Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي الحُسَيْن، أَنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب(١)، نا أَبُو نُعَيم، نا سفيان قال: قال الشعبي: ما ضربت مملوكاً لي قطّ، ولا أخذتُ له ضريبة. أخْبَرَنا أَبُو بكر اللفتواني، أَنَا أَبُو عمرو الأصبهاني، أَنَا الحَسَن بن مُحَمَّد بن أَحْمَد، أَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد، نا عبد اللّه بن مُحَمَّد، حَدَّثَنِي أَبُو صَالح، قال: سمعت أبا وَهْب قال: جاء رجل إلى الشعبي فشتمه(٢) في ملأ من الناس فقال الشعبي: إنْ كنتَ كاذباً فغفر الله لك، وإنْ كنت صادقاً فغفر الله لي، كذا قال لي. وقد أخبرنا أَبُو غالب شجاع بن فارس في كتابه أنا مُحَمَّد بن علي الحربي، وعلي بن أَحْمَد المَلَطي، قالا: أنا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن دُوْست - زاد الحربي: ومُحَمَّد بن عبد اللّه بن أخي ميمي - قالا: أنا الحُسَيْن بن صَفْوَان، نا ابن أبي الدنيا، حَدَّثَنِي أَبُو صَالحِ المَرْوَزي (٣)، قال: سمعت أبا وَهْب مُحَمَّد بن مُزَاحم قال: جاء رجل إلى الشعبي فشتمه في ملأ من الناس فقال الشعبي: إنْ كنتَ كاذباً فغفر الله لك، وإنْ كنتَ صادقاً فغفر الله لي. أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السَّمَرْ قَنْدِي، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن النَّقُّور، وأَبُو منصور بن العَطار، قالا: أنا أَبُو طاهر المُخَلِّص، نا عبيد الله بن عبد الرَّحمن، نا زكريا بن يَحْيَىُ، نا الأصمعي، نا سَلَمة بن بلال، عن مُجَالد، عن الشعبي قال: العلمُ أكثر من أن یحصی، فخذ من كل شيء أحسنه. وبه عن الشعبي قال: ليس حسن الجوار تكفّ (٤) أذاك عن الجار، ولكن حسن الجوار أن تصبر على أذى الجار. أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السَّمَرْ قَنْدي، أَنَا أَبُو عبد اللّه مُحَمَّد بن علي الأَنْمَاطي، أَنَا أَبُو الفرج مُحَمَّد بن فارس الغوري، أَنَا مُحَمَّد بن جعفر العسكري، نا عبد الله بن مُحَمَّد، حَدَّثَني هاشم بن أبي هاشم، أَنا عبد العَظيم بن حبيب الفهري(٥)، نا عيسى بن (١) الخبر في المعرفة والتاريخ ليعقوب الفسوي ٦٠٢/٢ . (٢) عن م وبالأصل: فسمعه. (٣) في المطبوعة: المروذي. (٤) عن م وبالأصل: یکف. (٥) في م: الفهمي. ---- ٣٨٢ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي المُسَيّب البَجَلي قال: سمعت الشعبي يقول: لا خير في علم بلا عقلٍ، ومن ثَمّ قيل: ما عبد اللّهُ مثل حليم. أخْبَرَنا أَبُو يعقوب يوسف بن أيوب، أَنا عبد الكريم بن الحَسَن، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن بِشْرَان، أَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن جعفر الجَوْزي، نا أَبُو بكر بن أبي الدنيا، نا يعقوب بن إسماعيل بن حمّاد، نا عبد الرَّحمن بن مهدي، نا حمّاد بن سَلَمة، عن عامر الأحول قال: قال الشعبي: زين العلم حلم أهله. أخبرتنا فاطمة بنت عبد القادر بن أَحْمَد بن الحَسَن بن السّماك، قالت: أنا أَبُو الحُسَيْن أَحْمَد بن مُحَمَّد بن أَحْمَد بن يعقوب بن قَفَرْجَل، أَنَا جدي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبيد اللّه بن الفَضْل بن قَفَرْجَل، نا مُحَمَّد بن الهيثم الأنماطي، نا أَحْمَد بن يَحْيَى الحُلْواني، نا الحَسَن بن حمّاد الوَرّاق، نا مُحَمَّد بن الحَسَن بن أبي يزيد، عن مِسْعَر، عن مُحَمَّد بن جُحادة قال: كان الشعبي من أولع الناس بهذا البيت: ليستِ الأحلامُ في حين الرّضا إنّما الأحلامُ في حينِ الغَضَبْ(١) أخْبَرَنا أَبُو الفتح أَحْمَد بن مُحَمَّد الحدّاد في كتابه. وأخْبَرَنا أَبُو القاسم إسماعيل بن مُحَمَّد بن الفضل عنه، أَنَا أَبُو عبد اللّه سفيان بن مُحَمَّد بن الحَسَن، نا أَبُو حفص بن شاهين، نا أَحْمَد بن علي بن العلاء، نا محمود بن خِدَاش، نا مُحَمَّد بن الحَسَنِ الهَمْدَاني، قال: ذكر مِسْعَر، عن مُحَمَّد بن جُحادة قال: كان الشعبي أُولِع بهذا البيت: ليستِ الأخْلامُ في حالِ الرّضا إنّما الأحلام في حال الغَضَبْ أخْبَرَنا أَبُو الْقاسم الحُسَيْن بن الحَسَن بن مُحَمَّد، أَنَا أَبُو القاسم علي بن مُحَمَّد، أَنَا أَبُو الحَسَن عبد الرَّحمن بن مُحَمَّد الجَوْبَري(٢)، أَنا علي بن يعقوب بن أَبِي العَقَب، نا القاسم بن موسى الأَشْيب، نا الحجّاج بن حمزة، نا مُحَمَّد بن حسن المَرْوَزي، أَنا ابن المبارك، نا رجلٌ عن سفيان، عن مُحَمَّد بن جُحَادة، عن الشعبي قال: كان يتمثل بهذا (١) نسبه بحاشية المطبوعة لمسكين الدارمي. وهو في ديوانه ص ٢٢ . (٢) مهملة بالأصل، وفي م: ((الحريري)) والمثبت عن المطبوعة. ٣٨٣ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي البيت من كلام ابن(١) مسكين. أَخْبَرَنا أَبُو بكر بن المَرْزَفي، نا مُحَمَّد بن علي بن المهتدي، أَنَا مُحَمَّد بن عبد اللّه بن أَحْمَد، نا مُحَمَّد بن سعيد بن عبد الرَّحمن القُشَيْرِي(٢)، نا المَيْمُوني - يعني عبد الملك بن عبد الحميد بن عبد الحميد - حَدَّثَنِي أَبي قال: كان الشعبي كثيراً ما یتمثل بهذین البیتین : إنّما الأحلام في حين الغَضَبْ لَيْسَتِ الأحلامُ في حين الرّضا تُخْلِص الفِضّةَ منهم والذَّهَبْ أُصدُقِ القومَ إذا لاقَيْتَھَمْ أخْبَرَنا أَبُو الحَسَن بن قُبَيس، نا وأَبُو منصور بن زريق، أَنَا أَبُو بكر الخطيب، أَنَا علي بن القاسم بن الحَسَن الشاهد - بالبصرة - نا علي بن إسحاق المَادَرَائي(٣)، نا أَبُو قِلاَبة، حَدَّثَني علي بن الجعد، نا أَبُو يَعْلَى أخو يزيد بن هارون، عن أبي حنيفة قال: كان الشعبي يحدث ورجل خلفه يغتابه فانبعث فقال: هنيئاً مرياً غَيرَ داءٍ مُخَامر لعزَّةَ من أعراضنا ما استحلّتِ (٤) أخْبَرَنا أَبُو الحَسَن علي بن مُحَمَّد العَلّف - إجازة -. وأخبرني أَبُو المَعْمَرِ المبارك بن أَحْمَد عنه. ح وَأَخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السَّمَرْ قَنْدي، أَنَا أَبُو علي بن أبي جعفر، وأَبُو الحَسَن بن العَلّف قالا: أنا عبد الملك بن مُحَمَّد، أَنَا أَحْمَد بن إبراهيم الكِنْدي، أَنَا مُحَمَّد بن جعفر الخَرَائطي، نا عباس الدوري، عن أزهر السّمان، عن ابن عَوْن، عن عمرو بن سَعيد، قال: لقيني الشعبي فقال: هات ما عندك، قلت: ما عندي شيء، قال: أفلا قلت كما قال كُثَيّر عَزّة: هنياً مرياً غَيْرَ داءٍ مُخَامِر لعزَّةَ من أعراضنا ما اسْتَحَلّتِ (٥) (١) كذا بالأصل، وقد مرّ قريباً نسبة البيت - كما في حواشي المطبوعة - إلى مسكين الدارمي وليس إلى ابنه . (٢) وهو صاحب كتاب تاريخ الرقة، والخبر والشعر في كتابه ص ١٤٧ - ١٤٨ بهذا السند. (٣) بالأصل وم: ((المادراني)) والصواب فيها: المادرائي نسبة إلى مادرايا، ومادراني نسبة إلى مادرانا وكلاهما واحد . (٤) نسبه بحواشي المطبوعة إلى كُثَيّر. (٥) البيت في ديوانه ط بيروت ص ٥٦ وفيه: هنيئاً مريئاً. ٣٨٤ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي أخْبَرَنا أَبُو القاسم علي بن إبراهيم، أَنَا رَشَأ بن نظيف، أَنَا الحَسَن بن إسماعيل، أَنَا أَحْمَد بن مروان، نا أَبُو بكر بن أبي الدنيا، نا مُحَمَّد بن يونس، نا الأصمعي قال: أسمع رجلٌ الشعبيَّ كلاماً فقال له الشعبي: إنْ كنتَ صادقاً فغفر الله لي، وإنْ كنتَ كاذباً فغفر الله لك، ثم أنشأ يقول: هنياً مرياً (١) غير داء مُخَامر لعزّةَ من أعراضنا ما اسْتَحَلّتِ أَخْبَرَنا أَبُو الحَسَن بن قُبَيس، أَنَا أَبُو الحَسَن بن أَبِي الحديد، أَنا جدي أَبُو بكر، أَنَا أَبُو بكر الخرائطي، نا عُمَارة بن وَثيمة، نا مُحَمَّد بن يزيد العَدَوي، عن النَّضْر بن إسماعيل، عن عمرو بن كُلَيب قال: دخل الشعبي على ابن عمٍّ له، فخلا به في بيته، ودخل ابنُ عمّ الشعبي وبينهما تباعد فجعَل يقع في الشعبي وهو يقول: هنياً مرياً غير داءٍ مُخَامرٍ لعزّةَ من أعراضنا ما اسْتَحَلّتِ قال الرجل: يا أبا عمرو، اعذرني فوالله لا أعودُ إلى مثلها. أَخْبَرَنا أَبُو الفرج سعيد بن أَبي الرجاء، أَنَا منصور بن الحُسَيْن، وأَحْمَد بن محمود، قالا: نا أَبُو بكر بن المقرىء، نا مُحَمَّد بن موسى بن علي بن عيسى الدَّوْلاَبي - ببغداد - نا أَبُو البَخْتَري، نا حسين بن علي، عن عبد الملك بن أَبْجَر قال: انتهى الشعبي إلى رجلين على مجمع طريقين يغتابانه ويقعَان فيه فقال: هنياً مرياً غَيْرَ داءٍ مُخَامر لعزَّةَ من أعراضنا مَا اسْتَحَلّتِ أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السَّمَرْ قَنْدي، أَنَا أَبُو طاهر مُحَمَّد بن أَحْمَد بن أبي الصّقر، أَنا إسماعيل بن عبد الرَّحمن بن عمر بن النحاس، نا القاضي أَبُو طاهر محمَّد بن أَحْمَد بن عبد الله بن نصر، نا مُحَمَّد بن الحَسَن الأَزْدي، نا أَبُو حاتم، أَنَا [أبو](٢) عبيدة قال : كتب عبد الملك إلى الحجّاج: أبغني رجلاً جامعاً للعلم والفقه، عافلاً لبيباً فاضلاً في أخلاقه ومروءته يكون مع ولده، فلما أتاه الكتاب بعث إليه بعامر الشعبي، فقدم عليه رجل الغالب عليه الفقه والورع، فكأنّ عبد الملك لم ينبسط له، فكان يختلف فيسلّم (١) كذا بالأصل هنا وم بدون همز في اللفظتين، وفيما يلي. (٢) سقطت من الأصل واستدركت عن م. ٣٨٥ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي ويجلس لا يسأله عن شيءٍ، حتى دخل الوليدُ يوماً على أبيه، فجلس، ودخل عَامر فقال: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الوليد بن عبد الملك، فقال الشعبي: هذا كما قال النابغة يوم ملك النعمان بن الحارث(١): مستقبلُ الخيرِ سريعُ التَّمَامْ هذا غُلامٌ حَسَنٌ وجهُهُ والحارثِ الأعرج خيرِ الأنامْ(٢) للحارِثِ الأكبرِ، والحارِثِ الأصغر أسرع في الخيرات منه إمَامْ ثم لهندٍ، ولهندٍ وقد هُمْ خَيرُ مَن يشربُ صوبَ الغمامْ ستّة أملاكِ هُمُ ماهُمُ (٣) فانبسط عبد الملك بعد ذلك إليه. أنْبَأنا أَبُو القاسم علي بن إبراهيم، وأَبُو الوحش سُبَيْعٍ بن المُسَلّم، عن أَبي الحَسَن رَشَأ بن نظيف، نا مُحَمَّد بن جعفر التميمي، أَنَا أَبُو بكر الخياط، نا المُبَرّد، عن العُتبي، عن أبيه قال: قال الشعبي : دخلت على عبد الملك بن مروان ففاتحني ضروباً من العلم، فأخذت منها بحظ فقال لي: ((تسمع بالمُعيدي خَيْرٌ من أن تراه))(٤)، ثم قال لي: روي(٥) يا شعبي دالية لبني تميم، فأنشدته سبعين دالية لبني تميم حتى انتهيت إلى قصيدة الأسود بن يعفر التي يقول فيها(٦) : نزلوا بأنقرة يسيلُ عليهمُ ماءُ الفُرَاتِ يجيءُ من أطواد(٧) فقال لي : يا شعبي إنّك لكِنْفُ علمٍ. (١) الأبيات النابغة الذبياني، وهي في ديوانه ط بيروت ص ١١٧ . (٢) رواية الديوان: للحارث الأكبر والحارث الأصغر والأعرج خير الأنام (٣) صدره بالديوان: خمسة آبائهم ماهُمُ؟ (٤) بالأصل وم: ((يراه)) والمثبت عن جمهرة الأمثال للعسكري ٢٦٦/١ وانظر المثل، وهو مثل مشهور النعمان بن المنذر، وفي اللسان ((معد)) ومجمع الأمثال ٨٦/١ والمستقصي ١٤٨/١ والفاخر ٦٥ وفصل المقال ١٢١ . (٥) كذا بالأصل وم. (٦) البيت من قصيدة مفضلية، الرقم ٤٤ (رقم البيت ١٣). (٧) بالأصل وم ((نزلوا بالقوة ... )) والمثبت عن المفضليات، وبالأصل بالواو، والمثبت عن م والمفضلية . ٣٨٦ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي قال: ونا مُحَمَّد بن جعفر، نا أَحْمَد بن السَّرِي، حَدَّثَنِي أَبُو الحَسَن السِّجْزِي، قال: سمعت مُحَمَّد بن يعقوب القاضي، قال: سمعت أبا رجاء الجَوْزَ جاني قال: دخل الشعبي على عبد الملك بن مروان فقال: يا شعبي لقد وخِمْت من كل شيء إلّ في الحديث الحَسَن، قال: نَعم يا أمير المؤمنين، إنّ الحديث ذو (١) شجون تُسلى به الهموم، قال: يا شعبي ما العلم؟ قال: يا أمير المؤمنين، العلم ما يقربك من الجنة، ويباعدك من النار، قال: يا شعبي ما العقل؟ قال: ما يعرّفك عواقبَ رُشْدك ومواقع غيّك(٢)، قال: متى يعرف الرجل كمال عقله؟ قال: إذا كان حافظاً للسَانه، مدارياً لأهل زمانه. مقبلاً علی شأنه. أخْبَرَنا أَبُو الحَسَن بن قُبَيس، نا وأَبُو منصور بن خَيْرُون، أَنَا أَبُو بكر الخطيب(٣)، أَنَا أَبُو عبد اللّه مُحَمَّد بن عبد الواحد، أَنَا مُحَمَّد بن العباس، أَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن عيسى المكي، أَنا مُحَمَّد بن القاسم بن خَلّد، نا ابن عائشة، قال: وجّه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى ملك الروم، فلما انصرف من عنده قال: یا شعبي أتدري ما كتب به إليّ ملك الروم؟ قال: وما كتب به إلى أمير المؤمنين؟ قال: كتب العجب لأهل ديانتك كيف لم يستخلفوا رسولك هذا، قلت: يا أمير المؤمنين لأنه رآني ولم يَرَ أمير المؤمنين . قال (٤): وأخبرنا محمّد بن عبد الواحد بن علي البَزّاز(٥)، أَنا القاضي أَبُو سعيد الحَسَن بن عبد الله بن المَرْزُبان السِّيرافي، أَنا مُحَمَّد بن الحَسَن بن دريد، نا عبد الرَّحمن - يعني ابن أخي الأصمعي - عن عمه، قال: وجه عبد الملك بن مروان الشعبي إلى ملك الروم في بعض الأمر، فاستكثر الشعبي، فقال له: أمن أهل بيت الملك أنت؟ قال: لا، قال: فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمّله رقعة لطيفة، وقال له: إذا رجعت إلى صاحبك فأبلغته جميع ما يحتاج (١) عن م، وبالأصل: وشجون. (٢) عن م وبالأصل: غمك. (٣) تاريخ بغداد ٢٣١/١٢. (٤) المصدر السابق نفسه/ الجزء والصفحة. (٥) بالأصل وم (البزار)) والمثبت عن تاريخ بغداد. ٣٨٧ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي إلى معرفته من ناحيتنا، فادفع إليه هذه الرقعة، فلما صَار الشعبي إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره، ونهض من عنده، فلما خرج ذكر الرقعة، فرجع فقال: يا أمير المؤمنين، إنه حملني إليك رقعة نسيتها حتى خرجت، وكانت في آخر ما حمّلني فدفعها إليه ونهض، فقرأهَا عبد الملك فأمر برده، فقال: أعلمتَ ما في هذه الرقعة؟ قال: لا، قال: فيهَا عجبتُ من العرب كيف ملكت غير هذا، أفتدري لم كتب إليّ بهذا؟ فقال: لاَ، فقال: حسدني بك، فأراد أن يغويني (١) بقتلك، فقال الشعبي: لو كان رآك يا أمير المؤمنين ما استكثرني، فبلغ ذلك ملك الروم، فذكر عبد الملك، فقال: لله أَبُّوه، والله ما أردتُ إلّ ذاك. أَخْبَرَنا أَبُو العزّ بن كادش، أَنَا مُحَمَّد بن الحُسَيْن بن الفَرّاء، أَنَا أَبُو القاسم إسماعيل بن سعيد بن سويد، نا الحُسَيْن بن القاسم الكوكبي، نا أَبُو بكر بن أَبِي خَيْئَمة، نا مُحَمَّد بن يزيد القاضي، حَدَّثَني عمي كثير بن مُحَمَّد، نا عبد الله بن عياش، قال: سمعت الشعبي يقول: بعث إليّ عبد الملك فكنت أحادثه، فما رأيت رجلاً أعلم منه، ما حدثته بحديثٍ قط إلّ زادني فيه، وإن كنت لأحدثه وفي يده اللقمة فيمسکها، فأقول : يا أمير المؤمنين امضها لسبيلها أو ردها فيقول: حديثك أحبّ إليَّ منها، وكنت عنده ذات ليلة فتمطى ثم قال: لتذكرني ما قال الشاعر(٢). خَلَعْتُ بها عنّي عِذَار لجامي كأنّي وقد جاوزتُ سبعينَ حِجّةٌ فكيف بمن يُرْمَى وليس برامي رَمَتْني بناتُ الدّهرِ مِنْ حيثُ لا أرى ولكنّما أُرمَى بغيرِ سَهَامِ فلو أنّ ما أُرمَى بسهم رأيته فقلت له: يا أمير المؤمنين لکنك كما قال لبيد : كأنّي وقد جاوزتُ سبعينَ حِجَّةً خَلَعْتُ لها عن منكبيَّ رِدَائيا(٣) فعاش حتى بلغ سبعاً وسبعين فقال (٤). أَمْسَتْ تَشَكّى إليّ النفسُ مُجْهِشَةً وقد حَمَلْتُكِ سَبْعاً بعد سَبْعينا (١) كذا بالأصل وم، وفي تاريخ بغداد: يغريني. (٢) نسب الأبيات محقق المطبوعة إلى عمرو بن قميئة، انظر تخريجها في حاشية المطبوعة. (٣) البيت في ديوان لبيد ط بيروت ص ٢٣٩ (فيما نسب إليه) وانظر تخريجه فيه. (٤) البيت في ديوان لبيد ص ٢٢٥ (فيما نسب إليه) باختلاف الرواية . ٣٨٨ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي إنّ الثلاث توفِين الثَّمَانينا فإنْ تزادي ثلاثاً تبلغي أملاً فعاش حتى بلغ تسعين سنة فقال(١): .. ---- لُزوم العَصَا تُحْنَى عليها الأصابعُ أَلَيْس ورائي، إنْ تَرَاخَتْ مَنْيَّتي أَدِبّ كأني كلّمّا قمت راكعُ أخبر أخبارَ القرونِ التي خَلَتْ(٢) فعاش حتى بلغ مائة سنة و عشر سنين فقال : أليس في مائة قد عَاشَها رجلٌ وفي تكامُلٍ عَشْرٍ بعدها عُمُرُ فعاش حتى بلغ عشرين ومائة سنة، فقال(٣): وقد سَئِمْتُ من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيدُ ورأيت عنده ابنا(٤) له فقلت له: يا أمير المؤمنين إنّي لأذكر به ما قال الشاعر، قال: وما قال؟ قلت: مستقبل الخير سريعُ التّمَامْ هذا غلامٌ حَسَنٌ وجهُهُ والحارث الأعرج خير الأنام للحارث الأكبر والحارث الأصغر أسرعَ في الخَيْرَاتِ منه كرامْ(٥) ثم لهندٍ وابن هندٍ وقد فطابت نفسه، فقال: ما أعلمك يا شعبي، ووجهني إلى ملك الروم، فلمّا كلمني قال: أنت أحق بموضع صاحبك منه، فقلت: على بابه عشرة آلاف كلهم خير مني، فقال: هَذا من عقلك، ثم قال: يا شعبي أريد أن أسألك عن ثَلاَث خلال، فإن خرجت منهن فأنت أعلم الناس، قلت: سَل، قال: حتى تخرج وأشيعك وأسألك عنهن فتمضي وَليس في نفسي منهن شيء، فلما شيّعني قلت: سَلْ عن الثلاث خلال، فقال: يا شعبي لكم مَثَل؟ قلت: نعم ليس في الأرض مَثَل مثله، قال: وما هو؟ قال: قلت: إذا لم تستح(٦) فاصنع ما شئتَ، قال: حسبُك ما سمعت بهذا المثل قط، قال: يا شعبي لما (١) البيتان في ديوان لبيد ص ٨٩ من قصيدة يرئي أخاه أريد. (٢) الديوان: مضت. (٣) ديوان لبيد ص ٤٦. (٤) عن م وبالأصل ((ابن)) خطأ. (٥) مرّت هذه الأَبيات قريباً للنابغة الذبياني، وانظر ما مرّ بشأن البيت الثاني. (٦) بالأصل وم: (تستحي)). ٣٨٩ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي غَيّرت لحيتك بصفرة، ألا صبرتَ على البياض كما ابتُليت أو رددتها إلى نسجها الأوّل فخضبت بالسواد؟ فقلتُ: هذه سنة نبينا، قال: ما جاء به النبيون فليس فيه حيلة، قال: أخبرني أنت خير أم أَبُوك؟ قال: أَبي خير مني، قال: وأنت خير من ابنك؟ قلت: نعم، قال: وابنك خير من ابن ابنك؟ قلت: نعم، قال الحمد لله الذي ظفرني بك يا شعبي، آخرکم یکون قردة وخنازير، إذا كنتم تزدادون في كل قَرْن شرّاً. أخْبَوَنا أَبُو مُحَمَّد عبد الكريم بن حمزة، نا أَبُو القاسم الحُسَيْن بن مُحَمَّد الحنائي(١) قال: كتب إلي أَبُو مسلم مُحَمَّد بن أَحْمَد بن علي الكاتب البغدادي من مصر يذكر أن أبا بكر بن دريد حدَّثهم، نا أَبُو عثمان، أَنا العتبي قال: دخل الشعبي على عبد الملك فقال: يا شعبي أنشدني أحكم ما قالته العرب وأوجزه، فقال: يا أمير المؤمنين قول امرىء القيس : إنّ البلاءَ على الأَشْقَين مصبوبُ(٢) صُبّتْ عليه وما تَنْصَبّ مِنْ أَمَمِ وقول زهير(٣): يفره ومن لا يتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ ومَنْ يَجعلِ المعروفَ من دُون عِرضِهِ وقول النابغة (٤): ولستُ بمُسْتَبْقِ أخاً لا تَلُمّهُ على شَعَثِ أيّ الرجَال المُهَذّبِ وقول عدي بن زيد : عَنِ المرءِ لا تسألْ وأَبصرْ قَرينه فإن القَرِينَ بالمُقارَنِ مُقْتدي(٥) وقول طرفة(٦): ستُبدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جَاهلاً ويأتيك بالأخبَارِ مَنْ لم تُزَوّدِ (١) بالأصل وم والمطبوعة: الحمامي، خطأ والصواب الحنائي، انظر ترجمته في سير الأعلام ١٨/ ١٣٠. (٢) البيت في ديوانه ط بيروت ص ٧٧ وفيه: إن الشقاء بدل إن البلاء. (٣) من معلقته، ديوانه ط بيروت ص ٨٧. (٤) ديوانه ط بيروت ص ١٨ . (٥) ديوانه ص ١٠٦ باختلاف الرواية. (٦) من معلقته، ديوانه ط بيروت ٤١. ٣٩٠ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي وقول عبيد(١): وغائبُ الموتِ لا يَؤُوبُ وكلّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وقول لبيد (٢): : إذا المرء أسرى لَيْلَهُ ظَنّ أنه قضى عملاً والمرءُ ما عاش عاملُ : : وقول الأعشى : ومَنْ يغترب عن قومِهِ لا يزل يرى مصارعَ مظلوم مَجَرًّا ومسحبا(٣) وقول الحطيئة (٤) : مَنْ يَفْعَلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جَوَازيه وقول الحارث بن عمرو: فَمَنْ يَلقَ خيراً يَحْمَدِ الناسُ أَمْرَه لا يذهبُ العرفُ بَيْنَ اللَّهِ والنّاس وَمَنْ يَغْوِلا يَعْدَمْ على الغيّ لائما (٥) وقول الشمّاخ (٦) : وكلّ خليل غيرُ هاضِمٍ نفسِهِ لوصْلِ خليلٍ صَارٌ أو مُعَارِزُ فقال عبد الملك: حججتك يا شعبي، يقول طفيل الغنوي (٧) : ولا ابن عَمّي، غالتني إذاً غُولُ ولا أجالس جاري في خَلِيلِهِ أين ابنُ عوفٍ أبو قُرّانِ مَجْعُولُ حتى يقال، وقد دُلّيتُ في جَدَثٍ : أخْبَرَنا أَبُو العزّ أَحْمَد بن عبيد اللّه - إذناً ومناولة وقرأ عليّ إسناده - أنا مُحَمَّد بن (١) البيت في ديوان عبيد بن الأبرص ط بيروت ص ٢٦. (٢) ديوانه ص ٢٥٤ . (٣) البيت ملفق من بيتين في ديوانه ط بيروت ص ٧ و ٨ وهما فيه: متى يغترب عن قومه لا يجد له على من له رهط حواليه مغضبا ويحطم بظلم لا يزال يرى له مصارع مظلوم مجرًّا ومسحبا (٤) البيت في ديوانه ط بيروت ص ١٠٩ . (٥) البيت في اللسان (غوى) منسوباً للمرقش، وهو من قصيدة مفضلية رقم ٥٧ للمرقش الأصغر رقم البيت ٢٢. (٦) ديوانه ص ٣١. (٧) ديوانه ص ٥٨ باختلاف الرواية. ٣٩١ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي الحُسَيْن، أَنَا المعَافى بن زكريا القاضي(١)، نا مُحَمَّد بن الحُسَيْن(٢) بن دريد، أَنَا أَبُو عثمان الأُشْنَانْدَاني(٣)، أخبرني العُتْبي قال: دخل الشعبي على عبد الملك فقال: يا شعبي، أنشدني أحكم ما قالت العرب وأوجزه، فقال: يا أمير المؤمنين قول امرىء القيس (٤): صُبّتْ عليه وما تنصبُّ من أَمَم إنّ الشَّقَاء على الأَشْقَينِ مَصْبُوبُ وقول زهير: يفره ومن لا يتق الشَّتْمَ يُشْتَمِ ومن يجعل المعروفَ من دون عرضِهِ وقول النابغة : ولستَ بمُسْتَبْقِ أخاً لا تلمُّهُ على شعثٍ أيّ الرجَال المُهَذّبِ وقول عدي بن زید : عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فإنّ القرينَ بالمقارن مُقْتَدِي