Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
تمهيد
لا أظنني آتي بجديد في سيرة هذا الإِمام الجليل من حيث " الشمائل
والأخبار" وذلك لأن شخصية هذا الإِمام أبهرت الكثيرين من ذوي التخصص
في هذا الشأن، فوضعوا في ترجمته مصنفات مستقلة. والذين ترجموا له
ضمن سير الآخرين أولوه عناية خاصة، فصلحت أن تكون ترجمته في هذه
الكتب الجامعة مصنفا قائما بذاته.
فمن الذين أفردوه بالتصنيف صاحبه ورفيقه ووراقه أبو جعفر محمد بن
أبي حاتم البخاري، وهو من العارفين بحال البخاري لأنه كان يصحبه في
الحضر والسفر. وقد سمى كتابه هذا" شمائل البخاري". قال الذهبي:"وهو
" (١)
جزء ضخم"(١).
ولم يصلنا هذا الكتاب بعد، لكن كثرة النقول عنه تكاد تستوعب ما كتبه
هذا التلميذ الوفي .
ومن الذين أفردوه بالتصنيف: أبو الربيع سليمان بن سالم الحميري
الكلاعي، في كتاب له سماه " أخبار البخاري". كذا سماه الذهبي (٢).
وسماه مرة أخرى " سيرة البخاري"(٣).
وكذلك فعل أبو سعد السمعاني - صاحب الأنساب - وهو: عبدالكريم بن
محمد بن منصور التميمي. فقد أفرده بكتاب أسماه" مناقب البخاري" كذا
قال في "التحبير"(٤).
١ - سير أعلام النبلاء: (١٢ /٣٩٢).
٢ - المصدر السابق: (١٣٦/٢٣).
٣- المصدر نفسه: (١٣٧/٢٣).
٤ - ٢ /٦٩.

تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
٢٢
وسماه الذهبي " بخار بخور البخاري" (١).
أما من ترجمه ضمن كتاب جامع، وتصلح ترجمته أن تكون "سيرة"
خاصة، أو "مناقب"لهذا الإِمام أو " أخبارا" له، فكثير جدا.
منها الترجمة التي كتبها الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(٢) وهي من
التراجم الحافلة. وعليها إِعتمد ابن عساكر في " تاريخ دمشق" (٢) وزاد عليها
أخبارا أخرى كثيرة.
ومنها الترجمة التي كتبها المزي في "تهذيب الكمال" (٤).
والترجمة الحافلة التي كتبها الذهبي في " سير أعلام النبلاء"(٥).
والترجمة التي كتبها ابن حجرفي "هدى الساري" (٦) و"تغليق التعليق"(٧).
إلى غير ذلك من التراجم الجامعة والمختصرة لأخبار هذا الإِمام في كتب أخرى
كثيرة. إِلى إنني رأيت أن لا أمر بهذا الإِمام - وأنا أشتغل بواحد من مصنفاته
الكبرى - دون أن أكتب - لنفسي أولاً - مذكرة تشير إلى بعض ملامح هذه
الشخصية الهامة في تاريخنا وحضارتنا. وكما قلت أن هذه " اللمحات "لا
تأتي بجديد، لكنها " ذكرى لي، ولمن يقرأ كتابي هذا، عسى أن ننتفع بها
في حياتنا وبعد مماتنا .
١ - السير (٢٠ /٤٦١).
٢- (٤/٢-٣٥).
٣ - المجلد الخامس عشر من الورقة ٣٨ب إِلى الورقة ٥٤ب.
٤ - المجلد الثالث، الأوراق (١١٦٨-١١٧٢).
٥ - (٣٩١/١٢-٤٧١).
٦ - ص (٤٧٧-٤٩٣).
٧ - (٣٨٤/٥-٤٤١ ).

٢٣
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة فى التاريخ الكبير
المبحث الأول
من عوامل تكوين شخصية البخاري
نذكر هنا بعض الأسباب التي ساعدت في تنشئة هذا الإِمام الرباني، وذلك
کله بعد توفيق الله تعالى.
١ - صلاح الأبوين:
لم يصلنا من أخبار والديه إلا القليل.
فأما أبوه إِسماعيل، فكان حريصا على العلم ولقى الأكابر، فقد رحل إِلى
مدينة الرسول - عَ ◌ّه - لسماع مالك بن أنس، وإِلى البصرة لسماع حماد بن
زيد، والتقى بعبد الله بن المبارك، وصافحه بكلتا يديه(١).
وكان لأسماعيل هذا مال كثير، ورث منه الإِمام البخاري شيئا جليلا أعانه
على طلب الحديث.
قال وراق البخاري: سمعت محمدين خراش يقول: سمعت أحمد بن
حفص يقول: دخلت على إِسماعيل والد أبي عبدالله عند موته فقال: " لا
أعلم من مالي درهما من حرام ولا درهما من شبهة"(٢).
ومثل هذا الورع العظيم يدل على ما وراءه من صلاح. فمن هذا المال
"الطيب " كان البخاري يأكل. ومنه أيضا كان ينفق في الطلب - فكيف لا
يبارك له في علمه وعلى هذا الأساس قام؟ وأما أمه فكانت مستجابة الدعوة،
١- التاريخ الكبير (٣٤٢/١-٣٤٣) وسير أعلام النبلاء (٣٩٢/١٢)
٢ - مقدمة الفتح ص (٤٧٩).

تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
٢٤
وإِستجابة الدعاء مظنة الصلاح وطيب المطعم.
قال ابن حجر في "الهدي": روى غنجار في"تاريخ بخارى" واللالكائي
في " شرح السنة"في باب - كرامات الأولياء - منه: أن محمد بن إسماعيل
ذهبت عيناه في صغره، فرأت والدته الخليل إِبراهيم في المنام فقال لها: يا هذه
قد رد الله على إِبنك بصره بكثرة دعائك. قال: فأصبح، وقد رد الله عليه
بصره(١).
من بديع لطف الله تعالى بعباده، أن صلاح الفرد لا تقتصر بركته على هذا
الصالح فقط، بل ينسحب ذلك ليشمل الأولاد والأحفاد، وإِلى ذلك أشار
القرآن (٢). فطيب الأصل مظنة طيب الفرع.
٢-الیتم.
وغالب العظماء هم من اليتامى، وهذا أيضا من اللطف الخفي، فمن حرم
حنان الوالد، قد لا يحرم من الذكر الصالح. واليتم يصنع الرجال، ويعلمهم
الصبر والجلد والإعتماد على النفس. وقد ظهرت أمارات ذلك عند البخاري
في وقت مبكر نسبيا. حيث ورد أنه ذهب إلى مكة حاجا بصحبة أمه وأخيه،
وترجع أمه وأخوه ويتركانه وحيدا هناك وهو لم يتجاوز السادسة عشرة من
عمره، مجاورا وطالبا (٣).
٣- البيئة والنشأة الصالحتان.
فبخارى كانت تعج بأهل العلم من حملة الفقه والحديث. ولم يتعب البخاري
في البحث عن الشيوخ الصالحين، الذين رعوه وعرفوا قدره، وقدموه بالرغم من
يتمه. وأما النشأة، فتلك الأم الصالحة آثرت ما يبقى على ما يفنى، فلم تدفع
بابنها للمتاجرة بمال أبيه خوف الفقر ونفاد التركة، بل دفعت بابنها
١- هدي الساري ص (٤٧٨). وانظر " طبقات الحنابلة: (٣٧٤/١) و"تهذيب الكمال" ص
(١١٧٠). و "سير النبلاء" (١٢ /٣٩٣).
٢- في قوله تعالى: ﴿وكان أبوهما صالحا﴾.
٣-هدي الساري ص (٤٧٧-٤٧٨ ).

٢٥
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
ليحفظ القرآن، ثم الحديث، ثم حجت به وتركته يواصل طلب العلم في
البلد الحرام.
٤ - الإلهام :
وقد أفصح البخاري عن ذلك إِفصاحا .
قال الفربري: سمعت محمد بن أبي حاتم وراق البخاري يقول: سمعت
البخاري يقول: " ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب " قلت: وكم أتى
عليك إِذ ذاك؟ فقال: " عشر سنين أو أقل"(١) !!
قلت: فانظر إلى هذا التوفيق الذي رعي البخاري من صغره، حيث دله علي
الصراط السوي، وألهمه حفظ الحديث وهو لا يزال في " الكتاب" لم يبلغ
العاشرة من عمره، ذلك أننا عرفنا أن من بكر في طلب الحديث إنما بكر في
"كتابته" عن الشيوخ ليحصل له (علو الإِسناد) أما أنه يبكر هذا التبكير في
"حفظ الحديث" فهذا دليل على نبوغه المبكر.
٥ - الذكاء :
وهذا موضع إِجماع عند جميع من لقي البخاري من شيوخه وأقرانه
وتلاميذه، بل وكل مشتغل بفن الرواية والدراية إِلى يوم الناس هذا (٢) - فهو -
رحمه الله - .
كان من أذكياء الدنيا، وذكاؤه ذكاء خارق، ينفذ إلي طيات النصوص
والألفاظ، يستخرج منها ما حير الأذكياء المتخصصين في فنون الحديث.
وهذا الذكاء النادر ظهرت بوادره منذ الطفولة.
قال البخاري: ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلي
الداخلي وغيره. فقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبى الزبير، عن
١- تاريخ بغداد (٧/٢)، سير النبلاء (٣٩٣/١٢)، هدي الساري (٤٧٨).
٢ - انظر مبحث" ثناء العلماء عليه".

