Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
عیسی ابن مريم
أُنزلت التوراة على مُوسَى وَ ل﴿ في ستّ ليال خلون من شهر رمضان، ونزل الزَّبُور علی
داود ◌َي﴿ في اثنتي عشرة خلت من شهر رمضان، وذلك بعد التوراة بأربع مائة سنة واثنتين
وثمانين سنة، وأُنزل الإنجيل على عِيْسَى بن مَزْيَم ◌َل﴿ في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر
رمضان، بعد الزَّبور بألف عام وخمسين عاماً، وأنزل الفرقان على النبي بَّر في أربع وعشرين
من شهر رمضان.
أَخْبَرَنا أَبُو الحسَن بركات بن عَبْد العزيز بن الحُسَيْنِ الأنماطي، وأَبُو مُحَمَّد
عَبْد الكريم بن حمزة، قالا: حَدَّثنا أَبُو بَكْر أَحْمَد بن علي بن ثابت، أَخْبَرَني أَبُو الحَسَنِ
مُحَمَّد بن أَحْمَد، أَنْبَأَنَا أَحْمَد بن سندي بن الحسن، حَدَّثنا الحسن بن عَلي القطان، حَدَّثنا
إِسْمَاعيل بن عِيْسَى العَطَّارِ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاق بن بِشْر(١)، قال: وأَنْبَأَنَا سعيد بن أَبِي عَرُوبة، عَن
قَتَادة ومقاتل عن قَتَادة، عَن عَبْد الرَّحمن بن آدم، عَن أَبي هريرة قال:
أوحى الله إلى عِيْسَى بن مَرْيَم: يا عِيْسَى جدّ في أمري ولا تهن(٢)، واسمع وأطع يا ابن
الطاهرة البكر البتول، إنك من غير فحل، وأنا خلقتك آية للعالمين، إياي فاعبد، وعليّ
فتوكّل، خذ الكتاب بقوة، فَسَّر لأهل(٣) السريانية، بلِّغ بين يديك أنّي أنا الحي القائم(٤) الذي
لا يزول، صدقوا النبي الأمي العربي صاحب الجمل والتاج - وهي العَمَامة - والمدرعة
والنعلين، والهراوة - وهي القضيب - الأنجل العينين، الصَّلْت الجبين، الواضح الخدين،
الجعد الرأس، الكتّ اللحية، المقرون(٥) الحاجبين، الأقنى الأنف، المفلج الثنايا، البادي
العنفقة(٦)، الذي كأن عنقه إبريق فضة كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعيرات من لبّته إلى
سرّته تجري كالقضيب، ليس على بطنه، ولا على صدره شعر غيره، شئن الكف والقدم، إذا
التفت التفت جميعاً، وإذا مشى كأنما يتقلّع من صخر وينحدر من صَبَب، عَرَقه في وجهه
كاللؤلؤة، ريح المسك ينفح [منه،](٧) لم تَرَ قبله ولا بعده - يعني مثله - الحَسَن القامة،
(١) رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٩٢ وقصص الأنبياء ٤٠٢/٢ - ٤٠٣.
(٢) في دلائل النبوة للبيهقي ٣٧٨/١ ولا تهزل.
(٣) في دلائل البيهقي: فسر لأهل سوران بالسريانية.
(٤) في دلائل البيهقي: الله الحي القيوم الذي لا أزول.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي: المفروق الحاجبين.
(٦) العنفقة: الشعيرات الخفيفة التي بين الشفة السفلى والذقن.
(٧) زيادة لازمة عن المصادر الثلاثة السابقة.

٣٨٢
عيسى ابن مريم
الطيّب الريح، نكّاح النساء، [ذا] (١) النسل القليل(٢) إنّما نسله من مباركة لها بيت - يعني في
الجنة - من قصب لا نَصَب فيه ولا صخب، تكفله يا عِيْسَى في آخر الزمان كما كفل زكريا
أمك، له منها فرخان مستشهدان وله عندي منزلة ليست(٣) لأحدٍ من البشر، كلامه القرآن
ودینه الإسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه، وسمع كلامه.
قال عِيْسَى: يا ربّ وما طُوبى؟ قال: غرس شجرة أنا غرستها بيدي فهي للجنان كلها،
أصلها من رضوان، وماؤها من تسنيم، وبردها برد الكافور، وطعمها طعم الزنجبيل، وريحها
ريح المسك، من شرب منه (٤) شربة لم يظمأ بعدها أبداً.
قال عِيْسَى: يا ربّ اسقني منها، قال: حرام على النبيّين أن يشربوا منها حتى يشرب
ذاك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب أمة ذلك النبي.
قال: يا عِيْسَى أرفعك إليّ، قال: يا ربّ ولمَ ترفعني؟ قال: أرفعك ثم أهبطك في آخر
الزمان لترى مِنْ أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على قتال اللعين الدجّال، أُهبطك في
وقت صلاة ثم لا تُصَلّي بهم لأنها أمة مرحومة، ولا نبي بعد نبيهم.
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدِي، وَأَبُو مُحَمَّد بن حمزة، قالا: أَنْبَأَنَا عَبْد الدائم بن
الحسن بن عُبَيْد اللّه، أَنْبَأَنَا عَبْد الوهَاب الكِلاَبي، حَدَّثْنَا أَبُو بَكْر بن خُرَيم، حَدَّثنا هشام بن
عمّار(٥)، حَدَّثنا الوليد بن مسلم، حَدَّثنا عَبْد الرَّحمن بن زيد، عَن أَبيه.
أن عِيْسَى بن مَزْيَم قال: رب انبثني عن هذه الأمة المرحومة، قال: أمة أَحْمَدِ وَلِّ، هم
علماء حكماء كأنهم أنبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، وأرضى منهم باليسير من العمل،
وأُدخلهم الجنة بلا إله إلاَّ الله، يا عِيْسَى هم أكثر سكان الجنّة لأنها لم تذلّ أَلْسنُ قوم قط بلا
إله إلاّ الله کما ذلت ألسنتهم، ولم تذلّ رقاب قوم بالسجود کما ذَلّت به رقابهم.
أَخْبَرَنا أَبُو نصر مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عَبْد اللّه الكبريتي، حَدَّثنا أَبُو بَكْر بن الفضل بن
(١) زيادة عن المصادر.
(٢) إلى هنا أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من طريق مقاتل بن حيّان ١/ ٣٧٨.
(٣) الأصل والمختصر: ((ليس)) والمثبت عن البداية والنهاية وقصص الأنبياء.
(٤) الأصل: فيه، والمثبت عن البداية والنهاية وقصص الأنبياء.
(٥) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٩٣/٢ وقصص الأنبياء ٤٠٤/٢، وقال في آخره: رواه ابن
عساكر.

٣٨٣
عیسی ابن مريم
مُحَمَّد - إمام جامع أصبهان، إملاء - نا أَحْمَد بن موسى بن فورك الحافظ، حَدَّثنا أَحْمَد بن
جَعْفَر بن أَحْمَد، حَدَّثنا عبيد بن الحسن، حَدَّثنا سُلَيْمَان بن داود، حَدَّثنا سفيان بن عيينة
قال: أوحى الله إلى عِيْسَى: يا عِيْسَى كن لي في نفسك كهمك، وتوكل عليّ أكفك، ولا تَتَوَلّ
غيري فأخذلك.
أَخْبَرَنا (١) أَبُو القَاسمِ الشّحَامي، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْر البيهقي، أَنْبَنَا أَبُو الحُسَيْن بن بِشْرَان،
أَنْبَأنَا الحُسَيْن بن صفوان، حَدَّثنا عَبْد اللّه بن مُحَمَّد القُرشي، حَدَّثنا الحكم بن مُوسَى،
حَدَّثنا الخليل بن أَبي الخليل، عَن صالح بن شعيب قال:
أوحى الله عزّ وجلّ إلى عِيْسَى بن مَزْيَم عليه السلام: أنزلني من نفسك كهمتك،
واجعلني ذخراً لك في معادك، وتقرّب إليّ بالنوافل أدنك، وتوكّل عليّ أكفك، ولا تَوَلّ
غيري فأخذلك.
أَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد هبة الله بن أَحْمَد بن عَبْد اللّه بن طاوس، أَنْبَأَنَا أَبُو القَاسم بن أَبي
العلاء، أَنْبَأنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن رزق اللّه بن عَبْد اللّه، حَدَّثنا أَبُو عَلى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن
عَبْد الحميد بن آدم الفَزاري، حَدَّثنا مُحَمَّد بن يزيد، حَدَّثنا حامد بن يَحْيَى الصلحي، حَدَّثنا
عُثْمَان بن اليمان - بصري سكن مكة - حَدَّثنا عَبْد اللّه بن بُدَيل العُقَيلي(٢)، عَن عَبْد اللّه بن
عَوْسجة قال:
أوحى الله إلى عِيْسَى بن مَرْيَم: أنزلني من نفسك كهمك، واجعلني ذخراً لك في
معادك، وتقرَّب إليَّ بالنوافل أحبك، ولا تَوَلّ غيري فأخذلك، اصبر على البلاء، وارضَ
بالقضاء، وكُنْ لمسرتي(٣) فيك، فإنّ مسرتي أن أُطاع ولا أُعصى، وكن متّ قريباً، وأحيي
ذكري بلسانك، ولتكن مودتي في صدرك، تيقظ من ساعات الغفلة، واحكم لي لطف
الفطنة، وكن لي راغباً راهباً، وأَمِثْ قلبك من الخشية لي، وراع (٤) الليل بحقّ مسرّتي، واظم
نهارك ليوم الرّيّ عندي، نافس في الخيرات جهدك، واعرف(٥) بالخير حيث توجهت - تفسيره
يقول: ولتعرف بالخير - وقُمْ في الخلائق بنصيحتي، واحكمْ في عبادي بعدلي، فقد أنزلت
(١) كتب فوقها في الأصل: ملحق.
(٢) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٩٣/٢ - ٩٤ وقصص الأنبياء ٤٠٤/٢ - ٤٠٥ نقلاً عن ابن عساكر.
(٣) الأصل: كمسرتي، والمثبت عن المصدرين السابقين.
(٤) الأصل: وراعي، والتصويب عن المُصدرين.
(٥) في المصدرين: واعترف.

