Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
أبو ذر الغفاري
جَمْرةُ(١)، عن ابن عباس قَال:
لمّا بَلَغ أبا ذرِّ مَبْعَثُ النبيِّ وَلَّ بمكة قَال لأخيه: اركب إِلى هذا الوادي، فاعلمْ لي علمَ
هذا الرجلِ الذي يزعمُ أنَّه يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم اثتني.
فانطلق الأخ(٢) حتى قدِم مكَّة، وسمع مِنْ قولِه، ثم رجع إِلى أَبِي ذَرِّ فقَال: رأيته يأمر
بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني فيما أردت. فتزوّدَ وحمل شَنّةً(٣)
له، فيها ماء حتى قدِمَ مَكَّة، فأتى المسجدَ، فالتمس النبي وََّ، وهو لا يعرِفه، وكره أن يسأل
عنه، حتّى أدركه - يعني الليلَ - فاضطجع، فرآه عليٍّ، فعرف أنَّه غريبٌ، فلمَّا رآه تبعه، فلم
يسألْ واحدٌ منهما صاحبه عن شيءٍ حتى أصبح، ثم احتمل قربته وزادَه إِلى المَسْجدِ، فظلّ
ذلك اليومَ ولا يَرَى النبيَّ وَّرَ حتَّى أمسى، فعاد إِلى مَضْجَعِه، فمرَّ به عليٍّ، فقال: أَمَا أَنَّى
للرجل أن يعلم منزله!؟ فأقامه، فذهب به معه، ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى
إذا كان يومُ الثالثة(٤) فعل مثلَ ذلك، فأقامه عليٍّ معه، ثم قَال: أَلا تحدِّثُني ما الذي أقدمَكَ
هذا البلدَ؟ قَال: إنْ أعطيتني عهداً وميثاقاً لتُرْشِدَنّي فعلتُ. ففعلَ، فأخبره، فقَال: إنه حقٌّ،
وهو رَسُول الله، فإذا أصبحتَ فاتبعني، فإِنِّي إنْ رأيت شيئاً أخاف عليك منه قمت كأني أريق
الماءَ. فإنْ مضيتُ فاتَّبِعْني حتى تدخُلَ مَدْخَلي. ففعل. فانطلق يقفوه حتى دخل على
النبيِّ وََّ، ودخل معه، فَسَمِعَ من قولِهِ، وأسلم مكانَه، فقال له النبي ◌ََّ: ((ارجعْ إِلى قَوْمِكَ
فأخبرْهُم حتى يأتيَكَ أمري))، فقال: والذي نفسي بيده لأَصْرُخَنّ بها بين ظَهْرانِيهم.
فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهدُ أنّ لا إلَه إلاَّ الله، وأنّ مُحَمَّداً
رَسُول الله. وثار القوم فضربوه(٥) حتى أضجعُوه، وأتى العباسُ فأكبَّ عليه، فقال: ويلكم!
ألستم(٦) تعلمون أنه من غِفَار، وأنَّ طريقَ تجاركم (٧) إِلى الشام عليهم؟ فأنقذه منهم، ثم عاد
(١) في مختصر أَبي شامة: ((حمزة)) تصحيف، والمثبت عن مصادر الخبر المتقدمة. وهو نصر بن عمران بن عصام
الضبعي، راجع ترجمته في تهذيب الكمال ١٩/ ٧٠.
(٢) كذا في أَبي شامة وأسد الغابة، وفي ابن سعد: ((الرجل)) وفي صحيح مسلم: الآخر.
(٣) الشنة: القربة البالية.
(٤) في ابن سعد وأسد الغابة: ((اليوم الثالث))، وفي صحيح مسلم: ((يوم الثالث)).
(٥) في مختصر أَبي شامة: يضربوه، والمثبت عن صحيح مسلم.
(٦) في مختصر أَبي شامة: ألست، والمثبت عن مسلم.
(٧) في مختصر ابن منظور: تجارتكم.

١٨٢
أبو ذر الغفاري
من الغد لمثلها، وثاروا إليه فضربوه(١)، فأكب عليه العباس فأنقذه.
وقَال ◌َبُو قُتَيْبة سَلْمُ بنُ قُتَيِبة: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بن سعيد القصير، حَدَّثَنِي أَبُو جمرة قَال:
قال ابن عباس :
أَلاَ أخبرُكم بإسلام أَبي ذرٍّ؟ قلنا: بلى، قَال: قَال: كنت رجلاً من غِفَار، فبلغنا أنّ
رجلاً قد خرج بمكة يزعم أنّه نبي، فقلت لأخي: انطلق إِلى هذا الرجل فكلّمْه، وائتني
بخبره. فانطلق، فلقيه ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ قَال: والله لقد رأيته رجلاً يأمر بالخير،
وينهى عن الشرِّ، فقلتُ: لم تشفِني من الخبر. فأخذت جِرَاباً وعصا ثم أقبلتُ إِلى مكة،
فجعلتُ لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشربُ من ماء زمزم، وأكون في المسجد. فمر عليّ
فقَال: كأَنّ الرجلَ غريبٌ؟ قلت: نعم، قَال: فانطلق إِلى المنزل، فانطلقت معه، لا يسألني
عن شيء، ولا أخبره. فلما أصبحتُ غدوتُ إِلى المسجد لأسأل عنه، وليس أحَدٌ يخبرني عنه
بشيء، فمرّ بي عليّ فقال: ما آن للرجل أن يعود؟ قلت: لا، قال: ما أمرك، وما أقدمك هذه
البلدةَ؟ قلت: إن كتمته عليّ أخبرتُكَ، قَال: فإني أفعلُ. قلتُ: بلغنا أنه قد خرج رجلٌ يزعم
أنه نبي، فأرسلت أخي ليكلمه(٢)، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه.
قَال: أما إنك قد رشدت لأمرك، هذا وجهي إليه فاتبعني، فادخل حيث أدخل، فإنّي
إنْ رأيتُ أحداً أخافه عليك قمت إِلى الحائط. وامضٍ أنت. قَال: فمضى، ومضيتُ معه حتى
دخل، ودخلت معه على النبي بَلّ، فقلت: يا رَسُول الله، اعرض عليّ الإسلام، فعرضه
عليّ، فأسلمتُ مكاني، فقال لي: ((يا أبا ذَرِّ، أكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك
ظهورُنا فَأَقْبل)). قلت: والذي بعثَكَ بالحقُ لأَصْرُخَنَّ ما بين أظهركم. فجاء إلى المسجد
وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إنّي أشهدُ أن لا إله إلاَّ الله، وأشهدُ أنّ مُحَمَّداً عبدُه
ورسوله، فقالوا: قوموا إِلى هذا الصابىء، فقاموا، فضربتُ لأموتَ، وأدركني العباس، فأكبّ
عليّ ثم قَال: ويحكم! تقتلون رجلاً من غفار، ومتجركم، وممرّكم على غفار؟ فأقلعوا عني،
فلما أصبحت الغد رجعت، فقلتُ ما قلتُ بالأمس، فقالوا: قوموا إِلى هذا الصابىء.
فضربوني، وأدركني العباس، فأكبّ عليّ.
قَال: فكان هذا أوّلَ إسلام أَبي ذر.
(١) في مختصر أَبي شامة: يضربوه، والمثبت عن مسلم.
(٢) في مختصر أَبي شامة: «لبطهر)) والمثبت عن البخاري.