٢٦
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
إِبراهيم، فقلت له : إِن أبا الزبير لم يرو عن إِبراهيم. فإِنتهرنی، فقلت له:
إِرجع إِلي الأصل. فدخل فنظر فيه، ثم خرج، فقال لى: كيف هو يا غلام؟
قلت: هو الزبير بن عدى، عن إِبراهيم، فأخذ القلم منى، وأحكم كتابه،
وقال: صدقت. فقيل للبخارى: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن
إِحدى عشرة سنة.(١)
إِن ذكاء البخاري اختصر له الزمن، فإستطاع أن يجمع في ذاكرته ما عجز
عنه شيوخه وأقرانه. وكذلك سهل له إِستنباط ما حيربه عقول اللاحقين.
قال حاشدبن إسماعيل: كان البخارى يختلف معنا إلي مشايخ البصرة وهو
غلام، فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فلمناه بعد ستة عشر يوما فقال:
قد أكثرتم علي فأعرضوا على ما كتبتم. فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألف
حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه. وقال
أبو بكر بن أبى عياش الأعين: كتبنا عن محمد بن إِسماعيل وهو أمرد على
باب محمد بن يوسف الفريانى . (٢)
قال ابن حجر: كان موت الفرياني سنة اثنتي عشرة ومائتين وكان سن
البخاري إِذ ذاك نحوا من ثمانية عشر عاما أو دونها. (٣)
والأخبار في قوة حفظ البخارى وسيلان ذهنه كثيرة جدا، إنما أردت أن
أشير إلي أن الذكاء الخارق كان من المقومات الكبرى لهذه الشخصية الفذة.
٦ - كفاية المؤونة.
وهذا من الروافد المهمة التي ساعدت البخارى فى المضي في
طريقه، والإِسراع إلى الغاية دون إِلتفات إلى أسباب المعيشة والإِنشغال بها. إِذ
١- تاريخ بغداد (٧/٢)، تهذيب الكمال (١١٦٩)، طبقات الشافعية للسبكي (٢١٦/٢)،
هدي السارى ( ٤٧٨ ).
٢ - هدي الساري (٤٧٨).
٣- المرجع السابق.

٢٧
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
الفقر، وكثرة العيال من أكثر ما يقعد بالعالم الذكي عن بلوغ الغايات. وإِمامنا
قد كفي هذا من وجوه. فأبوه ترك له من المال الطيب ما يكفيه مدة الطلب.
والأم الصالحة كانت علي ما يظهر تحسن التدبير، فما تركت إِمامنا ينشغل عن
غايته بتنمية التركة. بل نراها أحسنت الصنع فجمعت له الحج وطلب
الحديث في سفرة واحدة. ويأتي أخيرا الزهد والقناعة التى طبع عليها إِمامنا،
وكذلك ترك التكلف فى المظاهر لهذه الحياة.
ثم إِن البخارى لم يحاول الإتصال بأولى الأمر في ذلك العهد وآثر البعد
عنهم قدر ما يستطيع، حتي لا يشغلوه ويعكروا عليه صفاءه القلبى
والذهنى. وقد حكي وراق البخارى أن البخاري ورث من أبيه مالا جليلا،
وكان يعطيه مضاربة.(١)
وقال وراقه أيضا سمعته يقول: وما توليت شراء شئ قط ولا بيعه، كنت
آمر إِنسانا فيشتري لي .(٢)
وقال وراقه أيضا: قطع له غريم خمسة وعشرين ألفا، فقيل له: إِستعن
بكتاب الوالى. فقال: إِن أخذت منهم كتابا طمعوا، ولن أبيع ديني
بدنيای.(٣)
٧ - الإخلاص فى الطلب، وصرف الهمة إليه :
سأله وراقه يوما فى خلوة: هل من دواء يشربه الرجل فينتفع به للحفظ؟
فقال البخارى: لا أعلم. ثم أقبل عليه وقال: لا أعلم شيئا أنفع للحفظ من
نهمة الرجل ومداومة النظر. ثم قال البخارى: وذاك أنى كنت بنيسابور
مقيما، فكانت ترد إليَّ من بخاري كتب، وكن قرابات لي يقرئن سلامهن فى
١- هدي السارى (٤٧٧).
٢- المرجع السابق.
٣- المرجع السابق.

