Indexed OCR Text
Pages 361-380
له في الأرض بيت يُحَجَّ، ولا كلام يُتْلَى، فحينئذ يقرب خراب العالم. وهكذا الناس اليوم إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم وشرائعه بينهم، وقيام أمورهم وحصول مصالحهم واندفاع أنواع البلاء والشر عنهم بحسب ظهورها بينهم وقيامها، وهلاكهم وعنتهم وحلول البلاء والشر بهم عند تعطلها والإعراض عنها، والتحاكم إلى غيرها واتخاذ سواها. ومن تأمل تسليط الله سبحانه مَنْ سَلَّطه على البلاد والعباد من الأعداء علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيهم وسننه وشرائعه، فَسَلَّط الله عليهم من أهلكهم وانتقم منهم، حتى إن البلاد التي لآثار النبي ◌َّ وسننه وشرائعه فيها ظهور دُفِعَ عنها بحسب ظهور ذلك بینھم . وهذه الخصائص وأضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت، [١١٣/ب] فلهذا أمرنا رسول الله ولي أن نطلب له من الله تعالى أن يبارك عليه وعلى آله كما بارك على هذا البيت المعظم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. * ومن بركات أهل هذا البيت أنه سبحانه أظهر على أيديهم من بركات الدنيا والآخرة مالم يظهره على يدي أهل بيت غيرهم. وغيرهما .* ورجّح الزار وقفه. انظر سنده رقم (٢٨٣٨) و٢٩٣٩) **. = وقوى سنده الحافظ في الفتح (١٦/١٣). ٣٦١ * ومن بركاتهم وخصائصهم أن الله سبحانه أعطاهم من خصائصهم مالم يعط غيرهم، فمنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم الذَّبِيْحِ، ومنهم مَنْ كَلَّمه تكليمًا وقَرَّبه نجيًّا، ومنهم من آتاه شَطْر الحُسْن، وجعله من أكرم الناس عليه، ومنهم من آتاه مُلْكًا لم يؤته أحدًا غيره، ومنهم من رَفَعَه مكانًا عليًّا. ولمَّا ذكر سبحانه هذا البيت وذُرَّتهم أخبر أنَّ كلَّهم فضَّله على العالمين. * ومن خصائصهم وبركاتهم على أهل الأرض أن الله سبحانه رفع العذاب العام عن أهل الأرض بهم وبِبَعْثَتِهِم (١)، وكانت عادته سبحانه في أمم الأنبياء قبلهم أنهم إذا كذبوا أنبياءهم ورسلهم أهلكهم بعذاب يعمّهم، كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، فلما أنزل الله التوراة والإنجيل والقرآن رفع بها العذاب العام عن [١١٤/أ] أهل الأرض، وأمر بجهاد من كذبهم وخالفهم، فكان ذلك(٢) نصْرَهُ لهم بأيديهم، وشفاءً لصدورهم، واتخاذَ الشهداءِ منهم، وإهلاكَ عدوّهم بأيديهم، لتحصيل محابه سبحانه علی أیدیهم. وحق لأهل بيت هذا بعض فضائلهم وخصائصهم أن لا تزال الألسن رطبة بالصلاة عليهم والسلام والثناء والتعظيم، والقلوب (١) في (ب) (وببعثهم). (٢) في (ح) (بذلك). ٣٦٢ ممتلئة من تعظيمهم ومحبتهم وإجلالهم، وأن يعرف المصلي عليهم أنه لو أنفق أنفاسه كلها في الصلاة عليهم ما وَفّى القليل من حقهم، فجزاهم الله عن بريته أفضل الجزاء، وزادهم في الملأ الأعلى تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا، وصلى الله عليهم صلاةً دائمة لا انقطاع لها، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين(١) . (١) من (ح) فقط (كثيرًا إلى يوم الدين). ٣٦٣ الفصل التاسع في اختتام هذه الصلاة بهذين الاسمين من أسماء الرب سبحانه وتعالى، وهما: الحميد المجيد فالحميد: فَعِيْل من الحَمْد، وهو بمعنى: مَحْمُود، وأكثر ما يأتي فعيلاً في أسمائه تعالى بمعنى فاعل؛ كسميع، وبصير، وعليم، وقدير، وعليٍّ، وحكيم، وحليم، وهو كثير. وكذلك فعول؛ کغفور، وشكور، وصبور. وأما