Indexed OCR Text
Pages 221-240
[آل عمران: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ مُشْفِقُونَ ﴾ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَك أَنزَلْنَهُ أَفَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٥٠]. ولهذا يُكرِّر(١) سبحانه وتعالى قصة موسى ويعيدها ويبديها، ويسلي رسول الله وَّة، ويقول رسول الله وَ ل عندما يناله من أذى الناس: ٢٢٢ - (لَقَد أوْذِيَ مُوسَى بأكثرَ مِنْ هَذَا فَصْبَر))(٢) . ٢٢٣ - ولهذا [١/٦٥] قال النبي وَلّ: («إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حتى لو كان فيهم مَنْ أتى أَمَّهُ علانية لكان في هذه الأمة من يفعله))(٣). فتأمل هذا التناسب بين الرسولين والكتابين والشريعتين؛ أعني الشريعة الصحيحة التي لم تُبدَّل، والأمتين واللغتين، فإذا نظرت في حروف ((محمد)) وحروف ((مماد(٤) باد)) وجدت الكلمتين (١) في (ح) (يذكر). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦١) الخُمْس (١١٤٨/٢) (٢٩٨١)، ومسلم في صحيحه في (١٢) الزكاة رقم (١٠٦٢) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. (٣) أخرجه الترمذي (٢٦٤١) وقال: ((هذا حديث غريب مفسَّر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه)). قلت: والحديث منكر، لتفرد الإفريقي - عبدالرحمن بن زياد بن أنعم - به وهو ضعيف، قال ابن عدي: عامة حديثه، وما يرويه لا يتابع عليه . انظر: تهذيب الكمال (١٠٢/١٧ - ١١٠). (٤) وقع في (ش، ت، ب) (ماذ ماذ). ٢٢١ كلمة واحدة، فإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحد، والدال كثيرًا ما تجد موضعها ذالاً في لغتهم: يقولون: ((إيحاذ))(١) للواحد، ويقولون: ((قوذس)) في القدس. والدال والذال متقاربتان، فمن تأمل اللغتين وتأمل هذين الاسمين لم يشك أنهما واحد. ولهذا نظائر في اللغتين مثل ((موسى)) فإنه في اللغة العبرانية ((موشى)) بالشين، وأصله الماء والشجر، فإنهم يقولون للماء: ((مو)) و((شا)) هو الشجر، وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر، فالتفاوت الذي بين موسى وموشى كالتفاوت بين ((محمد)) و((مماد(٢) باد)). وكذلك إسماعيل هو في لغتهم ((يشماعيل))(٣) بالألف بين الياء والألف، وبشين بدل السين، فالتفاوت بينهما كالتفاوت بين ((محمد)) و((ماذ(٤) ماذ)) وكذلك العيص وهو أخو يعقوب يقولون له: عيسى، وهو عيص. ونظير هذا في غير الأعلام مما تقدم قوله: (يشماعون) يعنون: يسمعون، ويقولون: (آقيم) بمد الهمزة مع ضمها، أي: أقيم، ويقولون(٥): لاهيم، أي: لهم، [٦٥/ب] ويقولون: مي قارب، أي (٦): مَنْ قارب، ووسط (١) من (ش، ح)، وفي باقي النسخ (إيحاد) بالدال المهملة. (٢) وقع في (ش، ت) (ماذ ماذ) ووقع في (ب) (ماد ماد) في ظ (ماذ ماد). (٣) وقع في (ب، ت، ش) (تشماعيل). (٤) في (ب، ش) (ماد ماد). (٥) ليس في (ظ) قوله (ويقولون: لاهيم، أي: لهم). (٦) ليس في (ب، ش) قوله (أيّ). ٢٢٢ أخيهيم(١)، أي: إخوتهم. وهذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب. والمقصود أنَّ اسم النَّبِيِّ وَّ في التَّوراة (مُحمَّد) كما هو في القرآن، وأما المسيح عليه الصلاة والسلام فإنما سماه (أحمد) كما حكاه الله عنه في القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمدًا في التوراة، ومتقدمة على تسميته محمدًا في القرآن، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما، وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة، والوصْفيَّة فيهما لا تنافي العَلَمِيَّة، وأن معناهما مقصود، فعُرفَ عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها، فمحمد مُفَعَّل من الحَمْد، وهو الكثير الخصال التي يُحْمَدُ عليها حَمْدًا متكررًا، حَمْدًا بعد حَمْدٍ، وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها (٢)، ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول، والكتاب(٣) الذي قال الله فيه: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، ولهذا كانت أمة موسى أوسع علومًا ومعرفة من أمة المسيح، ولهذا لا تتمُّ شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها، فإن المسيح عليه السلام وأمّته مُحَالُونَ (٤) (١) في (ت) (احيهم)، وفي (ب) (أحييم)، وفي (ح) (آخيهم). (٢) سقط من (ب) قوله (عليها). (٣) وقع في (ب) (في الكتاب). (٤) في (ت، ظ) (محالفون). ٢٢٣ في الأحكام(١) عليها، والإنجيل كأنَّه مُكمِّل لها متمم لمحاسنها، والقرآن جامع لمحاسن الكتابين. فعُرف [٦٦/أ] النبي ◌َّير عند هذه الأمة باسم ((محمد)) الذي قد جمع خصال الخير، التي يستحق أن يحمد عليها حمدًا بعد حمد، وعُرف عند أمة المسيح بـ ((أحمد)) وَّر الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره، وحمده أفضل من حمد غيره، فإن أمة المسيح عليه الصلاة والسلام أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ماليس لأمة موسى، ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وزُهْد وأخلاق وحضّ(٢) على الإحسان والاحتمال والصفح، حتى قيل: إنَّ الشرائع الثلاثة: شريعة عدل، وهي شريعة التوراة، فيها الحُكم والقِصَاص، وشريعة فَضْل، وهي شريعة الإنجيل، مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان؛ كقوله: ((من أخذ رداءك فأعطه ثوبك، ومن لطمك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين)) ونحو ذلك. وشريعة نبينا(٣) جمعت هذا وهذا، وهي شريعة القرآن، فإنه يذكر العدل ويوجبه، والفضل ويندب إليه، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَّؤُأْ سِيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَاَ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(٤٠١﴾ [الشورى: ٤٠]، فجاء اسمه عند هذه الأمة بأفعل التفضيل الدال على الفضل والكمال، وقع في (ش) (العلم). (١) (٢) من (ب) وفي باقي النسخ (حظ) وهو خطأ. (٣) من (ظ) وسقط من باقي النسخ. ٢٢٤ كما جاءت شريعتهم بالفضل المكمل لشريعة التوراة، وجاء في الكتاب الجامع لمحاسن الكتب قبله بالاسمين معًا، فتدبّر هذا الفَصْل(١) وتبين ارتباط المعاني بأسمائها ومناسبتها [٦٦/ب] لها، والحمد لله المان(٢) بفضله