٣٨٤
عیسی ابن مريم
عليك شفاء وساوس الصدر من مرض النُّسَيّان، وجلاء الأبصار من غشاء الكلال، ولا تكن
حلساً(١) كأنك مقبوض وأنت حي تنفس.
يا عِيْسَى بن مَرْيَم ما آمنت بي خليقة إلاَّ خشعت، ولا خشعت لي إلاَّ رجت ثوابي،
فأُشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي ،
يا عِيْسَى بن مَرْيَم البكر البتول، ابكِ على نفسك أيام الحياة بكاءَ من وَدّع الأهل وقلا
الدنيا، وترك اللذات لأهلها، وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن في ذلك تلين الكلام
وتفشي السلام، وكن يقظاناً(٢) إذا نامت عيون الأبرار، حذارِ ما هو آت من أمر المعاد،
وزلازل شدائد الأهوال، قبل أن لا ينفع أهل ولا مال، واكحل عينك بملمول(٣) الحزن إذا
ضحك البطالون، وكن في ذلك صابراً محتسباً، فطوبى لك إن نالك ما وعدتُ الصابرين،
رجّ (٤) من الدنيا بالله، يوم بيوم، وذق مذاقة ما قد هرب منك أين طعمه؟؛ وما لم يأتك كيف
لذته؟ فَرُخ من الدنيا بالبلغة، وَلَيكفك منها الخشن الجشب(٥)، قد رأيت إلى ما تصير، اعمل
على حساب فإنك مسؤول، لو رأت عيناك(٦) ما أعددتُ لأوليائي الصالحين ذاب قلبك،
وزهقت نفسك.
أَخْبَرَنا أَبُو الحسَن زيد بن حمزة بن زيد الموسوسي الطوسي(٧)، أَنْبَأَنَا أَبُو شجاع
مُحَمَّد بن سعدان بن عَبْد اللّه المقاريضي، حَدَّثنا أَبُو الفتح أَحْمَد بن عَبْد اللّه الكاتب،
حَدَّثْنَا أَبُو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن .... (٨) الزاهد، حَدَّثنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد الأصفهاني، حَدَّثْنَا أَبُو
بَكْر عَبْد اللّه بن مُحَمَّد القُرشي، حَدَّثنا الحكم بن موسى، حَدَّثنا عَبْد الجليل بن أَبي الخليل
عن صالح بن أَبي شعيب قال:
(١) كذا بالأصل والبداية والنهاية، وفي قصص الأنبياء: حلماً. والحلس: الملازم الذي لا يبرح مكانه (اللسان).
(٢) كذا بالأصل والمختصر منونة، وهي جائزة، وفي البداية والنهاية وقصص الأنبياء: يقظان.
(٣) كذا بالأصل، وفي البداية والنهاية وقصص الأنبياء ((بملول)) والملول: جمع ملة، وهي الرماد الحار ينضج فيه
الخبز. وفي المختصر: ((بملمول)» كالأصل، وهو المكحال يكتحل به (هامش المختصر).
(٤) كذا بالأصل والبداية والنهاية، وفي قصص الأنبياء: ارجُ من الدنيا بالله يوم يبعثون.
وفي المختصر: زجّ.
(٥) كذا بالأصل، وفي المختصر: ((الخشب)) وفي البداية والنهاية وقصص الأنبياء: الجنيب. والجئيب: الغليظ.
(٦) الأصل: ((رأيت عينك)) والمثبت عن البداية والنهاية وقصص الأنبياء.
(٧) قارن مع مشيخة ابن عساكر ٦٨/ أ.
(٨) تقرأ بالأصل: حفيف.

٣٨٥
عيسى ابن مريم
أوحى الله تعالى إلى عيسى: أنزلني من نفسك كهمك، واجعلني ذخراً لك في معادك،
وتقرّب إليَّ بالنوافل أدنك، وتوكّل عليّ أكفك، ولا تَوَلّ غيري فأخذلك، اصبر على البلاء
وارضَ بالقضاء، وكن لمسرتي(١) فيك فإن مَسَرّتي أن أُطاع ولا أُعصى، وكن مني قريباً،
وأحم ذكري بلسانك، وليكن ودي في قلبك، وتيقّظ في ساعات الغفلة، وكن لي راغباً
راهباً، أَمِتْ قلبك بالخشية، راع الليل لنجوى مسرتي، واظمىء لي نهارك لليوم الذي لك
عندي، نافس في الخيرات بجهدك، وقُمْ في الخليقة بعدلك، واحكم فيهم بنصيحتي، فقد
أَنزلتُ عليك شفاءَ وساوس الصدور من مرض الشيطان، وجلاء الأبصار من غش الكلال،
ولا تكن حِلْساً كأنك مقبور وأنت حي ينفس بحق، أقول ما آمنت بي خليقة إلاَّ خشعت، ولا
خشعت إلاَّ رجت ثوابي، أشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغيّر أو تبدّل سنّتي، أكحل عينك
بملمول الحزن إذا ضحك البطالون، احذر ما هو آت من آمر المعاد من الزلازل والأهوال
الشدائد حيث لا ينفع أهل ولا مال ولا ولد، ابكِ على نفسك أيام الحياة بكاءً من وَّع الأهل
وملّ الدنيا وترك اللذات لأهلها، وارتفعت رغبته فيما عند الله، وكُنْ على ذلك محتسباً
صابراً، طوبى لك إنْ نالك ما وعدتُ الصابرين برّح(٢) من الدنيا يوماً بيوم، وارضَ منها
بالبلغة وليكفك منها الخشن، ذق مذاقه ما قد ذهب منك أين طعمه؟ وما لم يأتك أين لذته؟
لو رأت عيناك ما أعددتُ لأوليائي الصالحين لذاب قلبك، أو زهقت نفسك اشتياقاً إليهم.
أَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد بن طاوس، أَنْبَأَنَا أَبُو الغنائم بن أَبِي عُثْمَان، أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَيْن بن
بَشْرِان، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلي بن صَفْوَان، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر بن أبي الدنيا، حَدَّثنا الحكم بن موسى، عَن
الخليل بن أَبي الخليل، عَن صالح أَبي شعيب قال: أوحى الله إلى عيسى: اكحل عينك
بملمول الحزن إذا ضحك البطّالون.
أَخْبَرَنا أَبُو بَكْر وجيه بن طاهر، أَنْبَأَنَا أَبُو حامد الأزهري، أَنْبَأَنَا أَبُو سعيد مُحَمَّد بن
عَبْد اللّه، أَنْبَأْنَا أَبُو حامد بن الشّرْقي، حَدَّثْنا مُحَمَّد بن يَخْيَى الذُّهْلي(٣)، حَدَّثنا
عَبْد الرزّاق، أَنْبَأنَا مَعْمَر، عَن الزهري، وعن ابن طاوس عن أبيه، قالا:
لقي عِيْسَى بن مَرْيَم إبليس فقال: أما علمتَ أنه لا يصيبك إلاَّ ما قدر (٤) لك؟ - يعني -
(١) الأصل: كمسرتي.
(٢) كذا بالأصل هنا.
(٣) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ٩٤ وقصص الأنبياء ٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦.
(٤) في المصدرين: ما كتب لك.