الوَدُوْدُ(١): ففيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى فاعل، وهو الذي(٢) يُحِبُّ أنبياءَه ورسلَه وأولياءه وعباده المؤمنين. والثاني: أنه بمعنى مَوْدُوْد، وهو المحبوب الذي يستحقُّ أنْ يُحَبَّ الحُبَّ كلَّه، وأنْ يكون أحبَّ إلى العبدِ من سمعه وبصره وجميع محبوباته [١١٤/ب]. (١) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للزَّجَّاج ص٥٢، وشأن الدعاء للخطَّبي ص٧٤. (٢) سقط من (ب). ٣٦٥ وأما الحميد(١): فلم يأت إلا بمعنى المحمود، وهو أبلغ من المحمود، فإنَّ فعيلاً إذا عُدِل به عن مفعول دلَّ على أنَّ تلك الصفة قد صارت مثل السَّجِيَّة والغريزة والخُلُق اللَّزم، كما إذا قلت: فلان ظريف أو شريف أو كريم، ولهذا يكون هذا البناء غالبًا مِن فَعُلَ بوزن شَرُفَ، وهذا البناء من أبنية الغرائز والسَّجايا اللازمة؛ ككَبُرَ وصَغُرَ وحَسُنَ ولَطُفَ، ونحو ذلك. ولهذا كان ((حَبِيْب)» أبلغ من محبوب، لأنَّ الحبيب هو الذي حصلت فيه الصفات والأفعال التي يُحَبُّ لأجلها، فهو حبيب في نفسه، وإن قدر أن غيره لا يُحِبُّه لعدم شعوره به، أو لمانع(٢) منعه من حُبِّه. وأما المحبوب فهو الذي تعلَّق به حُبُّ المحِبّ، فصار محبوبًا بحبِّ الغير له. وأما الحبيبُ فهو حبيب بذاته وصفاته، تعلَّق به حُبُّ الغير أو لم يتعلق، وهكذا الحميد والمحمود. فالحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه. والمحمود من تعلّق به حمد الحامدين، وهكذا المجيد والمُمَجَّد، والكبير والمُكَبَّر، والعظيم والمُعَظّم. والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود، فمن أحببته ولم تثن عليه، لم تكن حامدًا له، وكذا من أثْنَيْتَ عليه (١) انظر: شرح أسماء الله الحسنى للزجاج ص٥٥، وشأن الدعاء للخطابي ص٧٨ . (٢) في (ب) (أو المانع من حبّه). ٣٦٦ الغرضٍ مَا، ولم تُحِبَّه لم تكن حامدًا له(١) حتى تكون مثنيًا عليه محبًا له، وهذا الثناء والحبُّ تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من [١١٥/أ] صفات الكمال ونعوت الجلال والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبة، وكُلَّما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل كان الحمد والحبُّ أتمّ وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجهٍ مَا، والإحسان كله له ومنه، فهو سبحانه وتعالى أحق بكل حمد، وبكل حب من كُلِّ جهة، فهو أهل أن يُحَبَّ لذاته ولصفاته ولأفعاله ولأسمائه ولإحسانه، ولكل ما صَدَرَ منه(٢) سبحانه وتعالى. وأما المَجْد فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال كما يدلُّ عليه موضوعه في اللُّغة، فهو دالٌّ على صفات العظمة والجلال(٣)، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله سبحانه ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: ((لا إله إلا الله والله أكبر))، فلا إله إلا الله دالٌ على ألوهيته وتفرده فيها، فألُوهيته تستلزم مَحَبَّته التَّامَّة، و((الله أكبر)) دال على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تمجيده وتعظيمه وتكبيره، ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا، كقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَنُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِّ إِنَّهُ حَمِيدٌ نَجِدٌ [هود: ٧٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَقُّلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَّ يَكُنْ لَّهُ (١) سقط من (ب، ش) من قوله (وكذا من) .. إلى قوله (حامدًا له). (٢) في (ب) (عنه). (٣) سقط من (ظ) من قوله (كما يدل) إلى (والجلال). ٣٦٧ شَرِيكُ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِرْهُ تَكْبِرًا ﴾﴾ [الإسراء: ١١١]، فأمر بحمده وتكبيره. وقال تعالى: ﴿نَبَرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ ٧٨ [الرحمن: ٧٨]، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧]. ٢٧ ٣١٩ - وفي ((المسند)) و((صحيح أبي حاتم)) وغيره: من حديث [١١٥/ب] أنس، عن النبي وَلهول أنه قال: ((ألظوا بياذا الجلال والإكرام))(١)، يعني الْزَمُوها وتعلَّقوا بها. فالجلال والإكرام هو الحمد والمجد. ونظير هذا قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ )) [النمل: ٤٠]، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾﴾﴾ [النساء: ١٤٩]، ﴿ وَهُوَ [الممتحنة: ٧] وقوله : وقوله: ﴿وَاللَّهُ قَدِيْرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]، وهو كثير في : ١٥ الْغَفُورُ الْوَدُودُ » ذُو الْعَرْشِ المجیدُ القرآن . (١) أخرجه الترمذي (٣٥٢٥)، وأبو يعلى في مسنده (٤٤٥/٦) رقم (٣٨٣٣)، والطبراني في الدعاء (٨٢٤/١) رقم (٩٤). من طريق حميد عن أنس مرفوعًا . وهو معلول بالإرسال أعله أبو حاتم والترمذي. انظر: علل ابن أبي حاتم (١٧٠/٢ و١٩٢). وله طريق آخر عن أنس، ولا يثبت. وقد ثبت هذا الحديث عن ربيعة بن عامر كما تقدم برقم (٢١٦). تنبيه: لم أقف على الحديث في المسند ولا في صحيح أبي حاتم ابن حبان من حديث أنس، وإنما عزاهُ إليه فقط الضياء في المختارة، وهو في المسند من حديث ربيعه بن عامر رضي الله عنه. ٣٦٨ ٣٢٠ - وفي ((الحديث الصحيح))(١): حديث دعاء الكرب: ((لاَ إِلَهَ إلاّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيْمُ، لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ ربُّ العَرْشِ العَظِيْم، لاَ إلهَ إلا اللهُ ربُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُ الأرْضِ ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيْم)). فذكر هذين الاسمين: ((الحميد المجيد)) عقيب الصلاة على النبيِ وَّ وعلى آله مطابق لقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ اُلْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ .. [هود: ٧٣]. ولما كانت الصَّلاة على النبيِ نَّهــ وهي ثناءُ اللهِ تعالى عليه وتكريمُه والتنويْهُ به، ورفْعُ ذكره، وزيادةُ حُبِّه وتقريبه - كما تقدَّم؛ كانت مشتملةً على الحمد والمجد، فكأنَّ المُصَلَّي طلب من الله تعالى أن يزيدَ في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نَوْعُ حَمْدٍ له وتمجيد، هذه حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين(٢) المناسبين له، وهما اسما(٣) الحميد والمجيد، وهذا كما تقدَّم أنَّ الداعيَّ يُشرَع له أنْ يَخْتِم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب المطلوبه، أو يفْتَتِحَ دعاءه به، وتقدم أن هذا من قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ اَحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، قال [١١٦/أ] سليمان عليه السلام في دعائه ربه: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِيِّ إِنَّكَ أَنْتَ (١) أخرجه البخاري في (٨٣) الدعوات (٥٩٨٦)، ومسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة (٢٧٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) من (ح) وفي (ب، ش، ظ، ج) (الاسمان المناسبان) وهو خطأ، وفي (ت) (الاسماء المناسبة). (٣) سقط من (ش). ٣٦٩ [صّ: ٣٥]، وقال الخليل وابنه إسماعيل في دعائهما: الْوَهَّابُ ٣٥ ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةُ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَا سِكَنَا وَتُّبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ٣٢١ - وكان النبي وَل يقول: ((رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور))(١)، مائة مرة في مجلسه. وقال لعائشة رضي الله عنها وقد سألته: إن وافقت ليلة القدر ما أدعو به؟ قال: ٣٢٢ - ((قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني))(٢). وقال للصِّدِّيق رضي الله عنه، وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته: ((قل: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيْرًا ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أنْتَ، فَاغْفِرْ لِيْ مَغْفِرَة مِن عِنْدِكَ، وارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ (١) أخرجه الترمذي (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٣٨١٤)، وأبو داوود (١٥١٦)، وأحمد (٢١/٢) وغيرهم. وسنده صحيح؛ لكن تفرد به محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر فذكره. وإليه أشار الترمذي بقوله: حسن صحيح غريب. (٢) أخرجه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٩٤٠)، وأحمد (١٧١/٦ و٢٥٨) وغيرهم من طريق ابن بريدة عن عائشة. وهو أصح الطرق عن عائشة. والحديث صححه الترمذي فقال: (هذا حديث حسن صحيح)). لكن قال الدارقطني في السنن (كتاب الطلاق) (٢٣٣/٣): (ابن بريدة لم يسمع من عائشة شيئًا). وقد وقع في طرق الحديث اختلاف، أكثر مما ذكرته في تحقيق كتاب الصيام من شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٠١/٢ - ٧٠٣) رقم (٧٧٣). ٣٧٠ الرَّحِيْمُ))(١) . وهذا كثير قد ذكرناه في كتاب ((الرُّوْحِ والنَّفْس))، وما قاله الناس في قول المسيح عليه الصلاة والسلام: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [المائدة: ١١٨]، ولم يقل ١١٨ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ الْحَكِيمُ الغفور الرحيم، وقول الخليل: ﴿فَمَنْ تَبِّعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِىّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]. فلما كان المطلوب للرسول ود ليل حمدًا ومجدًا (٢) بصلاة الله عليه، ختم هذا السؤال باسمي ((الحميد المجيد)). وأيضًا فإنه لما كان المطلوب للرسول حمدًا ومجدًا، وكان ذلك حاصلاً له(٣)، ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذَيْنِك الوصْفين للرب عز وجل بطريق الأوْلى، وكلُّ كَمَال في العبد غير مسْتلزم للنَّقص، فالرَّبُ أحَقُّ به [١١٦/ ب]، وأيضًا فإنه لما طُلِبَ للرسول حمدٌ ومجدٌ بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء عليه، ختم هذا المطلوب بالثناء على مُرْسِله بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء مُتَضَمِّنًا لطلب الحمد والمجد للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، والإخبار عن ثبوته للرب (٤) سبحانه وتعالى. (١) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة (٧٩٩)، ومسلم في (٤٨) الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٧٠٥). (٢) في جميع النسخ (حمدٌ ومجد) وهو خطأ، وكذا ما بعده. (٣) سقط من (ب) (له). (٤) في (ب) (الرب)، وسقط من (ج). ٣٧١ الفصل العاشر في ذكر قاعدة في هذه الدعوات والأذكار التي رويت بألفاظ مختلفة؛ كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع الأدعية التي اختلفت ألفاظها، وأنواع الأذكار بعد الاعتدال من الركوع والسجود، ومنه هذه الألفاظ التي رويت في الصلاة على النبي صَلىالله وسلم قد سَلَكَ بَعْضُ المتأخِّرين(١) في ذلك طريقة في بعضها، وهو أنَّ الدَّاعِيَ يُسْتَحَبُّ له أنْ يجمعَ بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك(٢) أفضل ما يُقَالُ فيها، فرأى أنه يستحب للداعي بدعاء الصِّدِّيق رضي الله عنه أن يقول: ((اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيْرًا كَبِيْرًا))، ويقول المصلي على النبي ◌َّ: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وعلى أزواجه وذريته وارحم محمدًا وآل محمدٍ وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم)) وكذلك في البركة والرحمة. (١) كالنووي في الأذكار ص ٨٠. (٢) سقط من (ب)، وقارن بمجموع الفتاوى (٤٥٨/٢٢ - ٤٦٢). ٣٧٣ ويقول في دعاء الاستخارة: ((اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هذا الأمرَ خَيْرٌ لَيْ فِي دِيْنِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَة أَمْرِي وعَاجِل أَمْرِي وآجله))(١) ونحو ذلك. قال: لِيُصِيبَ ألفاظ النبي وَّ يقينًا فيما شَكَّ فيه الرَّاوي، [١/١١٧] ولتجتمعَ له ألفاظ (٢) الأدعية الأُخَر فيما اختلفت ألفاظها. ونازعه في ذلك آخرون، وقالوا(٣): هذا ضعيف من وجوه: أحدها: أنَّ هذه طريقة مُحْدَثة لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين . الثاني: أنَّ صاحبها إنْ طَرَدَها لَزِمَه أن يَسْتحِبَّ للمصلي أنْ يَسْتفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات، وأن يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعًا، فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبَّه أحد من أهل العلم، وهو بِذْعَة، وإن لم يطْردها تناقض وفَّقَ بين متماثلين. الثالث: أنَّ صاحبها ينبغي له أن يستحب للمصلي والتَّالي أن يجمع بين القراءات المتنوّعة في التِّلاوة في الصلاة وخارجها، قالوا: ومعلوم أن المسلمين مُتََّّقُون على أنه لا يستحب ذلك للقارىء في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عِبَادة وتَدَبُّر، وإنما (١) أخرجه البخاري في (٨٣) الدعوات (٦٠١٩). (٢) سقط من (ظ). (٣) في (ح) (وقال) وهو خطأ. ٣٧٤ يفعل ذلك القراء أحيانًا ليمتحن بذلك حفظ القارىء لأنواع(١) القراءات، وإحاطته بها، واستحضاره إياها، والتَّمكُّن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين وتدريب لا تعبُّد يُستحَبُّ لكل تَالٍ وقارىء، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأيِّ حرف شاء، وإن(٢) شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا مرة جاز ذلك، وكذا (٣) الداعي إذا قال: ((ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا)) مرة، ومرة قال: ((كبيرًا)) جاز ذلك، وكذلك الداعي إذا صلى على النبي وَّر مرة بلفظ هذا الحديث، ومرة باللفظ (٤) الآخر، وكذلك [١١٧/ب] إذا تشهد، فإن شاء