١٨٣
أبو ذر الغفاري
وقد روي عن ابن عباس من وجه آخر :
قَال أَبُو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا قطن بن نسير(١)، حَدَّثَنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعي،
حَدَّثَنَا أَبُو طاهر عن أَبي زيد المدني عَن ابن عباس قَال: قَال أَبُو ذر: كان لي أخ يقَال له
أنيس .... (٢) قَال كاهن بمكة. قَال: نعم فخرجنا إلى مكة، فاجتمعنا عند الكاهن، فكأنه
فضّل شعر أنيس، فقال: يا أخي رأيت بمكة رجلاً يزعم أنه نبي، وهو على دينك. قَال ابن
عباس: فقلت لأبي ذر: ما كان دينك؟ قَال: رغبت عن آلهة قومي التي كانوا يعبدونها.
فقلت: أي شيء كنت تعبد؟ قَال: لا شيء، كنت أصلي من الليل حتى أسقط كأني خفاء حتى
يوقظني حر الشمس. قَال أنيس: وقد شانفه قومه - يعني كرهوه - قَال أَبُو ذر: فإني أريد أن
آتيه، قَال: فتجهزت، ثم خرجت، فقال لي أنيس: لا تظهر أنك تطلبه، أخاف عليك أن تقتل
دونه. قَال: فجئت حتى دخلت مكة، مكثت بين الكعبة وأستارها خمس عشرة ليلة ويوماً،
أخرج كل ليلة فأشرب من ماء زمزم شربة، فجاءت امرأتان تدعوان ليلة آلهتهما تقول
إحداهما: يا أساف هب لي غلاماً، وتقول الأخرى: يا نائلة(٣) هب لي كذا وكذا، فقلت:
هنّ بهن. فتولّتا تقولان: إن الصابىء من الكعبة وأستارها. إذ مرّ رَسُول الله وَ وَبُو بَكْر
يمشي وراءه. فتكلم رَسُول الله وَّر بكلام ... (٤) ما قلت، فظننت أنه رَسُول الله، فخرجت
إليه فقلت: السلام عليك يا رَسُول الله، فقال: ((وعليك ورحمة الله، ممن أنت؟)) قلت: من
غفار، وكانت غفار يقطون على الحاج [الطريق](٥)، فذكر نحو ما مضى، قَال: وأقمت مع
رَسُول الله وَلّه بمكة يعلمني الإسلام ومن القرآن، فقَال رَسُول اللّهِ وَّر: ((إني أخاف عليك
أن تقتل)) قلت: لأتبعنك يا رَسُول الله وإن قتلت، فسكت عني، وذكر الحديث في ضرب
قريش إياه، قَال : ... (٦) فجئت إِلى رَسُول الله ◌َّ فرأى ما بي من حال فقَال لي: ((ألم
أنهك؟)) فقلت: يا رَسُول الله كانت حاجة في نفسي قضيتها، فقال: ((الحق بقومك، فإذا
بلغك ظهوري فأتني)) فجئت قومي، وقد ... (٧) عليهم، فلقيت أنيساً، فبكى، وقَال: يا أخي
(١) في مختصر أَبي شامة: بشير.
(٢) كلمات غير مقروءة في مختصر أبي شامة.
(٣) أساف ونائلة صنمان، كانت العرب في الجاهلية تزعم أنهما كانا رجلاً وامرأة وكانا قد زنيا في الكعبة، فمسخا.
(٤) كلمة غير واضحة في مختصر أَبي شامة.
(٥) استدركت على هامش مختصر أبي شامة.
(٦) كلمة غير واضحة في مختصر أَبي شامة .
(٧) غير واضحة في مختصر أبي شامة.

١٨٤
أبو ذرِّ الغفاري
ما كنت إذ ذاك إلاّ قد قتلت، فما بطأك عنا؟ ما صنعت؟ ألقيت صاحبك الذي طلبت، قلت:
أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن مُحَمَّداً رَسُول الله. ثم ذكر إسلام أخيه وأمّه وناس كثير من
قومه .
وقَال ابن [سعد](١) أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمر، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْر عَبْد اللّه بن أبي سبرة عن
يَخْيَى بن شبل، عن خفاف بن إيماء بن رحضة قَال(٢):
كان أَبُو ذرّ رجلاً يصيب الطريق، وكان شجاعاً يتفرد وحده بقطع(٣) الطريق، ويغير
على الصّزم(٤) في عماية الصبح على ظهر فرسه، أو على قدميه كأنه السبع، فَيطرق الحي،
ويأخذ ما أخذ. ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام، وسمع بالنبي (٥) ◌َ ل* وهو يومئذٍ بمكة يدعو
مختفياً، فأقبل يسأل عنه، حتى أتاه في منزله - وقبل ذلك ما قد طلب من يوصله إِلى
رَسُول الله وَلَّ، فلم يجد أحداً - فانتهى إلى الباب، فاستأذن، فدخل، وعنده أَبُو بَكْر، وقد
أسلم قبل ذلك بيوم أو يومين، وهو يقول: يا رَسُول الله، والله لا نستسر بالإسلام،
ولنُظْهِرَنَّه، فلا يرد علَيْه رَسُول اللهِ وَلِّ شيئاً، فقلت: يا مُحَمَّد، إلامَ تدعو(٦)؟ قَال: ((إِلى الله
وحدَه لا شريك له، وخَلْع الأوثان، وتشهد أني رَسُول الله)). قلت: أشهد أن لا إله إلاَّ الله،
وأشهدُ أنّك رَسُول الله. ثم قَال أَبُو ذرّ: يا رَسُول الله، إنّي منصرف إِلى أهلي، وناظر متى
يؤمر بالقتال فألحق بك، فإنّي أرى قومَك عليك جميعاً. فقَال رَسُول اللهِ وَلَّ: «أصبتَ،
فانصرف)). فكان يكون بأسفل ثنية غزال، فكان يعترض لعِيَرَاتِ قريشٍ، فيقتطعها، فيقول: لا
أرد إليكم منها شيئاً حتى تشهدوا(٧) أن لا إله إلاّ الله، وأنَّ مُحَمَّداً رَسُول الله، فإنْ فعلوا ردَّ
عليهم ما أخذ منهم، وإن أَبُوا لم يرد عليهم شيئاً. فكان على ذلك حتى هاجر
رَسُول اللهِ وٍَّ، ومضى بدر وأُحُد، ثم قدم، فأقام بالمدينة مع النبي ◌َي[١٣٣٤٠].
[قَال ابن سعد: ](٨) أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بن عمر، حَدَّثَنِي نجيحِ أَبُو معشر قَال:
(١) سقطت من مختصر أَبي شامة.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٢٢/٤.
(٣) ابن سعد: يقطع.
(٤) الصرم: الجماعة ينزلون بإبلهم ناحية على الماء.
(٥) في مختصر أَبي شامة: ((رسول الله)) وفوقها ضبة، واستدرك على هامشه: ((بالنبي)) وهو يوافق رواية ابن سعد.
(٦) في مختصر أَبي شامة: ((ما تدعو)) والمثبت عن ابن سعد.
(٧) كتب على هامش أبي شامة: ((تقولوا)) ثم شطبت وكتب فوقها ((تشهدوا)) وهو ما أثبت وهو يوافق عبارة ابن سعد.
(٨) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٢٢/٤ - ٢٢٣.

١٨٥
أبو ذرِّ الغفاري
كان أَبُو ذر يتألّه في الجاهلية ويقول: لا إله إلاّ الله، ولا يعبد الأصنام، فمر عليه رجل
من أهل مكة بعدما أوحى الله إلى النبي ◌َّيّ فقال: يا أبا ذر، إن رجلاً بمكة يقول مثل ما تقول
لا إله إلاّ الله، ويزعم أنّه نبي. قَال: ممن هو؟ قَال: من قريش، قَال: فأخذ شيئاً من بهش
وهو المقل(١)، فتزوده حتى قدم مكة، فرأى أبا بكر يضيف الناس، ويطعمهم الزبيب، فجلس
معهم فأكل، ثم سأل من الغد: هل أنكرتم على أحد من أهل مكة شيئاً؟ فقال رجل من بني
هاشم: نعم، ابن عمّ [لي](٢) يقول: لا إله إلاّ الله، ويزعم أنّه نبي. قَال: دلّني عليه، [قَال]
فدلّه عليه، والنبي ◌ََّ راقد على دكان قد سدلَ ثوبه على وجهه، فنبهه أَبُو ذرّ، فانتبه، فقَال:
أنعم صباحاً، فقال له النبي وَلّر: ((عليك السَّلام)) قَال له أَبُو ذر: أنشدني ما تقول. فقال: ((ما
أقول الشعر، ولكنه القرآن، وما أنا قلته، ولكن الله قاله)) قَال: اقرأه عليّ، فقرأ عليه سورة،
فقَال أَبُو ذرّ: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن مُحَمَّداً رَسُول الله، فسأله النبي: ((ممن
أنت؟)) فقال: من بني غفار، فعجب النبي بَّرَ لأنهم يقطعون الطريق، فجعل [النبي ◌ِ ل﴾]
يرفع بصره فيه ويصوّبه تعجباً من ذلك لما كان يعلم منهم ثم قال: ((إن الله يهدي من يشاء))
فجاء أَبُو بَكْر وهو عند رَسُول الله وَّرَ فأخبره بإسلامه، فقال له أَبُو بَكْر: ألست ضيفي
بالأمس؟ فقال: بلى، قال: فانطلق معي، فذهب مع أبي بكر إلى بيته، فكساه ثوبين
ممشقين، فأقام أياماً ثم رأى امرأة تطوف بالبيت، فذكر نحواً مما تقدم[١٣٣٤١].
قَال عكرمة (٣): حَدَّثَنَا أَبُو زميل، عن مالك بن مرثد عَن أَبيه عَن أَبي ذرّ قَال:
كنتُ رابعَ الإسلام، أسلمَ قبلي ثلاثة، وأنا الرابع، فأتيت النبي بَّ، فقلتُ: سلامٌ
عليكَ يا نبي الله، أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، وأشهد أنَّ مُحَمَّداً عبده ورسوله، فرأيت الاستبشار
في وجه رَسُول اللهِ وََّ، فَقَال: ((مَنْ أنت؟)) قلت: أنا جُنْدب رجل من بني غِفَار، قَال:
فرأيتها في وجه النبي وَّة، حيث ارتدع، كأنه ودَّ أني كنتُ من قبيلة أرفعَ من قبيلتي. قَال:
[١٣٣٤٢]
وكنت من قبيلة فيها رِقّةً، كانوا يسرقون الحاج بمحاجن لهم٢
قَال جُبَيْر بن نُفَيْر (٤):
(١) في أَبي شامة: شيئاً من المقل، والمثبت عن ابن سعد.
(٢) زيادة عن ابن سعد.
(٣) من طريق عكرمة بن عمار رواه الذهبي في سير الأعلام (٣٨٤/٣) ط دار الفكر والمعجم الكبير للطبراني ٢/ ١٤٧
رقم ١٦١٧.
(٤) رواه الذهبي في سير الأعلام (٣٨٤/٣) ط دار الفكر