٣٨٦
عیسی ابن مريم
فقال: بلى، فقال إبليس: فَارقَ بذروةٍ هذا الجبل فترادى(١) منه فانظر تعيش أم لا، قال ابن
طاوس عن أَبيه: فقال: أما علمتَ أن الله قال: لا يجربني عبدي، فإني أفعل ما شئت، وقال
الزهري: إنّ العبد لا يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده، فخصمه.
رواه يونس بن يزيد عن الزهري عن حُمَيد بن عَبْد الرَّحمن بن عوف.
أَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الكريم بن حمزة، حدثنا أبو بَكْر أَحْمَد بن عَلي.
ح وَأَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد بن طاوس، أَنْبَأَنَا عاصم بن الحسن بن مُحَمَّد - إجازة ..
قالا: أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَيْن عَلي بن مُحَمَّد بن عَبْد اللّه، أَنْبَأْنَا الحُسَيْن بن صفوان
البَرْدَعي، حَدَّثنا عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن عُبَيد، حَدَّثنا إِسْحَاق بن إسْمَاعيل، وعمرو بن
مُحَمَّد، قالا: حَدَّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس قال:
لقي الشيطان عِيْسَى بن مَرْيَم فقال: يا ابن مَرْيَم إنْ كنت صادقاً فارقَ - وفي حديث ابن
حمزة: فاوف - على هذه الشاهقة فَأَلقِ نفسك - زاد ابن حمزة: منها وقالا : - فقال: ويلك،
ألم يقل الله: يا ابن آدم لا تبتليني بهلاكك، فإنّي أفعل ما أشاء(٢).
قال: وحَدَّثنَا عَبْد اللّه(٣)، حَذَّثني سُرَيج (٤) بن يونس، حَدَّثنا عَلي بن ثابت، عَن
الخطاب بن القاسم، عَنْ أَبِي عُثْمَان قال:
كان عِيْسَى يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أنّ كلّ شيء
بقضاءٍ وقدر؟ قال: نعم، قال: فالق نفسك من الجبل وَقُلْ: قدر علي، قال: يا لعين، الله
يختبر العباد، ليس العباد يختبرون الله عز وجل(٥).
قال: وحَدَّثنا ابن أبي الدنيا(٦)، حَدَّثنا الفضل بن مُوسَى البصري، حَدَّثنا إِبْرَاهيم بن
بَشَار، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول:
لقي عِيْسَى بن مَزْيَم إبليس فقال له إبليس : - وفي رواية عاصم: فقال له يا عيسى،
(١) كذا بالأصل، وفي المصدرين: ((فَتَرَدَّ).
(٢) البداية والنهاية ٢/ ٩٤ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٠٦/٢.
(٣) يعني عبد الله بن محمد ابن أبي الدنيا.
(٤) في البداية والنهاية وقصص الأنبياء: شريح بن يونس، تصحيف.
(٥) البداية والنهاية ٩٤/٢ - ٩٥ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٠٦/٢.
(٦) البداية والنهاية ٢/ ٩٥ وقصص الأنبياء ٢/ ٤٠٧.

٣٨٧
عیسی ابن مريم
وقالا : - أنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلّمْتَ في المهد صبياً، ولم يتكلّم فيه أحدٌ
قبلك؟ قال: بل الربوبية والعظمة للإله الذي أنطقني، ثم يميتني ثم يحييني، قال: فأنتَ الذي
بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحيي الموتى؟ قال: بل الربوبية الله الذي يميتني(١) ويميت من
أحييتُ ثم يحييني، قال: والله إنّك لإِله في السماء وإله في الأرض، قال: فصكه جبريل عليه
السلام بجناحه صكّة فما تناهى دون فوق الشمس(٢)، ثم صكه أخرى بجناحه فما تناهى(٣)
دون العين الحامية، ثم صكه أخرى بجناحه فأدخله بحار السابعة، فأشاحه(٤) - وقال عاصم:
فأسلكه - فيها حتى وجد طعم الحياة(٥)، فخرج منها وهو يقول: ما لقي أحدٌ من أحدٍ ما
لقيتُ منك يا ابن مزیم.
أَخْبَرَنا أَبُو غالب مُحَمَّد بن الحسن بن عَلي الماوردي، أَنْبَأَنَا أَبُو الحسَن مُحَمَّد بن
عَلي بن أَحْمَد السِّيرافي - بالبصرة - حَدَّثنا القاضي أَبُو عَبْد اللّه أَحْمَد بن إِسْحَاق بن حرمان
النهاوندي، حَدَّثنا أَبُو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن أَحمَد بن يعقوب المَثُّوثي(٦)، حَدَّثنا أَبُو داود
سُلَيْمَان بن الأشعث، حَدَّثنا أَبُو تَوْبة الرّبيع بن نافع، حَدَّثنا حسين بن طَلْحة قال: سمعت
خالد بن یزید قال(٧):
تعبّد الشيطان مع عِيْسَى عشر سنين أو سنتين أقام يوماً على شفير جبل، فقال الشيطان:
أرأيت إن ألقيت نفسي هل يصيبني إلاَّ ما كتب لي؟ قال: إنّ لست بالذي أبتلي ربي ولكن
ربي إذا شاء أبتلاني، وعرف أنه الشيطان ففارقه.
قال: وحَدَّثْنَا أَبُو داود (٨)، حَدَّثنا أَحْمَد بن عبدة، أَنْبَأَنَا سفيان عن عمرو، عَن طاوس
قال:
أتى الشيطان عِيْسَى بن مَزْيَم فقال: أليس تزعم أنك صادق؟ فإن كنت صادقاً فاءت هذه
فالق نفسك، قال: ويلك، أليس قال: يا ابن آدم لا تسألني هلاك نفسك فإنّي أفعل ما أشاء.
(١) في المصدرين: الذي يحيى [من يشاء].
(٣) في المصدرين: نباها.
(٢) في المصدرين: فما نباها دون قرون الشمس.
(٤) كذا رسمها بالأصل، وفي المصدرين: فأساخه.
(٥) كذا بالأصل، وفي المصدرين: طعم الحمأة.
(٦) غير واضحة بالأصل، والصواب ما أثبت، راجع ترجمة أبي داود السجستاني في تهذيب الكمال ٥/٨.
وهذه النسبة إلى متوث، راجع الأنساب.
(٧) البداية والنهاية ٩٤/٢ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٠٦/٢.
(٨) البداية والنهاية ٢/ ٩٤ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٠٦/٢.

٣٨٨
عیسی ابن مریم
قال: وحَدَّثنا أَبُو داود مُحَمَّد بن يَحْيِى بن فارس، حَدَّثنا عَبْد الرزّاق، حَدَّثنا مَعْمَر،
عَن الزهري، عَن ابن طاوس، عَن أَبيه قال(١):
لقي عِيْسَى بن مَرْيَم إبليس فقال: أما علمتَ أنه لن يصيبك إلاَّ ما كُتب لك؟ قال
إبليس: فأوف(٢) بذروة هذا الجبل فَتَرَدَّ (٣) منه فانظر تعيش أم لا؟ فقال ابن طاوس عن أَبيه:
أما علمتَ أن الله قال: لا يختبرني (٤) عبدي، فإني أفعل ما شئتُ - وقال الزهري: إنّ العبد لا
يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده.
أَخْبَرَنا أَبُو الحسَن بركات بن عَبْد العزيز، وأَبُو مُحَمَّد عَبْد الكريم بن حمزة قالا:
حَدَّثنا أَبُو بَكْر الخطيب(٥)، أَخْبَرَني أَبُو الحسن بن رِزْقَوية، أَنْبَأْنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بن
سَندي(٦)، حَدَّثنا أَبُو بَكْر الحسن بن علي القطان، حَدَّثْنَا إِسْمَاعيل بن عِيْسَى العَطَّارِ، أَنْبَأَنَا
علي بن عاصم، حَذَّثني أَبُو سَلَمة سوید عن بعض أصحابه قال:
صلى عِيْسَى ببيت المقدس فانصرف، فلما كان ببعض العُقْبة فعرض له إبليس فاحتبسه،
فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له: إنه لا ينبغي لك أن تكون عبداً، فأكثر عليه، وجعل
عِيْسَى يحرص على أن يتخلّص منه، فجعل لا يتخلص منه فقال له: فيما يقول: لا ينبغي لك
يا عِيْسَى أن تكون عبداً؟ قال: فاستغاث عِيْسَى ربه، فأقبل جبريل وميكائيل، فلما رآهما
إبليس كفّ، فلما استقرا معه على العُقْبة اكتنفا عيسى، وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه
في بطن الوادي، قال: فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك، فقال لعِيْسَى: قد
أخبرتك أنه لا ينبغي لك أن تكون عبداً، إنّ غضبك ليس غضب عبد، فقد رأيتُ ما لقيتُ
منك حين غضبت، ولكن أدعوك [لأمِرٍ](٧) هولك آمر الشياطين فليطيعوك، فإذا رأى
الإنس(٨) أن الشياطين قد أطاعوك عبدوك، أما إني لا أقول أن تكون إلهاً ليس معه إله، ولكن
الله يكون إلهاً في السماء، وتكون أنت إلهاً في الأرض، فلما سمع عِيْسَى ذلك منه استغاث
(١) البداية والنهاية ٩٤/٢ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٠٥/٢ - ٤٠٦.
(٣) الأصل: فتردى، خطأ.
(٢) كذا بالأصل، وفي المصدرين: فازقَ.
(٤) رسمها بالأصل: ((نحسرني)) وفي البداية والنهاية والنهاية وقصص الأنبياء: يجريني.
(٥) من طريقه رواه ابن كثير في البداية والنهاية ٩٥/٢ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٠٧/٢ - ٤٠٨.
(٦) في المصدرين: سيدي.
(٧) زيادة عن المصدرين، وفي المختصر: إلى أمر.
(٨) كذا بالأصل والمختصر، وفي المصدرين: البشر.