تشهَّد بتشهُّد ابن مسعود(٥)، وإن شاء بتشهد ابن عباس(٦)، وإن شاء بتشهد ابن عمر (٧)، وإن شاء بتشهد عائشة(٨)؛ رضي الله عنهم أجمعين. (١) في (ش) (أنواع). (٢) سقط من (ب) (وإن شاء). (٣) في (ح) (وكذلك). (٤) في (ب، ش، ج) (بلفظ). (٥) عند البخاري في (١٦) صفة الصلاة، (٦٤) باب: التشهد في الآخرة (٧٩٧) ومسلم في (٤) الصلاة رقم (٤٠٢). (٦) عند مسلم في (٤) الصلاة رقم (٤٠٣). (٧) عند أبي داوود برقم (٩٧١) وهو مختلف في رفعه ووقفه، وهو ثابت وقفه على ابن عمر . (٨) عند مالك في الموطأ رقم (٢٤٢ و٢٤٣) وابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٢٦١) رقم (٢٩٩٣) والبيهقي في الكبرى (١٤٤/٢) موقوفًا عليها. وهو صحيح، وروي مرفوعًا ولا يثبت. ٣٧٥ وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث عَلِيّ(١)، وإن شاء بحديث أبي هريرة(٢)، وإن شاء باستفتاح عمر (٣)، وإن شاء فعل هذا مرة، وهذا مرة وهذا مرة. وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع إن شاء قال: ((اللهم ربنا لك الحمد))(٤)، وإن شاء قال: ((ربنا لك الحمد))(٥)، وإن شاء قال: ((ربنا ولك الحمد)) (٦)، ولا يستحب له أحد (٧) أن يجمع بين ذلك کله . وقد احتج غير واحد من الأئمة، منهم الشافعي رحمه الله تعالى على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات ونحوها، بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم: عن النبي ◌َّ أنه قال: ٣٢٣ - ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))(٨). (١) أخرجه مسلم في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١). (٢) أخرجه البخاري في (٦) صفة الصلاة (٧١١)، ومسلم في (٥) كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٥٩٨). (٣) عند مالك في الموطأ برقم (٢٤٠) وغيره وهو صحیح ثابت عنه. (٤) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة (٧٦٣)، ومسلم في (٤٠٩) الصلاة (٤٠٩) من حديث أبي هريرة. (٥) أخرجه البخاري في (١٥) الجماعة والإمامة (٦٨٩) من حديث أبي هريرة. (٦) أخرجه البخاري في (١٦) صفة الصلاة (٧٦٦) من حديث رفاعة بن رافع الزرقي . (٧) وقع في (ج) (ولا يستحب لأحد أن يجمع). (٨) أخرجه البخاري في (٦٩) فضائل القرآن (٤٧٠٦) من حديث عمر بن = ٣٧٦ فجوَّز النبي ◌َّ القراءة بكل حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه «شافٍ كافٍ))(١)، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلون . الرابع: أن النبي ◌َّ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة كألفاظ الاستفتاح والتشهد، وأذكار الركوع والسجود وغيرها، فاتباعه وَله. يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة، وهذا مرة وإما أن يكون الراوي قد شك في أي الألفاظ قال، فإن ترجح عند الداعي [١١٨/أ] بعضها صار إليه، وإن لم يترجح عنده بعضها كان مخيرًا بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يرد عن النبي وَ ل، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال؛ لأنه قصد متابعة الرسول، ففعل مالم يفعله قطعًا . ومثال ما يترجح فيه أحد الألفاظ حديث الاستخارة(٢)، فإن الراوي شك هل قال النبي مَلانه : ٣٢٤ - ((اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني = الخطاب . (١) تقدم برقم (٢٠٨). (٢) تقدم قريبًا . ٣٧٧ ومعاشي وعاقبة أمري))، أو قال: ((وعاجل أمري وآجله))، بدل: ((وعاقبة أمري))، والصحيح