وتوفيقه. وقول أبي القاسم(٣): إن اسم ((محمد)) وَّ إنما تَرتَّب بعد ظهوره إلى الوجود، لأنه حينئذ حمد حمدًا مكررًا، فكذلك (يقال في اسمه ((أحمد)) أيضًا سواء)(٤)، وقوله في اسمه (أحمد)»: إنه تقدّم لكونه أحمد الحامدين لربه، وهذا يقدم على حمد الخلائق له؛ فبناء منه على أنه تفضيل من فعل الفاعل، وأما على القول الآخر الصحيح فلا يجيء هذا، وقد تقدم تقرير ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١) وقع في (ح) (الفضل). (٢) وقع في (ب) (المنان). (٣) هو السهيلي، صاحب الروض الأنف، المتقدم ص٢٠٦. (٤) في (ظ، ت) (أن يقال: محمد أيضًا سواء). ٢٢٥ الفصل الرابع في معنى الآل واشتقاقه وأحكامه وفيه قولان: أحدهما: أن أصله أهْل، ثم قلبت الهاء همزة فقيل: (أأل)(١) ثم سُهِّلتْ على قياس أمثالها فقيل: آل. قالوا: ولهذا إذا صُغِّر رَجَعَ إلى أصله فقيل: أهيل، قالوا: ولما كان فرعًا عن فرع خَصُّوه ببعض الأسماء المضاف إليها، فلم يضيفوه إلى أسْماءِ الزمان ولا المكان ولا غير الأعلام، فلا يقولون: آل رجل وآل امرأة، ولا يضيفونه إلى مُضْمَر فلا يقال آله وآلي، بل لا يضاف إلا إلى معظم (كما أن التاء لما كانت في القسم بدلاً عن الواو، وفرعًا عليها، والواو فرعًا عن (٢) فعل القسم، خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها، وهو اسم الله تعالى)(٣). وهذا القول ضعيف من وجوه: أحدها: أنه لا دليل عليه (٤). (١) في (ظ، ت، ج) (آل). (٢) في (ح) (من). (٣) من (ظ، ت، ب، ج) ووقع في (ش) (وهذا كما أن التاء لما كانت في القسم خصّوا التاء بأشرف الأسماء، بدلاً عن الواو، وفرعًا عليها، والواو فرعًا عن فعل القسم، خصوا التاء بأشرف الأسماء وأعظمها وهو اسم الله تعالى). (٤) سقط من (ب)، قوله (عليه). ٢٢٧ الثاني: أنه يلزمُ منه القَلْب الشَّاذ من غير مُوْجِب، مع مخالفة الأصل. الثالث: أن الأهل يُضافُ (١) إلى العاقل وغيره، والآل لا تضاف [٦٧/ أ] إلا إلى عاقل. والرابع: أن الأهل تضاف(٢) إلى العلم والنكرة، والآل لا يضاف إلا إلى معظم من شأنه أن غيره یؤول إليه. الخامس: أن أهل يُضاف إلى الظاهر والمضمر. والآل من النحاة من منع إضافته إلى المضمر، ومن جوزها فهي شاذة قليلة. السادس: أن الرجل حيث أضيف إلى(٣) آله (٤) دخل فيه هو، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْزَنَ عَلَى اُلْعَلَمِينَ (٣)﴾ [آل عمران: ٣٣]، وقوله: ﴿إِلَآ ءَالَ لُوطٍ نَّهَيْنَهُم بِسَخَرٍ ٣٤٫٠ [القمر: ٣٤]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ٢٢٤ - ((اللهم صل على آل أبي أوفى))(٥)، هذا إذا لم يُذكر معه مَنْ أُضيف إليه الآل، وأما إذا ذُكِرَ معه فقد يقال: ذكر مفردًا (١) من (ب، ج). (٢) سقط من (ب) فقط (تضاف). (٣) في (ب، ش) (إليه). (٤) في (ظ، ج) (أهله). (٥) تقدم، وهو متفق عليه برقم (١٨٧). ٢٢٨ وداخلاً في الآل، وقد يقال: ذكره(١) مفردًا أغنى عن ذكره مضافًا، والأهل بخلاف ذلك، فإذا قلت: جاء أهل زيد، لم يدخل فيهم. وقيل: بل أصله أَوَلَ، وذكره صاحب (الصحاح)) (٢) في باب الهمزة والواو واللام، وقال: وآلُ الرجلِ أهلُهُ وعِيَالُه، وآله أيضًا: أُتْبَاعُه . وهو عند هؤلاء مُشْتقّ من آل يؤول: إذا رجع، فآل الرجل(٣) هم الذين يرجعون إليه ويضافون إليه، ويؤولهم، أي: يَسُوسهم، فيكون مآلهم إليه، ومنه الإيالة وهي السِّياسَة، فآل الرجل هم الذين يسوسهم ويؤولهم، ونفسه أحق بذلك من غيره، فهو أحق بالدخول في آله، ولكن لا يقال: إنه مختص بآله، بل هو داخل فيهم، وهذه المادة موضوعة [٦٧/ب] لأصل الشيء وحقيقته، ولهذا سُمي(٤) حقيقة الشيء تأويله؛ لأنها حقيقته التي يرجع إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُمْ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فتأويل ما أخبرت به الرسل هو مَجيءُ حقيقته ورُؤيتُها عيانًا، ومنه تأويل الرؤيا، وهو حقيقتها(٥) (١) وقع في (ب) (ذكر) وهو خطأ. (٢) هو الجوهري كما تقدم. وانظر: الصحاح (١٢٢٦/٢). (٣) سقط من (ب) قوله (الرجل). (٤) وقع في (ب، ش) (تُسمَّى). (٥) وقع في (ظ، ت، ج) بعد (حقيقتها) إضافة (عيانًا، ومنه تأويل الرؤيا). ٢٢٩ الخارجية التي ضربت للرائي في عالم المثال، ومنه التأويل بمعنى العاقبة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ٥٩ [النساء: ٥٩]، قيل: أحسن عاقبة، فإن عواقب الأمور هي حقائقها التي تؤول إليها، ومنه التأويل بمعنى التفسير؛ لأن تفسير الكلام هو بیانُ معناه وحقيقته التي يُراد منه. قالوا: ومنه الأوَّل؛ لأنه أصل العدد ومبناه الذي يتفرع منه، ومنه الآل بمعنى الشخص نفسه، قال أصحاب هذا القول: والتزمت العرب إضافته، فلا يستعمل مفردًا إلا في نادر الكلام، كقول الشاعر(١): نَحْنُ آلُ اللهِ فِيْ بَلْدَتِنَا لم نَزَلْ آلاَ على عَهْد إِرَم والتزموا أيضًا إضافته إلى الظاهر، فلا يضاف إلى مضمر إلا قليلاً، وعَدَّ بعضُ النُّحاة إضافته إلى المُضْمَرِ لَحْنًا، قال أبو عبدالله بن مالك(٢)، والصحيح أنه ليس بلحن، بل هو من كلام العرب، لكنه قليل، ومنه [٦٨/أ] قول الشاعر(٣): (١) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣٤٥/١). (٢) هو محمد بن عبدالله بن عبدالله بن مالك الطائي الجيَّاني كان إمامًا في القراءات واللغة والنحو والتصريف، له الكافية الشافية، والخلاصة (الألفية) وغيرها، توفى سنة ٦٧٢ هـ. انظر: شذرات الذهب (٣٣٩/٥). (٣) انظر: البحر المحيط لأبي حيان (٣٤٥/١) ونسب البيت لهدبة. ٢٣٠ أنَا الفَارِسُ الحَامِي حَقِيقَة والدِي آلِي، فَمَا يَحْمِي حَقِيْقَة آلِّكَا؟ وقال عبدالمطلب في الفيل وأصحابه (١): وَعَابِدِيْهِ اليَوْمَ آلَكَ وانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيْ بِ فأضافه إلى الياء والكاف، وزعم بعض النُّحَاة أنه لا يُضاف إلاَّ إلى عَلَم مَنْ يَعْقِل. وهذا الذي قاله هو الأكثر، وقد جاءت إضافته إلى غيرِ مَنْ يَعْقِل، قال الشاعر(٢): نَجوتُ ولَمْ يَمْنُنْ عليَّ طَلَقَه سِوَى رَبَدِ (٣) التَّقْرِيْبِ من آلِ أعْوَجَا وأعوج: عَلَم فرس. قالوا: ومن أحكامه أيضًا أنه لا يُضافُ إلاّ إلى متبوع معظّم، فلا يُقال: آل الحائك، وآل الحجَّام، ولا آل رجل (٤) . فصل وأما معناه فقالت