١٨٦
أبو ذرِّ الغفاري
كان أَبُو ذَرّ، وعمرو بن عَبَسة، كلُّ واحدٍ منهم(١) يقول: أنا رُبع الإسلام. وقَال:
وكان أَبُو ذرّ يقول: لقد رأيتني ربعَ الإسلام، لم يسلم قبلي إلّ النبيُّ ◌َ ◌َّ، وأَبُو بَكْرٍ، وبلال.
وعن موسى بن عقبة، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن أبي ذرّ قَال:
كنت في الإسلام خامساً .
قَال الواقدي: قَالوا(٢):
وعبّأَ رَسُول اللهِ وََّ أصحابَه، وصفَّهم صفوفاً - يعني يوم حُنَّين - ووضع الرايات
والألوية في أهلها، وسمّى حامليها. قَال: وكان في بني غِفَار راية يحملها أَبُو ذرّ.
قَال(٣): وكان أَبُو ذرّ يقول: أبطأت في غزوة تبوك من أجل بعيري، كان نِضْواً (٤)
أَعْجَفَ، فقلت: أعلفه أياماً، ثم ألحق برَسُول الله بَّه. فعلفته أياماً، ثم خرجت، فلما كنت
بذي المروة أَذَمَ بي(٥)، وتلوّمتُ عليه يوماً فلم أر به حركة. فأخذت متاعي، فحملته على
ظهري، ثم خرجت أتبع رَسُول الله وَّ ماشياً في حرّ شديد، وقد تقطّع الناس فلا أرى أحداً
يلحقه(٦) من المسلمين، وطلعتُ على رَسُول الله بَّه نصف النهار، وقد بلغ مني العطش،
فنظر ناظر من الطريق، فقال: يا رَسُول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحدَه، فجعل
رسولُ اللهِ وَ ل﴿ يقول: (كُنْ أبا ذَرِ))، فلَمَّا تأملني القوم قالوا: يا رَسُول الله، هذا أَبُو ذرِ، فقام
رَسُول اللهِ وَّ حتى دنوت منه، فقال: ((مرحباً بأَبي ذرّ، يمشي وحدَه، ويموت وحدَه،
ويبعثُ وحده))، فقال: ((ما خَلَّفك يا أبا ذرّ؟)) فأخبره خبر بعيره، ثم قَال: ((إنْ كنتَ لمن أعزّ
أهلي علي تخلفاً، لقد غفر الله لك يا أبا ذرّ بكلّ خطوةٍ ذنباً إِلى أن بلغتني))، ووضع متاعه عن
ظهره، ثم استسقى، فأتي بإناءٍ من ماءٍ فشربه [١٣٣٤٣]
.
وعن غُضَيْف بن الحارث(٧)، عن أَبي الدَّزداء قَال:
(١) في سير الأعلام: منهما.
(٢) رواه الواقدي في مغازيه ٨٩٥/٣ - ٨٩٦.
(٣) القائل راوي الخبر هو هلال بن أمية الواقفي، كما يفهم من مغازي الواقدي، وقد نقل الخبر الواقدي ٣/ ١٠٠٠.
(٤) النضو: الدابة التي أهزلتها الأسفار وأذهبت لحمها (النهاية لابن الأثير).
(٥) عند أبي شامة: ((ادم)) وفي مغازي الواقدي: ((عجز بي)) والمثبت عن مختصر ابن منظور.
(٦) مغازي الواقدي: يلحقنا.
(٧) من طريقه رواه الذهبي في سير الأعلام (٣٨٥/٣) ط دار الفكر.

١٨٧
أبو ذر الغفاري
كان رَسُول الله وَلّه يبتدىء أبا ذرِّ إذا حضر، ويتفقّدُه إذا غاب.
وعن عَبْد اللّه بن عبيد بن عُمَير قَال: قَال أَبُو ذرّ:
وكان أكثرَ أصحابِ رسولِ الله وٍَّ له سؤالاً .
فذكر حديثاً .
وعن حاطب قَال(١): قَال أَبُو ذرّ:
ما ترك رسولَ اللهِ وَ له شيئاً مما صبَّه جبريل وميكائيل في صدره، إلاّ قد صبّه في
صدري، ولا تركتُ شيئاً مما صبّه رَسُول الله مَّ في صدري إلاّ صببته في صدر مالك بن
ضمرة .
وقَال أَبُو ذرّ: لقد تركنا رَسُول الله وَّ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلاّ وهو
يذكِّرُنا منه علماً.
وقَال: سألت رَسُول الله وَّ﴿ عن كلّ شيء حتى عن مسح الحصا، فقَال:
((واحدة)) [١٣٣٤٤]
قَال(٢): أوصاني حِبِي بخمسٍ: أرحم المساكين وأجالسُهم، وأنظر إِلى من تحتي ولا
أَنْظُر إِلى من فوقي، وأن أَصِل الرَّحِم وإن أدبرت، وأن أقولَ الحقَّ وإن كان مرّاً، وأن أقول:
لا حول ولا قوة إلاَّ بالله)) [١٣٣٤٥]
قَال عمر مولى غُفْرَة:
ما أعلم بقي فينا من الْخَمْس إلاّ هذه؛ قولنا: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
وعن عون بن مالك، عن أبي ذرّ (٣):
أنه جلس إِلى رَسُول الله وَّرَ فقَال: ((يا أبا ذرّ هل صلّيت الضحى؟)) قال: لا، قَال:
((قم فصلُ ركعتين))، فقام فصلى، ثم جلس، فقال: ((يا أبا ذرّ، تعوّذ بالله من شياطين
الإنس))، قلت: يا رَسُول الله، هل للإنس شياطين؟ قَال: ((نعم يا أبا ذر، ألا أدلك على كنزٍ
من كنوز الجنة؟)) قلت: ما هو؟ قَال: ((لا حول ولا قوة إلاَّ الله)) [١٣٣٤٦]
(١) رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٨٦/٣) ط دار الفكر من هذا الطريق.
(٢) رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٨٦/٣) ط دار الفكر.
(٣) من طريق آخر وأتم من هذا رواه أحمد بن حنبل في المسند ١٣٢/٨ رقم ٢١٦٠٨.

١٨٨
أبو ذر الغفاري
وعن عبيد بن عمير، عن أَبي ذر قَال:
دخلت المسجد فإذا رَسُول اللهِ وَلّه، فقال: ((يا أبا ذرّ أَلاَ أوصيك بوصايا إن أنت
حفظتَها نفعَك الله بها؟)) قلت: بلى بأبي أنت وأمي، قَال: ((جاور القبورَ تذكرْ بها وعيدَ
الآخرة، وزُرْها بالنهار، ولا تزرها بالليل، واغسل الموتى؛ فإن في معالجةِ جسد خاوٍ عظةً،
وشيع الجنائز؛ فإن ذلك يحرّكُ القلبَ ويحزنُه، وأعلم أنّ أهل الْحُزْن في أمن الله، وجالس
أهل البلاء والمساكين، وكُلْ معهم، ومع خادمك لعلَّ الله يرفعُكَ يوم القيامة، والبس الخشن
الصَّفيق(١) من الثياب تذلّلاً لله - عزّ وجلّ - وتواضعاً لعلَّ الفخرَ والبطرَ لا يجدان فيك مساغاً،
وتزيَّن أحياناً في عبادة الله بزينة حسنة تعففاً وتكرماً، فإن ذلك لا يضرك - إن شاء الله - وعسى
أن يحدث لله شكراً)[١٣٣٤٧]
وذكر أَبُو ذرّ: هل كان رَسُول الله بَّهَ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قَال: ما لقِيَني قطُ إلاّ
صافَحَني(٢)، ولقد جئت مرةً، فقيل لي: إنّ النبي ◌ََّ طلبك، فجئتُ، فاعتَنَقَني، فكان ذلك
أجودَ وأجودَ.
وقَال(٣): أرسل إليّ رَسُول الله وَّر في مرضه الذي توفي فيه، فأتيته، فوجدته
نائماً(٤)، فأكببتُ عليه، فرفع يده فالتزمني.
وسئل علي بن أبي طالب عن أَبي ذرِّ، فقَال(٥): عِلِمَ العلمَ ثم أوكى(٦)، فربط عليه
ربطاً شديداً.
وقَال أيضاً(٧): أَبُو ذرِّ وعاءٌ ملِىءَ علماً ثم أوكى عليه فلم يخرج منه شيء، حتى قُبِض.
وقَال أيضاً(٨): وعى علماً عجز فيه وكان شحيحاً حريصاً؛ شحيحاً على دينه، حريصاً
على العلم، وكان يُكْثِرِ السؤالَ، فيُعْطى ويُمْنَع، أَمَا إنّه قد مُلِىءَ له في وعائه حتى امتلأ.
(١) في مختصر أَبي شامة: ((الشقيق)) والمثبت عن كنز العمال.
(٢) إلى هنا رواه أحمد بن حنبل في المسند ١٠١/٨ رقم ٢١٥٠٠ من طريق رجل من عنزة.
(٣) رواه أحمد بن حنبل في المسند ١٠١/٨ رقم ٢١٤٩٩ من طريق أيوب بن بشير عن فلان العنزي.
(٤) في المسند: مضطجعاً.
(٥) رواه الذهبي في سير الأعلام (٣٨٧/٣) ط دار الفكر.
(٦) أي شده بالوكاء، والوكاء: سير أو خيط يشد به فم السقاء.
(٧) القائل: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخبر عنه في سير الأعلام (٣٨٧/٣).
(٨) سير أعلام النبلاء المصدر السابق.

١٨٩
أبو ذر الغفاري
فلم يدروا ما يريد بقوله: وَعَى علماً عجز فيه؛ أعجز عن كشفه، أم عمَّا عنده من
العلم، أم عن طَلَب ما طَلَب من العلم إِلى النبي ◌َّ؟.
وعن أَبِي سَلَمة بن عَبْد الرَّحْمُن بن عوف أنّه قَال:
كان أَبُو ذَرِّ جالساً إلى جنب أُبَيّ بن كعب يوم الجمعة، ورَسُول الله وَلّ يخطب، فتلا
رَسُول اللهِ وَّ آيَةً لم يكن أَبُو ذرّ سمعها، فقَال أَبُو ذرّ لأُبَيّ: متى أُنْزِلتْ هذه الآية؟ فلم
يكلِّمْه، فلَمَّا أقيمت الصلاةُ قَال له. أَبُو ذرّ: ما منعك أن تكلمني حين سألتُك؟ فقال أُبيّ: إنه
ليس لك من جمعتك إلاّ ما لغوت. فانطلق أَبُو ذرّ إِلى رَسُول اللهِ وََّ، فأخبره، فقَال:
((صَدَقَ أُبِيّ))، فَقَال أَبُو ذرّ: أستغفر الله وأتوبُ إليه، فَقَال رَسُول اللهِ وَّ: «اللّهمّ اغْفِرْ لأَبِي
ذرٌ وتُبْ عليه))(١)[١٣٣٤٨]
وعن أبي أمامة:
أنّ رسولَ الله وَّر دفع إِلى أَبي ذرِ غلاماً، فقال: ((يا أبا ذرّ، أطعمه مما تأكل، واكسُه
مما تَلْبَس))، فلم يكن عنده غيرُ ثوبٍ واحدٍ، فجعله نصفين، فراح إِلَى رَسُول اللهِ وَّ فقَال:
((ما شأن ثوبك يا أبا ذرّ؟)) فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أطعمه مما آكل، وأكسوَه
مما ألبس، وإنّه لم يكن معي إلاَّ هذا الثوبُ فناصفتُه. فقَال رَسُول الله وَّ: ((أحسن إليه يا أبا
ذرّ))، فانطلق أَبُو ذَرِّ فأعتقه، فسأله رَسُول الله بَلَهَ: ((ما فعل فتاكَ؟)) قَال: ليس لي فتى، قد
أعتقتُه، قَال: ((أَجَرَكَ الله يا أبا ذرّ)) [١٣٣٤٩]
.
قَال عَبْد اللّه بن مليل: سمعت علياً يقول: قَال رَسُول اللهِ وَّه:
((إنّه لم يكن قبلي نبي إلاّ قد أعطاه الله سبعةَ رفقاءَ وزراء، وإنّي أعطيتُ أربعةَ عشرَ))،
فذكرهم، وفيهم أَبُو ذرّ (٢)[١٣٣٥٠]
وعن ابن بُرَيْدَةَ(٣)، عن أبيه قال: قَال رَسُول اللهِ وَلَّهُ:
(«أُمِرْتُ بحبٌ أربعةٍ من أصحابي، وأخبرني الله أنّه يُحِبّهم: عَلي، وأَبُو ذرّ، وسلمان،
[١٣٣٥١]
والْمِقْداد)»!
(١) سير أعلام النبلاء (٣٨٧/٣) ط دار الفكر.
(٢) راه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٨٧/٣) ط دار الفكر.
(٣) رواه الذهبي المصدر السابق.

١٩٠
أبو ذر الغفاري
وعن علي، وأَبي الدَّرداء، وعَبْد اللّه بن عمرو بن العاص قَالوا(١): قَال
رَسُول الله اَلـ:
((ما أظلَّت الْخَضْراء، ولا أقلَّتْ الغبراءُ من ذي لَهْجةٍ أصدقَ من أبي ذرّ - زاد عليٍّ:
طلب شيئاً من الزهد عجز عنه الناس -)) [١٣٣٥٢].
وعن أبي الزْنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قَال رَسُول اللهِ وَّه:
((ما أظلَّتِ الخضراءُ، ولا أقلَّتِ الغَبْراء على ذي لَهْجَةٍ أصدقَ من أَبي ذرّ، من سرّه أن
ينظر إِلى تواضع - وفي رواية: إِلى زهد - عيسى بن مريم فلينظر إِلى أَبي ذرَ)) (٢)[١٣٣٥٣]
وعن مالك بن مَرْثَد، عن أبيه قال: قَال أَبُو ذرّ: قَال لِي رَسُول اللهِ وَه :
«ما تُقِلُّ الغَبْراء، ولا تُظِلُّ الخضراءُ مِنْ ذِي لَهْجةٍ أصدق، ولا أوفى من أبي ذرِّ، شِبه
عيسى بن مريم)). قال: فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رَسُول الله، أفنعرف ذلك له؟ قَال:
((نعم فاعرفوه له)) (١٣٣٥٤].
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة، عن النبي
لتر :
((فإذا أردتم أن تنظروا إِلى أشبه الناسٍ بعيسى بن مريم هَذياً وبِرّاً ونُشْكاً فعليكم بأبي
ذرٌ)) [١٣٣٥٥].
وعن عَلي بن الحُسَيْن عَن جابر بن عَبْد اللّه أن رَسُول اللهِوَ لَه قَال:
((ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء بعد النبيين والصدِّيقين على ذي لهجة أصدق من
أَبي ذرّ، ولا خيراً من عمر))(٣).
وعن ابن مسعود قَال: قَال النبي ◌َّ: ((إنّ أبا ذر ليُباري عيسى بن مريم في عبادته. من
سرّه أن ينظر إِلى شِبْه عيسى بن مريم خُلُقاً وخَلْقاً فلينظر إِلى أَبي ذرّ) [١٣٣٥٦].
وعن أنسٍ قَال: قَال رَسُول الله وَّرَ: ((ما من نبي إلاّ له نظير في أمتي: أَبُو بَكْر نظير
إِبْرَاهيم، وعمر نظير موسى، وعُثْمَان نظير هارون، وعَلي نظيري. ومن سرّه أن ينظر إِلى
عيسى بن مريم فلينظر إِلى أَبي ذرِّ الغفاري)) [١٣٣٥٧].
(١) راجع الاستيعاب ٦٤/٤ (هامش الإصابة)، وسير الأعلام ٥٩/٢ وطبقات ابن سعد ٢٢٨/٤.
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٢٨/٤ وسير أعلام النبلاء ٥٩/٢.
(٣) عقب أبو شامة بعده قال: أراد النبي وَلهـ - والله أعلم - أن أبا ذر قد بلغ في مقام الصدق الدرجة العليا منه، فليس
أحد يفوقه في الصدق، وهذا لا ينافي مساواة أحد له في ذلك.

١٩١
أبو ذر الغفاري
قَال الزُّبير بن بكار حَدَّثَني ابن طلحة بن عُبَيْدِ اللّه، عن عَبْد الرَّحْمُن بن أبي بكر
الصدِّيق قَال: قَال رَسُول اللهِ وَّهِ :
((أرحم أمتي أَبُو بَكْر الصدِّيق، وأحسنهم خُلُقاً أَبُو عبيدة بنُ الجراح، وأصدقُهم لَهْجةً
أَبُو ذرّ، وأشدهم في الحقُّ عمرُ، وأقضاهم علي)) (١)[١٣٣٥٨]
وعن مالك بن مرتد عن أبيه، عن أبي ذرّ قَال: قَال رَسُول اللهِ وَّ:
(يا أبا ذرّ، إنّي رأيتُ أنّي وُزِنْتُ بأربعين أنتَ فيهم، فوزنتُهم) [١٣٣٥٩].
وعن أَبي الطفيل عامر بن واثلة عَن عَبْد المَلِك ابن أخي أبي ذرّ، عن أَبي ذرّ قَال:
والله ما كذبتُ على رَسُول اللهِ وََّ، ولا أخذتُ إلاّ عنه، أو عن كتاب الله - عزّ
وجلّ ..
وقَال: والله إنّي لعلى العَهْد الذي فارقتُ عليه رَسُول اللهِ وَّه، ما غيّرتُ، ولا بدّلتُ.
قَال يَخْيَى بن أَبي بكير، حَدَّثَنَا شعبة، عن سعد بن إِبْرَاهيم، عن أَبيه:
أن عمر بن الخطاب قَال لعَبْد اللّه بن مسعود، وأَبي الدَّرداء، وأَبي ذرِ:
ما هذا الحديث عن رَسُول الله وَّرَ؟ قَال: وأحسبه حَبَسهم المدينة حتى أُصيب. رواه
ابن إدريس عن شعبة فقال: وأَبي مسعود بدلاً من أبي ذرّ.
وقَال أَبُو ذرّ: قَال لِي رَسُول الله ◌ِ(٢):
((كيف أنتَ عند ولاةٍ يستأثرون عليك؟)) قلت: والذي بعثك بالحق، أضعُ سيفي على
عاتقي وأضرِبُ حتى ألحقَكَ. قَال: «أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ اصبر حتى
تلحقني - وفي رواية: تنقادُ لهم حيثُ قادون، وتَنْساق لهم حيث ساقوك حتى تلقاني وأنت
على ذلك، وفي رواية(٣): إذا بلغ البناء (٤) سَلْعاً(٥) فاخرج منها - وضرب بيده نحو الشام، ولا
(١) قال أبو شامة: هذا والذي قبله منقطعان معضلان عن سفيان بن حسين هو الواسطي، روى عن الزهري وأبي بشر
وابن المنكدر قاله البخاري .
(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٢٦/٤.
(٣) طبقات ابن سعد ٢٢٦/٤ وسير الأعلام ٢ /٢٣.
(٤) في ابن سعد: النبأ .
(٥) سلع: موضع بقرب المدينة.

١٩٢
أبو ذر الغفاري
أرى أمراءَك إلّ يحولون بينك وبين ذلك)) قلت: فآخذ سيفي، وأضرب به من حال بيني وبين
أمرك؟ قَال: ((لا، ولكن تسمعُ وتطيعُ ولو لعبد حَبَشي)). فلمَّا بلغ البناءُ سَلْعاً خرج من المدينة
حتى أتى الشام، فتكابَّ الناسُ عليه، فكتب معاوية إِلى عُثْمَان: إنّ كان لك بالشام حاجة
فأرسل إِلى أَبي ذرٌ. فكتب إليه عُثْمَان يأمره بالقدوم عليه، فقال: سمعاً وطاعة. فلما قدم على
عُثْمَان قَال له: ها هنا عندي. قَال: الدنيا لا حاجة لي فيها، قَال: تأتي الرَّبَذة، قَال: إنْ أَذِنْتَ
لي. فلما قدم الرَّبَذة حضرت الصلاةُ، فقيل له: تقدم يا أبا ذرّ، فقَال: مَنْ على هذا الماء؟
قالوا: هذا، فإذا عبد حبشي. قَال أَبُو ذرّ: الله أكبر، أمرتُ أن أسمع وأطيعَ ولو لعبدٍ حَبَشي،
فأنت عبد حبشي. فتقدّمَ، فصلّى خلفه أَبُو ذرّ.
وقَالِ أَبُو ذرّ(١):
كنت أخدم رَسُول الله وَّ، ثم آتي المسجد إذا أنا فرغتُ من عملي فاضطجع فيه.
فأتاني رسولُ اللهَ وَّ وأنا مضطجع فيه، فضربني برجله، فاستويتُ جالساً، ثم قَال
رسولُ الله مَّ: «كيف تصنعُ إذا أخرجتَ منها)»؟ قلت: ألحقُ بأرضِ الشام، قَال: ((كيف
تصنع إذا أخرجت منها))؟ قلت: آخذ سيفي، فأضرب به من يخرجني، قَال: فجعل
رسولُ اللهِ وََّ يدَه على منكبي ثم قَال: ((غَفْراً أبا ذرّ، غَفْراً أبا ذرّ، بل تنقادُ معهم حيث
قادوك، وتنساقُ معهم حيثُ ساقوكَ ولو لِعَبْدِ أسودَ)). قَال: فلما نفيت إِلى الرَّبَذَة أقمت
الصَّلاة، فتقدمهم رجل أسودُ كان فيها على بعض الصدقة، فلمَّا رآني أخذ يرجع ليقدمني،
فقلت: كما أنت أنقاد لأمر رَسُول الله ◌َلِ﴾ [١٣٣٦٠]
وقَالَ: قَال لِي رَسُول الله ◌َّ :
((يا أبا ذرّ، أنت رجل صالح، وسيصيبك بعدي بلاء))، قلت: في الله؟ قَال: ((في الله))
قلت: مرحباً بأمر الله [١٣٣٦١]
وقَال أَبُو ذرّ:
أمرنا رَسُول الله ◌َّ ألا نغلب على أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونعلِّم
[١٣٣٦٢]
الناس السنن
قَال عَبْد اللّه بن أَبي قيس:
(١) رواه أحمد بن حنبل في المسند ٤٤٠/١٠ رقم ٢٧٦٥٩ طبعة دار الفكر، ورواه الذهبي في سير الأعلام (٣٨٨/٣)
ط دار الفكر.

١٩٣
أبو ذر الغفاري
خرجنا مع غضيف بن الحارث نريد بيت المقدس، فأتينا أبا الدَّرداء، فسلمنا عليه،
فقَال أَبُو الدَّرداء: القَ أبا ذرّ، فقل: يقول لك أَبُو الدَّرداء: اتق الله، وخفِ الناسَ، فقَال أَبُو
ذرّ: اللَّهم غَفْراً، إن كُنّا قد سمعنا فقد سمع، وإن كنا قد رأينا فقد رأى، أو ما علم أني بايعت
رَسُول الله ◌َ ﴿ على ألا تأخذني في الله لومة لائم؟.
قَال أَحْمَد بن حنبل حَدَّثَنَا أَبُو المغيرة حَدَّثَنَا صفوان عن أَبي اليمان، وأَبي المثنى(١) أن
أبا ذرّ قَال :
بايعني رسولُ اللهِ وَ ◌َّ خمساً، وواثقني سبعاً، وأشهدَ الله عليَّ تسعاً(٢) ألا أخافَ في الله
لومة لائم. ثم قَال أَبُو المثنى: قَال أَبُو ذرّ: فدعاني رَسُول اللهِوَه [فقَال:](٣) ((هل لك إِلى
بيعةٍ ولك الجنة))؟ قلت: نعم، وبسطتُ يدي، فقَال رَسُول اللهِ وَلَه وهو يشترط عليّ: ((أن لا
تسألَ الناس شيئاً)، قلت: نعم، قَال: ((ولا سوطَكَ إن سقط منك حتّى تنزلَ إليه
فتأخذه))[١٣٣٦٣]
.
قَال الطبراني حَدَّثَنَا إِبْرَاهيم بن مُحَمَّد بن عوف حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن المصفى، حَدَّثَنَا بقية،
عن صفوان بن عمرو، عن أَبي اليمان قال:
لما قفل الناس عام غزوة قبرس وعليهم معاوية، ومعه أصحاب رَسُول اللهِوَّ الذين
كانوا بالشام، فخرج إلى الكنيسة التي إلى جانب أنطرسوس التي يقال لها كنيسة معاوية،
وبمقامه عندها دعيت كنيسة معاوية، فقام في الناس قبل أن يتفرقوا إِلى أجنادهم، فقال: إنّا
قاسموا غنائمَكم على ثلاثة أسهم: سهم للسفن فإنها مراكبكم، وسهم للقُبط، فإنكم لم يكن
لكم حيلة إلاّ بهم، وسهم لكم. فقام أَبُو ذرّ، فقال: كلا والله لا نقسم سهامنا على ذلك،
أنقسم للسفن وهي مما أفاء الله علينا؟ وتقسم للقبط وإنما هم خَوَلُنا؟ والله ما أبالي مَن قَال أو
ترك، لقد بايعني رَسُول الله وَلّ خمساً(٤)، وأوثقني سبعاً، وأشهد الله عليّ سبعاً: ألاّ تأخذني
في الله لومة لائم.
فقال معاوية: تقسم الغنائم جميعاً على المسلمين.
(١) من هذا الطريق رواه أحمد بن حنبل في المسند ١١٩/٨ رقم ٢١٥٦٥ والذهبي في سير الأعلام ٢/ ٦١.
(٢) في مختصر أَبي شامة: سبعاً.
(٣) زيادة عن مسند أحمد.
(٤) في مختصر أَبي شامة: على خمساً.

١٩٤
أبو ذرِّ الغفاري
قَال الطبراني: هكذا روى هذا الحديث صفوان عن عَبْد الرَّحْمُن بن نفير عَن أَبيه قَال
بشر بن بكر(١): حَدَّثَنَا الأوزاعي: حَدَّثَنِي أَبُو كثير، حَدَّثَنِي أَبي قَال:
أتيت أبا ذرِّ وهو جالس عند الجَمْرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه
رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينَكَ أميرُ المؤمنين عن الفُتْيا؟ فرفع رأسه إليه ثم قَال: أرقيب
أنت عليّ؟! لو وضعتم الصَّمْصامة على هذه - وأشار بيده إِلى قفاه - ثم ظننت أن أُنْفِذَ كلمةً
سمعتُها من رسولِ الله وَ ﴿ قبل أن تجيزوا عليّ لأنفذتُها.
وفي رواية(٢): أنّ رجلاً أتى أبا ذرِّ فقال: إنّ المصدقين - يعني جباة الصدقة - إزدادوا
علينا، فنغيّبُ عنهم بقدر ما ازدادوا علينا؟ قَال: لا، قف مالك عليهم فقل: ما كان لكم من
حقٌّ فخذوه، وما كان باطلاً فذروه، فما تعدّوا عليك جُعِل في ميزانِك يوم القيامة ..
وعلى رأسه فتّى من قريش، فقال: أما نهاك أميرُ المؤمنين عن الفتوى؟.
فذكر ما سبق.
وعن ثعلبة بن الحكم، عن عَلي قَال(٣):
لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غيرُ أَبي ذرِّ، ولا نفسي؛ ثم ضرب بيده
على صدره.
عن أَبي الطفيل، عن ابن أخي أَبي ذرّ قَال:
أخبرني رَسُول الله وَلَّ أنه لن يُسَلّط أحدٌ على قتلي، ولن يفتنونني عن ديني. وأخبرني
أني أسلمت فرداً، وأموت فرداً، وأبعث يوم القيامةِ فرداً.
قَال الأحنف بن قيس (٤).
أتيتُ المدينة، ثم أتيت الشام، فجمّعتُ، فإذا أنا برجلٍ لا ينتهي إِلى سارية إلاَّ فرّ
أهلُها(٥)، يصلّي ويُخِفُّ صلاتَه. فجلستُ إليه، قَال: قُمْ عني لا أغرُّكَ بشر، فقلت: كيف
تغرُّني بشرِّ؟ قَال: إن هذا - يعني معاوية - نادى مناديه أن لا يجالسني أحد.
(١) رواه الذهبي في سير الأعلام من هذا الطريق ٢/ ٦٤.
(٢) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ١٦٠.
(٣) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٣١/٤ وسير أعلام النبلاء ٢/ ٦٤.
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٢٩/٤.
(٥) في ابن سعد: خرّ أهلها.

١٩٥
أبو ذر الغفاري
وفي رواية: كنت جالساً في حلقة بمسجد المدينة، فأقبل رجل لا تراه حلقة إلّ فروا
حتى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها، ففروا، وثبتّ، فقلت: مَن أنت؟ فقال: أنا أَبُو ذرّ
صاحب رَسُول اللهِ وََّ، قلت: فما يُفِرّ الناس منك؟ قَال: إنّي أنهاهم عن الكنوز، قلت: فإن
أَعْطِيتَنا قد بلغت وارتفعت، أفتخاف علينا منها؟ قَال: أمَّا اليومَ فلا، ولكن يوشك أن يكونَ
أثمان دینکم، فإذا كان أثمان دینکم فدعوهم وإياها .
وقَال(١): قدِمتُ المدينة، فبينما أنا في حَلْقَة فيها مَلأْ من قريش، إذ جاء رجل أخشنُ
الثياب، أخشنُ الجَسَد، أخشنُ الوجهِ، فقام عليهم، فقال: بشّر الكتّازين برَضْفٍ(٢) يُخمى
عليهم في نار جهنم، فيوضعُ على حَلمة تَذْي أحدِهم، حتى يخرج من نُغْضِ(٣) كتفه،
ويوضع على نُغْض كتفه حتى يخرج من حَلَمِةٍ ثدیه یتجلجل.
قَالَ: فوضعَ القومُ رؤوسَهم، فما رأيتُ أحداً منهم رَجَع إليه (٤) شيئاً، فأدبَر، فتبعتُه
حتى جلس إِلى ساريةٍ، فقلتُ: ما رأيتُ هؤلاء إلاّ كرِهوا ما قلتَ لهم، فقال: إنّ هؤلاء لا
يعقلون شيئاً، إنّ خليلي أبا القاسم دعاني فقال: ((يا أبا ذر))، فأجبته، فقال: ((ترى أُخْدا)»،
فنظرت ما عليّ من الشمس، وأنا أظنه يبعث بي في حاجة له، فقلت: أراه، فقال: ((ما يُسرُّني
أنّ لي مثلَه ذهباً أُنْفِقُه كلّه إلاَّ ثلاثةَ دنانير))، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا، لا يعقلون شيئاً! فقلت:
ما لك ولإخوانك قريش، لا تَعْتَريهم، وتصيب منهم؟ قَال: لا ورَبِّك ما أسألهم دنيا، ولا
أستفتيهم عن دينٍ حتى ألحقَ بالله ورسوله (١٣٣٦٤].
قَال مالك بن أوس بن الحَدَثان(٥):
قدم أَبُو ذرّ من الشام، فدخل المسجدَ وأنا جالس، فسلّم علينا، وأتى سارية، فصلّى
ركعتين تجوَّز فيهما، ثم قرأ: ﴿ألهاكُمُ التكاثرُ﴾ حتى ختمها، واجتمع الناس عليه، فقالوا له :
يا أبا ذرّ، حدثنا ما سمعت من رَسُول اللهِ وَّةِ، فقال لهم: سمعت حبيبي رسولَ اللهِ ل
يقول: ((في الإبل صَدَقَتُها، وفي البَقَر صَدَقَّتُها، وفي البُرِّ صَدَقَتُه، من (٦) جمع ديناراً أو
(١) يعني الأحنف بن قيس، والخبر من طريقه في سير أعلام النبلاء (٣٩٠/٣) ط دار الفكر.
(٢) الرضف الواحدة رضفة، وهي الحجارة المحماة.
(٣) النغض: العظم الرقيق الذي على طرف الكتف.
(٤) في مختصر أَبي شامة: ((إلى)) والمثبت عن سير الأعلام.
(٥) رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٩١/٣) ط دار الفكر.
(٦) في مختصر أَبي شامة: ((في)) والمثبت عن سير الأعلام.

١٩٦
أبو ذر الغفاري
دِرْهماً، أو تِبْراً، أو فِضّة لا يعدّه لِغَريم، ولا للنفقة(١) في سبيل الله كُوِيَ به)). قلت: يا أبا
ذر، انظر ما تخبرُ عن رَسُول الله وََّ، فإن هذه الأموال قد فَشَتْ. فقال: من أنت يا بن
أخي؟ فانتسبتُ له، قَال: قد عرفت نسبك الأكبرَ، ما تقرأ ﴿والذين يكنِزُون الذهبَ والفضةَ
ولا ينفقونَها في سبيلِ الله﴾(٢)؟.
وفي رواية: قدم أَبُو ذرّ من الشام وأنا جالس مع عُثْمَان بن عفان في مسجد
رَسُول اللهِ وَّرَ، فجاء أَبُو ذرّ فسلّم عليه، فقَال عُثْمَان: كيف أنت يا أبا ذرّ؟ قَال: بخير،
فكيف أنت؟ ثم ولى وهو يقول: ﴿ألهاكُمُ التكاثُر حتى زُرْتُم المقابر﴾(٣)، ورفع صوته وكان
صلب الصوت حتى ارتج المسجد بقراءة السورة كلها، حتى مالت القراءة إلى سارية من
سواري المسجد. فصلى ركعتين فتجوّز فيهما، فاحتوشه الناسُ وقالوا: حدِّثنا عن
رَسُول الله وَّ، وجلست قُبالةَ وجهه.
فذكر نحو ما تقدم.
قَال عُبَيْد اللّه بن شميط: سمعت أبي يقول:
بلغنا أنَّ أبا ذرِّ كان يقول وهو في مجلس معاوية: لقد عرفنا خيارَكم من شرارِكم،
ولنحنُ أعرف بكم من البَياطِرة بالخيل. فقال رجل: يا أبا ذرّ، أتعلم الغيبَ؟ فقال معاوية:
دعوا الشيخ فالشيخ أعلمُ منكم، مَنْ خيارُنا يا أبا ذرّ؟ قَال: خيارُكم أزهدُكم في الدنيا،
وأرغبُكم في الآخرة، وشرارُكم أرغبُكم في الدنيا وأزهدكم في الآخرة.
حَدَّثَنَا عَبْد اللّه بن الصامت قَال (٤):
دخلت مع أبي ذرّ في رهطٍ من غِفار على عُثْمَان من البابِ الذي لا يُذْخلُ عليه منه،
فَتَخَوَّفَنا عثمانُ عليه، فانتهى إليه، فسلّم عليه وقَال: أحَسِبْتَنِي منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما
أنا منهم، ولا أُذْرِكُهم، لو أمرتَني أن آخذَ بعَرْقُوّتَيِّ(٥) قَتَبِ لأخذتُ بهما حتى أموت. ثم
استأذنه إِلى الرَّبَذَة، فقال: نعم نأذنُ لك.
(١) في مختصر أَبي شامة: النفقة.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٣٤.
(٣) سورة التكاثر، الآيتان ١ و٢.
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٣٢/٤.
(٥) العرقوتان خشبتان تضمان ما بين واسط الرحل والمؤخرة، وقال الليث: وللقتب عرقوتان، وهما خشبتان على.
عضديه من جانبيه (تاج العروس: عرق).

١٩٧
أبو ذر الغفاري
وقَال ضمرة بن شوذب، عن سُلَيْمَان عَن حميد بن هلال، عن عَبْد اللّه بن الصامت
ابن أخي أبي ذرّ قَال(١):
دخلت مع أَبي ذرِّ على عُثْمَان، فلما دخل إليه حَسَر عن رأسه وقال: والله ما أنا منهم يا
أمير المؤمنين - يريد الخوارج ..
قال ابن شوذب :
سيماهم التَّسْبيت - يعني الحَلْق - فقَال له عُثْمَان: صدقت يا أبا ذرّ، إنما أرسلتُ إليك
لتجاورنا بالمدينة، قَال: لا حاجةَ لي في ذلك، ائذنْ لي إِلى الرَّبَذَة، قَال: نعم، ونأمرُ لك
بنَعَم من نَعَم الصدقة تغدو عليك وتروح، قَال: لا حاجة لي في ذلك، تكفي أبا ذرّ
صُرِيَّمتُه(٢). فلما خرج من عنده قَال: دونكم معاشر قريش دنياكم فاخذِمُوها(٣)، ودعونا
وربنا .
حَدَّثَنِي غزوان أَبُو حاتم قَال(٤):
بينا أَبُو ذرِّ عند باب عُثْمَان ليؤذنَ له إذ مرّ به رجلٌ من قريش، فقَال: يا أبا ذرّ، ما
يجلسك ها هنا؟ قَال: يأبى هؤلاء أن يأذنوا لنا. فدخل الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما
بالُ أَبي ذرّ على الباب لا يؤذنُ له؟ فأمر فأذن له، فجاء حتى جلس ناحيةَ القوم وميراثُ
عَبْد الرَّحْمُن يُقْسم، فقَال عُثْمَان لكعب: يا أبا إِسْحَاق، أرأيت المال الذي أُدِّيَ زكاتُه هل
يُخْشى على صاحبه فيه تَبِعة؟ فقَال: لا، فقام أَبُو ذرّ ومعه عصاً، فضرب بها بين أُذُني كعب،
ثم قَال: يا بن اليهودية، أنت تزعم أنّه ليس عليه حق في ماله إذا أدى(٥) الزكاةَ، والله تعالى
يقول: ﴿ويُؤْثِرون على أنفسهم﴾(٦) الآية، ﴿ويُطْعِمون الطعامَ على حُبّه﴾ (٧)، و﴿في أموالِهِمْ
حَقٌّ معلوم للسائل والمَخْرُوم﴾(٨)، فجعل يذكر نحو هذا من القرآن. فقَال عُثْمَان للقرشي:
إنما نكره أن نأذنَ لأَبي ذرً من أجل ما ترى !.
(١) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ١٦٠ وابن سعد ٢٣٢/٤.
(٢) الصريمة تصغير صرمة، وهي القطيع من الإبل والغنم.
(٣) كذا في مختصر أَبي شامة، وفي سير الأعلام: «فاعذموها» واخذموها يعني اقطعوها، والخدم: سرعة القطع.
(٤) رواه الذهبي في سير الأعلام (٣٩٢/٣) ط دار الفكر.
(٥) في سير الأعلام: آتى.
(٦) سورة الحشر، الآية: ٩.
(٧) سورة الدهر، الآية: ٨.
(٨) سورة المعارج، الآيتان ٣، ٤.