٣٨٩
عيسى ابن مريم
بربه، وصرخ صرخة شديدة، فإذا إسرافيل قد هبط، فنظر إليه جبريل وميكائيل فكفّ إبليس،
فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه فصك به عين الشمس، ثم ضربه ضربة
أخرى، فأقبل إبلس يهوي، ومرّ بعِيْسَى وهو بمكانه، فقال: يا عِيْسَى لقد لقيت قبل اليوم تعباً
شديداً فرمى به في عين الشمس فوخزه سبعة أملاك عند العين الحامية قال: فغطوه فجعل كلما
خرج(١) غطوه في تلك الحمأة قال: والله ما عاد إليه بعد.
قال: وحَدَّثنا إِسْمَاعيل العَطّار، حَدَّثنا أَبُو حُذيفة قال: واجتمع إليه شياطينه فقالوا:
سيّدنا قد لقيت تعباً؟ قال: إنّ هذا عبدٌ معصوم ليس لي عليه من سبيل، وسأضل به بشراً كثيراً
وأبث فيهم أهواء مختلفة، وأجعلهم شيعاً ويجعلونه وأمه إلهین من دون الله، وأنزل إليه فيما
أيد به عبده عِيْسَى وعصمه من إبليس قرآناً ناطقاً بذكر نعمته على عِيْسَى فقال ﴿يا عِيْسَى بن
مزیم اذکر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس﴾(٢) - يعني جبريل - ﴿تكلم
الناس في المهد وكهلاً وإذا علمتك الكتاب﴾(٢) - يعني الإنجيل والتوراة - ﴿والحكمة﴾ ﴿وإذ
كففت بني إسرائيل عنك﴾ الآية كلها، وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعواناً ترضى
بهم وصحابة وأعواناً يرضون بك هادياً وقائداً إلى الجنّة، فذلك فاعلم خلقان عظيمان من
لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي، وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يقبل
صيامنا، وصَلَّينا فلم يَقْبلْ صلاتنا، وتَصَدَّقنا فلم يقبل صدقتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال،
فلم يرحم بکاءنا، فقل لهم: ولم ذاك؟ وما الذي يمنعني؟ أن ذات يدي قَّتْ؟ أو ليس خزائن
السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء؟ أو أن البخل يعتريني أَوَ لست أجود من سئل؟
وأَوسع من أَعْطَى؟ وإنْ رحمتي ضاقت؟ وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي.
ولولا أن هؤلاء القوم يا عِيْسَى بن مَرْيَم غذّوا(٣) أنفسهم بالحكمة التي نورت في
قلوبهم واستأثروا(٤) به الدنيا أثرة على الآخرة لعرفوا من أين أتوا، وإذاً لأيقنوا أن أنفسهم هي
أعدى الأعداء لهم وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام؟ وكيف أقبل
صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربوني ويستحلون محارمي؟ وكيف أقبل صدقاتهم وهم
يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلّها؟
(١) في قصص الأنبياء: صرخ.
(٣) البداية والنهاية وقصص الأنبياء: غروا.
(٢) سورة المائدة، الآية: ١١٠.
(٤) كذا بالأصل والمختصر والمصدرين.

٣٩٠
عيسى ابن مريم
يا عِيْسَى إنما أجزي عليها أهلها، وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء
الأنبياء(١)، ازددت عليهم غضباً.
يا عِيْسَى وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من عبدك(٢) وعبد أمك فقال فيكما
بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقاءك في المنازل، وشركاءك في الكرامة، وقضيت يوم
خلقت السموات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك
الأسفل من النار.
وقضيتُ يوم خلقتُ السموات والأرض أنّي مسبب هذا الأمر على يدي مُحَمَّد، وأختم
به الأنبياء والرسل، ومولده بمكة ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، ليس بفظً ولا غليظ ولا
سَخّاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوآل بالخنا، أسدّده لكل أمر جميل، وأهب
له كل خلق كريم، أجعل التقوى ضميره، والحكمة معقوله، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته،
والحقّ شريعته والإسلام ملته، واسمه أَحْمَد، أهدي به بعد الضلالة، وأعلُّم به بعد الجهالة،
وأغني به بعد العائلة، وأرفع به بعد الضعة(٣)، أهدي به وأفتح به بين آذان صم وقلوب
[غلف](٤) وأهواء مختلفة متفرقة، أجعل أمّته خير أمّة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهی
عن المنكر إخلاصاً لاسمي، وتصديقاً لما جاءت به الرسل، ألهمهم التسبيح والتهليل
والتقديس في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلّون لي قياماً وقعوداً
ورگعاً وسجداً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً قربانهم دماؤهم وأناجیلهم في صدورهم،
وقربانهم في بطونهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو
الفضل العظيم.
أَخْبَرَنا أَبُو القَاسمِ عَلي بن إِبْرَاهِيم، أَنْبَأَنَا أَبُو الحسَن المقرىء، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّد
المصري، أَنْبَأَنَا أَحْمَد بن مروان، حَدَّثنا عَبْد اللّه بن مسَلْم بن قُتَيبة، حَدَّثنَا عَبْد الرَّحمن ابن
أخي الأصمعي، عَن عَبْد المنعم، عن أبيه، عن وهب بن مُنبّه قال:
كان دعاء عِيْسَى الذي يدعو به للمرضى والزَّمْنَى والعميان والمجانين: اللّهم أنت إله
(١) في هذا إشارة إلى أن بني إسرائيل قد أكثروا من الفتك بأنبيائهم وقتلهم.
(٢) كذا بالأصل والمختصر، وفي المصدرين السابقين: أنه من عبدني وقال فيكما بقولي.
(٣) في البداية والنهاية: الضيعة.
(٤) زيادة عن البداية والنهاية وقصص الأنبياء.