طائفة: يقال: آل(٥) الرجل له نفسه، وآل الرجل(٦) لمن يتبعه(٧)، وآله لأهله وأقاربه. (١) انظر: الروض الأنف للسهيلي (١٢٢/١)، والبحر المحيط لأبي حيان (٣٤٥/١) . (٢) انظر: ديوان الفرزدق ص١١٠. (٣) من (ب) وفي بقية النسخ (زيد) وهو خطأ. (٤) انظر: الكشاف للزمخشري (١/ ١٣٧). (٥) سقط من (ظ). (٦) من (ظ، ت) ووقع في (ب، ش) (وآله من). (٧) في (ح) زيادة (نفسه). ٢٣١ فمن الأول قول النبي ◌َّلي لما جاءه أبو أوفى بصدقته: ٢٢٥ - ((اللَّهُمّ صَلِّ عَلَى آلِ أبِي أَوْفَى)) (١)، وقوله تعالى: ﴾ [الصافات: ١٣٠] وقول النبي وَل: ١٣٠ سَلَمُ عَلَ إِلَّ يَاسِينَ ٢٢٦ - ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيم)) (٢)، فَآلُ إبراهيم هو إبراهيم؛ لأنَّ الصَّلاة المطلوبة للتَّبِي وَّ هي الصَّلاة على إبراهيم نفسه عليه الصلاة والسلام، وآله تبع له فيها . ونازعهم(٣) في ذلك آخرون وقالوا: لا يكون الآل إلا الأتباع والأقارب، وما ذكرتموه من الأدلة فالمراد بها الأقارب، وقوله: ((كما صليت على آل إبراهيم)) آلُ إبراهيم هنا هم الأنبياءُ، والمطلوب [٦٨/ب] من الله سبحانه أن يصلِّي على رسوله وَليل كما صَلّى على جميع الأنبياء من ذُرّيّة إبراهيم، لا إبراهيم وحده، كما هو مُصرّح به في بعض الألفاظ من قوله (على إبراهيم وعلى آل [الصافات: ١٣٠ ] ١٣ إبراهيم)، وأما قوله تعالى: ﴿سَلَمُّ عَ إِلَ يَاسِينَ فهذه فيها قراءتان (٤): (١) تقدم تخريجه برقم (١٨٧). (٢) تقدم تخريجه برقم (٢). (٣) في (ت) (ونازعه) وهو خطأ. (٤) انظر: تفسير الطبري (٩٤/٢٣ - ٩٦)، ومعاني القرآن للفرّاء (٣٩١/٢ - ٣٩٢)، والقراءات العشر المتواترة ص٤٥١، ومن (ظ، ت) قوله (فيها). ٢٣٢ إحداهما: إلْيَاسِيْن بوزن إسماعيل، وفيه وجهان: أحدهما: أنه اسم ثانٍ للنَّبيّ إِلْيَاس(١)، وإِلْيَاسِيْن كَمِيْكَال ومِيْگائیل. والوجه الثاني : أنه جَمْع، وفيه وجهان: أحدهما: (٢) أنه جَمْعُ إِلْياس، وأصْلُهُ إِلْيَاسِيْنٍ، بيائين كعبرانيين، ثم خففت(٣) إحدى اليائين فقيل: إلياسين، والمراد أتباعه، كما حكى سيبويه: الأشعرون ومثله الأعجمون. والثاني : أنه جمع إلياس محذوف الياء. والقراءة الثانية: ﴿ سلام على آل ياسين ﴾ وفيه أوجه: أحدها: أنّ ياسين اسم لأبيه، فأُضِيْف إليه الآل كما يُقالُ آل إبراهيم . والثاني: أنّ آلَ ياسين هو إلياس نفسه، فيكون آل (٤) مضافة إلى يس، والمراد بالآل يلس نفسه، كما ذكر الأوَّلُون(٥). (١) سقط من (ب) فقط قوله (إلياس و) وسقط من (ج) (إلياسين). (٢) سقط من (ب) (أنه جمع، وفيه وجهان، أحدهما). (٣) وقع في (ب) فقط (حذفت). (٤) من (ظ، ش، ج) ووقع في (ب) (إلى) وهو خطأ. (٥) وقع في (ت) (الاول) وهو * محتمل إن كانت (الأُوَل) *. ٢٣٣ والثالث: أنه على حذف ياء النَّسَب، فيقال(١): يس، وأصله ياسيين كما تقدم، وآلُهم أتباعُهم على دينهم. والرابع: أن يس هو القرآن، وآله هم أهل القرآن. والخامس: أنه النبي وَلير، وآله أقاربه وأتباعه كما سيأتي. وهذه الأقوال كلها ضعيفة، والذي حمل قائلها عليها [٦٩/أ] استشكالهم إضافة ((آل)) إلى ((يس))، واسمه إلياس