١٩٨
أبو ذرِّ الغفاري
قَال سيف بن عمر عَن مُحَمَّد بن عون عَن عكرمة عن ابن عباس قَال(١):
كان أَبُو ذرّ يختلف من الرَّبَذة إلى المدينة مخافةً الأَغْرابية(٢)، فكان يُحِبُّ الوحدة
والخلوة. فدخل على عُثْمَان وعنده كعب الأحبار، فقَال عُثْمَان: أَلاَ ترضون من الناس بكفّ
الأذى حتى يبذلوا المعروفَ، وقد ينبغي للمؤدي الزكاةَ أَلاّ يقتصر عليها حتى يحسن إِلى
الجيران والإخوان، ويصل القرابات. فقَال كعب: من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه، فرفع
أَبُو ذرّ محجنةً، فضربه، فشجّه، فاستوهبه عُثْمَانُ، فوهبه له، وقَال: يا أبا ذرّ، اتّق الله،
واكفف يدك ولسانك. وقد كان قَال له: يا بن اليهودية، ما أنت وما ها هنا؟! والله لتسمَعَنّ
مني أو لا أدخلُ عليك، والله لا يسمعُ أحدٌ من اليهود إلاّ فتنوه.
قَال زيد بن وهب: حَدَّثَنِي أَبُو ذرّ قَال: قَال رَسُول اللهِ وَلّ :
((إذا بلغ البناء سَلْعاً فارتحل إلى الشام)). فلما بلغ البناء سلعاً قدمت الشام، وكنت بها،
فتلوت هذه الآية ﴿والذين يكنِزُون الذَّهبَ والفِضّةَ﴾(٣)، فقال معاوية: هذه للكفّار، فقلت:
هي لأهل الإسلام. فكتب إِلى عُثْمَان: إنّ هذا يفسِدُ، فكتب إليّ عُثْمَان، فقدمت المدينة،
فَأَجْفَل الناسُ ينتظرونني، كأنّهم لم يروني قط، فقَال لي عُثْمَان: لو ارتحلتَ إِلى الرَّبَذة؟ قَال:
فارتحلنا إِلى الرَّبذة.
وفي رواية(٤): مررتُ بالربذة فإذا أنا بأَبي ذرّ، فقلت: ما أنزلك هذا؟ قَال: كنت
بالشام، فاختلفتُ أنا ومعاوية في هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهبَ والفضةَ﴾، فقَال
معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت: نزلت فينا وفيهم. فكان بيني وبينه في ذلك كلام،
فكتب يشكوَني إِلى عُثْمَان، فكتب إليّ عُثْمَانُ أن أقدَم المدينةَ، فقدِمْتُ المدينة، فكثُر الناسُ
عليّ كأنّهم لم يَرَوْني قبل ذلك، فذكر ذلك لعُثْمَان، فقَال: إنْ شتَ تَنَحَيْتَ، فكنتَ قريباً.
قَال: فذلك أنزلني هذا المنزلَ، ولو أُمْرَ عليّ حَبَشَيٍّ لسمعتُ وأطعتُ.
قَال موسى بن عُبَيْدة(٥): أخبرني ابن نُفيع(٦)، عن ابن عباس قَال:
(١) رواه الذهبي في سير الأعلام (٣٩٢/٣) ط دار الفكر.
(٢) يعني توطن البادية بعد الهجرة.
(٣) سورة التوبة، الآية: ٣٤.
(٤) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٢٦/٤.
(٥) من طريقه رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٩٢/٣).
(٦) كذا في مختصر أَبي شامة، وسير الأعلام، ولم أعرفه.

١٩٩
أبو ذر الغفاري
استأذن أَبُو ذرّ على عُثْمَان وأنا عنده، فتغافلوا عنه ساعةً، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا
أَبُو ذرّ بالباب يستأذِنُك، فقال: ائذن له إنْ شئت، إنه يؤذينا ويُبَرّح بنا، قَال: فأذنت له،
فجلس على سرير مَرْمُول(١) من هذه البحرية، فرجف به السريرُ، وكان عظيماً طويلاً، فقال له
عُثْمَانٍ: أَمَا إنّك الزاعمُ أنّك خير من أَبي بكر وعمر؟ قَال: ما قلتُ: قَال عُثْمَان: إني أَنزِعُ
عليك بالبيّنة، قَال: والله ما أدري ما بيّنتك، وما تأتي به؟ وقد علمتَ ما قلتُ، قَال: فكيف
قلتَ إذاً؟ قَال: قلتُ: سمعتُ رَسُول الله وَله يقول: ((إنّ أحبّكم إليّ وأقرَبَكم مِنّي الذي يلحقُ
بي على العَهْد الذي عاهدتُه عليه))، وكلكم قد أصاب من الدنيا، وأنا على ما عاهدني عليه،
وعلى الله تمام النعمة. وسأله عن أشياء، فأخبره بالذي يعلمه، فأمره أن يرتحل إِلى الشام
فيلحق بمعاوية، فكان يحدث بالشام، فاستهوى قلوب الرجال، فكان معاوية ينكر بعض شأن
رعيته، وكان يقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم، ولا تِبْر، ولا فضة إلاّ شيء ينفقُه
في سبيل الله، أو يُعِدّه لغَرِيم. وإنّ معاويةَ بعث إليه بألف دينار في جُنْح الليل فأنفقها، فلمّا
صلّى معاوية الصبح دعا رسوله الذي أرسله إليه فقال: اذهب إِلى أَبي ذرّ فقل: أنقِذ جسدي
من عذاب معاوية أنقذك الله من النار، فإنّي أخطأتُ بك. قَال: يا بني، قل له: يقول لك أَبُو
ذرّ: والله ما أصبحَ عندنا منه دينار، ولكن أَنْظِرْنا ثلاثاً حتى نجمع لك دنانيرك. فلما رأى
معاوية أن قوله صدّقَ فعلَه كتب إِلى عُثْمَان: أمّا بعد، فإن كان لك بالشام حاجةً أو بأهله
فابعث إِلى أَبي ذرِّ، فإنه قد أوغلَ(٢) صدور الناس. فكتب إليه عُثْمَان: أقدَم عليّ. فقدم عليه
.= [١٣٣٦٥ ]
المدينة
قَال شداد بن أوس(٣):
كان أَبُو ذرّ يسمع الحديث من رَسُول الله وَّ فيه الشدّة، ثم يخرج إلى قومه يسلم
عليهم، ثم إن رَسُول اللهِ وَّه يرخص فيه بعدُ، فلم يسمعه أَبُو ذرّ، فتعلّق أَبُو ذر بالأمر
الشدید .
قَال زيد بن خالد الجهني (٤): كنت جالساً عند عُثْمَان إذ أتاه شيخ، يقَال له أَبُو ذرّ،
(١) يعني منسوج بالسعف والحبال، ويقال أيضاً: سرير مرمول: إذا كان مزيناً بالجواهر.
(٢) في سير الأعلام: أوغل.
(٣) رواه أحمد بن حنبل في المسند ٦/ ٨٠ رقم ١٧١٣٧ يسنده إلى شداد بن أوس، وسير الأعلام (٣٩٣/٣) ط دار
الفکر.
(٤) الخبر من طريقه في سير أعلام النبلاء (٣٩٤/٣) ط دار الفكر.

٢٠٠
أبو ذر الغفاري
[فلما رآه عُثْمَان قَال: ](١) مرحباً وأهلاً يا أخي، [فقَال ◌َأَبُو ذرّ: مرحباً وأهلاً بأخي،](٢) لقد
أغلظت علينا في العزيمة، وأيم الله لو عزمت عليّ أن أحبو لحبوت ما استطعت، إني خرجت
مع النبي وَّ ذات ليلة متوجهاً نحو حائط بني كلاب(٣)، فأتيته .... (٤) فلما جاء وصفه له،
فجعل يصعد بصره ... (٥) ثم قال لي: ((ويحك بعدي)) فبكيت، فقلت: يا رَسُول الله، وإني
لباق بعدك؟ قَال: ((نعم، فإذا رأيت البناء قد علا سلعاً، فالحق بالمغرب، أرض قضاعة، فإنه
سيأتي عليك يوم قاب قوس أو قوسين، أو رمح أو رمحين، خير من كذا وكذا)) قَال عُثْمَان:
أحببت أن أجعلك مع أصحابك، خفت عليك جهال الناس. قَال: كلاّ ولكنه أمر من معاوية،
ويوم ما لكم من معاوية.
قَال سلمة بن نباتة الحارثي :
خرجنا عماراً أو حجاجاً فمررنا بالرَّبذة، فابتغينا أبا ذرّ، فلم نجده في بيته، فنزلنا قريباً،
فمر علينا يحمل معه عظم جزور، فذهب إلى بيته، ثم أتانا فجلس، فقَال: إن رَسُول الله وَيه
قَال لي: ((اسمع وأطع من كان عليك، ولو كان عبداً حبشياً مجدعاً) فأبلاني الله أن نزلت على
هذا الماء، وعليه مال الله، وعليهم رجل حبشي ولا أراه إلاّ مجدعاً والله ما علمت أنه رجل
صدق. وقَال له معروفاً ملهم من مال الله كل يوم أو ثلاثة أيام جزور ولي من كل جزور عظم،
فقَال له القوم: وما لك يا أبا ذرّ؟ قَال: كذا وكذا من الغنم. أحدها يرعاها ابن لي والأخرى
يرعاها عبدي، وهو عتيق إِلى الحول، فذكر كذا وكذا من الإبل، قالوا: والله، إن أكثر الناس
عندنا أمر أصحابك، قَال: والله ما لهم في مال الله حق إلاّ لي مثله.
وفي رواية :
فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله وعليهم عبد حبشي.
قَال عَبْد اللّه بن سِيدان السُّلَمي(٦):
(١) ما بين معكوفتين استدرك عن سير الأعلام، ومكانه في مختصر أَبي شامة: ((فتعلق أبو ذر بالأمر الشديد)).
(٢) الزيادة اقتضاها السياق عن سير الأعلام.
(٣) في سير الأعلام: بني فلان.
(٤) كلمة غير مقروءة في أَبي شامة .
(٥) كلمة غير واضحة عند أبي شامة.
(٦) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢٢٧/٤ والذهبي في سير الأعلام ٧١/٢.