٣٩١
عيسى ابن مريم
مَنْ في السماء، وإله مَنْ في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبّار مَنْ في السماء، وجبّار
مَنْ في الأرض لا جبّار فيهما غيرك، وأنت مَلِك مَنْ في السماء ومَلِك مَنْ في الأرض لا مَلِك
فيهما غيرك، قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانُك في الأرض كسلطانك في
السماء، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم إنّك على كل شيء قدير،
قال وهب(١): هذا للفزع والمجنون، يقرأ عليه، ويكتب له، ويسقى ماءه إن شاء الله.
أَخْبَرَنا أَبُو عَبْد اللّه مُحَمَّد بن الفضل، وأَبُو الحسَن عُبَيْد اللّه بن مُحَمَّد البيهقي،
قالا: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بن الحُسَيْن البيهقي الحافظ، أَنْبَأَنَا أَبُو طاهر الفقيه، أَنْبَأْنَا أَبُو بَكْر
مُحَمَّد بن الحُسَيْن القطان، حَدَّثنا أَحْمَد بن يوسف السّلمي، حَدَّثنا أَبُو المغيرة، حَدَّثنا
إسْمَاعيل بن عيّاش، حَدَّثني مُحَمَّد بن طَلْحة عن رجلٍ.
أنّ عِيْسَى بن مَزْيَم كان إذا أراد أن يحيي الموتى صلّى ركعتين، يقرأ في الأولى ﴿تبارك
الذي بيده الملك﴾(٢) وفي الثانية ﴿تنزيل﴾(٣) السجدة، فإذا فرغ مدح الله، وأثنى عليه ثم دعا
بسبعة أسماء: یا قدیم، با حي، یا دائم، یا فرد، یا وتر، يا أحد، يا صمد.
قال أبو بكر البيهقي: ليس هذا بالقوي.
أَخْبَرَنا(٤) أَبُو القَاسِم بن السَّمَرْقَنْدي، وأَبُو مُحَمَّد بن حمزة السّلمي، قالا: أَنْبَأْنَا
عَبْد الدائم بن الحسَن الهلالي، حَدَّثنا عَبْد الوهاب بن الحسن، حَدَّثنا مُحَمَّد بن خُرَيم(٥)،
حَدَّثنا هشام بن عمّار، حَدَّثنا عبد الأعلى بن مُحَمَّد البكري، حَدَّثنا عمَر بن مُوسَى الليثي
عن هلال بن خَبّاب قال:
سألت بنو إسرائيل عيسى عليه السلام فقالوا: يا روح الله وكلمته إنّ سام بن نوح دفن
ههنا قريباً، فادعُ الله أن يبعثه، قال: فهتف نبيّ الله فلم يَرَ شيئاً، فقال: أتتعنتوني؟ فقالوا: ما
نتعنتك لقد دفن ههنا قريباً، فهتف نبي الله فخرج أشمط، قالوا: يا نبي الله! إنه مات وهو
شاب فما هذا البياض؟ فسأله فقال: ظننت أنها الصيحة ففزعت، قالوا: دعه يكن فينا، قال:
کیف یکون فیکم وقد نَفِد رِزْقُه(٦)!؟
(١) بالأصل هنا: قال ابن وهب.
(٣) الآية الثانية من سورة السجدة.
(٢) الآية الأولى من سورة الملك.
(٤) كتب فوقها في الأصل: ملحق.
(٥) غير واضحة بالأصل وبدون إعجام.
(٦) راجع البداية والنهاية ٢/ ٩٧ وقصص الأنبياء لابن كثير ٢/ ٤١١ - ٤١٢.

٣٩٢
عيسى ابن مريم
أَخْبَرَنا أَبُو الحسَن بركات بن عَبْد العزيز، وأَبُو مُحَمَّد بن حمزة، قالا: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكّر
الخطيب، أَخْبَرَني مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مُحَمَّد، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر بن سندي، حَدَّثنا الحسن بن
عَلي القطان، حَدَّثنا إِسْمَاعيل بن عِيْسَى، حَدَّثنا أَبُو حُذَيفة إِسْحَاق بن بِشْر، أَنْبَأنَا القاسم بن
عِيْسَى، عَن قَتَادة، عَن كعب وابن سمعان عن مقاتل عن من يخبره عن كعب وإدريس عن
جده وَهْب بن مُنَبّه، وجُوَيْبر عن الضَّحّاك عن ابن عبّاس، وسعيد عن قَتَادة عن الحسن،
ومُحَمَّد بن الفضل الخُرَاساني عن أبان بن أَبي عيّاشِ عن أَبي عُثْمَان النهدي عن سَلْمان
الفارسي، وابن جُرَيج عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس، وعَبْد اللّه بن إسماعيل السّدّي عن أبيه،
عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال إِسْحَاق:
كلّ هؤلاء حدَّثوني عن خبر عيسى وقصته وما كان من الآيات والعجائب وعن إحياء
الموتى وخلق الطير وحديث المائدة وعن المسوح التي كانت على عهد عِيْسَى وقبل عِيْسَى
- وزاد بعضهم على بعض فاختلف بعضهم فقالوا(١): أو من قال منهم بإسناده.
إنّ أول ما أحيى عِيْسَى بن مَزْيَم وبعث لبني إسرائيل من الموتى حين قال لهم: ﴿إنّي
أخلق لكم من الطين﴾(٢) بإذن الله ﴿وأحيي الموتى بإذن الله، وأُنبئكم بما تأكلون وما تدخرون
في بيوتكم﴾ (٢) فتعاظم ذلك عند الكفار والمنافقين فأنكروه وازداد المؤمنون بذلك إيماناً،
فكانت اليهود تجتمع إليه في ذلك ويستهزئون به، ويقولون له: يا عِيْسَى ما أكل فلان
البارحة، وما ادخر في بيته لغدٍ؟ فيخبرهم، فيسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم.
وكان عِيْسَى [ليس](٣) له قرار ولا موضع يعرف، إنما هو سائح في الأرض، فمرّ ذات
يوم بامرأة قاعدةٍ عند قبرٍ وهي تبكي، فقال لها: ما لك أيتها المرأة؟ فقالت: ماتت ابنةٌ لي لم
يكن لي ولد غيرها، وإنّ عاهدتُ ربي أنَ لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوقَ ما ذاقتْ من
الموت، ولا أبرح من موضعي أو يبعثها الله لي فأنظر إليها أو أحشر معها من موضعي، أو
يحييها الله لي، فانظر إليها، فقال عِيْسَى: إنْ نظرتِ إليها أراجعة أنت؟ قالت: نعم، قال:
فصلّى عِيْسَى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى: يا فلانة قومي بإذن الرَّحمن، فاخرجي،
قال: فتحرك القبر، ثم نادى الثانية، فانصدع القبر بإذن الله، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي
(١) راجع البداية والنهاية ٢/ ٩٧ وقصص الأنبياء لابن كثير ٢/ ٤١١ - ٤١٢.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٤٩.
(٣) زيادة لازمة عن المختصر والمصدرين.

٣٩٣
عیسی ابن مريم
تنفض رأسها من التراب، فقال لها عِيْسَى: ما بطّأ بك عني؟ قالت: لما جاءتي الصيحة
الأولى بعث الله مَلَكاً فركّب خَلْقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إليّ روحي، ثم جاءتني
الصيحة الثالثة فخفتُ أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة
القيامة، ثم أقبلت على أمها فقالت: يا أماه ما حملك على أن أذوق گرَب الموت مرتین؟ یا
أمتاه، اصبري واحتسبي، فلا حاجة لي في الدنيا، يا رُوح الله وكلمته، فَسَلَ(١) ربّي أن يردني
إلى الآخرة، وأن يهوّن عليّ كرب الموت، قال: فدعا ربه فقبضها إليه، فاستوت عليها
الأرض.
فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضباً(٢)، وكان مَلِك في ناحية منهم في مدينة يقال لها
نصيبين جبّاراً عاتياً، وأمر عِيْسَى بالمسير إليه ليدعوه وأهل تلك السدينة إلى المراجعة، قال:
فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحَوَارِيُّون فقال لأصحابه: أَلاَ رجل منكم ينطلق إلى المدينة
فينادي(٣) فيها فيقول: إنّ عِيْسَى عبدُ الله ورسولُه، قال: فقام رجلٌ من الحواربين يقال له
يعقوب، فقال: أنا يا روح الله وكلمته، قال: فاذهب، فأنت أوّل من يبرّ أمتي، [فقام آخر](٤)
يقال له توصار قال له: أنا معه، قال: وأنت معه، ومشيا فقام شمعون فقال: يا رُوح الله
وكلمته أكون ثالثهم، فائذن لي بأن أنال منك إن اضطررتُ إلى ذلك، قال: نعم.
فانطلقوا حتى إذا كانوا قريباً من المدينة فقال لهم شمعون: ادخلا المدينة قبلِغا ما أمرتما
وأنا مقيم مكاني، فإنْ ابتليتما احتلتُ لكما، فانطلقا حتى دخلا المدينة وقد تحدَّث الناسُ بأمر
عِيْسَى، وهم يقولون فيه أقبح القول وفي أمّه، فنادى أحدهما - وهو الأول : - أَلاَ إن عِيْسَى
عبدُ الله ورسولُه، فوثبوا إليهما: من القائل أنْ عِيْسَى عبدُ الله ورسولُه؟ فتبرّأ الذي نادى
فقال: ما قلتُ شيئاً، فقال الآخر: قد قلتَ وأنا أقوله: إنّ ◌ِيْسَى عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه
ألقاها إلى مَزْيَم وروح منه، فآمنوا به يا معشر بني إسرائيل خيرٌ لكم، فانطلقوا به إلى ملكهم .
وكان جبّاراً طاغياً - فقال له: ويلك ما تقول؟ قال: أقول: إنّ عِيْسَى عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه
ألقاها إلى مَزْيَم وروح منه، قال: كذبتَ، فقذفوا عِيْسَى وأمّه بالبهتان، ثم قال: تَبَرّأ ويلك من
(١) في المختصر: ((يسأل)) وفي البداية والنهاية وقصص الأنبياء: سل.
(٢) إلى هنا انتهى الخبر في البداية والنهاية وقصص الأنبياء.
(٣) الأصل: ((فيقول)) ثم شطبت الكلمة بخط أفقي، واستدركت ((فينادي)) عن هامشه.
(٤) الزيادة لازمة للإيضاح عن المختصر.