وإلياسين ورأوها في المصْحَفِ مفصولة، وقد قرأها بعض القُرَّاء: ((آل ياسين)) فقال طائفة منهم: له أسماء: يلس، وإلياسين، وإلياس، وقالت طائفة: (يس)) اسم لغيره، ثم اختلفوا، فقال الكَلْبي: يس محمد مرَّة، وقالت طائفة: هو القرآن. وهذا كله تعسف ظاهر لا حاجة إليه، والصَّواب - والله أعلم - في ذلك: أن أصل الكلمة آلُ إلْياسين(٢)، كآل إبراهيم، فحذفت الألف واللام من أوَّلِه لاجتماع الأمْثَال، ودِلاَلة الاسم على موضِع المحذوف، وهذا كثير في كلامهم، إذا اجتمعت الأمثال كَرِهُوا النُّطق بها كلها، فحذفوا منها ما لا إلْبَاسَ في حَذْفه، وإن كانوا لا يحذفونه في موضع لا تجتمع فيه الأمثال. ولهذا يحذفون(٣) النُّون (١) من (ظ) ووقع في (ب، ت، ش، ج) (فقال). (٢) من (ش، ح) وفي باقي النسخ (ياسين) وهو خطأ. (٣) وقع في (ح) (ولهذا لا يحذفون النون) والصواب بحذف (لا). وسقط من (ب، ش) كلمة (النون). ٢٣٤ من ((إِنِّي، وأنِّي، وكأنِّي(١)، ولكِنِّي)) ولا يحذفونها من ((لَيْتَنِّي)). ولما كانت اللام في ((لعل)) شبيهة بالنون حذفوا النون معها. ولاسيما عادة العرب في استعمالها للاسم الأعْجَمي وتغييرها له، فيقولون مرة: ((إلياسين))، ومرة ((إلياس)) ومرة ((ياسين)) وربما قالوا: ((ياس)) ويكون على إحدى القراءتين قد(٢) وقع على المسلَّم عليه(٣) وعلى القراءة الأخرى: على آله. وعلى هذا ففصل النزاع بين أصحاب القولين في الآل: أن الآل إنْ أَفْرد دخل فيه المضاف إليه، كقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ [غافر: ٤٦]، [٦٩/ب] ولا ريب في دخوله ٤٦ فِرْعَوْنَ أَشَدَ اُلْعَذَابِ في آله هنا. وقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ونظائره، وقول النبي وَلال : ٢٢٧ - ((اللهم صل على آل أبي أوفى)) (٤). ولا ريب في دخول أبي أوفى نفسه في ذلك، وقوله: ٢٢٨ - ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم)) (٥)، هذه أكثرُ رِوَاياتِ البُخَاريّ، وإبراهيم هنا داخل في آله، ولعل هذا مراد من قال: آل الرجل نفسه. (١) ليست في (ب). (٢) وقع في (ب) (وقد). (٣) وقع في (ب، ح) (وقع السلام عليه). (٤) تقدم برقم (١٨٧). (٥) تقدم برقم (٢). ٢٣٥ وأمّا إِنْ ذُكِرَ الرجل، ثم ذُكِرَ آله، لم(١) يدخلْ فيهم. فَفَرْقٌ بين اللَّفظ المجرَّد والمقرون، فإذا قلت: أعط هذا لزيد وآل زيد، لم يكن زيد(٢) هنا داخلاً في آله، وإذا قلت: أعطه لآل زيد تناول زيدًا وآله، وهذا له نظائر كثيرة، قد (٣) ذكرناها في غير هذا الموضع، وهي أن اللّفْظَ تختلفُ دِلالَتُه بالتَّجْرِيْد والاقْتِران، كالفَقِير والمِسْكين، هما (٤) صنفان إذا قرن بينهما، وصنف واحد إذا أفرد كل منهما، ولهذا كانا في الزكاة صنفين، وفي الكفارات صنف واحد، وكالإيمان والإسلام، والبِرّ والتّقوى، والفَحْشَاء والمُنْكر، والفُسُوق والعِصْيان، ونظائر ذلك كثيرة ولاسيما في القرآن. فصل واخْتُلِفَ في آلِ النَّبِيِّ وَِّ على أربعةِ(٥) أقوال: فقيل: هم الذين حُرُمَتْ عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء : أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه(٦). (١) سقط