((من قعد مقدار التشهد))(٢). فقال: لا يصح. وقد روي [١٢٧/أ]
عن النبي (َّ﴾( بخلاف حديث علي، وعبدالله بن عمرو)).
٣٥١ - قوله(٣): ((وروى الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله
قصة التشهد، وقال: ((ثم ليختر من الكلام ما أحب))(٤). ولم يذكر
الصلاة على النبي (صَ ل#)).
فجوابه: أن غاية هذا أن يكون ساكتًا عن وجوب الصلاة، فلا
يكون معارضًا لأحاديث الوجوب، كما تقدم تقريره.
٣٥٢ - قوله(٥): ((وحديث فضالة بن عبيد(٦) يدل على نفي
الوجوب))، جوابه: أن حديث فضالة حجة لنا في المسألة، لأن
(١) من (ظ) فقط، وانظر ص ٣٨٣.
(٢) تقدم بعد رقم (٣٣١).
(٣) في (ظ) (وقد روى)، والحديث تقدم ص ٣٧٣، وفي (ج) (ويروي
الأعمش).
(٤) في (ح) (ما شاء) وجاء في حاشيته (لعله: ما أحب)، وكذا صححت في
حاشية (ت) (ما أحب).
(٥) سقط من (ش).
(٦) تقدم تخريجه برقم (٤٤ و٣٣٢).
٤٠٤

النبي ◌َّية أمره بالصلاة عليه في التشهد، وأمره للوجوب، فهو نظير
أمره بالتشهد، وإذا كان الأمر متناولاً لهما، فالتفريق بين المأمورين
تَحَكُّم.
فإن قلتم: فالتشهد عندنا ليس بواجب؟
قلنا: الحديث حجة لنا عليكم(١) في المسألتين، والواجب
اتباع الدليل.
قوله: ((النبي ◌َّ لم يأمر هذا المصلي بإعادة الصلاة، ولو
كانت الصلاة على النبي ◌ّله فرضًا لأمره بإعادتها، كما أمر المسيء
في صلاته)). جوابه من وجوه:
أحدها: أنَّ هذا كان غير عالم بوجوبها، فتركها(٢) معتقدًا أنها
غير واجبةٍ، فلم يأمره النبي بَّهَ بالإعادة، وأمره في المستقبل أن
يقولها، فَأَمْرُهُ بقولها في المستقبل دليل على وجوبها، وترك أمره
بالإعادة دليل على أنه يُعْذَرُ الجاهل بعدم الوجوب. وهذا كما لم
يأمر النبي ◌َّ المسيء في صلاته(٣) بإعادة ما مضى من الصلوات،
وقد أخبره [١٢٧/ب] أنه لا يحسن غير تلك الصلاة (عذرًا له بالجهل.
(١) ليس في (ب).
(٢) من (ظ)، (ت)، (ج).
(٣) في (ظ) (المسيء صلاته) وفي (ح) (المسيء في الصلاة).
٤٠٥

فإن قيل: فلِمَ أمره أن يُعيْدَ تلك الصلاة)(١) ولم يعذره
فيها(٢) بالجهل؟ قلنا: لأن الوقتَ باقٍ، وقد عَلِمَ أركان الصلاة،
فوجب عليه أن يأتي بها .
فإن قيل: فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك(٣) الصلاة
كما أمر المسيء؟.
قلنا: أمره وَّ بالصلاة عليه فيها مُحْكَم (٤) ظاهر في
الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي وَل
بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي ◌َّ بها(٥)، ويحتمل أن
تكون الصلاة كانت(٦) نفلاً لا تجب عليه إعادتها، ويحتمل غير
ذلك، فلا يترك الظاهر من الأمر وهو دليل مُحْكَم لهذا المشتبه(٧)
المحتمل. والله سبحانه وتعالى أعلم.
فحديث فضالة إِمَّا مشترك الدلالة على السَّواء، فلا حُجَّة لكم
فيه، وإمَّا راجح الدلالة من جانبنا كما ذكرناه، فلا حجة لكم فيه
(١) سقط من (ش) من قوله (عذرًا له ... ) - إلى - (تلك الصلاة).
(٢) ليس في (ح).
(٣) في (ب) (ترك) وهو خطأ.
(٤) في (ظ، ج) (تحكم).
(٥) لیس في (ح).
(٦) من (ظ) قوله (كانت).
(٧) ليس في (ب).
٤٠٦