وقول طرفة : ستبدي لك الأيامُ ماكنتَ جَاهلاً ويأتيك بالأخبَار مَنْ لَمْ تُزَوّدِ وقول عبید بن الأبرص : وكلّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوبُ وغائبُ الموتِ لا يَؤُوب وقول لبید : إذا المرءُ أَسْرَى ليلةٌ ظَنّ أنه قَضَى أملا والمرءُ ما عاش عامل وقول الأعشى: ومَنْ يَغْتَرِبْ عن قومِهِ لا يزل يرى مصارع مظلوم مَجَرًّا ومسحبا (١) الخبر والشعر في الجليس الصالح الكافي ٤٢٨/٢ وما بعدها. (٢) كذا بالأصل والجليس الصالح، وفي م: ((الحسن)) وهو الصواب. (٣) في م: الأشنابذاني، خطأ، واسمه سعيد بن هارون. (٤) تقدم تخريج الأبيات في الخبر السابق . ٣٩٢ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي وقول الخطيئة : من يَفْعَل الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جوازيه لا يذهب العُرْفَ بين الله والناس وقول الحارث بن عمرو : من يَلقَ خيراً يحمد الناس أمره ومن يَغْوَلا يَعْدَم على الغيّ لائما وقول الشماخ: وكلّ خليلٍ غير هاضم نفسِهِ لوصلِ خليلٍ صَارمُ أو مُعَارزُ فقال عبد الملك حججتك يا شعبي، يقول طفيل الغنوي : ولا ابن عمّي غَالَتْني إذاً غُولُ ولا أُجالسُ جاري في حَليلِهِ أينَ ابن عَوْفٍ أبو قُرّان مَجْعُول حتى يقال إذا دُلّيت في جَدَثٍ قال القاضي أَبُو الفرج: بيتا طفيل اللذان أنشدهما عبد الملك وفضلّهما، وزعم أنه حجّ الشعبي بهما - وإن كانا بليغين جيدي المعنى - فالذي أنشده الشعبي من أشعار الشعراء غير مقصِّر عنهما، ومن تأمّل [ما](١) وصفنا وجده على ما ذكرنا، من غير أن يحتاج إلى تكلّف تفسير ذلك، وإطناب في الاحتجاج له. فأمّا بيت الشماخ فإن معنى قوله غير هاضم نفسه، أي حامل عليها لخليله، والهضم: النقص، يقال: هضم فلانٌ فلاناً حقه أي نقصه، قال الله جل جلاله: ﴿ومَنْ يعملْ مِنَ الصّالِحَاتِ وهو مؤمنٌ فلا يَخَافُ ظُلْماً ولا هَضْماً﴾(٢)، وأما قوله أو مُعارز، فالمُعارز: المتقبض، يقال استعرز عني فلان إذا انقبض، وألقيت البضعة على النار فعرزتْ(٣) وكان الشماخ سلك سبيل النابغة في بيته الذي أنشده الشعبي في هذا الخبر، وأصل الغرض في هذه الجملة، على ما بين البيتين منا لأحدهما من الشّفّ من تنقيح ألفاظ الشعر، وفضل استغناء أجزاء أحد البيتين على أجزاء الآخر، وأنا قائلٌ في هذا قولاً نبين صحته ونوضح حقيقته إن شاء الله، فأقول وبالله التوفيق: إن جملة ألفاظ البيتين التي يجمعها على معنى واحد، هو أن الذي يحفظ الاخوة بين الأخوين، ويحرس الخُلّة (١) الزيادة عن م والجليس الصالح. (٢) سورة طه، الآية: ١١٢. (٣) بالأصل وم: ((أو مغارز ... استغرز ... فغرزت .. )) والمثبت عن الجليس الصالح. ٣٩٣ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي بين الخليلين أن يَلُمّ أحدهما صاحبه على شعثه ويهضم له نفسه، ومتى لم يفعل هذا لم يكن على ثقة من استيفائه(١) وكان يعرض مصارمته، وانقباضه عنه ومعارزته(٢) وبيت النابغة في هذا البيت أفحل وأوفى وأجزل وأشفى، وقد كشف عن العلّة فيما أتي به بقوله: أيّ الرجال المُهَذّب، فأحسن العبارة عن هذا المعنى، من لك يوماً بأخيك كلّه. وقد نوّه ببيت النابغة هذا رواهُ الشعر ونقلته، ونقّاده وجهابذته، واستحسنوا تكافؤ أجزائه، واستقلال أركانه، واشتماله على فقر قائمة بأنفسها، كافية كل واحدة منها. وهذا من النوع المستفصح، والفن المستعذب المستملح من أعلى طبقات البلاغة، وقد أتى القرآن منه بالكثير الذي يقل ما أتى منه في الشعر إذا قيس إليه، فتبين بالمميزين كثير فضل ما في القرآن عليه، فمن ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِم كما أُمرتَ ولا تتّبعْ أهواءهم وقل آمنتُ بما أَنْزَلَ اللَّهُ من كتابٍ وأُمرتُ لأعدلَ بينكم، الله ربّنا وربّكم لنا أعمالُنا ولكُمْ أعمالُكُم لا حُجّةَ بيننا وبينكم، الله يجمعُ بيننا وإليه المصير﴾(٣) ولنا في هذا الباب رسالة لنا فيها رجحان ما في القرآن من هذا الجنس على كثرته، على ما أتى منه في الشعر على قلته، فلم نُطلْ كتابنا هذا بإعادته، وقد ضممنا منه صدراً صالحاً كتابنا المسمى: ((البَيَان الموجز عن علوم القرآن المعجز)) ومن نظر فيه أشرف على ما يبتهج بدراسته، ويغتبط باستفادته، بتوفيق الله تعالى وهدايته. قرأت على أَبي القاسم زاهر بن طاهر، عن أبي بكر البيهقي، أَنا أَبُو عبد اللّه الحافظ. حَدَّثَني أَبُو سعيد - يعني مُحَمَّد بن أَحْمَد بن شعيب الفقيه الخَفّاف - نا الحُسَيْن بن الحُسَيْن بن منصور، نا مُحَمَّد بن عبد الوهاب، نا علي بن عثّام، عن أبيه قال : هرب الشعبي من الحجّاج بن يوسف حتى وقع إلى خُرَاسان فكتب عبد الملك إلى قُتَيبة بن مسلم في طلبه ورده إلى حضرته، فلما ورد على عبد الملك وجلس في مجلسه خَطّأه عبد الملك في أول مجلس جلس إليه في ثلاث، سمع من عبد الملك حديثاً فقال: اكتبنيه يا أمير المؤمنين، فقال: ن ن معاشر الخلفاء لا نكتب، وذكر الشعبي رجلاً فكناه (١) الجليس الصالح: استبقائه. (٢) عن الجليس الصالح وبالأصل وم: مغارزته. (٣) سورة الشورى، الآية: ١٥. ٣٩٤ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي فقال: نحن معاشر الخلفاء لا نكني في مجالسنا الناسَ، ودخل الأخطل على عبد الملك فدعا له بكرسي فقال له الشعبي: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: نحن الخلفاء فلا نُسأل، فأخجله . أخْبَرَنا أَبُو العزّ بن كادش - إذناً ومناولة وقرأ عليّ إسناده - أنا مُحَمَّد بن الحُسَيْن، أَنَا المعافى بن زكريا (١) القاضي، نا مُحَمَّد بن جعفر بن سليمان النَّهرواني (٢)، وحمزة بن الحسين(٣) بن عمر أَبُو عيسى السمسار قالا: نا أَحْمَد بن منصور الرّمَادي، نا يوسف بن بهلول التميمي، نا جابر بن نُوح الحِمّاني، حَدَّثَنِي مُجَالد، عن الشعبي قال: لما قدم الحجَّاج الكوفة قال لابن أبي مسلم: اعرض عليّ العُرَفاء (٤) فعرضهم عليه، فرأى فيهم وَخْشاً من وَخْش الناس(٥) قال: ويحك هؤلاء خلفاء الغزاة في عيالهم؟ قال: نعم، قال: اطرحهم وأغدُ عليّ بالقبائل، فغدا عليه بالقبائل على راياتها فجعلوا يُعْرضون عليه، فإذا وقعت عينه على رجل دعاه، فدعا بالشعبيين فمرت به السن الأولى فلم يدعُ منهم أحداً، ومرت السن الثانية فدعاني، فقال: من أنت؟ فأخبرته، فقال: اجلس، فجلست، فقال: قرأت القرآن؟ قلت: نعم، قال: فرضت الفرائض؟ قلت: نعم، قال: فما تقول في كذا وكذا في قول أَبي تُراب؟ فأخبرته، فقال: أصبتَ، فقال لي: نظرت في العربية؟ قلت: نعم (٦)، قال: رويتَ الشعر؟ قلت: قد نظرتُ في معانيه، قال: نظرت في الحساب؟ قلت: نعم، فقال ابن (٧) أبي مسلم: إنّا لنحتاج إليه في بعض الدواوين، قال: رويتَ مغازي رسول الله ◌ُ له؟ قلت: نعم، قال: حدثني بحدیث بدر، قال: فابتدأت له من رؤيا عاتكة (٨) حتى أذَّنَ المؤذن الظهر، ثم دخل وقال لي: لا تبرحْ، فخرج فصلّى الظهر وأتممتها له، فجعلني عَريفاً على الشعبيين ومِنكباً(٩) على جميع : (١) الخبر في الجليس الصالح الكافي ٢٨٤/١ وما بعدها. (٢) بالأصل وم: الهرواني، خطأ، والصواب عن الجليس الصالح. (٣) بالأصل وم: الحسن، خطأ، والصواب عن الجليس الصالح، وانظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٨١/٨ . (٤) العرفاء جمع عريف، وهو المقام على القوم ليعرف من فيهم من صالح وطالح. (٥) الوخش: رذالة الناس وصغارهم وغيرهم (اللسان: وخش). (٦) من قوله: فرضت الفرائض إلى هنا سقطت العبارة من الجليس الصالح. (٧) كذا بالأصل وم والمطبوعة، وفي الجليس الصالح: لابن أبي مسلم. (٨) انظر في رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله وَ الر سيرة ابن هشام ٦٠٧/١ - ٦٠٩. (٩) المنكب: رئيس العرفاء. ٣٩٥ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي هَمْدَان، وفرض لي في الشرف فلم أزل عنده بأحسن منزلة حتى كان عبد الرَّحمن بن الأشعث، فأتاني قراء أهل الكوفة، فقالوا: يا أبا عمرو إنّك زعيم القراء فلم يزالوا حتى خرجتُ معهم، فقمتُ بين الصفين أذكرُ الحجّاج وأعيبه بأشياء قد علمتها، قال: فبلغني أنه قال: أَلا تعجبون من هذا الشعبي الخبيث الذي جاءني وليس في الشرف من قومه، فألحقته بالشرف وجعلته عريفاً على الشعبيين، ومنكباً على جميع هَمْدان، ثم خرج مع عبد الرَّحمن يحرّض عليّ، أما لئن أمكن الله منه لأجعلنّ الدّنيا أضيق عليه من مَسْكِ (١) حمل، قال: فما لبثنا أن هربنا فجئت إلى بيتي، فدخلته وأغلقتُ عليّ بابي، فمكثتُ تسعة أشهر، الدنيا أضيق عَليّ كما قال من مَسْك حمل، فندب الناسَ لخُرَاسَان فقام قتيبة بن مسلم فقال: أنا لها فعقد له على خُرَاسان وعلى ما غلب عليه منها، وأمّن له كل خائف، فنادى مناديه: من لحق بعسكر قُتيبة فهو آمن، فجاءني شيء لم يجئني شيء هو أشد منه، فبعثتُ مولَى لي إلى الكُنَاسة (٢) فاشترى لي حماراً وزوّدني، ثم خرجتُ فكنتُ في العسكر فلم أزل معه حتى أتينا فَرْغِانة (٣) فجلس ذات يوم وقد بَرّقَ، فنظرتُ إليه فعرفتُ ما يريد، فقلت: أيّها الأمير عندي علم ما تريد، قال: وما أنت؟ قال: قلت: أعيذك أَلّ تسأل عن ذاك، قال: أجل، فعرف أني ممن يخفي نفسه، قال: فدعا بكتاب قال: اكتب نسخة قلت: لست تحتاج إلى ذلك، فجعلتُ أملي عليه وهو ينظر إليَّ حتى فرغت من كتاب الفتح، قال: فحملني على بغلة وأرسل إليّ بسَرَقٍ من حرير، وكنت عنده في أحسن منزلة، فإنّي ليلة أتعشى معه إذا أنا برسول من الحجّاج بكتاب فيه: إذا نظرتَ في كتابي هذا فإن صاحب كتابك عامر الشعبي، فإنْ فاتك قطعتُ يدك على رجلك وعزلتك، قال: فالتفت إليَّ فقال: ما عرفتك قبل السّاعة، فاذهب حيث شئت من الأرض، فوالله لأحلفنَّ له بكل يمين قال: قلت: يا أيها الأمير إنّ مثلي لا يَخْفى، قال: فقال: أنت أعلم، قال: فبعثني إليه مع قوم وأوصاهم بي، قال: إذا نظرتم إلى خضراء واسط فاجعلوا في رجليه قيداً ثم أدخلوه على الحجّاج، قال: فلما دنوت من واسط استقبلني ابن أبي مسلم فقال: يا أبا عمرو إني لأضنّ بك عن القتل، إذا دخلتَ على (١) مسك الحمل جلده، وفي الجليس الصالح: جمل. (٢) محلة معروفة بالكوفة. (٣) مدينة وكورة واسعة فيما وراء النهر، متاخمة لبلاد تركستان على يمين القاصد لبلاد الترك (معجم البلدان). --- ٣٩٦ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي الأمير فَقُلْ كذا وقُلْ كذا، قال: فسكتّ عنه، ثم دخلت على الحجَّاج، فلما رآني قال: لا مرحباً ولا أهلاً يا شعبي الخبيث، جئتني ولستَ في الشرف من قومك ولا عريفاً ولا مِنكباً، فألحقتك بالشرف وجعلتك عريفاً على الشعبيين ومنكباً على جميع هَمْدَان، ثم خرجتَ مع عبد الرحن تُحرّض عليّ قال: وأنا ساكت لا أجيبه، قال: فقال لي: تكلم، قال: قلتُ: أصلح الله الأمير، كلّما ذكرت من فعلك(١) فهو على ما ذكرت، وكلما ذكرت من خروجي مع عبد الرَّحمن فهو كما ذكرت، ولكنا قد اكتحلنا بعدك السَّهَر(٢) وتحلّسنا الخوف، ولم تكن مع ذلك بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء فهذا وإنْ حقنتَ لي دمي واستقبلت بي