من (ب)، (لم). (٢) سقط من (ب)، (زيد). (٣) وقع في (ش، ب) (وقد). (٤) وقع في (ب) (هنا). (٥) انظر المجموع للنووي (٤٦٦/٣) وفتح الباري (١٦٠/١١). (٦) انظر الأم (٢٠١/٣) ط: دار الوفاء، والمغني (١١١/٤) قلت: وهو قول = ٢٣٦ والثاني: [٧٠/أ] أنهم بنو هاشم خاصة، وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الثانية(١) عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك. والثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى بني(٢) غالب، فيدخل فيهم بنو المطلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومن فوقهم إلى بني غالب(٣) وهذا اختيار أشهب(٤) من أصحاب مالك، حكاه صاحب ((الجواهر)) عنه(٥)، وحكاه اللخمي(٦) في ((التبصرة)) عن أصبغ (٧)، ولم يحكه عن أشهب. وهذا القول في الآل (٨) أعني أنهم الذين تَحْرُم عليهم الصدقة الإمام مالك وأكثر أصحابه. انظر مواهب الجليل للحطاب (٢٢٤/٣). = (١) سقط من (ح) (الثانية). انظر المغني (١١١/٤)، والبناية في شرح الهداية للعيني الحنفي (٥٥٤/٣)، ومواهب الجليل للحطَّاب (٢٢٤/٣ - ط: دار الكتب العلمية). (٢) إضافة من (ب) قوله (بني). (٣) سقط من (ب) من قوله (فيدخل) إلى (غالب). (٤) هو أشهب بن عبدالعزيز بن داوود القيسي ولد سنة ١٤٠ وتفقه على مالك توفى سنة ٢٠٤هـ. انظر: شجرة النور الزكية رقم (٢٦). (٥) هو عبدالله بن محمد بن شاس الجذامي، (ت: ٦١٠ هـ). انظر: شجرة النور (٥١٧)، والجواهر هو: عقد الجواهر الثمينة (٢٤٦/١). (٦) هو علي بن محمد القيرواني، رئيس الفقهاء في وقته، له تعليق على المدونة سماه ((التبصرة)) (ت: ٤٧٨ هـ). شجرة النور (٣٢٦). (٧) هو ابن الفرج المصري، (ت: ٢٢٥ هـ). انظر شجرة النور (٥٨). (٨) وقع في (ب) (الأول) وهو خطأ. ٢٣٧ هو منصوص الشافعي وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي. والقول الثاني أن آل النبي وَ لّر هم ذريته وأزواجه خاصة، حكاه ابن عبدالبر في ((التمهيد)) (١) قال في باب عبدالله بن أبي بكر، في شرح حديث أبي حُمَيْد السّاعِدي(٢): ((استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذُريته خَاصَّة، لقوله في حديث مالك عن نُعيْم المُجْمِر، وفي غير ما حديث: ٢٢٩ - ((اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد))(٣). وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد: ٢٣٠ - ((اللهم صل على محمدٍ وأزواجه وذريته)). قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويُبيِّن أن آل محمد هم أزواجه وذريته، قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد وَ لهر ومن ذريته صلى الله عليك إذا واجهه، وصلى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم، قالوا: والآل والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم [٧٠/ ب] الأزواج والذُّرية بدليل هذا الحديث)). (١) انظر: التمهيد (٣٠٢/١٧ - ٣٠٣). (٢) تقدم برقم (٤). تقدم برقم (١ و٢). (٣) ٢٣٨ والقول الثالث: أن آله وَليل أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبدالبر عن بعض أهل العلم(١)، وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبدالله رضي الله عنه، ذكره البيهقي عنه(٢)، ورواه عن سفيان الثوري وغيره، واختاره (٣) بعض أصحاب الشافعي، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ محيي الدين النواوي في ((شرح مسلم)) (٤)، واختاره الأزهري(٥). والقول الرابع: أن آله وَيرهم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين، والراغب(٦) وجماعة. فصل في ذِكْر محُجَجِ هذهِ الأقْوال وتَبْيْن مَا فِيْها من الصَّحِيْحِ والضَّعِيف فأما القول الأول: وهو أن الآل من تَحْرُم عليهم الصدقة على (١) انظر: التمهيد (٣٠٤/١٧ - ٤٠٦). (٢) انظر: السنن الكبرى له (١٥٢/٢). وفي سنده عبدالله بن محمد بن عقيل فيه كلام. انظر: تهذيب الكمال (٧٨/١٦ - ٨٥). (٣) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (واختيار). وانظر هذا الاختيار في المجموع (٤٦٦/٣). (٤) انظر: شرح مسلم (١٦٣/٤). (٥) انظر: معاني القراءات للأزهري ص ٤١٢ . (٦) انظر : * أحكام القرآن للطحاوي (١٨٠/١) *، والمفردات للراغب الأصفهاني ص ٣٠ - ٣١ حيث قال: ((وقيل: المختصون به من حيث العلم .. ). ٢٣٩ ما فيهم من الاختلاف، فحجته من وجوه: ٢٣١ - أحدها: ما رواه البخاري في ((صحيحه))(١): من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كان رسولُ اللهِ وَلَ يُؤْتَى بالنخل عند صرامه، فَيَجِيءُ هذا بِتَمْرِهِ وهذا بِتَمْرِه حتى يصير عنده كَوْمَاً مِنْ تَمْر، فَجَعَل الْحَسَن والحُسَيْنِ يَلْعَبانِ بَذَلِك التَّمْر، فَأَخَذَ أَحدُهما تَمْرةً فجعلها في فِيْهِ، فَنَظَر إليْه رسولُ الله ◌ِِّ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيْهِ، فقال: ((أمَا عَلِمْتَ أنَّ آَلَ مُحمدٍ لا يَأْكُلُون الصَّدَقَة))، ورواه مسلم (٢) وقال: ((إنَّا لا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَة)). ٢٣٢ - الثاني: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) (٣): عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول الله وَل﴿ يومًا خطيبًا فينا بماء [٧١/أ] يدعى خُمَّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال: ((أمَّا بعْدُ ألا أيُّها النَّاس إنَّما أنا بَشَر يُوشِك أنْ يأتِيني رسولُ ربِّي عزَّ وجلّ، وإنِّي تاركٌ فيكم ثَقَلَيْن: أوَّلُهُما كتابُ اللهِ عزّ وجلّ فيه الهُدى والنُّور فخُذُوا بكتابِ اللهِ واسْتَمْسِكُوا به))، فحث على كتاب اللهِ ورغَّب فيه، وقال: ((وأهْل بَيْتِي، أَذكُّرِكُم اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذكِّرَكُم اللهَ في أَهْلِ بَيْتِي)) . (١) أخرجه البخاري في صحيحه في (٣٠) الزكاة (٥٤١/٢)، برقم (١٤١٤) بلفظ: (يؤتى بالتَّمر عند صِرَامِ النَّخْل). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه فيَ (١٢) الزكاة رقم (١٠٦٩). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه في (٤٤) فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم رقم (٢٤٠٨). ٢٤٠