أيضًا، فعلى(١) التقديرين سقط احتجاجكم به.
قوله: لم يعلمها النبي ◌َّ ﴾ المسيء في صلاته، ولو كانت
فرضًا لعلمها إياه، جوابه من وجوه:
أحدها: أن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستندًا
لهم في نفي (٢) كل ما ينفون وجوبه، وحمَّلُوه فوق طاقته، وبالغوا
في نفي ما اختلف في وجوبه به(٣). فمن نفى وجوب الفاتحة احتجَّ
به، ومن نفى وجوب التشهد احتجَّ به، ومن نفى وجوب التسليم(٤)
احتج به، ومن نفى وجوب الصلاة على النبي ◌َّ احتج به، [١/١٢٨]
ومن نفى وجوب(٥) أذكار الركوع، والسجود، وركني الاعتدال
احتج به، ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقال(٦) احتج به. وكل هذا
تساهل واسْتِرْسَال في الاستدلال، وإلا فعند التحقيق لا ينفي
وجوب شيء من ذلك، بل غايته أن يكون قد سكت عن وجوبه
ونفيه، فإيجابه بالأدلة الموجبة له لا(٧) يكون معارضًا به.
فإن قيل: سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدلُّ على أنه ليس
(١) في (ظ، ت، ش، ج) (بَعْد).
(٢) سقط من (ش).
(٣) ليس في (ب، ت، ش) (به).
(٤) في (ب، ش) (ومن نفى وجوب التسليم احتج به). تتقدم أو تتأخر.
(٥) سقط من (ب).
(٦) في (ح) (الانتقالات).
(٧) في (ب، ج) (الموجبة لا يكون).
٤٠٧

بواجب؛ لأنه في مقام البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير
جائز اتفاقًا(١). قيل(٢): هذا لا يمكن أحدًا أن يستدل به على(٣)
هذا الوجه، فإنه يلزمه أن يقول: لا يَجِبُ التشهد، ولا الجلوس
له، ولا السَّلام، ولا النِّيَّة، ولا قراءة الفاتحة، ولا كل شيء لم
يذكره في الحديث. وطَرْدُ هذا: أنه لا يجبُ عليه استقبال القبلة،
ولا الصَّلاة في الوقت، لأنه لم يأمره بهما، وهذا لا يقولُهُ أحد.
فإن قلتم: إنَّما علمه ما أساء فيه، وهو لم يسيء في ذلك.
قيل لكم: فاقنعوا بهذا الجواب من منازعكم(2) في كل ما نفيتم
وجوبه بحديث المسيء هذا.
الثاني: أن(٥) ما أُمِر به النبي وَلّ من أجزاء الصلاة دليل ظاهر
في الوجوب، وترك أمره للمسيء به يحتمل أمورًا :
منها: أنه لم يسىء فيه.
ومنها: أنه وجب بعد ذلك.
ومنها: أنه علَّمه مُعْظَم الأركان وأهمها، وأحال بقية تعليمه
على مشاهدته بّي في صلاته(٦)، أو على تعليم بعض الصحابة له،
(١) في (ب، ش) (غير جائز أيضًا) وسقط من (ح) (اتفاقًا).
(٢) وقع في (ش، ت) (فإن قيل).
(٣) (ح، ج) وسقط (هذا) من باقي النسخ، ووقع في (ب) (عن الوجه).
(٤) في (ح، ظ، ت، ج) (منازعيكم).
(٥) ليس في (ح).
(٦) في (ش) تكررت هذه الجملة من قوله (ومنها أنه وجب ... - إلى - في =
٤٠٨

فإنه وعليه كان يأمرهم بتعليم بعضهم بعضًا، فكان من المستقر عندهم
إذنه(١) لهم في تعليم الجاهل [١٢٨/ب] وإرشاد الضال، وأي محذور
في أن يكون النبي وَلّ علمه البعض، وعلمه أصحابه البعض
الآخر، وإذا احتمل (٢) هذا لم يكن هذا المشتبه المُجْمَل معارضًا
الأدلة وجوب الصلاة على النبي بَّر، ولا غيرها من واجبات
الصلاة، فضلاً عن أن يُقَدَّم عليها، فالواجب تقديم الصَّرِيْح
المُحْكَم على المشتبه المُجْمَل. والله أعلم.
قوله: ((الفرائض(٣) إنما تثبت بدليل صحيح لا معارض له من
مثله أو بإجماع)) .
قلنا: اسمعوا أدلتنا الآن على (٤) الوجوب، فلنا (٥) عليه أدلة:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ
[الأحزاب: ٥٦]،
٥٦
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
ووجه الدلالة أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على
رسول الله وَّية، وأمره المطلق على الوجوب مالم يَقُمْ دليل على
خلافه .
=
صلاته).
(١) في (ب، ح، ش) (أنه لهم) وهو خطأ، وسقط (لهم) من (ج).
(٢) في (ب) (جْهِل) وفي (ش) (أُجمِل).
(٣) في (ش) (الفائض) وهو خطأ.
(٤) في (ظ) (عليه).
(٥) في (ب) (قلنا) وهو خطأ.
٤٠٩

وقد ثبت أن أصحابه رضي الله عنهم سألوه عن كيفية هذه
الصلاة المأمور بها، فقال :
٣٥٣ - ((قولوا: اللهم صل على محمد .. )) (١) الحديث. وقد
ثبت أن السلام الذي عُلِّمُوْهُ هو السلام عليه في الصلاة، وهو سلام
التشهد(٢)، فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلين واحد.
يُوضِّحه: أنه علمهم التشهد آمرًا لهم به، وفيه ذكر التسليم
عليه وَّيّة، فسألوه عن الصلاة عليه (٣) فعلمهم إياها، ثم شَبَّهَهَا بما
عُلِّمُوْهُ من التسليم عليه، وهذا يدل على أن (٤) الصلاة والتسليم
المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه [١٢٩/أ] في
الصلاة .
يوضحه: أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج
الصلاة، لا فيها، لكان(٥) كل مُسْلم منهم إذا سَلَّم عليه يقول له:
((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)). ومن المعلوم أنهم
لم يكونوا يتقيدون (٦) في السلام عليه بهذه الكيفية، بل كان الداخل
(١) تقدم برقم (١ و٢ و٤ و٦).
(٢) تقدم برقم (١و٢ و٦) ووقع في (ج) (والمجلس واحد).
(٣) سقط من (ظ، ت) (عليه فعلمهم إياها)، وسقط من (ج) (فسألوه .. التسليم
عليه).
(٤) في (ظ) (للصلاة).
(٥) في (ظ) (لكل).
(٦) في (ش) (يتعبَّدون).
٤١٠

منهم يقول: ((السلام عليكم))، وربما قال: ((السلام على رسول
الله))، وربما قال: ((السلام عليك يا رسول الله)) ونحو ذلك، وهم
لم يزالوا يُسَلِّمون عليه من أوَّلِ الإسلام بتحيَّة الإسلام، وإنما الذي
عُلِّمُوهُ قدرًا زائدًا عليها، هو السَّلام عليه(١) في الصلاة.
٣٥٤ - يوضحه: حديث ابن إسحاق: ((كيف نصلي إذا نحن
صلينا عليك في صلاتنا))، وقد صحَّحَ هذه اللفظة جماعة من
الحفاظ: منهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني،
والبيهقي، وقد تقدم في أول الكتاب(٢)، وما أُعِلَّت به، والجواب
عن ذلك.
وإذا تقرر أن الصلاة المسؤول عن كيفيتها هي الصلاة عليه
في نفس الصلاة، وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في
القرآن؛ ثبت أنها على الوجوب، وينضاف إلى ذلك أمر النبي
صَلىلّه
وَسَّله
بها، ولعل هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى
بقوله: (كنت أتهيب ذلك، ثم تبينت فإذا هي واجبة)). وقد تقدم
حكاية كلامه.
وعلى هذا الاستدلال أسئلة(٣):
أحدها: أن قوله {وَلّ: ((والسَّلام كَمَا عَلِمْتُم)) يحتمل أمرين:
(١) في (ب) (عليكم) وهو خطأ .
(٢) تقدم برقم (١) ص ٧ - ١٠.
(٣) في (ش، ب) (الاسؤلة) وفي (ظ) (أسؤلة).
٤١١

أحدهما: أن يراد به السلام عليه في الصلاة. [١٢٩/ب]
والثاني: أن يراد به السلام من الصلاة نفسها. قاله(١) ابن
(٢)
عبدالبر(٢).
الثاني: أن غاية ما ذكرتم إنما يدلُّ دِلالة اقتران الصلاة
بالسلام، والسلامُ واجب في التشهد، فكذا الصلاة، ودِلالة الاقتران
ضعيفة .
الثالث: أنا لا نُسلِّم وجوبَ السَّلام، ولا الصلاة، وهذا
الاستدلال منكم إنما يتمُّ بعد تسليم وجوب السلام عليه بَله .
والجواب عن هذه الأسئلة (٣):
أما الأول: ففاسد جدًا؛ فإنَّ في نفس الحديث ما يبطله، وهو
أنهم قالوا:
٣٥٥ - ((هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه، فكيف
الصلاة عليك؟)) لفظ البخاري(٤) في حديث أبي سعيد رضي الله
عنه. وأيضًا فإنهم إنما سألوا النبي بَّر عن كيفية الصلاة والسلام
المأمور بهما في الآية، لا عن كيفية السلام من الصلاة.
(١) في (ب) قال، وهو خطأ.
(٢) انظر: التمهيد (١٨٦/١٦) فقد قال (وقيل :... فذكر هذا الكلام).
(٣) في (ش، ظ، ب، ج) (الأسؤلة).
(٤) تقدم برقم (٦).
٤١٢

وأما السؤال الثاني: فسؤال مَنْ لم يفهم وجه تقرير الدلالة،
فإنا لم نحتج بدلالة الاقتران، وإنما استدللنا بالأمر بهما (١) في(٢)
القرآن، وَبَيًّا أن الصلاة التي سألوا النبي ◌َّ أن يعلمهم إياها؛ إنَّما
هي الصلاة التي (٣) في الصلاة.
وأما السؤال الثالث(٤): ففي غاية الفساد، فإنه لا يعترض
على الأدلة من الكتاب والسنة بخلاف المخالف، فكيف يكون
خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول منازعكم(٥) فيها مبطلاً
لدليل صحيح لا معارض له في مسألة أخرى، وهل هذا إلا عكس
طريقة أهل العلم؛ فإنَّ الأدلة هي التي تُبْطلُ ما خالفها من الأقوال،
ويُعْتَرَضُ بها [١٣٠/أ] على من خالف موجبها، فَتُقَدَّم على كلِّ قولٍ
اقتضى خلافها، لا أن أقوال المجتهدين تُعَارَض بها الأدلة وتُبْطِلُ
مقتضاها(٦) وتُقدَّم عليها. ثم إن الحديث حجة عليكم في
المسألتين، فإنه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه وَعليه،
فيجب المصیر إليه .
الدليل الثاني: أن النبي ◌ّ كان يقول ذلك في التشهد،
(١) في (ب، ش، ح) (بها) وهو خطأ.
(٢) سقط من (ب، ش) (في القران).
(٣) سقط من (ش) (من قوله (التي سألوا ... ) - إلى - (الصلاة التي).
(٤) سقط من (ج) (الثالث).
(٥) في (ح) (منازعيكم).
(٦) في (ب) (مقتاها) وفي (ش) (معناها).
٤١٣