اللفظ الأول، وهو قوله: ((وعاقبة أمري)) لأن عاجل الأمر وآجله هو مضمون قوله: ((ديني ومعاشي، وعاقبة أمري)) فيكون الجمع بين المعاش وعاجل الأمر وآجله تكرارًا، بخلاف ذكر المعاش والعاقبة، فإنه لا تكرار فيه؛ فإن المعاش هو عاجل الأمر، والعاقبة آجله. ٣٢٥ _ ومن ذلك ما ثبت عن النبي وَ﴿ أنه قال: ((مَنْ قَرَأَ عَشْر آياتٍ مِنْ أَوَّلِ سُوْرَة الكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَة الدَّجَّال))، رواه مسلم(١). واختلف فيه، فقال بعض الرواة(٢): ((من أول سورة الكهف))(٣)، وقال بعضهم(٤): ((من آخرها))؛ وكلاهما في (١) في (٦) صلاة المسافرين وقصرها (٨٠٩) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء فذكره. (٢) في (ظ، ج) (بعضهم) بدلاً من (بعض الرواة). وَهُم ١ - سعيد بن أبي عروبة، عند أحمد في مسنده (٤٤٩/٦). ٢ - همام بن يحيى العوذي، عند مسلم (٨٠٩)، وأحمد (٤٤٩/٦)، وأبي داوود (٤٣٢٣). ٣ - شيبان بن عبدالرحمن، عند أحمد في مسنده (٤٤٩/٦). (٣) سقط من (ب، ت، ش) من قوله (عُصِم ... ) إلى قوله (من أول سورة الكهف). (٤) هو شعبة بن الحجاج، عند مسلم (٨٠٩). وقد وقع عليه اختلاف آخر، فبعضهم رواه عنه، (من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف) وبعضهم جعل الحديث من مسند ثوبان، ورواية الجماعة أصح وأرجح. ٣٧٨ ((الصحيح))(١)، لكن الترجيح لمن قال: ((من أول سورة الكهف)) لأن في ((صحيح مسلم)) (٢) من حديث النَّوَّاس بن سَمْعان في قصة الدجال : ٣٢٦ - ((فَإِذَا رَأيْتُمُوه فَاقْرَأُوا عَلَيْه فَوَاتِحَ سُوْرَةِ الكَهْفِ» ولم يُخْتلف في ذلك، وهذا يدل على أنَّ مَنْ روى العشر من أوِّل السورة حفظ الحديث، [١١٨/ب] ومن روى من آخرها لم يحفظه. الخامس: أنَّ المقصود إنما هو المَعْنَى، والتَّعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبَّر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يجمع بين العبارات المتعددة . السادس: أنَّ أحد اللفظين بَدَلٌ عن الآخر، فلا يُستحَبُّ الجمع بين البَدَلِ والمُبْدَلِ معًا، كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال، والله أعلم. (١) في (ب، ج) (وكلاهما صحيح). (٢) في (٥٢) الفتن وأشراط الساعة (٢٩٣٧). ٣٧٩ الباب الثالث(١) في مواطن الصلاة على النبيِ وَيِ التي يتأكّدُ طلبها إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا مُؤَكَّدًا الموطن الأول: وهو أهمها وآكدها في الصلاة في آخر التشهد وقد أجمع المسلمون على مشروعيته، واختلفوا في وجوبه فيها . فقالت طائفة: ليس بواجب فيها، ونسبوا من أوجبه إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع، منهم الطحاوي (٢)، والقاضي عياض(٣)، والخطابي(٤)، فإنه قال: ((ليست بواجبة في الصلاة، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي، ولا أعلم له قُدْوة»، وكذلك ابن المنذر(٥) ذكر أن الشافعي تَفَرَّدَ بذلك، واختار (٦) عدم الوجوب. واحتج أرباب هذا القول بأنْ قالوا - واللفظ لعياض -: ((والدليل على أن الصلاة على النبي وَلّ ليست من فروض الصلاة (١) في جميع النسخ (الرابع) وظاهر كلام المؤلف ومقتضاه (الثالث). (٢) انظر: شرح مشكل الآثار (٢٢/٦ - ٢٤)، وأحكام القرآن (١ / ١٨١). (٣) انظر: الشفا (٦٢/٢ - ٦٣)، والاستذكار لابن عبدالبر (٤٨٦/١). (٤) انظر: معالم السنن (٢٢٧/١). (٥) انظر: الأوسط (٢١٣/٣ - ٢١٤). (٦) في (ب) (وأجاز). ٣٨٠