٢٨
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
الكتب، فكنت أكتب كتابا إلي بخارى، وأردت أن أقرئهن سلامی،فذهب
على إِساميهن كتبت كتابى ولم أقرئهن سلامى، وما أقل ما يذهب عنى من
العلم !! هـ (١).
فأنت تري هنا أنه ينسى أسماء قريباته، ولا ينسي أسماء آلاف الرواة
ومساكنهم ووفايتهم، كأنه لا قريب له إِلا العلم.
ولقد وهب البخارى وقته كله للعلم، وتفرغ تفرغا تاما لهذا الأمر، وأخلص
نيته في ذلك، فبورك له فى علمه، وإِنتفعت به أجيال المسلمين.
قال هانئ بن النضر: كنا عند محمد بن يوسف - يعنى: الفريابي - بالشام،
وكنا نتنزه ـ فعل الشباب فى أكل الفرصاد ونحوه - وكان محمد بن إِسماعيل
معنا، وكان لا يزاحمنا في شئ مما نحن فيه، ويكب علي العلم(٢).
والأخبار تشير إلي أن البخاري كان يتعبد بطلب العلم، فلا يقل سهره علي
العلم عن سهره علي العبادة، بل تراه يتلذذ بالسهر علي العلم، ويستطيب
السفر الطويل، والإِغتراب المتواصل في سبيل العلم.
قال وراقه: كان أبو عبدالله إِذا كنت معه فى سفر يجمعنا بيت واحد إِلا في
القيظ أحيانا، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إِلي عشرين
مرة، فى كل ذلك يأخذ القداحة، فيوري نارا بيده ويسرج، ثم يخرج أحاديث
فيعلم عليها، ثم يضع رأسه.(٣)
وقال الفربرى: كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري بمنزله ذات ليلة،
١ - سير النبلاء (١٢ /٤٠٦).
٢ - سير النبلاء (١٢ /٤٠٥). والفرصاد: التوت الشامى، ويكثر فى تلك البلاد، وينبت علي
حواف الشوارع والأنهار، وهو إلي وقت قريب - كما حدثونا - لا يباع لكثرته، فيباح بدون
ثمن.
٣- تاريخ بغداد (٣/٢).

٢٩
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها فى ليلة ثماني عشرة
مرة (١).
وهاتان كما تري صورتان، صورة فى السفر، وأخري فى الحضر، ما كان
البخارى فيها يتلذذ بدفئ الفراش كما يتلذذ بتسجيل الفكرة الواردة علي
خاطره، يسجلها قبل أن تضيع منه.
أى همة هذه؟ وأي إِخلاص هذا الذي يملك علي الإِنسان فكره وراحته؟
ولا يظنن القارئ أن فكر البخارى حين التأمل يرجع بما لا طائل منه، فساعة
من هذا التفكير تتوارد فيه إِليه الخواطر النافعة بل المذهلة حقا.
قال رحمه الله: تذكرت يوما أصحاب أنس، فحضرني فى ساعة ثلاثمائة
نفس (٢).
قال وراقه: سمعته يقول: ما نمت البارحة حتي عددت كم أدخلت في
تصانيفى من الحديث، فإِذا نحو مائتى ألف حديث(٣).
أما عن أسفاره ورحلاته فى طلب الحديث فهذا شئ يطول، لكن لابد من
الوقوف علي أمر هام فى هذه الرحلات، وهو طول الإقامة فى المركز العلمي
الذى يصل إليه، وعلي الخصوص إِذا كان فيه من الشيوخ ما يستوجب هذه
الإِقامة. قال رحمه الله: أقمت بالبصرة خمس سنين(٤).
وقال: دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإِلي البصرة أربع مرات،
وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع
المحدثين.
١- المرجع السابق.
٢-هدي الساري (٤٨٨).
٣- المرجع السابق (٤٨٧).
٤- هدي الساري (٤٨٨).

تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
٣٠
٨ - طريقة البخاري في الطلب وتبكيره بالتصنيف :
إِن السيرة العلمية للبخاري جديرة أن يقف عندها الباحث، فقد عرفنا أنه
رزق المؤهلات التى تؤهله للطلب، من الذكاء، وفراغ البال من العيش،
وصلاح البيئة، وصلاح الأهل، وطيب المطعم، وكذلك رزق الأخلاص في
الطلب، ومحبة الصالحين من شيوخه وأقرانه، كما حقّته دعوات أهل الخير ممن
عرفوا قدره، إلى غير ذلك من توفيق الله تعالي لهذا الإِمام. لكن ما هو الجهد
الذي بذله هذا الإِمام للوصول إلى ما وصل اليه؟ إِنّ يد العناية قد أهدت اليه
ما يستطيع به أن يبلغ الذروة، فبماذا قابل الإِمام كل ذلك؟
لقد اختطّ لنفسه منهجًا جديدا وحازمًا في الطلب، فكان عجبًا من
العجب، أثار انتباه غير واحد من فحول ذلك الزمن.
فقد ألقي في قلبه حفظ الحديث، فبدأ يحفظه وهو لم يتخرّج من الكتاب
بعد. فما أن تخرّج منه إلا وهو يحفظ ما يقارب السبعين ألف حديث. وهذا
من غرائب الأمور في التحصيل العلمي يومذاك. لأن من يتخرّح من الكُتّاب
يكون قد أتم حفظ القرآن. أما أنه كان يحفظ معه ( سبعين ألف حديث ) فهذا
موضع العجب الذي لا ينتهي.
قال سليم بن مجاهد: كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي : لو
جئتَ مِن قبلُ لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث !! (١)
والعجب أنه لم يكن يحفظ حفظا تقليديا كما يحفظ من في سنّه، بل
كان يحفظ حفظ الأدباء العقلاء الفقهاء، فكان يُعْمِل فكره في الاسناد، كما
يجهد عقله في المتن.
قال سليم بن مجاهد. متمما للخبر السابق : "فخرجت في طلبه حتى
١- هدي الساري: ص (٤٨٣). وقارن هذا بقول إِسحاق بن راهوية فبعد أن تصدّر وجلس
للفتوى جعل يقول: ( كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي). السير: ١٢ /٤١٦.