التوبة، قال: قد حقنتُ دمك واستقبلتُ بك التوبة، قال: فقال ابن أبي مسلم: الشعبيُّ كان أعلم بي مني حيث لم يقبل مني الذي قلتُ له. قال: ونا المعافى(٣)، نا مُحَمَّد بن جعفر، وحمزة بن الحُسَيْن، قالا: نا أَحْمَد بن منصور، قال: سمعت الأصمعي يقول: حَدَّثَني عثمان الشحام قال : لما أُتي الحَجَّاجُ بالشعبي عاتبه فقال له الشعبي: أصلح الله الأمير أجدب بنا الجَنَاب، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وأصابتنا خِزْية لم تكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، قال: لله أَبُوك (٤) يا شعبي. قال القاضي أَبُو الفرج: والذي ذكر في هذا الخبر على ما في هذه الرواية التي بدأنا بها ذكر الفريضة(٥) التي سأل الحجّاج الشعبي عنها فأجابه، وذكر أن أصحاب رسول الله ◌َيُ اختلفوا فيها على خمسة أقوال، فهذا على ما ذكره، وهذه فريضة من فرائض الجدّ معروفة يسميها الفَرَضيون الخرقاء(٦)، وأصول الصحابة فيها مختلفة، فمنهم من يُنْزل الجدّ منزلة الأب الأدنى ولا يورث الإِخوة والأخوات معه، ومنهم من يُعطي الأخوات من الأب والأم أو من الأب [فرائضهن ويورث الجدّ بعدما يستحقه، (١) الجليس الصالح: فضلك. (٢) تقرأ بالأصل وم: ((الشهر)) والمثبت عن الجليس الصالح. (٣) الخبر في الجليس الصالح الكافي للمعافى بن زكريا القاضي الجريري ٢٨٨/١. (٤) في الجليس الصالح: لله درّك يا شعبي. (٥) انظر الخبر بطوله في الجليس الصالح الكافي ٢٨١/١ وما بعدها. (٦) بالأصل: ((الخوف خطأ، والصواب عن م والجليس الصالح. وقيل إنها سميت بالخرقاء لتخرق أقوال الصحابة فيها، أو لأن الأقاويل خرقتها لكثرتها، وقيل غير ذلك. ٣٩٧ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي وهذا مذهب علي وعَبْد اللّه، إلّا أن عَبْد اللّه لا يفضل أمّاً على جدّ، وقد روي عنه أن هذه المسألة من مربعاته، ومنهم من ينزل الجدّ مع الأخوات من الأب والأم أو من الأب بـ](١) منزلة الأخ في المقاسمة، وبينهم في المقدار الذي ينتهي إليه المقاسمة ويفرض للجَدّ فريضة، خلاف ليس هذا موضعه، وروي منع الإخوة والأخوات الميراث مع الجد عن أبي بكر وعائشة، وابن عباس، وابن الزبير في عدد كثير من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم (٢) من علماء أمصار(٣) المسلمين وإلى هذا نذهب، وبيانه مشروح في ما ألّفناه من كتبنا في فرائض المواريث. أَخْبَرَنَا أَبُو القاسم بن السمرقندي، أَنَا أَبُو الحُسَيْنِ بنِ النَّقُور، وأَبُو منصور بن العَطار، قالا: أنا أَبُو طاهر المُخَلِّص، نا عبيد الله بن عبد الرَّحمن السكري، نا زكريا بن يَحْيَى المِنْقَري، نا الأصمعي، نا سَلَمة بن بلال، عن مُجَالد، عن الشعبي قال: جاء رسول الحَجَّاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم: أن ابعث إليَّ بالشعبي، فقال قُتيبة للرسل: ما كنتم فاعلين بي فافعلوه به، وقال: قُلْ ما شئتَ واستشهدني. أنْبَأنا أَبُو علي بن نبهان. وَأَخْبَرَنَا أَبُو القاسم بن السمر قندي، أَنَا أَبُو طاهر البَاقِلاني. ح وحدَّثنا أَبُو الفضل بن ناصر، أَنَا مُحَمَّد بن إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد، وأَبُو علي بن نبهان، قالوا (٤) : أنا أَبُو علي بن شاذان، أَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن الحَسَن بن مِقْسَم، نا أَبُو العباس أَحْمَد بن يَحْيَى ثعلب، قال: وأنا الأصمعي قال: لما دخل الشعبي على الحَجَّاج قال: هيه يا شعبي، فقال: أحزن بنا المنزل، وأجدب بنا الجَنَاب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السَّهَر، وأصابتنا خزية لم نكن فيها فجرة أقوياء، ولا بررة أتقياء، قال: لله درّك يا شعبي. أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَن بن قُبَيَس، أَنَا أَبُو الحَسَن بن أبي الحديد، أَنا جدي أَبُو بكر، أَنَا أَبُو مُحَمَّد بن زَبْر، نا بِشْر بن موسى نا الأصمعي، نا عثمان الشحام قال: لما أُتّي (١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن م والجليس الصالح. (٢) عن م والجليس الصالح وبالأصل: ومن بعد. (٣) في الجليس الصالح: علماء الأمصار والمسلمين. (٤) في م: قال. ٣٩٨ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي الحَجَّاجِ بالشعبي قال: أجدبَ بنا الجَنَاب، وأحزن بنا المنزل، واكتحلنا السَّهَر، واستحلسنا الخوف، وأصبتنا خِزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، قال: لله أَبُوك(١). أَخْبَرَنَا أَبُو غالب أَحْمَد بن الحَسَن بن البنّا - فيما قرأت عليه - عن أَبي مُحَمَّد الجوهري، أَنَا أَبُو عمر بن حيُّوية، أَنَا أَحْمَد بن معروف، نا الحُسَيْن بن الفهم، نا مُحَمَّد بن سعد(٢) قال: قال أصحابنا: كان الشعبي فيمن خرج مع القراء على الحَجَّاج وشهد ديرَ الجَمَاجِم (٣)، وكان فيمن أفلت فاختفى زماناً، وكان يكتب إلى يزيد بن أبي مسلم أن يكلّم فيه الحَجَّاج فأرسل إليه: إنّي والله ما أجترىء على ذلك، ولكن تحيّن جلوسه للعامة ثم ادخلْ عليه حتى تمثل بين يديه وتكلّم بعذرك وأقرّ بذنبك واستشهدني على ما أحببت أشهد لك، قال: ففعل الشعبي، فلم يشعر الحَجَّاج إلّ وهو قائم بين يديه قال له: أشعبي، قال: نعم أصلح الله الأمير(٤)، قال: ألم آمر أن تؤمّ قومك ولا يؤم. مثلك؟ قال: بلى، أصلح الله الأمير، قال: ألم أعرّفك على قومك ولا يُعرّف مثلك؟ قال: بلى، أصلح الله الأمير، قال: ألم أوفدك على أمير المؤمنين ولا يوفد مثلك؟ قال: بلى، أصلح الله الأمير، قال: فما أخرجك مع عبد الرَّحمن؟ قال: أصلح الله الأمير خَبطتنا فتنة فما كنا فيها بأبرار أتقياء، ولا فجار أقوياء، وقد كتبتُ إلى يزيد بن أبي مسلم أعلمه ندامتي على ما فرط مني ومعرفتي بالحق الذي خرجتُ منه، وسألته أن يخبر بذلك الأمير ويأخذ لي منه أماناً فلم يفعل، فالتفتَ الحَجَّاج إلى يزيد فقال: أكذلك يا يزيد؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، قال: فما منعك أن تخبرني بكتابه؟ قال: الشغل الذي كان فيه الأمير، فقال الحَجَّاج: أول، انصرف، فانصرف الشعبي إلى منزله آمناً. أنْبَأنا أَبُو طالب عبد القادر بن مُحَمَّد بن يوسف، أَنا إبراهيم. ------ (١) بعدها في م العبارة التالية: آخر الجزء الرابع بعد الثلثمئة، وهو آخر الثلاثين بعد المئتين. (٢) الخبر في طبقات ابن سعد ٢٤٩/٦. (٣) موضع بظاهر الكوفة. (٤). بعدها في م: قال: ألم أقدم البلد وعطاؤك كذا وكذا فزدتك في عطائك ولا يزاد مثلك؟ قال: بلى أصلح الله الأمير. وانظر ابن سعد ٢٤٩/٩. ٣٩٩ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي ح وحَدَّثَنَا أَبُو المَعْمَر المبارك بن أَحْمَد، أَنا المبارك بن عبد الجبّار، أَنا علي بن عمر وإبراهيم بن عمر قالا: أنا أَبُو عمر بن حيُّوية، أَنا عبيد الله بن عبد الرّحمن السكري، نا أَبُو مُحَمَّد بن قُتَيبة الدِّيْنَوَري قال في حديث الشعبي : أنه أُتي به الحَجَّاج فقال: خرجت عليَّ يا شعبي؟ قال: أصلح الله الأمير أجدب بنا الجَنَاب، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السَّهَر، وأصابتنا الخِزْية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، قال: لله أَبُوك. ثم أرسله. حَدَّثَنيه سهل، حَدَّثَناه الأصمعي، عن عثمان الشحام. الجَنَاب ما حَوْلَ القوم، يقال: أخصب جَنَاب القوم وأجدبَ جَنَابهم، ومنه قول مُجَاهد: إن لأهل النار جَنَاباً يستريحون إليه، فإذا أتوه لسعتهم عقارب كأمثال البغال الدُّلْم. وأحزن بنا المنزل: هو من الحُزونة وهي غلظ المكان وخشونته. وقوله: استحلسنا الخوف، من الحِلْس الذي يُبسط في البيت، ويُقعد عليه، ومنه قيل في الحديث: كُنْ حِلْسَ بيتك - يعني: في الفتنة - وقال جابر: قال رسول الله وَله: ((مررتُ على جبريل ليلة أُسريَ بي كالحِلْس البالي من خشية الله)) [٥٤٢٨]. والحِلْسُ: كساء يكون تحت بردعة البعير، أي صار الخوف لنا حِلْساً، والسَّهَر لنا کحلاً. وأصابتنا خِزْيٌ، أي خَصلة خزينا منها، أي استحيينا. يقال: خَزي فلان يَخْزَي خِزَاية، قال الشاعر: فإنّي بِحَمْدِ الله لا ثوبَ عاجزِ لبستُ ولا من خِزْيَةٍ أتقنّعُ(١) أَخْبَرَنَا أبو العزّ بن كادش - فيما قرأ عليّ إسناده وناولني إياه وأذن لي فيه - أنا أَبُو علي مُحَمَّد بن الحُسَيْن، أَنا القاضي أَبُو الفرج الجَريري(٢)، نا أَحْمَد بن عبد الله بن (١) بالأصل: ((لايوب عاجر .. القمع)) صوبنا البيت عن م والمطبوعة، وقد نسب بحواشي المطبوعة إلى برذع بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد، ابن أخي قتادة بن النعمان. وانظر تخريجه فيها . (٢) عن م وبالأصل الحريري خطأ، وهو صاحب كتاب الجليس الصالح الكافي. والخبر بطوله في كتابه المذكور ١/ ٢٨٠ وما بعدها. ٤٠٠ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي نصر بن بُجَير(١) القاضي، أخبرني أبي عبد الله بن نصر بن بُجَير(١)، حَدَّثَنِي أَبُو جعفر مُحَمَّد بن عبّاد بن موسى، نا عبّاد بن موسى (٢)، أخبرني أَبُو بكر الهُذَلي(٣)، قال: قال لي الشعبي : أَلَا أحدّثكم حديثاً تحفظه في مجلس واحد إنْ كنتَ حافظاً كما حفظته أنا، لما أُتي بي الحجّاج وأنا مقيّد خرج إلي يزيد بن أبي مسلم، فقال: إنا لله، وما بين دفتيك من العلم يا شعبي، وليس بيوم شفاعة، إذا دخلتَ على الحجَّاج فتوله بالشرط (٤) والنفاق على نفسك، فبالحري أن تنجو، فلمّا كنتُ قريباً من الإيوان خرج إلي مُحَمَّد بن الحجّاج فقال: إنا لله، وما بين دفتيك من العلم يا شعبي، وليس بيوم شفاعة، إذا دخلت على الأمير فبؤله بالشرك والنفاق على نفسك، فبالحري أن تنجو، فلما قمتُ بین یدیه قال: هِي يا شعبي، أكرمتك وأدنيتك وقرّبتُ مجلسك، ثم خرجتَ علينا، قلت: أصلح الله الأمير أحزن بنا المنزل، وأجدب الجَنَاب، وضاق المسلك، واكتحلنا السهر، واستحلسنا الخوف، ووقعنا في خِزْيَة لم نكن فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء، قال: صدق، والله ما بروا حيث خرجوا ولا قووا حيث فجروا، أطلقوا عنه. ثم قال: تعهّدني وكُنْ مني قريباً، فأرسل إليّ يوماً نصف النهار وليس عنده أحد، فقال: ما تقول في أمّ وجدّ وأخت؟ قلت: اختلف فيها خمسة من أصحاب مُحَمَّد ◌َهه قال: من؟ قلت: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعثمان، وزيد بن ثابت. قال: فما قال علي؟ قلت: جعلها من سننه، فأعطى الأخت النصف: ثلاثة، وأعطى الأم الثلث: سهمين، وأعطى الجد السُّدُس: سهماً. قال: فما قال ابن مسعود؟ قلت: جعلها أيضاً من ستة، وكان لا يفضل أمّاً على جدّ، فأعطى الأخت النصف ثلاثة، وأعطى الأم ثلث ما بقي، وأعطى الجد ما بقي سهمين . (١) بالأصل وم: بحير، خطأ والصواب عن الجليس الصالح. (٢) قوله: ((نا عباد بن موسى)) سقط من الجليس الصالح. (٣) قيل اسمه سلمى بن عبد الله بن سلمى (تهذيب التهذيب ٤٥/١٢) ويقال إن اسمه روح، وقيل اسمه عبد الله بن سلمی. (٤) في م: ((منوله بالشرك)) وفي الجليس الصالح: فبؤله بالشرك. :