Indexed OCR Text
Pages 181-200
لها، من النوم والمرض والموت، وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضاد له، وهذا محال في حياة الرَّبِّ سبحانه وتعالى وعلمه. فمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق فقد أبطل، وهو نظير نفي (١) مَنْ نَفَى رحمة الرب سبحانه وتعالى(٢) عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقة الطبع، وتوهم المتوهم أنه لا تُعْقَل رحمة إلا هكذا، نظير تَوهُّم المتوهم أنه لا يُعْقَل علم ولا حياة ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق. وهذا الغلطَ منشؤه [٥٠/ب] إنما هو توهّم صفة المخلوق المقيدة به أوَّلاً، وَتَوهُّم أنَّ إثباتها لله تعالى هو مع هذا القيد، وهذان وهمان باطلان؛ فإنّ الصِّفَةَ الثابتة لله تعالى مضافة إليه لا يتوهم فيها شيء من خصائص المخلوقين، لا في لفظها، ولا في ثبوت معناها، وكل من نفى عن الرب تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله سبحانه وتعالى، لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق، بل ويلزمه نفي ذاته، لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة، ومعلوم أن الرب سبحانه وتعالى لا يشبهه شيء منها . وهذا الباطل قد التزمه غلاة المعطلة. (١) ليس في (ش، ب، ح)، (نفي). (٢) وقع في (ظ، ت) زيادة بعد قوله (وتعالى) وهي (وعلمه، فمن نفى رحمة الرب)، ووقع في (ج) ( .. رحمة الرب وعلمه لما يعرض .. ) والسياق يقتضي حذفهما من النص. ١٨١ وكلما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشد تناقضًا وأظهر بطلانًا، ولا يسلم على محك العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، كما قال تعالى: [الصافات: ١٥٩ _ (١٦٠) ◌ْ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ لْ) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ١٦٠]، فنزه سبحانه وتعالى نفسه(١) عما يصفه به كل أحدٍ إلا المخلصين(٢) من عباده، وهم الرسل ومن اتبعهم(٣)، كما قال في وَسَلَمُ عَلَى الآية الأخرى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ الْمُرْسَلِينَ (١٠) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]، فتزه ١٨٢ نفسه عما يصفه به الواصفون، وسلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من كل نقص وعيب، وحمد نفسه إذ هو [٥١/أ] الموصوف بصفات الكمال التي يسْتحقُّ لأجلها الحمد، ومُنزَّهُ عن كل نقص يُنافِي کمال حمده. (١) سقط من (ح). (٢) في (ظ، ت، ج) (المخلصون). (٣) من (ح، ش) ووقع في (ب، ت، ظ، ج) (تبعهم). ١٨٢ الفصل الثالث في معنى اسم النبي وَليّ واشتقاقه هذا الاسم هو أشهر أسمائه بَّ، وهو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه، هذا هو حقيقة الحمد. ويُنِيَ على زِنَة ((مُفَعَّل)) مثل مُعَظَّم، ومُحَبَّب، ومُسَوَّد، ومُبَجَّل، ونظائرها، لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فإن اشتق منه اسم فاعل، فمعناه: مَنْ كَثُر صدورُ الفعلِ منه مرةً بعد مرةٍ، كَمُعَلِّم، ومُفَهِّم، ومُبَيِّن، ومُخَلِّص، ومُفَرِّج، ونحوها. وإن اشتق منه اسم مفعول، فمعناه: من كَثُرُ(١) تكرر وقوع الفعل عليه مرةً بعد أخرى إما استحقاقًا أو وقوعًا. فمحمد: هو الذي كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى (٢)، أو الذي يستحق(٣) أن يُحْمَد مرة بعد أخرى(٤). ويقال: حُمِد فهو مُحَمَّد، كما يقال: عُلِم فهو مُعَلَّم. وهذا عَلَم وصِفَة اجتمع فيه الأمران في حقه بَّهَ، وإن كان عَلَمًا (١) سقط من (ب، ت، ظ، ج)، ووقع في (ش) (وقع). (٢) سقط من (ظ) من قوله (إما استحقاقًا) إلى (أخرى). (٣) في (ظ) (استحق). (٤) سقط من (ت) قوله (أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى). ١٨٣ محضًا (١) في حق كثير ممن تَسمَّى به غيره. وهذا شأن أسماء الرب سبحانه وتعالى وأسماء كتابه وأسماء نبيه، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تُضَادُّ فيها العَلَمِيَّةُ الوَصْفَ، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو اللهُ، الخالقُ، البارىءُ، المصوِّرُ، القهَّار. فهذه أسماء له عز وجل دالة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه. [٥١/ب] وكذلك أسماء النبي ◌َّ﴾ ((محمد، وأحمد، والماحي))، ٢٠٧ - وفي حديث جبير بن مطعم، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إِنّ ◌ِي أسْماءً: أنَا مُحمَّد، وأنا أحْمَد، وأنا المَاحِي الّذِي يَمْحُو اللهُ به الكُفْر))(٢). فذكر رسول الله وسلّ هذه الأسماء مبينًا ما خصه الله تعالى به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلامًا محضة لا معنى لها، لم تدل على مدح؛ ولهذا قال حسان(٣) رضي الله عنه: (١) في (ح) (مختصًّا). (٢) أخرجه البخاري في (٦٥) المناقب (٣٣٣٩)، ومسلم في (٤٣) الفضائل رقم (٢٣٥٤). (٣) هو حسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله وَ عليه، توفى سنة ٥٤هـ وعمره ١٢٠ سنه. انظر: الإصابة (٨/٢ -٩). ١٨٤ وشَقَّ لَه مِنْ اسْمِهِ لِيُجِلَّهِ (١) فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحمَّد(٢) وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظًا مجردة لا معاني لها؛ لم تدل على المدح، وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها، فقال: ﴿وَلِلَِّ اَلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَّا وَذَرُواْ [الأعراف: ١٨٠]، ١٨٠ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىّ أَسْمَنْبِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لما سمع بعض العرب قارئًا يقرأ: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، ((والله غفور رحيم))، قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال القارىء: أَنْكذِّبُ بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى، فعاد إلى حفظه وقرأ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَ﴾، فقال الأعرابي: صدقت، عَزَّ فَحَكَم فَقَطْع؛ ولو غَفَر وَرَحَم لَمَا قَطَع [٥٢/ أ] . ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أو بالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه . ٢٠٨ - وفي السنن(٣) من حديث أُبيِّ بن كعب حديث: ((قراءة (١) سقط من (ب). (٢) انظر: ديوان حسان ص٥٤، والبيت نُسِبَ لأبي طالب عمّ النبي ◌َّل، وقيل غير ذلك. انظر: الجليس الصالح، لأبي الفرج النهرواني (٢٠٤/٢). (٣) أخرجه أبو داوود (١٤٧٧)، وأحمد (١٢٤/٥). من طريق همام بن يحيى = ١٨٥ القرآن على سبعة أحرف))، ثم قال: ((ليس منهن إلا شافٍ كافٍ إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمةٍ بعذاب)). ولو كانت هذه الأسماء أعلامًا محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا. وأيضًا فإنه سبحانه يُعَلِّل أحكامه وأفعاله بأسمائه(١)، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحًا، كقوله: ﴿اُسْتَغْفِرُواْ رَبِّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا٠﴾ [نوح: ١٠]، وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍّ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيٌ ﴿لَ وَإِنْ عَزَبُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب فذكره. وظاهر سنده الصحة * لكن خالفه معمر فأرسله كما عند عبدالرزاق (٢٠٣٧١) *، وزيادة (إن قلت سميعًا عليمًا .. ) الخ، غريبة. فقد روى الحديث أبو إسحاق الهمداني عن سليمان بن صرد به، فلم يذكر هذه الزيادة . أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٦٧٠) وغيره. وروى الحديث عن أبي بن كعب (أنس بن مالك، وعباده بن الصامت وابن عباس وعبدالرحمن بن أبي ليلى) فلم يذكروا الزيادة. أخرجه مسلم رقم (٨٢٠)، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص٢٠١، وأحمد في المسند (١١٤/٥)، والنسائي (٩٤٠) وغيرهم. (١) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (أحكامه بأفعاله) بدلاً من (أحكامه وأفعاله بأسمائه). ١٨٦ رضى الزوجة والإحسان إليها، بأنه غفور رحيم يعود على(١) عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه، والجزاء من جنس العمل، فكما رجع إلى التي هي أحسن، رجع الله تعالى إليه بالمغفرة والرحمة: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطََّقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾﴾ فإن الطلاق لما كان لفظًا يُسْمَع ومعنى يُقْصَد، عقبه باسم ((السميع)) للنطق به ((العليم)) بمضمونه. وكقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَآءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا / ٥٢/ ب/ إِلَّ أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوَّهُ وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ [البقرة: ٢٣٥]، فلما ذكر سبحانه التعريض بخِطْبة غَفُورُ حَلِيمٌ فَم المرأة الدال على أن المعرِّض في قلبه رغبة فيها، ومحبة لها، وأن(٢) ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، رفع(٣) الجناح عن التعريض وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة. ونفْيُ مواعدتهن سرًّا، فقيل: هو النكاح، والمعنى: لا تصرحوا لهنَّ بالتزويج إلا أن تعرضوا تعريضًا، وهو القول المعروف. وقيل: هو أن يتزوجها في عِدَّتِهَا سِرًّا، فإذا انقضت العدَّة أظهر العقد، ويدل على هذا قوله: ﴿ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ ج النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وهو انقضاء العدة. (١) وقع في (ب) (إلى). (٢) من (ظ، ت، ج) وجاء في (ش، ب) (فإن). (٣) وقع في (ح) (ورفع). ١٨٧ ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بنفي(١) المواعدة سرًّا، وتحريم عقد(٢) النكاح قبل انقضاء العدة، فلو كان معنى مواعدة السِّر هو إسرار العقد کان تكرارًا . ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أن تتعدوا ما حَدَّ لكم، فإنه مُطَّلع على ما تُسِرُون وما تعلنون. ثم قال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾﴾ لولا مغفرته وحلمه لَعَنْتُم غَايَة العَنَتِ، فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه، فبادروا إليه(٣) بالتوبة والاستغفار، [٥٣/أ] فإنه الغفور الحليم. وهذه طريقة القرآن، يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، كقوله تعالى: ﴿أَعْلَمُوَأْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابٍ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ [المائدة: ٩٨]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ [فاطر: ٣٤]، لما صاروا إلى ٢٤ كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم، قالوا: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾﴾، وفي هذا: معنى التعليل، أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات، وشكر لنا الحسنات. وقال تعالى: ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ (١) من (ظ، ب)، ووقع في (ش، ت، ج)(بنهي). (٢) من (ظ، ت، ش، ج) ووقع في (ب) (عقدة). (٣) وقع في (ب) (عليه). ١٨٨ شَاكِرًا عَلِيمًا (٠﴾﴾ [النساء: ١٤٧] فهذا جزاءٌ لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليم بشكركم، لا يخفى عليه مَنْ شَكَرَهُ ممن كَفَرَه. والقرآن مملوء من هذا، والمقصود التنبيه عليه. وأيضًا فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه، ولو كانت أسماء(١) لا معنى لها لم تدل على ذلك، كقول هارون عليه السلام لِعِبَدَةِ العِجْل: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، وقوله سبحانه في القصة: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ اُلَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا اجْثَ﴾ [طه: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ [البقرة: ١٦٣]، وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ◌َ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ اٌلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ اُلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُّ (٢) [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، [٥٣/ب] فنزه ٢٣ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له. ومن تدبر هذا المعنى في القرآن، هبط به على رياض من العلم، حماها الله تعالى عن كل أفَّاكٍ مُعْرِضٍ عن كتاب الله تعالى واقتباس الهدى منه. ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا الفصل (١) وقع في (ب) (الأسماء). (٢) في (ب، ش، ح) (فسبَّح نفسه)، وفي (ظ، ج) (فسبَّح نزَّه نفسه). ١٨٩ وحده لكفى من له ذوق ومعرفة، والله الموفق للصواب. وأيضًا فإن الله سبحانه يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلامًا محضة لم يصح فيها وَاللَّهُ ذلك، كقوله: ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾﴾﴾ [الحجرات: ١٦]، [الجمعة: ٧]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ عَلِيمٌ بِالَّالِمِينَ ﴾ ﴿ إِنَّهُ ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، [آل عمران: ٦٣]، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [التوبة: ١١٧]، ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. ٤١٨٩ ١١٧ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. [آل عمران: ١٨٩]، ﴿ وَاَللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ ١٩٦ [البقرة: ١٩]، وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴿٢﴾ [النساء: ٣٩]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا [الكهف: ٤٥]، ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١)﴾ [هود: ١١١]، ﴿وَاَللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا ات: ١٨]، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ، خَبِيرٌ بَصِيرٌ تَعْمَلُونَ ٨﴾ [الحـ [الشورى: ٢٧]، ونظائره كثيرة. وأيضًا فإنه سبحانه يجعل أسماءه دليلاً على ما ينكره الجاحدون من صفات كماله، كقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾﴾ [الملك: ١٤]. وقد اختلف التُّظَّارُ في هذه الأسماء؛ هل هي متباينة نظرًا إلى تباين معانيها، وأن كل اسم يدل على معنى غير ما يدل عليه الآخر، أم هي مترادفة، لأنها تدل على ذات واحدة، فمدلولها لا تعدد فيه، وهذا شأن المترادفات؟ والنزاع لفظي في ذلك. والتحقيق أن يقال: هي مترادفة بالنظر إلى الذات، متباينة بالنظر إلى [١/٥٤] الصفات، وكل اسم منها يدل على الذات ١٩٠ الموصوفة بتلك الصفة بالمطابقة، وعلى أحدهما وحده بالتضمن، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام. فصل إذا ثبت هذا: فتسميته ◌ّ بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مُسَمَّاهُ وهو الحَمْدُ، فإنه لاَّ محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمودٌ عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم؛ فإنَّما (١) فيه من صفات الكمال محمودة(٢) عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحودًا، أو عنادًا، أو جهلاً باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده بها(٣)؛ فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها(٤) فيه، فهو في الحقیقة حامد له. وهو ◌َّ اختُصَّ من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد وأحمد، وأمته الحَمَّادون، يحمدون الله تعالى في (٥) السَّراء والضَّراء، وصلاته(٦) وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخُطَبُه(٧) مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد. هكذا كان عند الله تعالى في (١) سقط (ما) من (ظ). (٢) في (ح) (محمود). (٣) إضافة من (ب) فقط. (٤) من (ظ، ت، ش) ووقع في (ب) (وجوها) وهو خطأ. (٥) في (ظ، ت، ش، ج) (على). (٦) سقط من (ظ، ت، ج). (٧) في (ح) (وخطبته). ١٩١ اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده و18 لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة، ويؤذن له فيها، يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، قال تعالى: [٥٤/ب] ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ رِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا .. ﴾ [الإسراء: ٧٩]. ومن أحب الوقوف على معنى المقام المحمود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصحابة والتابعين فيه في تفسير هذه السورة؛ كتفسير ابن أبي حاتم، وابن جرير، وعبد بن حميد، وغيرها من تفاسير السلف. وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم. وهو محمود ◌َله بما ملأ به (١) الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وفتح به القلوب، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم مِن أسْرِ الشياطين(٢)، ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به، حتى نال به أتباعُهُ شَرفَ الدنيا والآخرة، فإن رسالته وَأْفَت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنهم كانوا بين: عُبَّاد أوثان، وعُبَّاد صُلْبان، وعُبَّاد نيران، وعُبَّاد الكواكب، (١) سقط من (ح) وفي (ب، ج) (بما يملأ به الأرض). (٢) في (ظ) (الشيطان). ١٩٢ ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله، وحَيْرانٍ لا يعرف ربًّا يعبده، ولا بماذا يعبده، والناس يأكل بعضهم بعضًا، من استحسن شيئًا دعا إليه وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضعُ قدم مُشْرقٍ بنور الرسالة، وقد نظر الله سبحانه وتعالى حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على(١) آثارٍ من دين صحيح، فأغاث الله به البلاد والعباد، وكشف به تلك الظُّلَم، وأحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به [٥٥/أ] من الضلالة، وعلم به من الجهالة، وكثر به (٢) بعد القلة، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العَيْلَة، وفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، فعرف نَّلـ الناس ربهم ومعبودهم غايةَ ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد، واختصر وأطنب، في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلَّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم(٣) في هذا الباب: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١]. (١) وقع في (ب) (بقايا آثار دين صحيح). (٢) سقط من (ح). (٣) في (ظ) (كلّم). ١٩٣ ٢٠٩ - روى أبو داود في مراسيله (١)، عن النبي وَل أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعةً من التوراة فقال: ((كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا (٢) كتابًا غير كتابهم(٣) الذي (٤) أنزل على(٥) غير نبيهم)) فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَ فِىِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٥١ [العنكبوت: ٥١]، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي مَل، فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان، وقدَّمه على كلام الله ورسوله مَله؟ . وعَرَّفهم الطريق المُوْصِلَ(٦) إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، فلم يدع حسنًا إلا أمرهم(٧) به، ولا قبيحًا إلا نهى عنه، ٢١٠ - كما قال ◌َالي: [٥٥/ب] ((ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه)) (٨). (١) أخرجه أبو داوود في المراسيل رقم (٤٥٤)، والطبري في تفسيره (٦/٢١) وهو مرسل صحيح الاسناد. وروي مسندًا مرفوعًا، ولا يثبت. (٢) من (ت) والمراسيل، ووقع في (ش، ب) (يتبعوا) وفي (ظ) غير منقوطة. (٣) في (ب) (كتاب). (٤) إضافة من (ظ) فقط قوله (الذي). (٥) في (ش) (على نبي غير نبيهم). (٦) من (ظ، ت)، وفي باقي النسخ (الموصل لهم إلى). (٧) في (ظ، ت) (أمر به). (٨) أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ﴾ (١٥٥/٢ - ١٥٦) رقم (١٦٤٧)، وابن = ١٩٤ ٢١١ - قال أبو ذر: ((لقد توفي رسول الله وَل وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكَرَ لنا منه علمًا))(١). وعرفهم حالهم(٢) بعد القدوم على ربهم أتَمَّ تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يَدَع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مُشْكِلاً إلا بَيَّنَهُ وشرحه، حتى هدى الله تعالى به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغائها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه وَّر، وجزاه عن أمته أفضل الجزاء. = حبان (٢٦٧/١) وغيرهما ﴾. من طريق ابن عيينة، عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر، فذكره. وهو خطأ، أخطأ فيه فطر بن خليفة فاضطرب فيه على أوجه. وصوابه: فطر عن منذر الثوري عن أبي ذر عند أحمد (١٦٢/٥)، وسيأتي. انظر: علل الدارقطني (٢٩٠/٦) (١١٤٨)، وأطراف الغرائب (٥٥/٥) * وللحديث شاهد منقطع عن ابن مسعود، وآخر مرسل عن المطلب. انظر علل الدار قطني (٢٧٣/٥)، والرسالة للشافعي رقم (٢٨٩، ٣٠٦) وغيرهما ﴾. (١) أخرجه أحمد في المسند (١٥٤/٥ و١٦٢)، والطيالسي في مسنده (٣٨٥/١) رقم (٤٨١). من طريق الأعمش عن منذر الثوري ثنا أشياخ من التيم قالوا: قال أبو ذر: لقد تركنا ... فذكره. ورجاله ثقات، غير الأشياخ من التيم، فهم مبهمون. وهل ينجبر ذلك لكثرة عددهم؟، فيه بحث. وروي متصلاً، فطر عن منذر عن أبي الطفيل عن أبي ذر فذكره. أخرجه أحمد (١٦٢/٥) وهو خطأ، صوابه ما تقدم. (٢) في (ظ، ت) (حاله)، وفي (ج)(ب). ١٩٥ وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان : أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته وَ له، أما أتباعه فنالوا بها (١) كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين (٢) عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادةٌ لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شرًا بذلك العهد [٥٦/أ] من المحاربين له. وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره(٣)؛ وأما الأُمَم النَّائية عنه فإن الله سبحانه وتعالى رفع برسالته ديّ العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النَّفع برسالته ◌َّهِ . الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء (١) في (ظ، ت)، ونسخة (ظ) على حاشية (ب) (به). (٢) سقط من (ظ، ب)، ووقع في (ت، ج) (فالمحاربون له عجل قتلهم). (٣) وقع في (ح) (وغيرها). ١٩٦ لهذا المرض، فإذا لم يستعمله المريض (١) لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض. وممّا يُحْمَدُ عليه وَّه: ما جَبَلَه الله عليه من مكارم الأخلاق وكرائم الشِّيَم، فإن مَنْ نظر في أخلاقه وشِيَمِه بَّ علم أنها خير أخلاق بني آدم (٢)، فإنه وَّجير كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثاً وأحلمهم (٣)، وأجودهم وأسخاهم، وأشدهم احتمالاً، وأعظمهم عفوًا ومغفرةً، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حِلْمًا؛ كما روى البخاري في (صحيحه))(٤): عن عبدالله بن عمرو؛ أنه قال في صفة رسول الله رَّ في التوراة: ٢١٢ - ((محمدٌ عَبْدي ورَسُولِي سَمَّيتُه المُتَوَكِّل، ليس بِفَظَّ ولا غليظِ، ولا سَخَّابٍ بالأسواق، ولا [٥٦/ب] يجزي بالسَّيئة السَّيئة(٥)، ولكن يعفو ويغفر(٦)، ((ولن أقبضه حتى أُقِيْم به المِلَّةِ العَوْجَاء، وأفتحُ به أعْيُنَا عُمْيًا، وآذانًا صُمَّا، وقلوبًا غُلفًا، حتى يقُولوا: لا (١) من (ب، ظ، ش) وسقط من (ح). (٢) من (ش) فقط وجاء بعده بياض. ووقع في (ب) بياض وفي (ظ، ج) ( .. خير أخلاق الخلق، وأكرم شمائل الخلق، فإنه وسلو كان أعلم الخلق)، وسقط من (ت) (علم أنها خير أخلاق بني آدم، فإنه وَليّ). (٣) من (ظ، ت)، وفي (ش) (بياض)، وسقط من (ب، ح). (٤) أخرجه البخاري في صحيحه في (٦٨) التفسير/ الفتح (١٨٣١/٤) رقم (٤٥٥٨). (٥) في البخاري (ولا يدفع السيئة بالسيئة) بدلاً من (ولا يجزي ... ). (٦) في البخاري (ويصفح). ١٩٧ إِلَه إلاَّ الله(١))). وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعًا لهم(٢) في دينهم ودنياهم، وأفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيرًا عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصَّبر، وأصدقهم في مواطن اللَّقاء، وأوفاهم بالعهد والذِّمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشَدُّهم تواضعًا، وأعظمهم إيثارًا على نفسه، وأشد الخلق ذبًّا عن أصحابه وحمايةً لهم ودفاعًا عنهم، وأقوم الخلق بما يأمر به، وأتركهم لما ينهى عنه، وأوصل(٣) الخلق لرحمه، فهو أحق بقول القائل: بَرْدٌ على الأدْنَى