Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد منافیه.
قال: ثم يقول طاوس: ما رأيت أحداً أشد تعظيماً للحرم من ابن عباس ،، ولو أشاء
أن أبكي لبكيت.
أَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد هبة الله بن أَحْمَد بن عبد اللّه، أَنَا أَبُو الغنائم بن أبي عثمان، أَنَا
عبد اللّه بن عبيد اللّه بن يحيى، نا أَبُو عبد اللّه المحاملي، نا مُحَمَّد بن عمرو بن أَبي
مذعور، نا سفيان بن عُيينة، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، [أنه] سمع طاوساً يقول: سمعت
ابن عباس يقول: استشارني حسين بن [علي في] الخروج فقلت: لولا أن يزري ذلك بي
أو بك لنشبت يدي في رأسك [قال: ] فكان الذي رد عليّ أن قال: لأن أقتل بمكان كذا
وكذا أحبّ إليّ من أن يستحل بي (١) ذلك [فقال ابن عباس: فكان هذا هو](٢) الذي
سلّا بنفسي عنه.
قال: ثم يحلف طاوس: أنه [لم] ير رجلاً أشد تعظيماً للمحارم من ابن عباس لو
أشاء أن أبكي لبكيت.
أَخْبَرَنا أَبُو الحَسَن علي بن المُسَلّم الفقيه، أَنَا أَبُو نصر بن طِلّب، أَنَا أَبُو بكر بن
أَبِي الحديد، أَنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن بشر (٣) الزّبيري، نا مُحَمَّد بن بحر بن مطر، نا
الحَسَن بن قتيبة، نا يحيى بن إسماعيل البَجَلي، عن الشعبي، قال (٤): لما توجه
الحُسَيْن بن علي العراق قيل لابن عمر: إن أخاك الحُسَيْن قد توجه إلى العراق، فأتاه.
فناشده الله فقال: إن أهل العراق قوم مناكير، وقد قتلوا أباك وضربوا أخاك وفعلوا .
وفعلوا، فلما آيس منه عانقه وقبّل بين عينيه، وقال: استودعك الله من قتيل، سمعت
رسول الله وَلا يقول: ((إن الله عز وجل أبى لكم الدنيا)) [٣٥٤١].
أخبرناه أَبُو عبد اللّه الفُرَاوي، أَنَا أَبُو بكر البيهقي(٥)، أَنا أَبُو الحَسَن علي بن
مُحَمَّد بن علي المقرىء، أَنَا الحَسَن بن مُحَمَّد بن إسحاق الإسقرايني، نا يوسف بن
يعقوب القاضي، نا مُحَمَّد بن عبد الملك بن زَنجوية» نا شبابة بن سَوَّارٍ، نا يحيى بن
(١)، بالأصل: ((يستحل بذلك)) والمثبت عن الترجمة المطبوعة ص ١٩١.
(٢) ما بين معكوفتين زيادة لازمته عن الترجمة المطبوعة وعن رواية الخبر السابقة.
(٣)) في الترجمة المطبوعة: بشير.
(٤) الخبر في سير الأعلام ٢٩٢/٣.
(٥) الخبر في دلائل البيهقي ٦/ ٤٧٠.

.٢٠٢
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
سالم الأسدي(١)، قال: سمعت الشعبي، يقول: كان ابن عمر قدم المدينة فأُخبر أن
الحُسَيْن بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة
فقال: أين تريد؟ قال: العراق - ومعه طوامير وكتب - فقال: لا تأتهم، فقال: هذه كتبهم
وبيعتهم، قال: إن الله عز وجل [خيّر](٢) نبيّه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد
الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله وَ له والله لا يليها أحد منكم أبداً، وما صرفها الله عز
وجل عنكم إلّ للذي هو خير لكم فارجعوا، فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم، قال:
فاعتنقه ابن عمر، وقال: استودعك الله من قتيل.
أَخْبَرَنا أَبُو طالب علي بن عبد الرَّحْمن بن أَبِي عُقيل، أَنا علي بن الحَسَن بن
الحُسَيْنِ، أَنَا أَبُو مُحَمَّد بن النحاس، أَنَا أَحْمَد بن مُحَمَّد بن زياد، نا أَبُو بكر يحيى بن
جعفر بن عبد الله بن الزِّبْرِقان، نا شَبابة بن سَوَّار، نا يحيى بن إسماعيل بن سالم
الأسدي، قال: سمعت الشعبي، يحدّث عن ابن عمر أنه كان بماء له فبلغه أن
الخُسَيْن بن علي قد توجّه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال له: أين
تريد؟ فقال: العراق. وإذا معه طوامير كتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا
تأتيهم(٣). فأبى قال: إني محدثك حديثاً: إن جبريل أتى النبي ◌َ ﴿ فخيَّره بین الدنيا
والآخرة فاختار الآخرة، ولم يرد الدنيا وإنكم بضعة من رسول الله و ل ﴿ والله لا يليها أحد
منكم، وما صرفها الله عنكم إلّ للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع. قال: واعتنقه ابن
عمر وبکی وقال: استودعك الله من قتیل.
أَخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد بن طاوس، أَنَا أَبُو القاسم بن أبي العلاء، أَنَا أَبُو الحَسَن
مُحَمَّد بن عوف بن أَحْمَد المُزَني، أَنَا أَبُو القاسم الحَسَن بن علي ح.
قال: وأنا ابن أبي العلاء، أَنَا أَبُو عبد اللّه مُحَمَّد بن حمزة بن مُحَمَّد بن حمزة
الحَرَّاني، قال: قُرىء على أَبي القاسم الحَسَن بن علي البَجَلي، أَنَا أَبُو بكر أَحْمَد بن
علي بن سعيد، نا يحيى بن معين، نا أَبُو عبيدة، نا سليم بن حيان، قال الحَرَّاني:
(١) كذا بالأصل هنا يحيى بن سالم الأسدي، ومرّ في الحديث السابق: يحيى بن إسماعيل البجلي.
انظر ترجمة الأسدي في الجرح والتعديل ١٢٦/٩ فقد ورد أنه روی عنه شبابة بن سوار ولم يرد أنه روی
عن البجلي رغم أنهما رويا عن الشعبي. فلعله حرف في الحديث السابق.
(٢) الزيادة عن دلائل البيهقي.
(٣) كذا والصواب: لا تأتهم.

٠٠
٢٠٣
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
٤
سليمان بن سعيد بن مينا، قال: سمعت عبد الله بن عمر(١) يقول: عجّل حسين قدره
عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما كان ليخرج إلاّ أن يغلبني، ببني هاشم فتح، وببني
هاشم ختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان(٢).
أَخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السّمرقندي، أَنَا أَبُو بكر بن الطبري، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن
الفضل، أَنا عبد الله بن جعفر، نا يعقوب، نا أَبُو بكر الحُمَيدي، نا سفيان [نا](٣)
عبد الله بن شريك، عن بشر بن غالب أنه سمعه يقول: قال عبد الله بن الزبير
الحسين بن علي: أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك؟ وطعنوا خالك؟ فقال له حسين: لأن
أُقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن تستحل بي - يعني مكة _ (٤).
أَخْبَرَنا أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الفراء، وأَبُو غالب أَحْمَد، وأَبُو عبد اللّه
يحيى ابنا الحَسَن، قالوا: أنا أَبُو جعفر بن المَسْلَمةِ، أَنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمُن بن
العباس، أَنَا أَحْمَد بن سليمان، نا الزّبير بن بكّار، حَدَّثَني عمي مُصْعَب بن عبد اللّه،
أخبرني من سمع هشام بن يوسف الصَّنْعاني، يقول عن مَعْمَر قال: وسمعت رجلاً
يحدث عن الحُسَيْن بن علي، قال: سمعته يقول لعبد الله بن الزبير: ائتني بيعة أربعين
ألفاً يحلفون لي بالطلاق والعتاق من أهل الكوفة - أو قال: من أهل العراق - فقال له
عبد الله بن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟ قال أَبُو يوسف(٥):
فسألت مَعْمَراً عن الرجل، فقال: هو ثقة.
[قال الزبير] قال عمي: وزعم بعض الناس أن عبد الله بن العباس هو الذي قال
هذا(٦).
قال: أونا الزبير، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن فَضَالة، عن أَبي مِخْتَف، حَدَّثَني عبد الملك بن
((عمرو)) والمثبت عن الترجمة المطبوعة.
(١) بالأصل
(٢) كذا.
(٣) زيادة للإيضاح.
(٤) الخبر في البداية والنهاية ١٦١/٨ ونقله الذهبي في سير الأعلام ٢٩٣/٣ من طريق ابن المبارك عن
بشر بن غالب.
(٥) الترجمة المطبوعة: ((هشام بن يوسف)) كذا وكنية هشام أبو عبد الرحمن، انظر ترجمته في سير الأعلام
٩/ ٥٨٠.
(٦) والخبر في بغية الطلب ٦/ ٢٦٠٤ - ٢٦٠٥.

٢٠٤
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
نوفل بن مساحق، عن أبي سعيد المَقْبُري، قال: والله لرأيت الحُسَيْن وانه ليمشي بين
رجلين يعتمد على هذا مرة وعلى هذا مرة وعلى هذا أخرى، حتى دخل مسجد
رسول الله ﴾﴾ وهو يقول:
مغيراً ولا دُعيت يزيدا
لا ذعرتُ السوام في غبش الصبح
والمنايا ترصدنني أن أحيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيماً
قال: فعلمت عند ذلك أَلّ يلبث إلّ قليلاً حتى يخرج، فما لبث أن خرج حتى لحق
بمكة (١).
قال: ونا الزبير، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الضحاك، قال: خرج الحُسَيْن بن علي من مكة
إلى العراق، فلما مرّ بباب المسجد الحرام قال:
مغيراً ولا دُعِيت يزيدا
لا ذعرتُ السوام في فلق الصبح
والمنايا ترصدنني أن أحيدا
يوم أعطي مخافة الموت ضيماً
أَخْبَرَنا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الباقي البزاز، أَنَا الحَسَن بن علي الشاهد، أَنَا
مُحَمَّد بن العباس الخزاز، أَنَا أَحْمَد بن معروف، نا الحُسَيْن بن فهم الفقيه، نا مُحَمَّد بن
سعد، أَنَا مُحَمَّد بن عمر، نا ابن أبي ذئب حَدَّثَني عبد الله بن عُمَير مولى أم الفضل.
قال: وأنا عبد اللّه بن مُحَمَّد بن عُمَر بن علي، عن أبيه ح.
قال: وأنا یحیی بن سعید بن دینار السعدي، عن أبيه ح.
قال: وحَدَّثَنِي عبد الرَّحْمُن بن أبي الزناد(٢)، عن أَبي وجزة السعدي، عن علي بن
حسين، قال: وغير هؤلاء أيضاً قد حَدَّثَنِي، قال مُحَمَّد بن سعد: وأخبرنا علي بن
مُحَمَّد، عن يحيى بن إسماعيل بن أَبي المهاجر، عن أَّبيه، وعن لوط بن يحيى
الغامدي، عن مُحَمَّد بن بشير الهَمْداني وغيره، وعن مُحَمَّد بن الحجاج، عن
عبد الملك بن عُمير [وعنا وهارون بن عيسى، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه،
وعن يحيى بن زكريا بن(٣) أَبي زائدة، عن مجالد(٤)، عن الشعبي، قال ابن سعد: وغير
(١) الخبر والبيتان في ابن العديم ٦/ ٢٠٢٠٥ .
(٢) بالأصل ((الزياد)) خطأ والمثبت عن سير الأعلام ٢٩٣/٣.
(٣) بالأصل: ((عن) والصواب ما أثبت، ترجمته في سير الأعلام ٣:٣٧/٨.
(٤٥) في الترجمة المطبوعة: ((مجاهد» خطأ، ونفي ترجمة ابن أبي زائدة أنه يروي عنه مجالد. (السير).

٢٠٠٥
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
هؤلاء أيضاً قد حَدَّثَني في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحُسَيْن
رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته وبركاته، قالوا(١): لما بايع معاوية بن أبي سفيان
الناس ليزيد بن معاوية، كان حسين بن علي بن أبي طالب ممن لم يبايع له، وكان أهل
الكوفة يكتبون إلى حسين بن [علي يدعونه](٢) إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل
ذلك يأبى، فقدم منهم قوم إلى مُحَمَّد بن الحنفية فطلبوا إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء
إلى الحُسَيْن فأخبره بما عرضوا عليه، وقال: إن القوم إنما(٣) يريدون أن يأكلوا بنا
ویشيطوا دماءنا .
فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم ومرة يجمع
الإقامة، فجاءه أَبُو سعيد الخُدري، فقال: يا أبا عبد اللّه إني لكم ناصح وإني عليكم
مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا
تخرج فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملّوني وأبغضوني،
وما بلوت منهم وفاء، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات (٤) ولا عزم
أمر، ولا صبر على السيف.
قال: وقدم المُسَيِّب بن نَجَبَةِ (٥) الفَزاري وعدة معه إلى الحُسَيْن بعد وفاة الحَسَن
فدعوه إلى خلع معاوية، وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك فقال: إني أرجو أن يعطي
الله أخي على نيته في حبه الكفّ، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين.
وكتب مروان بن الحكم إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصداً
للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلاً.
فكتب معاوية إلى الحُسَيْن: إنّ من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء،
وقد أُنبئت أن قوماً من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جرّبت،
(١) الخبر نقله ابن العديم في بغية الطلب ٢٦٠٦/٦ وسير الأعلام ٢٩٣/٣.
(٢) بالأصل ((إلى حسين بن عرنة)) كذا والمثبت والزيادة بين معكوفتين يوافق عبارة ابن العديم وسير
الأعلام.
(٣) عن ابن العديم وبالأصل ((لما)) وسقطت اللفظة من السير.
(٤) بالأصل: ((ثياب)) والمثبت عن ابن العديم وسير الأعلام.
(٥) مهملة بالأصل ورسمها: ((محبة)) والمثبت عن ابن العديم والسير والمسيب بن نجبة من زعماء الكوفة،
وأحد الذين قُتلوا في معركة عين الوردة، وكان من قادة التوّابين.

٢٠٦
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتّق الله، واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أَكِذك.
فكتب إليه الحُسَيْن: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحَسَنات لا
يهدي لها إلّ الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافاً، وما أظن لي عند الله عذراً في
ترك جهادك، ولا أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة.
فقال معاوية: إنْ أَثَرْنا بأَبي عبد اللّه إلّ أسداً.
وكتب إليه معاوية أيضاً في بعض ما بلغه عنه: إني لأظن أن في رأسك فروة (١)
فوددت أني أدركها فأغفرها لك.
قال: وأنا علي بن مُحَمَّد، عن جويرية بن أسماء، عن نافع (٢) بن شيبة، قال: لقي
الحُسَيْن معاوية بمكة عند الردم(٣) فأخذ بخطام راحلته فأناخ به ثم سارّه حسين طويلاً
وانصرف، فزجر معاوية راحلته فقال له يزيد: لا يزال رجلٌ قد عرض لك فأناخ بك؟
قال: دعه لعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله.
رجع الحديث إلى الأول، قالوا: ولما حُضر معاوية دعا يزيد بن معاوية فأوصاه
بما أوصاه به، وقال له: انظر حسين بن علي [و]ابن فاطمة بنت رسول الله وَ له فإنه أحب
الناس إلى الناس فصلْ رحمه، وارفقْ به يصلح لك أمره، فإن يك منه شيء فإني أرجو أن
یکفیکه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه.
وتوفي معاویة لیلة النصف من رجب سنة ستین، وبایع الناسُ لیزید. فکتب یزید
مع عبد الله بن عمرو بن إدريس(٤) العامري - عامر بن لؤي - إلى الوليد بن عُتبة بن أَبي
سفيان - وهو على المدينة -: أن ادع الناس فبايعهم وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من
تبدأ به الحُسَيْن بن علي، فإن أمير المؤمنين رحمه الله عهد إليّ في أمره الرفق به
و استصلاحه .
فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحُسَيْن بن علي وعبد الله بن الزبير
(١) كذا، وفي الترجمة المطبوعة: ((فزوة)) وفي ابن العديم: ((نزوة)).
(٢) كذا بالأصل وابن العديم، وفي سير الأعلام: ((مسافع بن شيبة)).
(٣) ردم بفتح أوله وسكون ثانيه: ردم بني جُمح بمكة (ياقوت).
(٤) في المطبوعة: ((أويس) وفي ابن العديم: ((أوس)).

٢٠٧
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة ليزيد، فقالا: نصبح فننظر ما يصنع الناسُ،
فوثب الحُسَيْن فخرج وخرج معه ابن الزبير وهو يقول: هو يزيد الذي يعرف، والله ما
حدث له حزم(١) ولا مروءة.
وقد كان الوليد أغلظ للحسين، فشتمه الحُسَيْن وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه
فقال الوليد: إن هجنا بأَبي عبد اللّه إلّ أسداً، فقال له مروان - أو بعض جلسائه -:
اقتله، قال: إن ذلك لدم مضنون(٢) في بني عبد مَنَاف.
فلما صار الوليد إلى منزله قالت له امرأته أسماء ابنة(٣) عبد الرَّحْمُن بن
الحارث بن هشام: أسببت حسيناً؟ قال: هو بدأ فسبّني، قالت: وإنْ سبّك حسين تسبّه،
وإن سبّ أباك تسبّ أباه؟ قال: لا.
وخرج الحُسَيْنِ وعبد الله بن الزبير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس فغدوا
على البيعة ليزيد وطُلب الحُسَيْن وابن الزبير فلم يوجدا، فقال المسور بن مَخْرَمة: عجّل
أَبُو عبد الله وابن الزبير الآن يلقيه (٤) ويزجيه إلى العراق ليخلو بمكة.
فقدما مكة فنزل الحُسَيْن دار العباس بن عبد المطلب ولزم ابن الزبير الحِجْر (٥)
ولبس المعافري(٦)، [وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى
الحُسَيْن ويشير عليه أن يقدم العراق](٧) ويقول: هم(٨) شيعتك وشيعة أَبيك، فكان
عبد اللّه بن عباس ينهاه عن ذلك ويقول: لا تفعل، وقال له عبد الله بن مُطيع: أي فداك
أَبي وأمي متّعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذنا(٩)
خَوَلاً وعبيداً.
(١) بالأصل: ((حرم ولا مروه.)) والمثبت عن ابن العديم.
(٢) في سير الأعلام: لدم مصون.
(٣) الترجمة المطبوعة: بنت.
(٤) في ابن العديم: يلفته ویرجّيه.
(٥) بالأصل ((الحجري)) والمثبت عن ابن العديم وسير الأعلام.
(٦) برود يمنية منسوبة إلى المعافر، قبيلة.
(٧) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن ابن العديم وسير الأعلام.
(٨) عن ابن العديم والسير، وبالأصل ((هو).
(٩) كذا، وفي سير الأعلام: ((ليتخذونا)) أظهر.

٢٠٨
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
ولقيهما عبد اللّه بن عمر، وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة بالأبواء (١) منصرفين
من العمرة، فقال لهما ابن عمر: اذكر كما الله إلّ رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه
الناس، وتنظرا فإن اجتمع الناس عليه لم تشذا، وإن افترق عليه كان الذي تريدان.
وقال ابن عمر لحسين: لا تخرج فإن رسول الله وَ له خيَّره الله بين الدنيا والآخرة
فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تعاطھا (٢) - يعني الدنيا - فاعتنقه وبكى، وودعه.
فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج ولعمري لقد رأى في
أَبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما
عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير.
وقال له ابن عباس: أين تريد يا ابن فاطمة؟ قال: العراق وشيعتي. فقال: إني
لكاره لوجهك هذا، تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ حتى تركهم سخطة ومّة
لهم. أذكرك الله أن تغرر بنفسك.
وقال أَبُو سعيد الخُدري: غلبني الحُسَيْن بن علي على الخروج، وقد قلت له: اتّق
الله في نفسك. والزم بيتك فلا تخرج على إمامك.
وقال أَبُو واقد الليثي: بلغني خروج حسين فأدركته بملل (٣) فناشدته الله أن لا
يخرج، فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما يقتل نفسه، فقال: لا أرجع.
وقال جابر بن عبد اللّه: كلّمت حسيناً فقلت: اتّق الله ولا تضرب الناس بعضهم
ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم، فعصاني.
وقال سعيد بن المُسَيِّب: لو أن حسيناً لم يخرج لكان خيراً له.
وقال أَبُو سَلَمة بن عبد الرَّحْمن: قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا
يخرج إليهم، ولكنه شجعه على ذلك ابن الزبير .
وكتب إليه المِسْوَر بن مَخْرَمة: إيّاك أن تغترّ بكتب أهل العراق، ويقول لك ابن
(١) قرية من أعمال المدينة بها قبرآمنة بنت وهب أم النبي ﴾ (ياقوت) وفي ابن العديم: الأفواء.
(٢) في السير: لا تنالها.
(٣) ملل: موضع في طريق مكة بين الحرمين، وهو منزل على طريق المدينة إلى مكة على ثمانية وعشرين
ميلاً من المدينة (ياقوت).
١
:

٢٠٩
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
الزبير: الْحق بهم فإنهم ناصروك، إياك أن تبرح الحرم فإنهم إن كانت لهم بك حاجة
فسيضربون آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة، فجزاه خيراً، وقال: أستخير
الله في ذلك.
وكتبت إليه عَمْرَة بنت عبد الرَّحْمن تعظّم(١) عليه ما يريد(٢) أن يصنع، وتأمره
بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره انه إنما يُساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لحدثتني
عائشة أنها سمعت رسول الله وَ الهم يقول: ((يقتل حسين بأرض بابل)) فلما قرأ كتابها قال:
فلا بد لي إذاً من مصرعي ومضى (٣٥٤٢].
وأتاه أَبُو بكر بن عبد الرَّحْمُن بن الحارث بن هشام، فقال: يا ابن عم إن
الترحم (٣) نظارتي عليك وما أدري كيف أنا عندك في النصيحة لك؟ قال: يا أبا بكر ما
أنت ممن يستغش ولايتّهم فقل، قال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأَبيك وأخيك،
وأنت تريد أن تسير إليهم؟ وهم عبيد الدنيا فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك
من أنت أحب إليه ممن ينصره فأذكّرك الله في نفسك.
فقال: جزاك الله يا ابن عم خيراً، فقد اجتهدت رأيك، ومهما يقضي الله من أمر
يكن، فقال أَبُو بكر: إنا لله، عند الله نحتسب أبا عبد الله.
وكتب عبد اللّه بن جعفر بن(٤) أَبي طالب إليه كتاباً يحذّره أهل الكوفة، ويناشده
الله أن يشخص إليهم، فكتب إليه الحُسَيْن: إني رأيت رؤيا ورأيت فيها رسول الله واله
وأمرني بأمر أنا ماضٍ له(٥)، ولست بمخبر بها أحداً حتى ألاقي عملي.
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن
يصرفك عما(٦) يرديك بلغني أنكَ قَد اعتزمت على الشخوص إلى العراق، فإني أعيذك
بالله من الشقاق، فإن كنت خائفاً فأقبل إليّ فلك عندي الأمان والبر والصلة.
(١) بالأصل ((ففطم) والمثبت عن ابن العديم ٢٦٠٩/٦ والسير ٢٩٦/٣.
(٢) قوله: ((ما يريد)) استدرك عن هامش الأصل.
(٣) كذا بالأصل والترجمة المطبوعة، وفي ابن العديم: إن الرحم تظارني.
(٤) بالأصل ((إلى)).
(٥) انظر الخبر في تاريخ الطبري ٣٨٨/٥ وسير الأعلام ٢٩٧/٣.
(٦) عن ابن العديم وبالأصل ((عنا)).

٢١٠
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
فكتب إليه الحُسَيْن: إن كنتَ أردتَ بكتابك إليّ برّي وصلتي فجزيت خيراً في
الدنيا والآخرة. وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال: إنني من
المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله
مخافة في الدنيا توجب لنا أمان الآخرة عنده.
وكتب(١) يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن عباس يخبره بخروج حسين إلى مكة
ويحسبه جاءه رجال من أهل هذا المشرق فمنّوه الخلافة، وعندك منهم خبرة وتجربة،
فإن كان فعل فقد قطع واشج القرابة. وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن
السعي في الفرقة.
وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش (٢):
على غدافرة(٤) في سيرها قحم
يا أيها الراكب الغادي مطيته (٣)
بيني وبين حسين الله والرحم
عهد الإله وما يوفى به الذمم
أمّ لعمري حصان برة كرم
بنت الرسول وخير الناس قد علموا
من قومكم لهم في فضلها قسم
والظنّ يصدق أحياناً فينتظم
قتلى تهاذاكم العقبان والرخم
وأمسكوا بحبال السلم واعتصموا
من القرون وقد بادت بها الأمم
فربّ ذي بلخ زلّت به القدم
أبلغ قريشاً على نأي المزار بها
وموقف بفناء البيت أنشده
عنيتم قومكم فخراً بأمكم
هي التي لا يداني فضلها أحد
وفضلها لكم فضل وغيركم
إني لأعلم أو ظنّا كعالمه
أن سوف يترككم ما تدّعون بها
يا قومنا لا تشبوا الحرب إذا سكنت
قد غرّت الحرب ممن كان قبلكم
فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً
قال: فكتب إليه عَبْد اللّه بن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحُسَيْن لأمر
تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كلّ ما يجمع الله به الإلفة وتطفى به النائرة.
(١) ابن العديم: بغية الطلب ٦/ ٢٦١٠.
(٢) الأبيات في بغية الطلب ٦/ ٢١٠.
(٣) ابن العديم: لطيته.
(٤) ابن العديم: ((عذافرة)) وهي الناقة الصلبة القوية (النهاية).

٢١١
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
ودخل عَبْد اللّه بن عباس على الحُسَيْن فكلّمه ليلاً طويلاً، وقال: أنشدك الله أن
تهلك غداً بحالٍ مضيعة لا تأتي العراق، وإن كنتَ لا بد فاعلاً فأقم حتى ينقضي الموسم
وتلقى الناس وتعلم على ما يصدرون ثم ترى رأيك - وذلك في عشر ذي الحجة سنة
ستين - فأبى الحُسَيْن أن لا يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لأظنك
ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني أخاف أن تكون
الذي يقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فقال: أبا العباس، إنك شيخ قد كبرت.
فقال ابن عباس: لولا أن يزري ذلك بي أو بك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم
أنا إذا تناصبنا أقمتَ لفعلتُ، ولكن لا أخال ذلك نافعي، فقال له الحُسَيْن: لأن أُقتل
بمكان كذا وكذا أحبّ إلي أن تستحل بي - يعني مكة - قال: فبكى ابن عباس، وقال:
أقررت عين ابن الزبير [وكان ابن عباس يقول: ](١) فذاك الذي سلّ بنفسي عنه.
ثم خرج عَبْد اللّه بن عباس من عنده وهو مغضب وابن الزبير على الباب، فلما رآه
قال: يا ابن الزبير، قد أتى ما أحببتَ، قرّت عينك هذا أَبُو عَبْد اللّه يخرج ويتركك
والحجاز [ثم قال: ](٢)
يالك من قنبرة(٣) بمعمر خلا لكِ الجو(٤) فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقّري
وبعث حسين إلى المدينة فقدم عليه من خف معه من بني عَبْد المطلب وهم تسعة
عشر رجلاً، ونساء وصبيان من إخوانه وبناته ونسائهم.
وتبعهم مُحَمَّد بن الحنفية، فأدرك حسيناً بمكة، وأعلمه أن الخروج ليس له برأي
يومه هذا، فأبى الحُسَيْن أن يقبل، فحبس مُحَمَّد بن علي ولده فلم يبعث معه أحداً منهم،
حتى وجد حسين في نفسه على مُحَمَّد وقال: ترغب بولدك عن موضع أُصاب فيه؟ فقال
(١) الزيادة عن بغية الطلب.
(٢) الشطور في ابن العديم ٢٦١١/٦ وسير الأعلام ٢٩٧/٣ وينسب الرجز لطرفة، ديوانه. ملحق ديوانه
ص ١٩٣.
وقد وردت في الطبري ٣٨٤/٥ والبداية والنهاية ٨/ ١٦١ .
(٣) كذا بالأصل وسير الأعلام، وفي ابن العديم: ((قُبَّرة)».
(٤) في سير الأعلام: البر.

٢١٢
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
مُحَمَّد: وما حاجتي أن تُصاب ويُصابون معك، وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم.
وبعث أهل العراق إلى الحُسَيْن الرسل والكتب يدعونه إليهم فخرج متوجهاً إلى
العراق في أهل بيته وستين(١) شيخاً من أهل الكوفة، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي
الحجة سنة ستین.
فكتب مروان إلى عُبَيْد اللّه بن زياد: أما بعد فإن الحُسَيْن بن علي قد توجه إليك
وهو الحُسَيْن بن فاطمة، وفاطمة بنت رسول الله ﴾﴾ وبالله ما أحد يسلمه الله أحبّ إلينا
من الحُسَيْن، فإياك أن تهيّج على نفسك ما لا يسدّه شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع
ذكره والسلام(٢).
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد فقد توجه إليك الحُسَيْن، وفي
مثلها تعتق أو تكون(٣) عَبْداً تسترق كما تسترق العبيد.
قال: وأنا عَبْد اللّه بن الزّبير الحُمَيدي، نا سفيان بن عيينة، حَدَّثَنِي لَبَطَة بن
الفرزدق، وهو في الطواف وهو مع ابن شبرمة، قال: أخبرنا أَبي، قال: خرجنا حجّاجاً
فلما كنا بالصفاح (٤) إذا نحن بركب عليهم اليلامق(٥) ومعهم الدرق، فلما دنوت منهم إذا
أنا بحسين بن علي، فقلت: أي أَبُو عَبْد اللّه، قال: يا فرزدق ما وراءك؟ قال: أنت أحبّ
الناس إلى الناس، والقضاء في السماء، والسيوف مع بني أمية قال: ثم دخلنا مكة، فلما
کنا بمنی قلت له: لو أتینا عبد الله بن عمرو فسألناه عن حسین وعن مخرجه، فأتينا
منزله بمنى فإذا نحن بصبية له سود مولدين يلعبون، قلنا: أين أَبُوكم؟ قالوا: في
الفسطاط يتوضأ. فلم نلبث أن خرج علينا من فسطاطه، فسألناه عن حسين فقال: أما إنه
(١) في فتوح ابن الأعثم الكوفي ١٢٠/٥ ط الهند (مصورة): ومعه اثنان وثمانون رجلاً من شيعته وأهل
بیته .
(٢) الكتاب في فتوح ابن الأعثم ١٢١/٥ باختلاف بسيط ونسبه إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وليس
لمروان بن الحكم.
(٣) بالأصل: ((يعتق أو يكون)) والمثبت عن ابن العديم ٢٦١٢.
(٤) الصفاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرب على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش (ياقوت) وفي ابن
الأعثم: إنه لقيه بالشقوق.
(٥) اليلامق جمع يلمق وهو القباء المحشو وأصله بالفارسية يلمة.

٢١٣
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
لا يحيك فيه السلاح، قال: فقلت له: تقول هذا فيه وأنت الذي قاتلته وأباه، فسبّني
وسببته .
ثم خرجنا حتى أتينا ماء لنا يقال له ((تعشار)) فجعل لا يمر بنا أحد إلّ سألناه عن
حسين، حتى مرّ بنا ركب فناديناهم: ما فعل حسين بن علي؟ قالوا: قُتل، فقلت: فعل
الله بعَبْد اللّه بن عمرو وفعل(١).
قال سفيان: ذهب الفرزدق إلى غير المعني - أو قال: الوجه - إنما هو لا يحيك
فیه السلاح: لا يضره القتل مع ما قد سبق له.
قال: ونا عَبْد اللّه بن الزَّبير الحُمَيدي، نا سفيان، نا شيعي(٢) لنا، يقال له
العلاء بن أبي العباس، عن أَبي جعفر، عن عَبْد اللّه بن عمرو أنه قال في حسين حين
خرج: أما إنه لا یحیك فيه السلاح.
آخر الجزء الثالث والثلاثين بعد المائة؟
أُخْبَرَنا أَبُو غالب أَحْمَد بن الحَسَن، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن الآبنوسي، أَنَا عُبَيْد اللّه بن
عثمان بن جنيقاً(٣) الدقَّاق، أَنَا إسماعيل بن علي الخُطَبي، قال: وكان مسير الحُسَيْن بن
علي بن أبي طالب - ويكنى بأَبي عَبْد اللّه، وأمه فاطمة بنت رسول الله وص له - من مكة إلى
العراق بعد أن بايع له من أهل الكوفة اثنا عشر ألفاً على يدي مُسلم بن عقيل بن أبي
طالب، وكتبوا إليه في القدوم عليهم، فخرج من مكة قاصداً إلى الكوفة. وبلغ يزيد
خروجه فكتب إلى عُبَيْد اللّه بن زياد، وهو عامله على العراق، يأمره بمحاربته وحمله
إليه إن ظفر به، فوجّه اللعين عُبَيْد اللّه بن زياد الجيشَ إليه مع عمر بن سعد بن أبي
وقاص، وعدل الحُسَيْن إلى كربلاء فلقيه عمر بن سعد هناك فاقتتلوا فقتل الحُسَيْن
رضوان الله عليه ورحمته وبركاته، ولعنة الله على قاتله، وكان قتله في اليوم العاشر من
المحرم يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين (٤).
(١) الخبر نقله ابن العديم في بغية الطلب ٣٦١٢/٦ - ٣٦٠١٣ وانظر الطبري ٥/ ٣٣٨٦ بوابن الأعثم الكوفي
١٢٤/٥ - ١٢٥.
(٢) كذا.
(٣) بالأصل ((حنينا)) والمثبت عن الترجمة المطبوعة، وفي ابن العديم: خَنَيقاء.
,(٤) الخبر نقله ابن العديم ٦/ ٣٦١٤ ..

٢١٤
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
أخْبَرَنا أَبُو غالب أيضاً، أَنا أَبُو الغنائم بن المأمون، أَنَا عُبَيْد اللّه بن مُحَمَّد بن
إسحاق، أَنَا عَبْد اللّه بن مُحَمَّد، حَدَّثَني عمي، نا الزبير، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن الضحاك،
عن أبيه، قال: خرج الحُسَيْن بن علي إلى الكوفة ساخطاً لولاية يزيد، فكتب يزيد إلى
ابن زياد، وهو واليه على العراق: إنه قد بلغني أن حسيناً قد صار إلى الكوفة، وقد ابتلي
به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به أنت من بين العمال،
وعندها تُعتق أو تعود عَبْداً كما يعتبد العُبَيْد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه(١).
أخْبَرَنا أَبُو غالب، وأَبُو عَبْد اللّه ابنا البنّا، قالا: أنا أَبُو الحُسَيْن بن الآبنوسي، أَنَا
أَحْمَد بن عُبَيْد بن الفضل إجازة ح، قال(٢): وأنا تمام علي بن مُحَمَّد إجازة، أَنَا أَبُو
بكر بن بيري، أَنَّا مُحَمَّد بن الحُسَيْن الزعفراني، نا [ابن] أَبِي خَيْثَمة، نا أَبي، نا وَهْب بن
جرير، حَدَّثَنِي أَبي، عن الزبير ابن الخِرِّيت(٣)، قال: سمعت الفرزدق یحدث، قال:
[لقيت الحُسَيْن بن علي بذات عِرْق(٤) وهو يريد الكوفة، فقال لي: ما ترى أهل الكوفة
صانعين [بي؟] معي حمل بعير](٥) من كتبهم، قلت: لا شيء يخذلونك، لا تذهب
إليهم، فلم يطعني.
أخْبَرَنا أَبُو القاسم بن السّمرقندي، أَنَا أَبُو بكر بن الطبري، أَنَا أَبُو الحُسَيْن بن
الفضل، أَنَا عَبْد اللّه بن جعفر، نا يعقوب، نا أَبُو بكر الحُمَيدي، حَدَّثَني سفيان، حَدَّثَنَا
رجل من بني أسد يقال له بحير - بعد الخمسين والمائة - وكان من أهل الثعلبية(٦)، ولم
يكن في الطريق رجل أكبر منه، فقلت: مثل من كنت حين مرّ بكم حسين بن علي؟ قال:
غلام يفعت (٧)، قال: فقام إليه أخ لي كان أكبر مني يقال له زهير، قال: أي ابن بنت
رسول الله *، إني أراك في قلة من الناس، فأشار [الحُسَيْن] بسوطٍ في يده هكذا،
(١) الخبر نقله ابن العديم في بغية الطلب ٢٦١٤/٦.
(٢) كذا.
(٣) بالأصل: ((عن الزبير عن ابن الخريت)) والصواب ما أثبت عن الترجمة المطبوعة: بحذف ((عن) وهو
الزبير ابن الخريت بكسر المعجمة، وتشديد الراء المكسورة بعدها تحتانية ساكنة ثم فوقانية كما في
تقريب التهذيب.
(٤) مهل أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة (معجم البلدان).
(٥) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن الترجمة المطبوعة ص ٢٠٨.
(٦) من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية (ياقوت).
(٧) في ابن العديم ٦/ ٢٦١٥: غلام قد أيفعت.

٢١٥
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
فضرب حقيبة وراءه، فقال: ها إن هذه مملوءة كتباً، فكأنه شد من مُنَّة أخي، قال
سفيان: فقلت له: ابن كم أنت؟ قال: ابن ست عشرة ومائة، قال سفيان: وكنا أستودعناه
طعاماً لنا ومتاعاً، فلما رجعنا طلبناه منه، قال: إن كان طعاماً فلعل الحي قد أكلوه،
فقلنا: إنا لله، ذهب طعامنا، فإذا هو يمزح معي، فأخرج إلينا طعامنا ومتاعنا (١) .
أخبرناه عالياً أَبُو يعقوب الهَمْداني، نا أَبُو الحُسَيْن بن المهتدي بالله ح.
وَأخبرناه أَبُو غالب بن البنّا، أَنا أَبُو الغنائم بن المأمون، قالا: أنا أَبُو القاسم بن
حبّابة، أَنَا أَبُو القاسم البغوي، نا يحيى بن الربيع، نا سفيان: حَدَّثَني أعرابي يقال له
بحير من [أهل] الثعلبية، قال: قلت له ابن كم أنت؟ قال: ابن ست عشرة ومائة سنة،
قال: قلت له: ابن كم كنت حين مرّ - وقال أَبُو غالب: حين قتل - الحُسَيْن بن علي؟
قال: غلام قد أيفعت. قال: كان في قلة بين (٢) الناس وكان أخي أسنّ مني، فقال أخي:
يا ابن بنت رسول الله ولم أراك في قلة من الناس، فقال بالسوط وأشار به إلى حقيبة
الرحل: هذه خلفي مملوءة كتباً.
أخْبَرَنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الكريم بن حمزة، نا أَبُو بكر أَحْمَد بن علي ح.
وَأخْبَرَنا أَبُو القاسم إسماعيل بن أَحْمَد، أَنا مُحَمَّد بن هبة اللّه، قالا: أنا
مُحَمَّد بن الحُسَيْن، أَنَا عَبْد اللّه بن جعفر، نا يعقوب (٣)، نا أَبُو بكر - يعني - الحُمَيدي،
نا سفيان، نا شهاب بن خِرَاش(٤)، عن رجل من قومه قال: كنت في الجيش الذي (٥)
بعثهم عُبَيْد اللّه بن زياد إلى حسين بن علي، وكانوا أربعة آلاف يريدون الديلم،
فصرفهم عُبَيْد اللّه بن زياد إلى حسين بن علي فلقيت حسيناً فرأيته أسود الرأس واللحية،
فقلت له: السلام عليك يا أبا عَبْد اللّه، فقال: وعليك السلام - وكانت فيه غنّة - فقال:
لقد بانت منكم فينا سلة منذ الليلة - يعني سرق - قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي
فأعجبه، وكانت فيه غُنّة، قال سفيان: وهي في الحُسَيْنيين.
(١) الخبر نقله ابن العديم في بغية الطلب ٢٦١٤/٦ _ ٢٦١٥.
(٢) الترجمة المطبوعة: ((من الناس)) وهو الأظهر.
(٣) الخبر في المعرفة والتاريخ للفسوي ٣٢٥/٣ وبغية الطلب ٢٦١٥/٦.
(٤) بالأصل والمعرفة والتاريخ ((حراش)) والصواب ما أثبت، انظر ترجمته في سير الأعلام ٢٨٤/٨.
(٥) المعرفة والتاريخ: الذين.

٢١٦
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
أخْبَرَنا أَبُو يكر مُحَمَّد بن عَبْد الباقي، أَنَّا الحَسَن بن علي، أَنَا مُحَمَّد بن العباس،
أَنَا أَحْمَد بن معروف، نا الحُسَيْن بن الفهم، نا مُحَمَّد بن سعد، أَنا علي بن مُحَمَّد، عن
خباب(١) بن موسى، عن الكلبي، عن بحير(٢) بن شدّاد الأسدي، قال: مرّ بنا
الحُسَيْن(٣) بالثعلبية فخرجت إليه مع أخي فإذا عليه جبّة خضراء لها جيب في صدرها،
فقال له أخي: إني أخاف عليك، فضرب بالسوط على عيبة قد حقبها خلقه وقال: هذه
کتب وجوه أهل المصر.
قال: وأنا موسى بن إسماعيل، نا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرِشك، قال:
حَدَّثَني من شاقه الحُسَيْن، قال: رأيت أبنية مضروبة بقلاة من الأرض، فقلت: لمن
هذه؟ قالوا: هذه لحسين، قال: فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن - قال -: والدموع تسيل على
خديه ولحيته، قال: قلت: بأبي وأمي يا ابن رسول الله ملي ما أنزلك هذه البلاد والقلاة.
التي ليس بها أحد؟ فقال: هذه كتب أهل الكوفة إلي ولا أراهم إلّ قاتلي، فإذا فعلوا ذلك
لم يدعوا الله حرمة إلّ انتهكوها فيسلط الله عليهم من يذلهم، حتى يكونوا أذك، من فرم(٤)
الأمة يعني منفعتها.
قال: وأنا علي بن مُحَمَّد، عن الحَسَن بن دينار، عن معاوية بن قُرّة، قال: قال
الحسين: والله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت.
قال: ونا علي بن مُحَمَّد، عن جعفر بن سليمان الضُّبَعي، قال: قال الحسين بن
علي : والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلّط الله عليهم.
من یذلهم حتی یکونوا أذل من فرم الأمة.
فقدم العراق فقتل بنینوی يوم عاشوراء سنة إحدى وستين.
قال: وأنا علي بن مُحَمَّد، عن عمر بن أَجِي مُحَمَّد، عن الهيثم بن موسى، قال :.
قال العريان بن الهيثم، كان أبي يتبدّى(٥) فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة
(١) كذا تقرأ بالأصل، وفي الترجمة المطبوعة: ((حباب)) وبهامشنها عن نسخة: جناب.
(٢) في الترجمة المطبوعة: يحيى.
(٣) بالأصل: الحسن.
(٤)) بالأصل ((فدم) والمثبت عن النهاية وفيها: ((فرم)): بالتحريك ما تخالفج به المرأةُ فرجها، وقيل هو خرقة
الحيض.
(٥) بالأصل ((يبتدي)) والمثبت عن الترجمة المطبوعة وابن العديم.
١

٢١٧
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
الحسين، فكنا لا نبدهو إلّ موجدنا رجلاً من بني أسد هناك، فقال له: إني أراك ملازماً هذا
المكان، قال: بلغني أن حسيناً يقتل ها هنا غلنا أخرج لعلّي أصادفه فأُقتل معه.
فلما تقتل للمسيين، قال أبي: انطلقوا ننظر عل الأسدي فيمن قتل، وأتينا المعركة
فطوّفنا فإذا الأسدي مقتول (١) .
أخْيَرَنا أَبُو القاسم محمود بن أَحْكَد بين الحَسَن بن علي(٢) - بتبريز - أنا أَبُّو
الفضائل مُحَمَّد بن أَحْمَد بن عمر بن الحَسَن بن يونس - بأصبهان - أنا أَبُو ◌ُهم الحافظ،
نا عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن جعفر، نا إسحاق بن أَحْمَد الفارسي، نا عَبْد الواحد بن مُحَمَّد،
نا أَبُو العنذر، عن أَبي مِخْتَف(٣)، عن أَبي خالد الكاهلي، قال: لما صيّحت الخيل
الحسين بن علي رفع يديه فقال: اللّهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدّة،
وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعُدة، فكم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة،
ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك، وشكوته إليك رغبة فيك إليك
عمن سواك، ففرّجئه: وكشفته وكفيتنيه(٤)، فأنت وليّ كل خصة، وصاحب كلّ حسنة،
ومنتھی کل غاية.
أخْبَرَنا أَبُو الحسين مُتَّد بن مُحَمَّد بن الفراء، وأَبُو غالب، وَأَبُو عَبْد اللّه ابنا
البنّا، قالوا: [أنبأنا أَبُو جعفر بن المسلمة، أنبأنا أَبُو طاهر المخلص، أنبأنا الزبير بن
بكار، قال: وحَدَّثَني مُحَمَّد بن حسن قال: ](٥) لما نزل عمر بن سعد بحسين وأيقن أنهم
قاتلوه قام في أصحابه خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
قد نزل بنا ما ترون من الأمر، وإن الدنيا قد تغيّرت وتتكّرت وأدبر معروفها .
واستمرّت حتى لم يبق منها إلّ صبابة كصبابة الإناء [و] إلا حشيش عكس (٦) كالمرعى
"الوبيل، ألا ترون الحق لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله،
(١) الخبر نقله ابن العديم في بغية الطلب ٢٦١٩/٦.
(٢) في الترجمة المطبوعة: بن علي بن علي.
(٣) الخبر نقله الطبري (ط بيروت ٣١٨/٣) حوادث سنة ٦٦ عن أبي متف ونقله الذهبي في سير الأعلام
٣٠١/٣ بحذف السند.
(٤) هذه اللفظة سقطت مِن الطبري.
(٥) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن الترجمة المطبوعة.
(٦) ؛ كذا بالأصل وصوبها محقق الترجمة المطبوعة : والأخسيس عيش.
.

٢١٨
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
وإني لا أرى الموت إلّ سعادة والحياة مع الظالمين إلّ برماً (١).
أخْبَرَنا خالي أَبُو المعالي مُحَمَّد بن يحيى القاضي، أَنَا سهل بن بشر الإسفرايني،
أَنَا مُحَمَّد بن الحسين بن أَحْمَد بن السري، أَنَا الحَسَن بن رشيق، نا يَمُوت بن المُزَرّع،
نا مُحَمَّد بن الصباح السماك، نا بشر بن طانحة(٢)، عن رجل من هَمْدان، قال: خطبنا
الحسين بن علي غداة الیوم الذي استشهد فیه فحمد الله وأثنی علیہ ثم قال:
عباد الله، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت لأحد وبقي
عليها أحد، كانت الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضا وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى
خلق الدنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء، فجديدها بالٍ ونعيمها مضمحلٌ، وسرورها
مكفهرّ، والمنزل بلغة، والدار قلعة، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى، واتقوا الله لعلكم
تفلحون.
أخْبَرَنا أَبُو السعود أَحْمَد بن مُحَمَّد المُجْلي(٣)، أَنَا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمَد، نا
عَبْد اللّه بن علي بن أيوب، أَنَا أَبُو بكر أَحْمَد بن مُحَمَّد(٤) بن الجراح، أَنَا أَبُو بكر بن
دريد، قال: لما استكف (٥) الناس بالحسين ركب فرسه ثم استنصت الناس فأنصتوا له،
فحمد الله وأثنی علیه، وصلى على النبي ◌ّ ثم قال:
تباً لكم أيتها الجماعة وترحاً أحین استصرختمونا ولھین، فأصرخناكم موجفین،
شحذتم علينا سيفاً كان في أيماننا، وحششتم (٦) علينا ناراً فقدحناها على عدوكم
وعدونا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعدائكم بغير عدلٍ رأيتموه بثّوه
فيكم ولا أصل (٧) أصبح لكم فيهم ومن غير حدث كان منّ، ولا رأي يفيّل (٨) فينا فهلا
(١) البرم: بالتحريك الضجر والملالة والسلامة.
(٢) بهامش الترجمة المطبوعة: طانجة، بالجيم في إحدى النسخ.
(٣) بالأصل والترجمة المطبوعة: المحلي بالحاء المهملة خطأ، والصواب ما أثبت المجلي بالجيم،
وضبطت اللفظة عن التبصير.
(٤) لفظتا ((بن محمد)) استدركتا عن هامش الأصل.
(٥) ((أي أحاطوا به)). وقد سقطت لفظة ((الناس)) من الأصل وكتبت فوق السطر بخط مغاير.
(٦) أي أوقدتم وهیجتم.
(٧) المطبوعة: أمل.
(٨) الأصل: ((يقيل)) والصواب ما أثبت، أي يضعف ويقبح.

٢١٩
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
لكم الويلات اذ كرهتموها تركتمونا والسيف مشيم والجأش (١) طامن والرأي لم
يستخفّ ولكن استصرعتم إلينا طيرة الدبا وتداعيتم إلينا كتداعي الفراش قيحاً وحكة
وهلوعاً وذلّة الطواغيت الأمة، وشذّاذ الأحزاب ونبذة الكتاب، وغضبة الآثام، وبقية
الشيطان، ومحرّفي الكلام، ومطفئي السنن، وملحقي العهرة بالنسب وأسف المؤمنين،
ومزاح المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين لبئس ما قدمت لهم أنفسهم، أن سخط الله
عليهم وفي العذاب هم خالدون.
فهؤلاء تعضدون؟ وعنّا تتخاذلون؟ أجل والله الخذل فيكم معروف، وشبحت عليه
عروقكم واستأزرت عليه أصولكم فأفرعكم فكنتم أخبث ثمرة شجرة للناس(٢)، وآكلة
لغاصب، أَلَا فلعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلوا الله
علیھم كفيلاً.
ألا وإن البغيّ قد ركن (٣) بين اثنتين (٤) بين المسألة والذلّة وهيهات منا الدنية، أبى
الله ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وبطون طهرت وأنوف حمية ونفوس أَبية
[أن] تؤثر مصارع الكرام على ظئار اللئام.
أَلَا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلّ العدد وكثرة العدو وخذلة الناصر [ثم
تمثّل : ]:
فإن نهزم فهزّامون قدماً وإن نهزم فغير مهزّمينا
منايانا وطعمة آخرينا
وما إن طبّنا جبن ولكن
ألا ثم لا يلبثوا(٥) إلّ ریٹ ما یرکب فرس حتی تدار بكم دور الرّحى ويفلق بكم
فلق المحور، عهداً عهده النبي إلى أَبي: ﴿فأجمِعُوا أمرَكم وشركاءَكُم ثم لا يكُنْ أمرُكُم
عليكُمْ غُمَّةٌ ثم اقضُوا إليَّ ولا تُنْظِرُون﴾(٦) الآية، والآية الأخرى(٧).
(١) الأصل: والجاس ضامن))، والمثبت عن الترجمة المطبوعة.
(٢) الترجمة المطبوعة: للناظر.
(٣) الترجمة المطبوعة: ركز.
(٤) بالأصل: اثنيثن.
(٥) كذا بالأصل.
(٦) سورة يونس، الآية: ٧١ وبالأصل ((وشراكم)) بدل ((وشركاءكم)).
(٧) كذا بالأصل.

٢٢٠
الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
أخْبَرَنا أَبُو غالب أَحْمَد بن الحَسَن، أَنَا عَبْد الصمد بن علي، أَنَا عُبَيْد اللّه بن
مُحَمَّد بن إسحاق، أَنَا عَبْد اللّه بن مُحَمَّد بن عَبْد العزيز، حَدَّثَنِي أَحْمَد بن مُحَمَّد بن
عيسى، نا عمرو بن عون، أَنا خالد، عن الجريري، عن عَبْد ربّه(١) - أو غيره -: أن
الحسين بن علي لما أرهقه السلاح وأخذله السلاح قال: أَلا تقبلون مني ما كان
رسول الله صل﴿ يقبل من المشركين؟ قالوا: وكان رسول الله وَلفهل يقبل من المشركين؟
قال: إذا جنح أحدهم قُبِلَ منه. قالوا: لا، قال: فدعوني أرجع. قالوا: لا، قال:
فدعوني آتي أمير المؤمنين فأخذله رجل السلاح فقال له: أبشر بالنار، فقال: بل - إن
شاء الله - برحمة ربي عز وجل، وشفاعة نبيي ◌َّات.
فقتل وجيء برأسه حتى وضعه في طست بين يدي ابن زياد فنكته بقضيبه، وقال:
لقد كان غلاماً صبيحاً. ثم قال: أيكم قاتله؟ فقام الرجل، فقال: أنا قتلته، فقال: ما قال
لك؟ فأعاد الحدیث، فاسود وجهه لعنه الله.
قال:(٢) وحَدَّثَني عمي قال: حَدَّثَنِي القاسم بن سلام، حَدَّثَني حجاج بن مُحَمَّد،
عن أَبي معشر، عن بعض مشيخته، قال: قال الحسين بن علي حين نزلوا كربلاء: ما
اسم هذه الأرض؟ قالوا: کربلاء قال: کرب وبلاء.
وبعث عبيدُ اللّه بن زياد عمرَ بن سعد فقاتلهم، فقال الحسين: يا عمر اختر مني
إحد [ی] ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع کما جئت، فإن أُبيت هذه فسیّرني إلی یزید
فأضع يدي في يده فيحكم بي ما رأى، فإن أبيتَ هذه فسيّرني إلى الترك فأقاتلهم حتى
أموت.
فأرسل إلى ابن زياد بذلك فهمّ أن يسيّره إلى يزيد، فقال له شمر بن آذي] جوشن:
لا إلّا أن ينزل على حكمك فأرسل إليه بذلك، فقال الحسين: والله لا أفعل. وأبطأ عمر
عن قتاله، فأرسل إليه ابن زياد شمر بن [ذي] جوشن، فقال: إنْ يقدم عمر يقاتل وإلّ
فأقتله، وکنْ أنت مكانه.
وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلاً من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن
(١) الخبر نقله ابن العديم في بغية الطلب ٢٦١٦/٦.
(٢) القائل: عبد الله بن محمد، كما يُفهم من عبارة ابن العديم.