٣٩٤
عیسی ابن مريم
عِيْسَى وقل فيه مقالتنا، فقال: لا أفعل فقال الملك: إن لم تفعل قطعتُ يديك ورجلیك،
وسمّرت عينيك، فقال: افعل ما أنت فاعل، قال: ففعل به ذلك فألقاه على مزبلة في وسط
مدینتهم.
قال إِسْحَاق: قال هؤلاء المسمون بإسنادهم قالوا:
قال رَسُول الله وَلِّ لأصحابه: ((كونوا كحواري عِيْسَى بِن مَزْيَم رُفعوا على الخشب،
وسمِّروا(١) بالمسامير، وطبخوا في القدور، وقُطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمّرت أعينهم،
فكان ذلك البلاء والمقتل في طاعة الله أحب إليهم من الحياة في معصية الله)).
قال: وقال هؤلاء المسمّون بإسنادهم:
إنّ الملك همّ أن يقطع لسانه إذْ دخل شمعون وقد اجتمع الناس، فسلّم، فلما نظروا
إليه أنكروه، فقال لهم: ما قال هذا المسكين؟ قالوا: يزعم أن عِيْسَى عبدُ الله ورسولُه، فقال
شمعون: أيها الملك أتأذن لي فأدنو منه فأسأله؟ قال: نعم، فقال له شمعون: أيها المُبْتَلَى ما
تقول؟ قال: أقول: إنّ عِيْسَى عبد الله ورسولُه. قال: فما آيته نعرفه؟ قال: يبرىء الأكمه
والأبرص والسقيم، قال: هذا يفعله الأطباء فهل غيره؟ قال: نعم، .يخبركم بما تأكلون وما
تدّخرون، قال: هذا تعرفه الكهنة، قال: فهل غير هذا؟ قال: نعم، يخلق من الطين كهيئة
الطير، قال: هذا قد يفعله السحرة، يكون أخذه منهم قال: فجعل يتعجب الملك منه
وسؤاله، فقال: هل غير هذا؟ قال: نعم، يحيي الموتى، قال: أيها الملك، إنه ذكر أمراً
عظيماً، وما أظنّ خلقاً يقدر على ذلك إلاَّ بإذن الله، ولا يقضي الله ذلك على يدي ساحر
كذّاب، فإنْ لم يكن عِيْسَى رسولاً فلا يقدر على ذلك، وما فعل الله ذلك بأحد إلاَّ بإِبراهيم
حين سأله: ﴿ربّ أرني كيف تحيي الموتى﴾(٢) ومن مثل إِبْرَاهيم خليل الرَّحمن فقال الله:
﴿أَوَلَم تؤمن، قال: بلى﴾(٢).
أَخْبَرَنا أَبُو طالب عَلي بن عَبْد الرَّحمن بن أَبِي عقيل، أَنْبَأَنَا أَبُو الحَسَن عَلي بن
الحسن بن الحُسَيْنِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّد بن النحاس، أَنْبَأَنَا أَبُو سعيد بن الأعرابي، حَدَّثنا أَبُو
الحسَن عَلي بن أَحْمَد بن مختار الأحمري البغدادي، حَدَّثنا إِسْحَاق بن أَبي إسرائيل، عَن
جریر بن عبد الحمید، عَن لیث قال:
(١) تقرأ بالأصل: ((وسموا بالمسامير)) والمثبت عن المختصر.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٠.

٣٩٥
عیسی ابن مريم
صحب رجل عِيْسَى بن مَزْیَم قال: فانطلقنا فانتهينا إلى شط نهر فجلسا يتغدیان ومعهما
ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقى رغيف، فقام عِيْسَى إلى النهر يشرب ثم رجع فلم يجد
الرغيف، فقال للرجل: مَنْ أكل الرغيف؟ قال: لا أدري، فانطلق معه، فرأى ظبياً معها
خشفان(١) فدعا أحدهما فأتاه، فذبحه واشتوى وأكلا، قال للخشف: قُمْ بإذن الله، فقام،
فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري، ثم انتهى إلى
البحر، فأخذ عِيْسَى بيد الرجل فمشى على الماء، ثم قال: أنشدك بالله أراك هذه الآية مَنْ أخذ
الرغيف؟ قال: لا أدري، ثم انتهيا إلى مغارة وأخذ عِيْسَى تراباً وطيناً فقال: كُنْ ذهباً بإذن
الله، فصار ذهباً فقسمه ثلاثة أثلاث، فقال: ثلث لك، وثلث لي، وثلث لمن أخذ الرغيف،
فقال: أنا أخذته، قال: فُكُلّه لك، وفارقه عِيْسَى، فانتهى إليه رجلان ومعهم مال فأرادا أن
يأخذه ويقتلاه، قال هو بيننا أثلاثاً، قال: فابعثوا أحدكم إلى القرية يشتري لنا طعاماً، فبعثوا
أحدهم، فقال الذي بعث: لأيّ شيء أقاسم هؤلاء المال، ولكن أضعُ في الطعام سماً
فأقتلهم، وقال ذيناك: بأي شيء نعطي هذا ثلث المال، ولكن إذا رجع قتلناه، قال: فلمّا
رجع إليهم وأكلوا الطعام فماتا، فبقي ذلك المال في المغارة، وأولئك الثلاثة قتلى عنده.
قال: وأخْبَرَنَاه ابن الأعرابي، حَدَّثنا أَبُو الحسَن عَبْد الملك بن عَبْد الحميد
الميموني(٢)، حَدَّثنَا رَوْح(٣)، حَدَّثنا هشام، عَن الحسَن.
أن عِيْسَى بن مَرْيَم مرّ ومعه ناسٌ من الحواريين، فأتوا على ذهبٍ كثيرٍ موضوع، فقال
عِيْسَى: النجاءَ النجاءَ إنما هي النار، ثم مضى، ومضى أصحابه، وتخلّف منهم ثلاثة، فقال
رجلان منهم لصاحبهما: إنّا لا نستطيع هذا الذهب إلاَّ أَن نحمله على شيء، فخذ من هذا
الذهب فاشترٍ لنا به طعاماً، واشترٍ لنا ظهراً نحمل عليه من هذا الذهب، فانطلق لما أمراه به،
فأتى الشيطانُ الرجلين فقال لهما: إذا أتاكما فاقتلاه واقسما المال نصفين، فلمّا أحكم أمرهما
انطلق إلى الآخر فقال: إنّك لن تطيق هذين، فاجعلْ في الطعام سُمّاً فأطعمهما واذهبْ بالمال
وحدك، فابتاع من المدينة سُماً، فجعله في طعامهما فلمّا أتاهما وثبا عليه فقتلاه، ثم قرّبا
(١) الخشف مثلثة الخاء، ولد الظبي أول ما يولد، أو أول مشيه، أو التي نفرت من أولادها ونفرت (القاموس
المحيط).
(٢) ترجمته في سير أعلام النبلاء ٨٩/١٣ وتهذيب الكمال ١٢/ ٥٢.
(٣) هو رَوح بن عُبادة أبو محمد البصري، ترجمته في تهذيب الكمال ٢٣٥/٦.