وأمرنا أن نصلي كصلاته (١)، وهذا يدل على وجوب فعل(٢) ما فعل
في الصلاة إلا ما خصَّه الدليل، فهاتان مقدمتان:
٣٥٦ - أما المقدمة الأولى: فبيانها ما روى الشافعي في
((مسنده))(٣): عن إبراهيم بن محمد، حدثني سعيد بن إسحاق، عن
عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن النبي وَالل أنه
كان يقول في الصلاة: ((اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد،
كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل
محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد)) .
وهذا وإن كان فيه إبراهيم بن(٤) أبي يحيى، فقد وثقه جماعة، منهم
الشافعي رحمه الله، وابن الأصبهاني، وابن عدي، وابن عقدة،
وضعفه آخرون(٥) .
٣٥٧ - أما المقدمة الثانية: فبيانها ما روى البخاري في
((صحيحه))(٦): عن مالك بن الحويرث، قال: أتينا النبي ◌َّ ونحن
شَبَبَة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا،
(١) لقوله (صلوا كما رأيتموني أصلي) من حديث مالك بن الحويرث. وسيأتي
تخريجه .
(٢) سقط من (ب).
(٣) رقم (٢٧٩) وسنده ضعيف جدًا.
(٤) في (ب) (إبراهيم بن إسحاق) وهو خطأ، وإنما يكنى بأبي إسحاق.
(٥) انظر: تهذيب الكمال (١٨٤/٢ - ١٩١).
(٦) في (١٤) الأذان (٦٠٥) واللفظ له، ومسلم في (٥) المساجد ومواضع
الصلاة (٦٧٤).
٤١٤

وسألنا عمن تركنا في أهلنا؟ فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيمًا، فقال:
((ارْجِعُوا إلى أهْلِيْكُم فعلُّمُوهم، ومُرُوهم، وصَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُوني
أَصَلّي، وإذا حضرتِ [١٣٠/ب] الصَّلاة فلْيؤذَّن لكم(١) أحدكم
ولیؤمكم أکبركم».
وعلى هذا الاستدلال من الأسئلة (٢) والاعتراضات ما هو
مذكور في غير هذا الموضع .
٣٥٨ - الدليل الثالث: حديث فضالة بن عبيد (٣)، فإن النبي
وَ ل قال له أو لغيره: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء
عليه، والصلاة، ثم ليصل على النبي ◌َّر، ثم ليدع بعد بما شاء))
وقد تقدم، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وأهل السنن.
وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
واعترض عليه بوجوه:
أحدها: أن النبي وَّ لم يأمر هذا المصلي بالإعادة، وقد
تقدم جوابه .
الثاني: أن هذا الدعاء كان بعد انقضاء الصلاة، لا فيها، بدليل
٣٥٩ - ما روى الترمذي في ((جامعه)) (٤): من حديث
(١) سقط من (ح) (لكم).
(٢) في (ب، ظ، ش، ج) (الأسؤلة).
(٣) تقدم برقم (٤٤).
(٤) رقم (٣٤٧٧) وقال: هذا حديث حسن)).
٤١٥

رِشْدِين(١) في هذا: بينا رسول الله وَله قاعد إذا دخل رجل فصلى
فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال رسول الله وَله: ((عجلت(٢)
أيها المصلي، إذا صَلَّيْتَ فقعدتَ، فاحْمَدِ الله بما هو أهله، وصلِّ
عليٍّ، ثم ادْعُهْ)) .
وجواب هذا من وجوه:
أحدها: أن رشدين ضعفه أبو زرعة، وغيره، فلا يكون حجة مع
استقلاله، فكيف إذا خالف الثقات(٣) الأثبات، لأن كل من روى هذا
الحديث قال فيه: ((سمع النبي ◌ُّ﴾ رجلاً يدعو في صلاته)).
الثاني: أن رشدين لم يقل في حديثه: إن هذا الداعي [١٣١/أ]
دعا بعد انقضاء الصلاة، ولا يدلُّ لفظه على ذلك، بل قال: ((فصلى
فقال: اللهم اغفر لي)). وهذا لا يدل على أنه قال بعد فراغه من
الصلاة. ونفْسُ الحديث دليل على ذلك، فإنه قال: ((إذا صلى
أحدكم فليبدأ بتحميد الله))، ومعلوم أنه لم يُرِدْ بذلك الفراغ من
الصلاة؛ بل الدخول فيها. ولاسيما فإنَّ عامَّة أدعية النبي ◌َّ إنما
من طريق رشدين بن سعد عن أبي هاني حميد بن هانيء الخولاني عن
=
أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة فذكره.
(١) وقع في (ب) (رشيدين) وهو خطأ، ومثله ما بعده. انظر: تهذيب الكمال
(١٩٣/٩ - ١٩٦).
(٢) إضافة من سنن الترمذي، وليست في جميع النسخ.
(٣) كعبدالله بن وهب، وحيوة بن شريح.
عند أبي داوود (١٤٨١)، وابن خزيمة رقم (٧٠٩) وغيرهما.
٤١٦

كانت في الصلاة، لا بعدها، لحديث(١) أبي هريرة، وعلي، وأبي
موسى، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وعمار(٢)، وغيرهم(٣)، ولم
يُنْقُلْ(٤) أحد منهم أنه پټ كان يدعو به في صلاته في حديث صحيح.
ولما سأله الصِّدِّيق(٥) دعاءً يدعو به في صلاته لم يقل: ادع
به خارج الصلاة، ولم يقل لهذا الداعي: ادع به بعد سلامك من
الصلاة، لا سِيَّما(٦) والمصلي مناج ربّه، مُقْبل عليه، فدعاؤه ربه
تعالى في هذه الحال أنْسَب من دعائه له بعد انصرافه عنه وفراغه
من مناجاته .
الثالث: أن قوله وَله: ((فاحمد الله بما هو أهله))، إنما أراد به
التشهد في القعود، ولهذا قال: ((إذا صليت فقعدت))، يعني في
تشهدك، فأمَرَه بحمد الله والثَّنَاء عليه، والصَّلاة على رسوله ◌َّه.
الاعتراض الثالث: أن الموضع(٧) الذي أمره أن يصلي فيه،
ويدعو بعد تحميد الله غير مُعَيَّن(٨)، فلِمَ قلتم: إنه بعد التشهد.
وجواب هذا: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على
(١) في (ب، ش) (كحديث).
(٢) سقط من (ب) ما بين القوسين.
(٣) انظر هذه الأحاديث في الوابل الصيب للمؤلف ص٢٣٢ - ٢٣٥.
(٤) وقع في (ظ) (يَقُلْ).
(٥) تقدم ص٣٧٣.
(٦) في (ظ، ب) (ولاسيما).
(٧) زيادة يقتضيها السياق.
(٨) في (ب) (غير معلوم).
٤١٧

الله، ثُمَّ الصَّلاة [١٣١/ب] على رسوله بَّهَ، ثُمَّ الدُّعاء، إلا في التشهد
آخر الصَّلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام، ولا الركوع، ولا
السُّجود اتِّفَاقًا، فَعُلِم أنَّه إنَّما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في
التشهد .
الاعتراض الرابع: أنه أَمَرَهُ فيه(١) بالدُّعاء عَقِبَ الصَّلاة عليه،
والدعاء ليس بواجب، فكذا الصلاة عليه وَله .
وجواب هذا: أنه لا يستحيل أن يأمر بشَيْئَيْن، فيقوم الدليل
على عدم وجوب أحدهما، فيبقى الآخر على أصل الوجوب.
الثاني: أن هذا المذكور من الحمد والثناء هو واجب قبل
الدعاء، فإنه هو التشهد، وقد أُمِرَ النَّبِي وَلَّهبه، وأخبر الصحابة أنه
فرض عليهم، ولم يكن (٢) اقتران الأمر بالدعاء به(٣) مسقطًا
لوجوبه، فكذا الصلاة على النبي وَل .
الثالث: أن قولكم: ((الدعاء لا يجب))، باطل، فإن من
الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب،
والهداية والعفو، وغيرها، وقد روي عن النبي وَالر أنه قال:
(١) سقط من (ب)، وفي (ج) (أنه أمر فيه).
(٢) في (ب) (ولم يقترن الأمر)، وفي (ت) (ولم يكن الاقتران الأمر بالدعاء به
مسقطًا)، وفي (ج) (افتراض).
(٣) في (ب) (بالدعاء ومسقطًا).
٤١٨

٣٦٠ - : ((من لم يسأل الله يغضب عليه))(١).
والغضب لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرم.
الاعتراض الخامس: أنه لو كانت الصلاة على النبي وَل فرضًا
في الصلاة لم يؤخر بيانها إلى هذا الوقت، حتى يرى رجلاً لا
يفعلها فيأمره بها، ولكان العلم بوجوبها مستفادًا قبل هذا الحديث
[١٣٢ / أ] .
وجواب هذا: أنا لم نقل: إنها ما (٢) وجبت على الأُمّة إلا
بهذا الحديث، بل هذا المصلي كان(٣) قد تركها، فأمره النبي وَلَّ
بما هو مُسْتَقِرٌّ معلوم من شرعه. وهذا كحديث المسيء في صلاته،
فإن وجوب الركوع والسجود والطمأنينة على الأُمّة لم يكن مستفادًا
من حديثه وتأخيرٍ بيان النبي ◌َّ لذلك إلى حين صلاة هذا
الأعرابي، وإنما أمره أن يصلي الصلاة التي شرعها لأَمَّتِهِ قبل هذا.
(١) أخرجه الترمذي (٣٣٧٣)، وابن ماجه (٣٨٢٧)، وأحمد (٤٤٢/٢ و٤٧٧)
وغيرهم.
من طريق أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة فذكره مرفوعًا. وسنده منكر،
تفرد به أبو صالح الخوزي، وهو لم يرو عنه غير أبي المليح، وقد قال فيه
يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن
حجر: لين الحديث. وقد جعل ابن عدي هذا الحديث من مفاريده. انظر:
تهذيب الكمال (٤١٨/٣٣)، والكامل في الضعفاء (٢٩٤/٧ - ٢٩٥).
(٢) سقط من (ح).
(٣) ليس في (ب).
٤١٩

الاعتراض السادس: أن أبا داود والترمذي قالا في هذا
الحديث، حديث فضالة: ((فقال له، أو لغيره)). بحرف ((أو))، ولو
كان هذا واجبًا على كل مُكَلَّف لم يكن ذلك له أو لغيره.
وهذا اعتراض فاسد من وجوه:
أحدها: أن الرواية الصحيحة التي رواها ابن خزيمة، وابن
حبان ((فقال له ولغيره)) بالواو، وكذا رواه أحمد، والدارقطني،
والبيهقي، وغيرهم(١).
الثاني: أن ((أو)) هنا ليست للتَّخْيير، بل للتَّقْسِيم، والمعنى أن
أي مُصَلِّ صلى فليقل ذلك، هذا أو (٢) غيره، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا
تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا الجَ﴾ [الدهر: ٢٤]، ليس المراد التخيير، بل
المعنى أن أيهما كان فلا تطعه إما هذا وإما هذا.
الثالث: أن الحديث صريح في العموم بقوله: ((إذا صلى
أحدكم فليبدأ بتحميد الله)) فذكره.
الرابع: أن في رواية النسائي، وابن خزيمة: ((ثم علمهم
رسول الله مَ لـ)). فذكره، وهذا عام.
الدليل الرابع: [١٣٢/ ب] ثلاثة أحاديث كل منها لا تقوم الحُجَّة
به عند انفراده، وقد يُقَوِّي بَعْضُها بعضًا عند الاجتماع.
(١) تقدم تخريجه رقم (٤٤).
(٢) في (ب، ش) (هذا وغيره)، وفي (ج) (فليقل في ذلك أو غيره).
٤٢٠