ومرْحَمةٌ وعَلَى الأعادِي مازنٌ (٤) جلد ٢١٣ - قال علي رضي الله عنه(٥): ((كان رسول الله وَل أجود (١) في البخاري ( .. ولن يقبضه الله حتى يُقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا)). (٢) سقط من (ب) فقط. (٣) وقع في (ب) (وأفضل)، ووقع في (ت) (وأوصل الخلق برحمه). (٤) في جميع النسخ (مازن)، ولعل الصواب (مارن) بالراء المهملة، وهو الصلب. انظر: لسان العرب (٤٠٣/١٣)، والبيت لأبي الشيص الخزاعي في ديوانه باختلافٍ يسير في لفظه. (٥) أخرجه الترمذي (٣٦٣٨) وفي الشمائل رقم (٧). قال الترمذي (حسن غريب، ليس إسناده بمتصل) فيه عمر بن عبدالله مولى غفرة، ضعيف، وإبراهيم بن محمد - من ولد علي - روايته عن علي مرسلة. انظر: التقريب (٤٩٣٤)، وجامع التحصيل للعلائي رقم (٩). ١٩٨ الناس صدرًا، وأصدق الناس(١) لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفةً أحبه، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله ێ)) . فقوله: ((كان أجود الناس صدرًا)): أراد به بر الصدر وكثرة خيره، وأن الخير يتفجر منه تفجيرًا، وأنه منطو على كل خلق جميل وعلى كل خير، [٥٧/أ] كما قال بعض أهل العلم: ((ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيرًا من صدر رسول الله وَّ، قد جَمَعَ الخير بحذافيره، وأُوْدِعَ في صدرِهِ وَلَ)) . وقوله: ((أصدق الناس لهجة)): هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له، ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط(٢)، دع شهادة أوليائه كلهم له به؛ فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات، مشركوهم وأهل الكتاب منهم، وليس أحد منهم يومًا من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة. ٢١٤ - قال المسور بن مخرمة (٣): قلت لأبي جهل - وكان (١) في (ح) (وأصدقهم لهجة). (٢) من (ح) وسقطت من باقي النسخ. (٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ. لكن أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢٠٦/٢ - ٢٠٧) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال حدثني الزهري قال حُدِّثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ٤ وهو يصلي بالليل في بيته .. فذكره بطوله - وفيه - قول أبي جهل للأخنس (تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف فأطعموا ..... الخ نحوه . = ١٩٩ خالي -: يا خال! هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يُدْعَى فِيْنا الأمين، فلمَّا وَخَطَهُ الشيب لم يكن ليكذب. قلت: يا خال! فلم لا تتبعونه؟ فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف؛ فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي، فمتى نأتيهم بهذه؟ !. أو كما قال. وقال تعالى: يسليه ويهون عليه قول أعدائه: ﴿ قَدْ نَعَلَمُ إِنَّهُ لَيَحْرُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِينَ بِعَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتََّ أَنَهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ [الأنعام: ٣٣ - ٣٤]. ٣٤ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ وقوله: [٥٧/ب] ((ألينهم عريكة)): يعني أنه سهل لَيِّن، قريب من الناس، مجيب لدعوة من دعاه، قاض لحاجة من استقضاه، جابر لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائبًا، إذا أراد أصحابه منه أمرًا وافقهم عليه وتابعهم فيه، وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم، بل وسنده ضعيف، لإرساله، وقد ورد أيضًا عند البيهقي في الدلائل (٢٠٧/٢) قول = أبي جهل هذه المقوله للمغيرة بن شعبة قبل إسلامه بمعناه، وسنده منقطع . قلت: وسؤال المسور بن مخرمة لأبي جهل غريب، فإن يحيى بن بكير قال: ((كان مولده بعد الهجرة بسنتين .. ))، وورد عند مسلم أنه قال (وأنا محتلم) قال ابن حجر في الإصابة (٩٩/٦): ((وهذا يدل على أنه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا على أنه ولد بعدها))، وقتل أبو جهل ببدر، وهذا يدل أن في الرواية التي ذكرها المؤلف وهم. والله أعلم. ٢٠٠