٣٩٦
عيسى ابن مريم
الطعام فأكلا منه فماتا، فانطلق عِيْسَى إلى حاجته ثم رجع، فإذا هو بهم قد مُوِّتوا عند
الذهب، فقال: انظروا إلى هؤلاء، ثم حدَّثهم حديثهم، ثم قال لأصحابه: النجاءَ النجاءَ،
فإنما هي النار.
أَخْبَرَنا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن عَلي، حَدَّثنا مُحَمَّد بن عَلي بن مُحَمَّد بن
عُبَيْد اللّه بن عَبْد الصمد (١)، أَنْبَأَنَا أَبُو حفص عمر بن أَحمَد بن شاهين، حَدَّثنا مُحَمّد بن
لِيْرَاهيم بن أَحْمَد الْبَلْخي، حَدَّثنا مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ الحَسَني، حَدَّثنا عمرو بن حمّاد، حَدَّثنا
أسباط بن نصر، عَن إِسْمَاعيل السِّدّي، عَن أَبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس قال:
لما بعث الله عِيْسَى وأمره بالدعوة لقيته بنو إسرائيل، فأخرجوه هو وأمّه يسيحون في
الأرض، فنزلوا في قرية على رجل فأضافهم، فأحسن إليهم، وكان لذلك المدينة ملك جبّار
معتد، فجاء ذلك الرجل يوماً وقد وقع عليهم هَمٍّ وحزنٌ، فدخل منزله ومريم عند امرأته
فقالت لها: ما شأن زوجك أراه حزيناً؟ فقالت: لا تسأليني، قالت: أخبريني لعل الله يفرّج
كربه، قالت: فإنّ لنا ملكاً يجعل على كلّ رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم الخمر،
فإنْ لم يفعل عاقبه، وإنّه قد بلغت نوبته اليوم، يريد أن يصنع له فيه، وليس لذلك عندنا سَعَة،
قالت: فقولي له فلا يهتم، فإني آمر ابني فيدعو له فيكفى(٢) ذلك، فقالت مريم لعِيْسَى في
ذلك، فقال عِيْسَى: يا أمّه، إنّي إنْ فعلتُ كان في ذلك شرّ، قالت: لا تبالي، فإنه قد أحسن
إلينا وأكرمنا، قال عِيْسَى: فقولي له إذا اقترب ذلك فاملاً قدورَك وخَوَابيك ماءً ثم أعلمني،
فلما مَلأَهنّ أعلمه، فدعا الله، فتحوّل ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً، وما في الخوابي خمراً
لم يَرَ الناسُ مثله قط، فلما جاءه المَلِكُ أكل منه، فلمّا شرب الخمر سأل: من أين لك هذا
الخمر؟ قال: هو من أرض كذا وكذا، قال الملك: فإنّ خمري أُوتَى به من تلك الأرض،
فليس هو مثل هذا، قال: هو من أرضٍ أخرى، فلمّا خَلّط على الملك اشتد عليه فقال: أنا
أخبرك، عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه، وإنّه دعا الله فجعل الماء خَمْراً، فقال له
الملك وكان له ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيّام - وكان أحبّ الخلق إليه - فقال: إنّ
رجلاً دعا الله فجعل الماء خمراً لَيُسَتجابنّ له حتى يحيي ابني، فدعا عِيْسَى فكلّمه وسأله أن
يدعو الله أن يحيي ابنه، فقال عِيْسَى: لا تفعلْ إنه إنْ(٣) عاش كان شرّاً، قال الملك: ليس
(١) ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٤١/١٨.
(٣): ((إن)) استدركت عن المختصر.
(٢) كذا بالأصل، وفي المختصر: فيلقى.

٣٩٧
عيسى ابن مريم
أبالي أليس أراه؟ فلا أبالي ما كان، قال عِيْسَى: فإن أحييته تتركوني أنا وأمّي نذهب حيث
نشاء؟ قال الملك: نعم، فدعا الله فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تَنَادَوْا
بالسلاح، وقالوا: أَكلَنا هذا حتى إذا دنا(١) موته یرید أن يستخلف ابنه علينا فيأكلنا كما أكلنا
أُبُوه، فاقتتلوا.
وذهب عيسى وأمّه وصحبهما يهودي، وکان مع اليهودي رغيفان ومع عِيسَى رغيف،
فقال له عِيْسَى: تشاركني؟ قال اليهودي: نعم، فلما رأى أنه ليس مع عِيْسَى إلاَّ رغيف ندم،
فلمّا قاما جعل اليهودي يريد أن يأكل الرغيف أكل لقمة، قال له عِيْسَى: ما تصنع؟ فيقول له:
لا شيء، فيطرحها، حتى فرغ من الرغيف كله، فلمّا أصبحا قال له عِيْسَى: هلمّ طعامك،
فجاء برغيفٍ، فقال له عِيْسَى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلاَّ واحد، فسكتَ عنه،
وانطلقوا فمرَّوا براعي غنم، فنادى عِيْسَى: يا صاحب الغنم أَجْزِرْنا شاةً من غنمك، قال:
نعم، أرسلْ صاحبك يأخذها، فأرسل عِيْسَى اليهودي، فجاء بالشاة فذبحوها وشووها، ثم
قال لليهودي: كُلْ ولا تكسر عظماً، فأكلا، فلما شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد، ثم
ضربها بعصاة وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة تثغو فقال: يا صاحب الغنم، خُذْ شاتك،
فقال له الراعي: مَنْ أنت؟ قال: أنا عِيْسَى بن مَرْيَم، قال: أنت الساحر، وفرّ منه، قال عِيْسَى
لليهودي : بالذي أحيا هذه الشاة بعدما أكلناها، کم کان معك من رغيف؟ قال: فحلف ما كان
معه إلاَّ رغيف واحد، فمرّ بصاحبٍ بقرٍ، فقال له: يا صاحبَ البقر، أَجْزِزْنا من بقرك هذه
عِجْلاً، فقال: ابعث صاحبك يأخذ، فقال: انطلق يا يهودي فجيء به، فانطلق فجاءه به
فذبحوه وشووه، وصاحب البقر ينظر، فقال له عِيْسَى: كُلْ ولا تكسرُ عظماً، فلمّا فرغوا قذف
العظامَ في الجلد ثم ضربه بعصاه وقالَ: قُمْ بإذن الله، فقام، له خُوَار، فقال: يا صاحب
البقر، خُذْ عجلك، قال: وَمَنْ أنت؟ قال: أنا عِيْسَى، قال: أنت عِيْسَى الساحر، ثم فرّ منه،
قال اليهودي : یا عِيسَى أحييته بعدما أكلناه، قال: يا يهودي، فبالذي أحيا الشاة بعدما أكلناها،
والعجلَ بعدما أكلناه كم رغيفاً(٢) كان معك؟ فحلف بذلك ما كان معه إلاَّ رغيف واحد،
فانطلقا حتى نزلا قرية، فنزل اليهودي في أعلاها وعِيْسَى في أسفلها، وأخذ اليهودي عصا مثل
عصا عِيْسَى وقال: أنا الآن أحيي الموتى، وكان ملك تلك القرية مريضاً شديد المرض،
فانطلق اليهودي ينادي: مَنْ يبغي طبيباً؟ حتى أتى ملك تلك المدينة، فأخبره بوجعه فقال:
(١) الأصل: ((دني)).
(٢) الأصل: رغيف.

٣٩٨
عیسی ابن مريم
أدخلوني عليه، فأنا أُبرئه، وإنْ رأيتموه قد مات فأنا أُحيبه، فقيل له: إنّ وجع الملك قد أعيا
الأطباء قبلك، ليس من طبيبٍ يداويه ولا يغني دواؤه شيئاً إلاَّ أمر به فَصُلب، فقال: أدخلوني
عليه، فإنّي سأبرئه، فأُدخل عليه، فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه
وهو ميت ويقول: ثُمْ بإذد، الله، فأخذ ليصلب فبلغ عِيْسَى، فأقبل إليه وقد رُفع على الخشبة،
فقال: أرأيتم إن: أحييتُ لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيا عِيْسَى الملك،
فقام، وأُنزل اليهودي، فقال: يا عِيْسَى أنت أعظم الناس عليّ منّة، والله لا أفارقك أبداً.
قال عمرو بن حمّاد: قال: وقال أسباط: فخرجوا فمرّوا بثلاث لبنات، فدعا الله عزّ
وجلّ عِيْسَى فصيّرهن من ذهبٍ، قال: يا يهودي لبنة لي ولبنة لك ولبنة لمن أكل الرغيف،
قال: أنا أكلتُ الرغيف.
أَخْبَرَنا أَبُو عَبْد اللّه الحُسَيْن بن عَبْد الملك، أَنْبَأَنَا أَبُو طاهر بن مَحْمُود، أَنْبَأَنَا أَبُو
بَكْر بن المقرىء، أَنْبَأَنَا أَبُو العباس بن قُتَيبة، حَدَّثنا حَرْمَلة حَدَّثنا ابن وَهْب، أَنْبَأَنَا حَيْوَة بن
شُرَيح، حَدَّثني عقيل عن ابن شهاب، عَن عَبْد الرَّحمن، عَن ابن عباس(١).
أن عِيْسَى بن مَزْيَم قال للحواريين: صُوموا ثلاثين يوماً، ثم سلوا الله ما شئتم
يُعْطِكموه، فصاموا، فلمّا قَضُوا ثلاثين يوماً قالوا لعِيْسَى: يا معلم الخير، إنّه لو عملنا لأحد
فقضينا عمله أطعمنا طعاماً، وإنّا قد صُمْنا الذي أمرتنا به، فادعُ الله أن يُنَزّل علينا مائدة من
السماء، فنزلت الملائكة بمائدةٍ يحملونها عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، فأكلّ منها آخر
الناس کما أكل منها أوّلهم.
أَخْبَرَنا(٢) أَبُو عَلي الحسَن بن المظفر بن الحسن(٣)، أَنْبَأَنَا أَبِي أَبُو سعد [بن](٤)
السبط، أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَيْن أحمد بن إِبْرَاهيم بن أَحْمَد بن فِرَاس، أَنْبَأنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن
إِبْرَاهيم الدَّيْبُلي(٥)، حَدَّثنا أَبُو عَبْد اللّه سعيد بن عَبْد الرَّحمن المخزومي قال: قال سفيان:
(١) رواه ابن كثير في التفسير، في تفسير سورة المائدة (الآية ١١٢) ٦٨٠/٢ - ٦٨١.
(٢) كتب فوقها في الأصل: ملحق.
(٣) قارن مع مشيخة ابن عساكر ٤٨/ ب.
(٤) زيادة لازمة، راجع مشيخة ابن عساكر ٤٨/ ب وأبو سعد هو سبط أبي بكر بن لال الفقيه الهمذاني.
(٥) إعجامها مضطرب بالأصل، والصواب ما أثبت، ترجمته في سير أعلام النبلاء ٩/١٥.