٣١
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
لقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: "نعم،
وأكثر منه، ولا أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إِلا وعرفت مولد
أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم". (١)
وقال: وراقه: سمعته يقول: لم تكن كتابتي الحديث كما يكتب هؤلاء،
كنت اذا كتبت عن رجل، سألته عن اسمه، وكنيته، ونسبه، وعلّة الحدیث ان
كان فهما- فان لم يكن سألته أن يُخرج لي أصله، ونسخته، وأما الآخرون فلا
يبالون ما يكتبون، ولا كيف يكتبون (٢).
وقال بكر بن منير: سمعت البخاري يقول: كنت عند أبي حفص: أحمد
ابن حفص أسمع كتاب " الجامع" لسفيان الثوري - من كتاب والدي - فمرّ
أبو حفص على حرف ولم يكن عندي ما ذكر- فراجعته الثانية، فقال الثانية
كذلك، فراجعته فسكت. ثم قال: مَنْ هذا؟ قالوا: ابن إِسماعيل. فقال أبو
حفص: هو كما قال، واحفظوا أنّ هذا يصير يوما رجلا. أهـ. (٢)
قال عباس الدوري: ما رأيت أحسن طلبا للحديث من محمد بن
إِسماعيل، كان لا يدع أصلًا ولا فرعًا إِلا قلعه. (٤)
وقال الدارمي: لم يكن يُشْبه طلب محمد للحديث طلبنا، كان اذا نظر في
حديث رجل أنزفه. (٥)
قلت: وقد مرّبنا كيف ردّ على أحد شيوخه يصحح له إِسمًا في الإِسناد،
وهو لم يبلغ الحادية عشرة من العمر.
فهذه الطريقة البارعة في الطلب، وهي طريقة التفكّر والتأمل والملاحظة،
١- تاريخ بغداد: ٢ /٢٤-٢٥. تهذيب الكمال: ص (١١٧٠).
٢- تغليق التعليق: ٣٨٩/٥
٣- تاريخ بغداد: ٢ /١١.
٤- تغليق التعليق: ٣٨٩/٥. وانظر: سير النبلاء: ٤٠٦/١٢ .
٥ - سير النبلاء: ١٢ /٤٢٧.

٣٢
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
وما انضاف اليها من الالهام والذكاء والنهم، أهّلت البخاري أن يدرك في
صباه ما لم يدركه الكبار إِلا قُرب انتهاء الأعمار.
هذا ما كان البخاري يعانيه في الصبا. ثم قال هو عن نفسه: "فلما طعنت
في ست عشرة سنة، كنت قد حفظت كتب ابن المبارك، ووكيع، وعرفت
كلام هؤلاء" (١). ويريد بقوله (هؤلاء): أهل الرأي ، كما أفاد ابن حجر.
وهنا نجد البخاري خطا خطوة أخرى بل أتمها ولم يتم السادسة عشرة من
عمره، وهو حفظه كتب الفقه المصّنفة في زمانه، وكذلك معرفة كتب أهل
الرأي الشائعة في ذلك العهد. وهكذا جمع بين علم الرواية جرحا وتعديلا،
واسنادا وتعليلا، وبين علم الدراية فقها واستنباطا. وهذا ما أهّله لـ "مناطحة
الكباش "- كما عبّر بذلك أحد من كان يحضر مجلس شيخه أبي عاصم
النبيل.
قال محمد بن قتيبة البخاري: كنت عند أبي عاصم النبيل، فرأيت عنده
غلاما، فقلت له: من أين أنت؟ قال: من بخارى. قلت: ابن من؟ قال: ابن
إسماعيل، فقلت: أنت من قرابتي. فقال لي رجل بحضرة أبي عاصم: هذا
الغلام يناطح الكباش. (٢)
قال ابن حجر: يعني: يقاوم الشيوخ.
قلت: وليس هذا فحسب بل أهّله لمرتبة أخرى وهي " التصنيف".
قال البخاري: " فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنّف قضايا الصحابة
والتابعين وأقاويلهم، وذلك أيام عبيد الله بن موسى، وصنّفت كتاب التأريخ اذ
ذلك عند قبر الرسول - عَّه - في الليالي المقمرة". (٣)
قلت: التأريخ الكبير سنتحدث عنه في غير هذا الموضع ، ويكفي أن
١- طبقات الشافعية للسبكي: ٢١٦/٢. وهدي الساري: ص (٤٧٨).
٢-هدي الساري: ص(٤٨٢ ).
٣- تأريخ بغداد: ٢ /٦-٧. وتذكرة الحفاظ: ٥٥٥/٢.

٣٣
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
شيخه إسحاق بن راهويه سمّاه " السحر". وأن البخاري أفاد أن بعض مشايخه
لو بعثوا من قبورهم لما عرفوا طرقه تصنيفه للتأريخ. وأما "قضايا الصحابة
والتابعين" فلم يصلنا بعد. وعبيد الله بن موسي العبسي توفي سنة (٢١٣)
على الصحيح، وهو من شيوخ البخاري. أي أن البخاري عانى التصنيف حقا
وهو في سن السابعة عشرة من عمره، أو كما قال: طعن في الثامنة عشرة.
ويبدو من وصف هذا الكتاب أنه في " الفتاوى" التي أفتى بها الصحابة
والتابعون مما لم يكن منصوصا عليه أي هو بتعبير آخر: " فقه الصحابة
والتابعين". وهذه التفاتة ذكية من هذا الشاب اليقظ تحاول ارجاع الفقه إِلى
أصوله الأولى وتقف حائلا دون التفريعات البعيدة عن أصولها . بمعنى أنه أراد
أن يقول: ان هناك أمورا اجتهد فيها الصحابة والتابعون فلا حاجة للإِجتهاد
فيها مرّة أخرى ، فهم أقرب منا إِلى النبي - ◌َّهـ واجتهادهم أولى أن يتّبع من
اجتهادنا .
وأنت ترى أن هذا أمر ليس بالهيّن - أعني التصنيف في هذا الجانب من
جوانب العلم - لأنه يقتضي احاطة تامة بما هو منصوص عليه وما هو غير
منصوص عليه من مسائل الفقه ، ومن لم يكن بهذا المستوى من الأحاطة
فليبتعد عن هذا الحقل من التصنيف، لآن ذلك يؤدي إلى تداخل ما هو
منصوص عليه بغيره، وبذلك تضطرب الضوابط التي يقوم عليها هذا النوع
من التصنيف. والبخاري قد أقحم نفسه في ذلك بثبات ورباطة جأش، وهو لم
يتم الثامنة عشرة من عمرة.
٩ - تحديد المقصد وعلو الغاية :
اذا تحدد المقصد واستقر، ووضحت الغاية واستنارت، فان طالبها يمضي
اليها بخطى ثابتة مدروسة، لا يلوي على شيء، ولا تشغله دنياه عنها .
ومن توفيق الله تعالى للبخاري أن هدفه في حياته وضحت معالمه وهو في

٣٤
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
عهد الصبا. فالغاية التي كان يرمي اليها البخاري من كل ما تعلّمه، ووقف
حياته عليها، كانت: ربط جميع تصرفات الانسان المسلم بأصل شرعي
يستند اليه. ونلحظ ذلك عندما قال لوراقه: "إِني ما أتيت شيئا بغير علم منذ
عقلت". (١)
وقال: " ما جلست للتحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم، وحتى
نظرت في كتب أهل الرأي، وما تركت بالبصرة حديثا إِلا كتبته".(٢)
وقال لوراقة يوما: "لا أعلم شيئا يُحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة".
قال: فقلت له: يمكن معرفة ذلك؟ قال: نعم. (٣)
ولأجل هذه الغاية وضع البخاري جميع تصانيفه، ولو تأملها الباحث لما
وجدها تخرج عن هذا الاطار. فـ "قضايا الصحابة والتابعين" و" الجامع
الصحيح" و"الإِعتصام"، و"جزء القراءة خلف الإِمام"، و"رفع اليدين في
الصلاة" وغيرها كلها تصب في هذا المسار ولا تحيد عنه.
فالبخاري اذن ملك وسائل هذه الغاية ، من علم واسع، وذكاء خارق،
وهمّة عالیة، ولا بدّ له من الناصر والمؤازر.
وقد وجد البخاري في شخص الإِمام أحمد - رحمه الله - النموذج الذي
يمكن التعاون معه لهذه الغاية العظمى، فالهدف عندهما متّحد، وتوافق الآراء
بينهما قائم إلى حد بعيد. وكذلك كان الإِمام أحمد - وقد قطع في غايته
هذه أشواطا بعيدة - كان يرى في شخصية الإِمام البخاري ذلك العنصر الناضج
الذي يمكن الاستفادة من طاقاته الكبيرة في خدمة السنة في عاصمة الخلافة
العباسية .
١- الوافي بالوفيات: ٢ /٢٠٨. وطبقات الشافعية للسبكي: ٢ / ١٠.
٢- هدي الساري: ص(٤٨٨).
٣- المرجع السابق.

٣٥
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
لقد كان الإِمام أحمد يتفرّس في الرجال، وتفكّر يوما في علماء خراسان
فقال: أخرجت خراسان ثلاثة: أبو زرعة، ومحمد بن إِسماعيل، وعبدالله بن
عبدالرحمن الدارمي، ومحمد عندي أبصرهم وأعلمهم، وأفقههم. (١) وروى
عنه ابنه عبدالله قال: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن
إسماعيل. (٢) ولذلك كان الإِمام أحمد حريصا على أن يبقي الإِمام البخاري
إلى جانبه، لما يرى من أخلاصه، وسعة علمه، واجتماع القلوب عليه، بل كان
يراه أحق الناس بخلافته واكمال مسيرته. قال البخاري: ( دخلت بغداد ثماني
مرّات، في كلها أجالس أحمد بن حنبل ، فقال لي: يا أبا عبدالله، تدع العلم
والناس، وتصير إِلى خراسان؟ !!. قال البخاري: فأنا أذكر قوله الآن)(٣)
الإِمام أحمد كان يرى أن منزلة بغداد من أقطار الخلافة الاسلامية بمنزلة
الرأس من الجسد، وبغداد كانت تملك من عوامل التأثير في أقطار الخلافة ما لا
يمكن عكسه. ولم يدرك البخاري ذلك الابعد قوات الاوان،فانه ترك بغداد
وذهب للإقامة في نيسابور، وبقي فيها خمس سنين، ثم وقعت الفتنة التي
أدّت إلى خروجه من نيسابور، فتذكر يومها قول الإِمام أحمد حتى قال
البخاري: ( فأنا أذكر قوله الان )
ولعل هدف البخاري كان نشر العلم في تلك الاقطار، اذ أن بغداد قد
كُفِيتْ ذلك بمثل الإِمام أحمد رحمه الله.
*
١- تاريخ بغداد: ٢٨/٢.
٢- المرجع السابق: ٢١/٢.
٣- تاريخ بغداد: ٢ /٢٢-٢٣.

٣٧
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير :
المبحث الثاني
ثناء شيوخه علیه
من المعلوم أن الثناء إنما يكون على العالم من تلاميذه الذين يتأثرون به. أو
من الأقران الذين صحبوه وعرفوا فضله لأن الغالب ألا يظهر نبوغ التلميذ
وسَرَيان ذكره وأثره في غيره إلا بعد وفاة شيوخه. أمّا أن الشيخ يثني على
تلميذه ويفتخر به، فهذا أمر له دلائل كثيرة. منها: أن النبوغ ظهر على ذلك
التلميذ في وقت مبكر، وأن فضلة وذكاءه بان عليه بشكل ملفت للنظر،
وربما دلّ على أن الشیخ نفسه استفاد من هذا التلميذ.
وهذا ماكان من شأن البخاري. فقلما لقي شيخًا من الشيوخ منذ أن كان
في الكتّاب إِلا ظهر لذلك الشيخ من دواعي الاعجاب بالبخاري ما يجعله
یشني علیه ویرفع من شأنه.
و "ثناء الشيخ على التلميذ" يمثّل تقويما دقيقا وسديدا لذلك التلميذ، لأن
الشيوخ في العادة قلما ينوّهون بفضل طلابهم، والعكس هو الحاصل. فاذا ما
انقلب الأمر، وصار ثناء الشيوخ "إِجماعا" متفق عليه، وكلٌّ أثنى بما رأى،
ومدح بما لاحظ ببصره أو بصيرته، فعند ذلك ترتفع القيمة العلمية لهذا الثناء
والتعظيم، فيغني عن الكلام الكثير من المتأخرين.
وقد تنبه لذلك أحد الدارسين المتعمّقين في سيرة الإِمام البخاري، وهو ابن
حجر العسقلاني، فعقد فصلا خاصا في مقدمة شرحه للجامع الصحيح،
جمع فيه طائفة جيدة من ثناء شيوخ البخاري عليه، وأنا أنقل هنا غالب ذلك
الفصل في هذا المبحث، وأشير في الهامش إلى مصادر أخرى لهذه النقول.

٣٨
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
فمن هؤلاء الشيوخ :
قتيبة بن سعيد :
قال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت
مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة(١) وعن قتيبة أيضا
قال: لو كان محمد بن إِسماعيل في الصحابة لكان آية(٢). وقال محمد بن
يوسف الهمداني: كنا عند قتيبة فجاء رجل شعراني يقال له أبو يعقوب،
فسأله عن محمد بن إسماعيل فقال: ياهؤلاء نظرت في الحديث ونظرت في
الرأي وجالست الفقهاء والزهاد والعباد فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن
إسماعيل.(٣) قال: وسُئل قتيبة عن طلاق السكران فدخل محمد ابن إِسماعيل
فقال قتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي ابن المديني
قد ساقهم الله اليك، وأشار إلى البخاري(٤). وقال أبو عمرو الكرماني: حكيت
لمهيار بالبصرة عن قتيبة بن سعيد أنه قال: لقد رحل اليّ من شرق الإِرض ومن
غربها فما رحل اليّ مثل محمد بن إسماعيل! فقال مهيار: صدق قتيبة أنا
رأيته مع يحيى بن معين وهما جميعا يختلفان إِلى محمد بن إسماعيل فرأيت
يحيى منقادا له في المعرفة. (٥)
ومنهم: محمد بن بشار(بندار):
قال بندار: محمد بن بشار: هو أفقه خلق الله في زماننا (٦) وقال الفربري:
سمعت محمد بن أبي حاتم يقول: سمعت حاشد بن إِسماعيل يقول: كنت
بالبصرة فسمعت بقدوم محمد بن إسماعيل، فلما قدم قال محمدبن
١- مقدمة الفتح: ص (٤٨٣).
٢- سير النبلاء: ١٢ /٠٤٣١
٣- سير النبلاء: ١٢ /٤٣١.
٤ - سير النبلاء: ٤١٨/١٢.
٥ - سير النبلاء: ٤٢٩/١٢-٤٣٠.
٦- تاريخ بغداد: ٢ /١٦.

٣٩
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
بشار: قدم اليوم سيد الفقهاء.(١) وقال محمد بن إِبراهيم البوشنجي: سمعت
بندارا سنة ثمان وعشرين يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إِسماعيل(٢).
وقال بندار: أنا أفتخر به منذ سنين. (٣)
ومنهم: إسماعيل بن أبي أويس:
قال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول كان إِسماعيل بن أبي
أويس اذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الاحاديث لنفسه وقال: هذه الأحاديث
انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي. (٤) قال: وسمعته يقول: اجتمع
أصحاب الحديث فسألوني أن أكلم لهم إِسماعيل أبي أبي أويس ليزيدهم في
القراءة، ففعلت، فدعا الجارية فأمرها أن تخرج صرة دنانير، وقال: يا أبا عبدالله
فرقها عليهم ! قلت: انما أرادوا الحديث. قال: أجبتك إِلى ما طلبوا من الزيادة،
غير أني أحب أن يضم هذا إِلى ذاك ليظهر أثرك فيهم. وقال: وقال لي ابن أبي
أويس: انظر في كتبي ، جميع ما أملك لك وأنا شاكرلك أبدا ما دمت
حيا .(٥)
ومنهم : إسحاق بن راهوية:
قال حاشد بن إسماعيل: رأيت إِسحاق بن راهوية جالسا على المنبر،
والبخاري جالس معه، وإِسحاق يحدث فمرّ بحديث فأنكره محمد، فرجع
إِسحاق إِلى قوله وقال: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إِلى هذا الشاب
واكتبوا عنه. فانه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن البصري لا حتاج اليه
لمعرفته بالحديث وفقهه. (٦)
١- ھدی الساري: ص(٤٨٣).
٢ - تهذيب الأسماء واللغات: ٦٨/١.
٣- تاريخ بغداد: ٢ /١٧.
٤- المرجع السابق: ١٩/٢.
٥ - سير النبلاء: ١٢ /٤١٩، ٤٢٩.
٦- هدي الساري: ص(٤٨٣ ).

٤٠
تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير
وقال البخاري: أخذ إسحاق بن راهوية: "كتاب التاريخ" الذي صنفته
فأدخله علي عبدالله بن طاهر الأمير فقال: أيها الأمير ألا أريك سحْرا؟ (١) وقال
أبو بكر المديني: كنا يوما عند إِسحاق بن راهوية ومحمد بن إِسماعيل حاضر،
فمرّ إِسحاق بحدیث ودون صحابیه: عطاء الکیخاراني، فقال له إسحاق : يا أبا
عبد الله ايش هي كيخاران؟ قال: قرية باليمن، كان معاوية بعث هذا الرجل
إلى اليمن فسمع منه عطاء هذا حديثين. فقال له إِسحاق: يا أبا عبد الله كأنك
شهدت القوم. (٢) قال البخاري: كنت عند إِسحاق بن راهويه فسئل عمن طلق
ناسيا فسكت طويلا مفكرا. فقلت أنا: قال النبي - ◌َّهِ- "إن الله تجاوز عن
أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تكلم" وانما يراد مباشرة هؤلاء
الثلاث العمل والقلب أوا لكلام والقلب، وهذا لم يعتقد بقلبه. فقال لي
إِسحاق: قوّيتني قوّاك الله وأفتى به. (٣)
ومنهم : أحمد بن حنبل:
قال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل. (٤) ولما
سأله أبنه عبد الله عن الحفاظ فقال: شُبّان من خراسان فعده فيهم، فبدأ به.(٥)
ومنهم: علي بن المديني:
قال أبوالفضل أحمد بن سلمة النيسابوري: حدثني فتح بن نوح
النيسابوري قال: أتيت علي بن المديني، فرأيت محمد بن إسماعيل جالسًا
عن یمنیه، و کان اذا حدث التفت اليه مهابه له . (٦)
وقال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني،
١- المرجع السابق.
٢- تاريخ بغداد: ٨/٢.
٣- هدي الساري: ص(٤٨٣).
٤- تاريخ بغداد: ٢ /٢١.
٥- هدي الساري: ص (٤٨٣) .
٦- تاريخ بغداد: ٢ /١٨.