٣٩٩
عيسى ابن مريم
حلف الكلبي لقد أنزلت المائدة على بني إسرائيل وعليها خبزٌ من أرزّ وحوت، قال
سفيان: وشيءٌ من بقل(١).
كتب إليَّ أَبُو بَكْر عَبْد الغفار بن مُحَمَّد، وحَدَّثني أَبُو المحاسن عَبْد الرزّاق بن مُحَمَّد
الطََّسي عنه، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر الحِيري، حَدَّثنا أَبُو العباس الأصم، حَدَّثنا إِبراهيم بن مرزوق، .
حَدَّثنا عمر بن يونس، حَدَّثني أَبي عن إِسْمَاعيل بن الضحاك بن فيروز أنه انطلق هو ونفرٌ معه
إلى وَهْب بن مُنَبّه، فقالوا له: يا أبا عَبْد اللّه أَلاَ تخبرنا عن المائدة التي أنزل الله من السماء
على بني إسرائيل؟ قال: دعا عِيْسَى بن مَزْيَم أن ينزل الله عليهم مائدة من السماء، فأنزلها الله
عليهم، فكان ينزل عليهم كلّ يوم تلك المائدة من ثمار الجنّة، فيأكلون من ضروب شتى (٢)،
فكان يقعد منا أناس يلطّخون ثيابنا، فلو بنينا لها بناءً حتى نرفعها، فبنوا لها بناءً فلمًا فعلوا
ذلك أنزلنا الله عليهم ذلك اليوم، فجاء أشرافهم وأصحاب الثياب، فارتفعوا على غيرهم،
فأكلوا ذلك منها، ثم رفعها الله عنهم حين بدّلوا أَمْرَ الله عزّ وجلّ.
أَخْبَرَنا(٣) أَبُو بَكْر مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ بن عَلي المَزْرَفي(٤)، وأَبُو عَلي الحسن بن
المظفر بن الحسن بن السبط، وأَبُو عَبْد اللّه الحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَبْد الوهاب البارع(٥)،
وَأَبُو غالب عَبْد اللّه بن أَحمَد بن بركة السُّمْسَار، ومُحَمَّد بن أَحْمَد بن الحُسَيْن بن قريش
القَزّاز(٦)، قالوا: أَنْبَأَنَا أَبُو الغنائم عَبْد الصّمد بن علي بن مُحَمَّد بن المأمون.
ح وَأَخْبَرَنا أَبُو غالب أَحْمَد بن الحسن بن البنّا، أَنْبَأَنَا أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّد بن أَحْمَد بن
حسنون النَّرْسي.
قالا: أَنْبَأنَا أَبُو الحسن علي بن عمر بن مُحَمَّد الحربي، حَدَّثنا مُحَمَّد بن عبدة بن
حرب، حَدَّثنا الحسن بن قزعة، حَدَّثنا سفيان بن حبيب، حَدَّثنا سعيد بن أَبِي عَرُوبة، عَنِ
قَتَادة، عَن خِلاَس بن عمرو، عَن عمّار بن ياسر قال: قال رَسُول الله وَّه: «أُنزلت المائدة
(١) کتب بعدها بالأصل: إلى.
(٢) راجع تفسير ابن كثير ٢/ ٦٨٢.
(٣) كتب فوقها في الأصل: ملحق.
(٤) الأصل: المرزقي، تصحيف، والصواب ما أثبت، والسند معروف.
(٥) مشيخة ابن عساكر ٥٤/ أ.
(٦) مشيخة ابن عساكر ١٦٩/ ب.

٤٠٠
عیسی ابن مريم
من السماء خبز ولحم، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يدّخروا ولا يرفعوا لغدٍ، فخانوا وادخروا
وخبّاوا فَمُسخوا قردة وخنازير))(١).
تفرّد برفعه الحسن بن قزعة، وأخرجه أَبُو عِيْسَى الترمذي في جامعه(٢)، ورواه غيره
موقوفاً.
أَخْبَرَنا أَبُو بَكْر الجُنَابذي(٣) في كتابه، وحَدَّثني أَبُو المحاسن الطََّسي عنه، أَنْبَأْنَا
أَحْمَد بن الحسن القاضي، حَدَّثنا مُحَمَّد بن يعقوب بن يوسف، حَدَّثنا إبراهيم بن مرزوق،
حَدَّثنا عمرو بن أَبي رزين، عَن سعيد، عَنْ قَتَادة، عَنِ خِلاَس.
أنّ عمّاراً قال في المائدة: ثمر من أثمار الجنّة، فأخذ عليهم فيها أَلاّ تخونوا، ولا
تخيئوا، ولا تدّخروا لغدٍ، قال: فخانوا فيها، واذَّخروا لغدٍ، فبلغنا أنهم خرجوا خنازير (٤).
أَخْبَرَنا أَبُو الحسَن بركات بن عَيْد العزيز، وأَبُو مُحَمَّد بن حمزة، قالا: حَدَّثنَا أَبُو بَكْر
الخطيب، أَخْبَرَني مُحَمَّد بن أَحْمَد بن مُحَمَّد، أَنْبَأْنَا أَحْمَد بن سندي بن الحسن، حَدَّثْنَا أَبُو
مُحَمَّد الحسَن بن عَلي القطان، حَدَّثنا إسْمَاعيل بن عِيْسَى، أَنْبَنَا إِسْحَاق بن بِشْر، أَنْبَأْنَا
مُحَمَّد بن الفضل، عَن أبان بن أَبِي عيّاش، عَن أَبِي عُثْمَان النّهدي، عَن سَلْمان.
أنه قال في المائدة التي أنزلها الله على عِيْسَى قال: لمّا سأل الحَوَاريون عِيْسَى - وذلك
أنهم حين سألوه . قالوا: نريد أن نأكل منها وتطمئنّ قلوبنا للذي رأينا من العجائب، ونكون
عليها من الشاهدين، قال: فقام عِيْسَى فألقى عنه الصوف، ولبس جُبّة من شعر ولحافاً من
شعر، ثم وضع يمينه على شماله وصفّ قدميه، وألصق كعب قدمه مع الآخر، وسوّى بين
إبهاميه وطأطأ رأسه خاشعاً لله، وأرسل عينيه بالبكاء حتى سالت الدموع على لحيته وصدره
وهو يدعو الله ويتضرّع ثم قال: ﴿اللّهمّ ربّنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا
(١) البداية والنهاية ١٠٣/٢ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٢٢/٢ وتفسير ابن كثير ٢/ ١٢٠ (ط. دار الفكر) وتفسير
الطبري ٢/ ١٣٠.
(٢) سنن الترمذي (٤٨) كتاب تفسير القرآن، (٦) باب، رقم ٣٠٦١ مرفوعاً، وقال: لا نعرفه مرفوعاً من حديث
الحسن بن قزعة.
(٣) هذه النسبة إلى جنابذ، قرية بنواحي نيسابور.
(٤) البداية والنهاية ١٠٣/٢ وقصص الأنبياء لابن كثير ٤٢٢/٢ وتفسير ابن كثير ٦٨١/٢ (تفسير سورة المائدة: الآية
١١٢). وقال الترمذي، وقد رواه موقوفاً: هذا أصح ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً.