Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
أَخْبَرَنا أبو القاسِمِ العَلَوي، أنبأنا أبو الحسَن المقرىء، أنبَأنا أبُو [بكر] المقرِىء،
أنبأنا أحْمَد بن مروَان الدستوائي(١)، نبَأنا زيْد بن إسْمَاعيْل، قال(٢): أنبأنا تمام بن
المغيرة، عَن عَطَاء بن زياد(٣)، قال: كنت مَعَ [ابن] الزبير في البَيت فكان الحجّاج إذا
رمى (٤) ابن الزبير بحجر وَقع الحجر على الزبير عَلى البَيت فسَمعت للبيت(٥) [أنيناً
كأننين الإنسان: أوه](٦).
أخْبَرَنَا أبُو القاسم بن الحُصَين، أنبأنا عَلي بن المُذْهِب، أنبَأنا أحْمَد بن جَعْفَر،
نبَأنا عَبْد اللّه بن أحْمَد، حدثني أبي، نبَأنا إسْحَاق بن يُوسُف، نبَأنا عَوْف، عَن أبي
الصّديق الناجي: أن الحجَّاج بن يُوسُف دخل على أسْمَاء بنت أبي بكر بَعْدمَا قتل ابنهَا
عَبْد اللّه بن الزبير فقال: إن ابنك ألحَد في هَذا البَيت وَإن الله تعَالى أذاقه من عَذابٍ أليْم
وَفَعَل به وَفَعل، فقالت: كذبتَ كان برّاً بالوَالدَين صَوّاماً قواماً، وَالله لقد أُخبَرَنا
رَسُول الله وَِّ أنه سَيَخرج مِن ثقيف كذابَان الآخر منهمَا أشد مِن الأول [٢٩١٥] .
أخْبَرَتنا أمّ المجتبى فاطمة العَلوية قالت: قُرىء عَلى إبراهيم بن مَنصُور، أنبأنا
أبُو بَكر بن المقرىء، أنبأنا أبُو يَعْلى، حدثنا وَهْب بن بقية الوَاسطي، أنبَأنا خَالد، أنبأنا
عَوف، عَن أبي الصّديق الناجي، قال: بلغني أن الحجّاجِ دَخل عَلى أسْمَاء بنت أبي بكر
بَعد مَا قتل ابنهَا عَبْد اللّه بن الزبَيْر فقال لها: إن ابنك ألحد في الحرم وَأن الله تعَالى فَعَل
به وَفَعَل فقالت: كذبت بَل كان برّاً بالوَالدين صَوّاماً قواماً وَلكن وَالله لقد أخبَرَنا
رَسُول الله وَّةٍ: أنه يخرج مِن ثقيف كذابَان الآخر منهما شرّ منَ الأول، وهو مُبير [٢٩١٦].
قال وَنَبَأْنا زهَيْر، نبأنا جرير، عَن يزيد بن أبي زياد، عَن قيْسٍ بن الأحنف، عَن
أسْمَاء بنت أبي [بكر] قالت: سَمعت رَسُول الله بِّهِ ((نهى عَن المثلة)) وَسَمعته يَقُول:
[يخرج] من ثقيف رَجُلان كذاب ومبير، قلت للحجَّاج أمّا الكذاب فقد رَأينَاهُ، وَأمّا
[٢٩١٧]
المبیر فَأنت هُوَ يَا حجَّاج، انتهى ٦
(١) كذا، وفي بغية الطلب ٢٠٤٦/٥ (المالكي)) وانظر ترجمته في سير الأعلام ١٥/ ٤٢٧.
(٢) في بغية الطلب: قال: حدثنا برد، قال أخبرنا يمان بن المغيرة.
(٣) بغية الطلب: عطاء بن أبي رباح.
(٤) غير واضحة بالأصل والمثبت عن بغية الطلب.
(٥) بالأصل ((البيت)).
(٦) ما بين معكوفتين مكانه بياض بالأصل، والمستدرك عن ابن العديم ٢٠٤٦/٥.

١٢٢
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
أَخْبَرَنا أبُو عَبْد اللّه الفُرَاوي وَأبُو المُظَفّرِ القُشَيري، قالا: أنبأنا أبو القاسِم قال:
أنبَأنا أبُو سَعْد الجَنْزَرودي(١)، أنبَأنا أبُو عَمرو بن حَمْدان حينئذ.
وأَخْبَرَنا أبُو عَبْد اللّه الخَلّل، أنبأنا إبراهيم بن مَنصُور، أنبأنا أبو بكر بن
المقرِىء، قالاً: أنبأنا أبُو يَعْلى، نبَأنا أمية بن بِسْطَام، نبَأنا يزيد بن زُرَيع، نبَأنَا إِسْرَائيْل،
نبأنا عَبْد اللّه بن عِصْمة قال: سمعت ابن عمَر يَقُول: أنبأنا رَسُول الله وَ لّ أن في ثقيف
مُبیراً وكذاباً، انتهى.
أَخْبَرَنا أبُو الحسَن عَلي بن المُسَلّم، أنبأنا عَبْد العزيز بن أحْمَد - لفظاً - أنبَأْنا
طَلحة بن عَلي بن الصَقر الكتاني - إمْلاء - أنبأنا أحْمَد بن عثمان الأدمي، نبَأنا أحْمَد بن
سَعِيْد الحمَال، أنبأنا أبو نُعيْم، نبأنا شريك، عَن عَبْد اللّه بن علي، قال: سَمعت
عَبْد اللّه بن عمر قال: قال رَسُول الله بَّهِ: ((في ثقيف كذابٌ وَمُبير)) كذا قال، وَصَوَابِهُ:
ابن عصم ویقال ابن عضْمة، انتهى [٢٩١٨]
أَخْبَرَنا أبُو الحسَن مُسَافِر ابن مُحمَّد [بن] أحْمَد، أنبأنا مُحمَّد بن عَلي البسطَامي،
قالا: أنبأنا عَبْد الرحمَن بن مُحمَّد بن المظفر، أنبأنا عَبْد اللّه بن أحْمَد بن حَقُّوية، نبَأنا
إبرَاهْم بن خُرَيم، نبأنا عَبْد بن حُمَيْد، أنبأنا يزيد بن هَارُون، أنبأنا العَوّام بن حَوشَب
قال: حَدثني من سَمعَ أسماء بنت - يَعني بنت أبي بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه تقول
للحجَّاج حِين دَخَل عَليْهَا يُعزيهَا بابنها ابن الزبير فقالت: سَمعت رَسُول الله وَله يقول:
((يخرج مِن ثقيف رَجُلان مبير وَكذّاب)) فأمّا الكذاب فابن أبي عبَيْد يَعني المختار، وَأمّا
المبَير فأنت(٢) [٢٩١٩] .
أُخْبَرَتنا أمّ المُجتبَى العَلَوية قالت: قُرىء عَلى إبرَاهيْم بن منصُور، أنبَأنا أبُو
بكر بن المقرِىء، أنبأنا أبُو يَعْلى، نبَأنا أحْمَد بن عمَر الوَكيْعي، نبَأنا وُكِيْعٍ، حَدثنا (٣) أم
عراب، عَن امرأة يقال لهَا عقيلة عَن سَلامة بنت الحر قالت: قال رَسُول الله وَليون: ((في
[٢٩٢٠ ]
ثقیف مُبیر و کذاب))، انتھی
أَخْبَرَنا أبُو غالب الماوردي، أنبَأْنا مُحمَّد بن عَلي السّيرَافي، أنبَأنا أحْمَد بن
(١) بالأصل ((الحبروررى)) والصواب ما أثبت.
(٢) الحديث في كنز العمال ٣٨٣٩١/١٤ وبغية الطلب ٢٠٤٧/٥.
(٣) كذا رسمها، ولم أحله.

١٢٣
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
إِسْحَاق، نبَأنا أحْمَد بن عمرَان، نبَأنا مُوسَى بن زكريا، نبَأنا سَهْل بن حَاتِم السّختياني،
أنبَأْنا إبراهيم بن مُحمَّد، عَن الوَليْد بن خالِد، عَن سَعْد بن حُذَاقة، قال: خطبَنَا الحجّاج
في الجُمعة الثانية من مقتل ابن الزبير فقال: الحَمْد لله الرَافع المتواضِعِيْن، وَالوَاضِعُ
المتكبرين وَصَلّى الله عَلى خَيْرِ رَسُول دَل على خيْرِ سَبَيْل، أيّهَا الناس إنّ الراعِي مَسْؤول
عَن رَعيته، فَإِن أحْسَن فلهُ وَإن أسَاء فعَليْهِ، وَإنه يُخيّل إليّ أنكم لا تعرفون حقّاً مِن
بَاطِل، وَإني أسْألكم عَن ثلاث خصَال، فإن أجبتم عَنْهَا وَإلّ ضربت عليكم خمس
الجزية وَكنتم لذلك مُستأهِلين، أسْألكم عَن شيءٍ لاَ يَستغني عنه شيءٍ، وَعَن شيء لا
يُعرف إلّ بكنيته، وَعَن وَلَد لا وَالدَ له. فقامَ إليه جُبير بن حيّة الثَّقفي فقال: لَولا عزمتك
أيّها الأمير لم أجبك، أمّا الشيء الذي لا يستغني عَنهُ شيء فالاسم، لأن الله تعَالى خلق
الأشياء فجَعَل لكل شيء اسماً يُدعَى بِهِ وَيَدل عَليْه، وَأمّا الشيء الذي لا يُعرف إلّ بكنيته
فَأَمِ الحُبَيْن(١)، وَأمّا الوَلد الذِي لَاَ وَالدَ له فعيسَى بن مَريم. قال: مَن أنت أيّها المتكلم؟
قال: أنا جُبَير بن حيّة الثقفي قال: الآن ضل صَوَابك. بمَا بَطأ بك عَني مَع قرب قرابتك؟
قال: أيها الأمير إنك لا تبقى لقومك وَلا يَدوم عَزك لأن الدّهر دُوَل وَلا نحبّ أن يُصيْيَك
اليَوْمِ مَا يُصَاب منَا مِثله في غدٍ. قال: فَأَمَر لهُ بجائزة.
أَحْبَرَنا أَبُو سَعْد إسْمَاعيْل بن أبي صَالِح بن عَبْد الملك، أخبرَتنا العَالمة فاطمة
بنت الحسَيْن بن الحسن بن فضلوية، قالت: أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أبُو بَكر
الحيري، أنبَأنا أبُو العبّاس الأصمّ، أنبأنا الرّبيع بن سُليمَان، أخْبَرَنَا الشافعِي، أنبأنا
مسْلم بن خالد، عَن ابن جريج، عَن نافع أن ابن عمَر اعتزل بمنّى في قتال ابن الزبَيْر
وَالحجّاج بمنَى، فصَلى مَعَ الحجّاج، انتھی.
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْد إِسْمَاعِيْل بن أبي صَالح بن (٢) عَبْد الملك، أنبأنا محمّد بن
أحْمَد بن أبي جَعْفر الطَّبَسي(٣)، أنبأنا أحْمَد بن محمّد بن إبرَاهيْم الصَدَقي(٤)، أنبَأنا أبُو
محمّد الحسَن بن محمّد بن حكيم العَامِري، نبَأنا أَبُو المُوجه محمَّد بن عمرو بن
(١) أم الحبين دوبية على خلقة الحرباء عريضة الصدر عظيمة البطن (اللسان: حبن).
(٢) بالأصل ((عن)) خطأ، انظر فهارس شيوخ ابن عساكر (المطبوعة ٧/ ٤٢٢).
(٣) ضبطت عن الأنساب وهذه النسبة إلى طبس، بلدة في برية بين نيسابور وأصبهان وكرمان.
(٤) رسمها غير واضح بالأصل، والصواب عن الأنساب، ذكره السمعاني وترجم له. وهذه النسبة إلى سكة
صدقة، سكة معروفة بمرو.

١٢٤
7
باب معرفة أمّه وجدَّاته وعمومته وعماته
أميّة بن عبد شمس، فولَدَت له عبد الله، شهد بدراً، وعُبيد اللّه (١) وعبداً وهو أبو
أحمد، وزينب بنت جحش زوج رسول الله وَله، وحَمْنَة (٢) بنت جحش، وأطعم
رسول] الله وَل﴿ أميمةَ(٤٣ بنت عبد المطلب أربعين وسقاً من تمر [خيبر] (٤) ..
إن صح هذا(٧) فقد أسلمت أميمة.
أخْبَرَنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك، أنبأنا أبو المعالي ثابت بن
بُنْدَار بن إبراهيم، أنبأنا محمَّد بن يعقوب الواسطي، أنبأنا محمَّد بن أحمد بن محمَّد
البَابَسيري(٦)، أخبرنا الأحوص بن المُفَضّل بن غسان، [حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن
حنبل](٧)، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن أبي عدي (٨) عن عطاء وعمرو بن دينار قالا:
ما علمنا وَلَدَت للنبيِوَِّ من أزواجه إلّ خديجةُ.
أخْبَوَنا أبو محمَّد طاهر بن سهل بن بشر، أنبأنا أبو الحسين محمَّد بن
مكي (٩) بن عثمان الأزدي، أنبأنا أبو علي، [أحمد بن عمر بن خرشيد](١٠)، أنبأنا أبو
القاسم عبد اللّه بن محمَّد بن إسحاق [الحامض](١١)، نا أحمد بن عبد الجبار، أنبأنا
يونس بن بكير عن إبراهيم بن عثمان بن الحكم، عن مِقْسَم عن ابن عباس (١٢) قال:
وَلَدَت خديجة لرسول الله وَّخِ [غلامين](١٣) وأربع نسوة: القاسم، وعبد الله،
وفاطمة، وأم كلثوم، ورقية، وزينب (١٤).
(١) بعدها بالأصل ((وعبد اللّه)) وقد تقدم فحذفناها.
(٢) بالأصل وخع ((وحمية)) والمثبت عن ابن سعد.
(٣) في خع: أمية، تحريف والمثبت يوافق ابن سعد.
(٤) بياض بالأصل وخع، واستدركت عن ابن سعد ٤٦/٨ ومختصر ابن منظور ٢٦/٢ .
(٥) كذا بالأصل وخع وفي المختصر: قال: الصحيح هذا. قد أسلمت أميمة.
(٦) بالأصل وخع: ((أنبأنا حسرى)) كذا والصواب ما أثبت، انظر الأنساب للسمعاني، وهذه النسبة إلى قرية من
كور الأهواز، وقيل من قرى واسط وهي بابسير والمنتسب إليها أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن موسى
البابسيري حدث عن أبي أمية الأحوص بن المفضل ...
(٧) ما بين معكوفتين عن المطبوعة، ومكانها بالأصل وخع: بن أحمد.
(٨) بالأصل وخع: ((أبو عدي عن عطاء بن دينار)) وأثبتنا عبارة المطبوعة.
(٩) سقطت من الأصل وخع واستدركت عن المطبوعة.
(١٠) غير واضحة بالأصل والصواب عن المطبوعة نقلاً عن سير أعلام النبلاء.
(١١) بياض بالأصل، والزيادة عن المطبوعة.
(١٢) عن دلائل البيهقي ٢/ ٧٠ وبالأصل ((ابن عامر)) تحريف.
(١٣) الزيادة عن دلائل البيهقي ٢/ ٧٠.
(١٤) في الدلائل: وزينب ورقية.

١٢٥
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
محمَّد بن نجاش، قالُوا: أنبأنا أبُو مُحمَّد الجَوهَرِي، أنبأنا أبو بكر بن مالك، أنبأنا
عَبْد اللّه(١) بن أحْمَد، حدثني أبي، نبَأنا عَبْد الصَّمد، نبَأنا حَمّاد بن سَلمة، عَن ابن أبي
رَافِعٍ، عَن عَبْد اللّه بن جَعْفر أنه زوجَ ابنته من الحجَّاج بن يُوسُف فقال لهَا إذا دَخَل بك
فقولي: لاَ إِلَه إلا الله الحليم الكَريم سُبْحَان الله رَبّ العَرشِ العَظيم، الحَمْد الله رَبّ
العَالمِين. وَزَعَمَ أن رَسُول الله وَلهَ كَان إذا حزبه أمرٌ قال هَذَا، قال حمّاد فظننت أنه قال:
فلم يصل إليْهَا .
أنبَأنَا أبُو مُحمَّد بن الأكفاني، أنبَأنا أبُو الحسَيْن بن عَلي اللباد، أنبأنا تمام بن
محمّد، أخبَرَني أبي، أخبَرَني أبُو الميمُون أحمَد بن مُحمَّد القُرشي، أخبَرَني أبي، نبَأنا
أبُو الحكم، حَدثني مُحمَّد بن إدريس الشافعي، قالَ: لمَا تزوّج الحجّاج بن يُوسُف ابنة
عَبْد اللّه بن جَعْفَر، قال خالد بن يزيد بن مُعَاوية لعَبْد الملك بن مَرْوَان: أتركت
الحجَّاج يتزوج ابنة عَبْد اللّه بن جَعْفَر قال: نَعَمْ وَمَا بَأس بذلك؟ قال: أشد البَأس وَالله،
قال: وَكيف؟ قَال: وَالله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صَدْري عَلى آل الزبير منذ
تزوّجتُ رملة بنت الزبَيْر قال: فكأنه كان نائماً فأيقظهُ، قال: فكتب إليْه يَعزم عَليْه في
طَلاقھا، فطلقها، انتهى.
أخبَرَنا أبو القاسِمْ عَلي بن إبراهيم، أنبأنا رَشَأ بن نظيف، أنبأنا الحسن(٢) بن
إِسْمَاعيْل، نبَأنا أحْمَد بن مرْوَان، نبَأنا عَبْد الرحمَن بن مَرَزُوق أبُو عَوف البَزوَري، نبأنا
عَبْد الوَهّاب، عَن سَعيد بن أبي عَرُوبة، قال(٣): حَجَّ الحجَاج فنزل بَعْض المياه بَيْن مَكة
وَالمَدينة، وَدَعَا بالغداء فقالَ لحَاجبه: انظر مَن يَتَغذّى مَعي، وَأسأله عَن بَعْض الأمر،
فنظر نحو الجَبَل فإذا هوَ بأعرَابي بين شملتين من شعر نائم، فضربه برجله، وقال: ائت
الأمير فأتاهُ فقال له الحجَّاج: اغْسلْ يَدك وَتَغَدّ مَعِي، فقال: إنه دَعَاني من هوَ خير منك
فأجَبته، قال: وَمن هوَ؟ قال: الله تبارك وَتَعَالى دَعَاني إلى الصّوم فصمت، قال: في هذا
الحَر الشديد؟ قال: نَعَم، صُمت ليَوْمِ هوَ أشد حَرّاً مِن هَذا الْيَوْم قال: فأفطر، وَتَصُوم
(١) بالأصل: ((أبو عبد الله أحمد)).
(٢) بالأصل ((الحسين)) والمثبت الصواب، انظر ترجمة أحمد بن مروان في سير الأعلام ١٥/ ٤٢٧ وفيها ((حدث
عنه .. والحسن بن إسماعيل الضراب)).
(٣) الخبر في بغية الطلب لابن العديم ٢٠٦٢/٥ - ٢٠٦٣.

١٢٦
باب ذكر بنيه وبناته عليه الصلاة والسلام وأزواجه
أخْبَرَنا أبو بكر محمَّد بن أبي نصر بن محمَّد اللفتواني، أنبأنا عبد الوهاب بن
محمَّد بن إسحاق بن مَنْدَه، أنبأنا الحسن بن محمّد بن يوسف، [أخبرنا أحمد بن
محمَّد بن عمر اللُّنْباني](١)، أنبأنا أبو بكر بن أبي الدنيا، أنبأنا محمَّد بن سعد، أنبأنا
هشام بن الكلبي، أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال:
کان أکبر ولد رسول الله ێ: القاسمُ، ثم زینب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم
:فاطمة، ثم رُقية، فمات القاسم وهو أول ميت من وَلده بمكة، ثم مات عبد اللّه فقال
· العاص بن وائل السهمي: قد انقطع نسله فهو أبتر، فأنزل الله عز وجل: ﴿إنّ شانئك هو
الأبتر﴾.
ثم وَلَدَت له ماريةُ بالمدينة إبراهيمَ في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة فمات ابنَ
ثمانيةَ عشرَ شهراً.
قال هشام بن الكلبي :
فتزوج (٢) زينبَ بنتَ رسول الله وَ له أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن
عبد شمس بن عبد مَنَاف، فوَلَدت له علياً وأمامةَ، وكان يُقال لأبي العاص جرو البطحاء
يعني أنه كان مُتْلَداً (٣) بها. وخرج أبو العاص بن الربيع [في بعض أسفاره](٤) إلى الشام
فقال فيما أنشدنا هشام بن(٥) الكلبي عن معروف بن الخَرّبُوذ(٦) المكّي (٧):
ذكرتُ زينبَ لما وَرّكَتْ (٨) إِرَماً فقلت: سَقياً لشخصٍ يسكنُ الحرَما
(١) الزيادة عن المطبوعة.
(٢) عن خع وبالأصل ((قد تزوج)).
(٣) بالأصل وخع: ((متلد)) وبهامش المطبوعة: ((وربما كانت اللفظة مصحفة عن مبلد من قولهم: أبلد: أي
لصق بالأرض.
(٤) ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن خع.
(٥) لفظة ((بن (( سقطت من الأصل وخع.
(٦) بالأصل وخع ((الحربود)) والمثبت عن ابن سعد ٣٢/٨.
(٧) بالأصل ((الملى)) وفي خع: ((الملحي) والمثبت عن ابن سعد ٣٢/٨ والبيتان في طبقات ابن سعد ٣٢/٨
ترجمة زينب بنت رسول الله (﴾.
(٨) الأصل وخع: ((أدركت)) والمثبت عن ابن سعد.

١٢٧
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
قال يَزيد: حَتى رَأيت الحَصَى تَتْسَاقط مِن أَيْديهم قال: قومُوا إِلى بَيْعتكم، فقامَت
القبائل قبيلة قبيلة تبايع، فيَقُول مَن؟ فيقولُوا(١): بني فلان حَتى جَاءه قبيلَة، قال: من؟
قالُوا: النَّخَعِ. قال: منكم كُمَيل بن زياد؟ قالُوا: نعم، قال: فما فَعَل؟ قالُوا أيّها الأمير
شيخٌ كبيرٌ، قال: لَاَ بيعَة لكم عندي وَلا تقربُون حتى تأتوني به، قال: فَأَتوا به مَنعُوشاً في
سَرِير حَتى وَضعُوهُ إلى جانب المنبَر فقال: ألا أنه لم يَبَق مِمّن دَخل عَلى عثمان الدَار غير
هَذا، فدعا بنطع فضرب عنقه.
أَخْبَرَنا أبو غالب الماوَرْدي، أنبَأنا أبُو الحسَن السّيرَافي، أنبَأنا أحْمَد بن إسْحَاق،
أنبَأنا أحْمَد بن عمرَان، حَدثنا مُوسَى بن زكريا، نبأنا خليفة بن خيّاط، قال: فحدثني
عَامِر بن صَالِح بن رستم الخزاز، حَدثني أَبُو بَكر الهُذَلِي: حدثني من شهدَ الحجّاجِ بن
يُوسُف حين قدمَ العرَاق فبدأ بالكوفة قبل البصْرة، فنودي: الصَّلاة جَامعَة، فأقبل الناسُ
إلى المَسْجد وَالحجَّاج متقلّد قوساً، وَعَليْه عمَامة خزّ حمراء مُتلثماً، فقعد وَعَرض
القوس بَيْن يَديْه، ثم لم يَتكلم حتى امتلأ المَسْجد فقالَ محمَّد بن عُمَير: فسكت حَتى
ظننتُ إنما يمنعَه العيّ وَأخذت في يَدي كفاً مِن حَصَى، أرَدتُ أن أضربَ به وَجهَهُ، قال:
فقام فوَضعَ نقابَه، وتقلّد قوسَهُ وَقال:
أنا ابن جلا وطلّع الثنايَا مَتى أَضَع العمَامةَ تعرفوني(٢)
إني لأرَى رُؤوساً قد أينعت وحان قطافها، كأني أنظرُ إلى الدمَاء بَين العمَائم
وَاللحى:
ليسَ بِعُشِّك فادرُجي(٣) قد شمّرت عَن سَاقهَا فشمِّرِي(٤)
هَذا أوان الشدّ فاشتدّي(٥)
قد لفّها الّليْلُ بسوّاق حُطَمْ ليسَ برَاعي إِبلٍ وَلا غنمْ
وَلا بِجَزَّارٍ على ظَهْر وَضَمْ
(١) كذا، وفي المعرفة والتاريخ: تقول.
(٢) البيت في الكامل للمبرد ٢/ ٤٩٤ ونسبه بحاشيته لسحيم بن وثيل الرياحي.
(٣) مثل، المستقصى للزمخشري ٢/ ٣٠٥ مثل يضرب لمن يدعي أمراً ليس من شأنه.
(٤) مثل، المستقصي للزمخشري ١٩١/٢ مثل يحض به على الجد في الأمر.
(٥) في الكامل للمبرد: ((هذا أوان الشد فاشتدي زيم)).
ونسب المبرد هذا الشعر ٤٩٩/٢ (للحطيم القيسي) وقيل هي لرشيد بن رميض العنزي قالها في الحطم انظر
الأغاني ٢٥٥/١٥ واللسان ((حطم)).

١٢٨
باب ذكر بنيه وبناته عليه الصلاة والسلام وأزواجه
وتزوج علي بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله ◌َ في لثلاث بقين من شهر صفر
في السنة الثانية من الهجرة فيما أخبرني به محمد بن عمر عن أبي بكر بن أبي سَبْرَة، عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة. فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب بني
علي، وتوفيت فاطمة فيما أخبرني به محمد بن عمر، أنبأنا مَعْمَر عن الزهري عن عُروَة
عن عائشة (١): أن فاطمة توفيت بَعد النبي وَّ بستة أشهر.
قال محمد بن عمر (٢) : هذا أثبت الأقاويل عندنا وصلى عَليهَا العَباس بن
عَبد المطلب ونزل في حفرتها هو وعلي وَالفضل بن العبّاس.
أخْبَرَنا أبو العز أحمد بن عُبَيد الله بن كادش فيما ناوَلني إيَاه، وقال: اروه عني،
أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري(٣)، أنبأنا أبو الفرج المعافا بن زكريا، نا
عَبْد الباقي بن قانع، أنبأنا محمد بن زكريا، أنبأنا العباس بن بكار، حدثني محمد بن
زياد والفرات بن السائب، عن مَيْمُون بن مهران، عن ابن عباس قال: ولدت خديجة
من النبي ◌َ ﴾ عبد الله بن محمد ثم أبطأ عليهما(٤) الولد من بَعده فبينما رسول الله وَل
يكلم رجلاً والعاص بن وائل ينظر إليه إذ قال له رَجُل: من هذا؟ قال هذا الأبتر، يَعني
النبي 9َّ وكانت قريش إذا ولد للرجل ولد (٥) ثم أبطأ عليه الولد من بعده قالوا: هذا
الأبتر، فأنزل الله تباركَ وتعالى: ﴿إنّ شانئك هو الأبتر﴾ (٦) أي: مبغضك هو الأبتر،
الذي بُتر من كل خير، ثم ولدت له زينب، ثم وَلدت له رُقية، ثم ولدت له القاسم ثم
وَلدت الطاهر ثم ولدت المطهر ثم وَلدت الطيّب، ثم ولدت المطيب، ثم وَلدت أم
كلثوم، ثم ولدت فاطمة وكانت أصغرهم، وكانت خديجة إذا ولدت ولداً دفعته لمن
يرضعه فلما ولدت فاطمة لم ترضعها أحد غيرها.
أخْبَرَنا أبو العز بن كادش قراءة عليه، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا علي بن
(١) بعدها بالأصل وخع: ((عن فاطمة)) حذفناها لتوافق عبارة ابن سعد ٢٨/٨.
(٢) بالأصل وخع: ((عروة)) تحريف، والصواب عن ابن سعد ٢٨/٨.
(٣) بالأصل ((المحادري) وفي خع: ((الحارزي)) والصواب ما أثبتناه وقد تقدم هذا السند مراراً، وانظر الأنساب
(الجازري).
(٤) في خع: ((عليها) وفي المطبوعة: عليه.
.(٥) بالأصل وخع: ((ولداً).
(٦) سورة الكوثر، الآية: ٣.

١٢٩
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
هَمَمتُ وَلم أفعَلْ وَكدتُ وَليتني تركت عَلى عثمان تبكي حَلائله
فحبسه عثمان، وقال: أو عدني، وَفي ذلك يَقُول عَبْد اللّه بن الزَّبِيْرِ الأسدي(١):
أرَى الأمرَ أصْبح هَالكاً متشعبا
أقول لعبد الله (٢) لما لقيته
عُميراً وَأمّا أن تزُور المُهَلّبَا
تخير فأمّا أن تزور ابن ضابىء
مَدَى الدَهر حَتى يترك الطفل أشيبًا
فما إنْ أرى الحجَّاجَ يغمد سَيْقه
ركوبك حَوليا من الثلج أشهَبَا
همَا خطّتا خسف نجاؤك منهما
عليْه مكان السُّوق أو هيَ أقربَا
فحَال، ولو كانت خُراسان خِلتُها
ثم خرجَ الحجّاج عَلى الكوفة وَاستخلف عُروَة بن المغيرة بن شعبة فقدم البَصرة
وَاستخفّ الناس في قتال الأزارقة وَخَرج فنزل رُسْتَقْباذ، فخلعوه، وَبَايِعُوا عَبْد اللّه بن
الجارُود، فاقتتلوا فقتل ابن الجارود وَعَبْد اللّه بن حكيم المجَاشِعِي، وَهَربَ
الغضبان بن القصري وعِكرمة بن رَبْعي الفياض من غَيْرِ اللات في رجال من أهْل العرَاق
فلحِقُوا بالشام ولهم حدیث، انتهى.
أنبَأنا أبُو الفرج غَيث بن عَلي، حَدثني أبُو إسحاق إبراهيم بن طَاهِرِ الخُشُوعِي،
أنبَأ مشرف بن علي بن الخضر بن التَّمَّار - إجازة - أنبَأنا أبُو حَازم محمَّد بن
الحسَيْن(٣) بن مُحمَّد بن خلف قال قرأت عَلى مُحمَّد بن أحْمَد بن القاسِمِ الضَّبِّي(٤)،
أنبأنا أحْمَد بن كامِل - قراءة - عَليْه - قيل له: حَدثكم أبُو العَبّاس محمَّد بن يزيد المبرد -
قال ابن كَامِل وَأنا أشك في سَمَاعه - قال(٥): حَدثني التوزي في إسْنادٍ ذكره وَآخره
عَبْد الملك بن عُميْر الليثي قال: بينما نحن بالمَسْجد الجَامِع بالكوفة وَأهْل الكوفة يَومَئذ
ذوو(٦) حَالٍ حَسنة، يَخرج الرّجُل منهُم في العَشرة وَالعشرين من موَاليه إذ أتى آت فقال:
(١) الأبيات في تاريخ الطبري ٢٠٩/٦ والكامل للمبرد ١٣٠٢/٣ (وبعضها فيه ٤٩٦/٢) باختلاف وزيادة
ونقصان. والثالث سقط من الطبري وزيد فيه مكانه بيتان.
(٢) كذا بالأصل والمبرد، وفي الطبري ((إبراهيم)) وهو الصواب، وهو إبراهيم بن عامر أحد بني غاضرة من بني
أسد، وكان قد لقيه ابن الزَّبير في السوق فسأله عن الخبر، قاله الطبري.
(٣) في بغية الطلب ٢٠٧٧/٥ الحسن.
(٤) رسمها غير واضح والمثبت عن بغية الطلب .
(٥) الخبر في الكامل للمبرد ٤٩٣/٢ - ٤٩٤ وبغية الطلب ٢٠٧٧/٥ - ٢٠٧٨.
(٦) بالأصل ((ذو)) والمثبت عن المصدرين السابقين.

١٣٠
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
هَذا الحجَّاج قد قدم أميراً عَلى العرَاق فإذا به قد دَخَل المَسْجد متعمماً بعمامة(١) قد غطّى
بها أكثر وَجْهِه، متقلداً سَيْفاً، متنكّباً قوساً، يَؤم المنبرَ، فقامَ الناس نحوه، حَتى صَعَد
المنبر فمكث سَاعة لا يتكلم. فقال الناس بَعضُهُم لبَعْضٍ قبّح الله تعَالى بني أمية حَتى (٢)
يُستعمل مثل هَذا عَلى العرَاق، فقال عُمَيْرِ بن ضابىء البُرْجُمي: ألا أحصبه لكم؟ قالُوا:
أمهل حتى ننظر، فلما رَأى عيون الناس إليْه، حَسَر اللثام عَن فيه، فنهض فقال:
أنا ابنُ جَلاَ وَطلّع الثنايا متى أضَع العمَامةَ تعرفوني
[وقال: يا أهل الكوفة] (٣) إني لأرَى رَؤوساً قد أينعَتِ وَحانَ قطافها [وإني
لصاحبها] (٣)، كأني أنظر إلى الدمَاء بَين العمائم واللحَى ثم قال:
قد شمّرت عَن سَاقها فشمري
ليس بعُشِّك فادرُجي
[ثم قال: ]
قد لفّها الّليْل بسَوَّاق حُطَمْ (٤)
هَذا أوان الشدّ فاشتدي [زیم]
وَلا بِجَزَّازٍ عَلى ظهرٍ وَضَمْ(٥)
ليسَ برَاعي إِيلٍ وَلا غنمْ
[ثم قال: ]
قد لفّها الليْل بعصلبيّ(٦) أروع خراح مِن الدويّ(٧)
مُهَاجٍ ليْسَ بِأعْرَابيّ
[وقال: ]
وَجدت الحرب بكم فَجِدُوا
قد شمّرَتْ عَن سَاقها فَشِدُّوا
مثل ذرَاعِ البَكْرِ أو أشَدُّ
وَالقوسُ فِيهَا وترٌ عُرُدُ(٨)
(١) بالأصل: ((بعمة)) والمثبت عن المصدرين.
(٢) في الكامل: حيث تستعمل.
(٣) الزيادة عن الكامل للمبرد.
(٤) قال المبرد في شرحه: هو الذي لا يبقي من السير شيئاً، ويقال: رجل حطم للذي يأتي على الزاد لشدة
أکله، ويقال للنار التي لا تبقي: حطمة.
(٥) الوضم: كل ما قطع عليه اللحم.
(٦) أي شدید.
(٧) أروع أي ذكي. وقوله: ((خراج من الدوي)) خراج من كل غماء شديدة. يقال للصحراء دوية وهي التي لا
تنكاد تنقضي وهي منسوبة إلى الدو، والدوّ: صحراء ملساء لا علم بها ولا أمارة.
(٨) العرد: الشديد.

١٣١
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
إنّي - وَالله يَا أهْل العراق - وَمَا يقعقع لِي بالشنان(١) وَلقد فُرِرتُ عَن ذكاء (٢)
[وفتشت](٣) عَن تجربةٍ، وَإنّ أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم (٤) عيدَانها فوَجد [ني]
أمّرهَا عُوداً، [ولا] يغمز جانبي كغمز التين، وأصلبها مكسراً فرمَاكم بي لأنكم طَال مَا
أوضعتم في الفتنة، فاضطجعتم في مَرقد الضلال.
وَالله لأحزمنكم حزم السَّلَمة، وَلأضربنكم ضرب غَرائب الإبل، فإنكم لكأهل
قرية: ﴿كانت آمنةً مُطْمَئنةً يأتيها رزقُها رَغَداً مِن كل مَكانٍ، فَكَفَرَتْ بأنعُم الله فَأذاقها الله
لِبَاسَ الجوعِ وَالخوْفِ﴾ (٥) وَإِني وَالله مَا أقول إلّ وفيتُ، وَلا أهَمّ إلّ أمضَيتِ وَلا أخْلُقُ
إلّ فریت.
وَإِن أمير المؤمنين أمرَني بإعطائكم، وَأن أوجهكُمْ لِمُحَاربة عَدوكم مَعَ المُهَلّب بن
أبي صُفْرة، وَإِنّي أقسمُ بالله لا أجد رجلاً تخلّف بَعد أخذ عَطَائه بثلاثة أيّام إلّ ضربت
عنقه، يَا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين فقرأ:
((بسم الله الرحمن الرحيم.
من عَبْد اللّه عَبْد الملك أميرَ المؤمنين إلى مَن بالكوفة مِن المُسلمين سَلامٌ
عَليْكم، فلم يقل أحَد شيئاً، فقال الحجّاج اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال:
سَلّم عَليْكم أمير المؤمنين، فلم تردّوا عَليْه شيئاً، هَذا أدَب ابن نِهِيةٍ (٦)، أمَا وَالله
لأؤدبنكم غير هَذا الأدب، اما تستقيمنّ. اقرأ يَا غلام كتاب أميرَ المؤمنين فقرأ: فلمّا بَلغ
إلى قولِه: سَلام عَليْكم، فلم يَبق في المَسْجد أحد (٧) إلّ قال: وَعَلى أمير المؤمنين
السَّلام، ثم نزل فوضع للناس أعطيَاتهم فلم يَزالُوا يَأخذون حتى أتاهُ شيخ يَرْعش كبراً
فقال: أيّها الأمير إني مِن الضعف عَلى مَا ترى وَلِي ابن هوَ أقوى عَلى الأسفار مني،
(١) الشنان: واحدها شن، وهو الجلد اليابس، فإذا قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلاً لنفسه.
(٢) قوله: ولقد فررت عن ذكاء، يعني تمام السن، والذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن، والآخر حدة
القلب.
(٣) بياض بالأصل والمستدرك عن الكامل للمبرد ٢/ ٤٩٥ .
(٤) يعني مضغها لينظر أيها أصلب.
(٥) سورة النحل، الآية: ١١٢ .
(٦) بهامش الكامل للمبرد ٤٩٥/٢ عن إحدى النسخ: ((زعم أبو العباس أن ابن نهية رجل كان على الشرطة
بالبصرة قبل الحجاج».
(٧) بالأصل: أحداً.

١٣٢
الحجاج بن يوسف بن الحکم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
أفتقبلهُ مني بديلاً؟ فقالَ لهُ الحجّاج: نفعَل أيّهَا الشيخ فلما وَلّى قال له قائل: أتدري مِن
هَذا أيّها الأمير؟ قال: لا، قال: هَذا عمَيْر بن ضابىء البُرْجُمي الذي يقول أبُوهُ:
تركتُ عَلى عُثمان تبكي حَلائله
همَمتُ وَلم أفعلْ وَكدتُ وَليتني
وَدَخل هَذا الشيخ على عثمان مقتولاً، فوطىء بَطنه فكسَر ضِلعَين من أضلاعه
فقال: رُدّوهُ، فلمّا رُدَّ قال لهُ الحجّاج: أيّها الشيخ هَلّ بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بن
عَفان بديلاً يوم الدار، إن [في] قتلك أيّها الشيخ صَلاح للمُسْلمین، يا حرسي اضربا
عنقه، فجعَلَ الرّجل يضيق عَلَيْه بَعْض أمْره فيرتحل، وَيَأمر وليه أن يلحقه بزاده، وَفي
ذلك يَقُول ابن عَبْد اللّه بن الزَّبِير الأسَدي:
[عميراً] وأمّا أن تزورَ المُهَلّبَا
تجهزْ فأمَا أن تزورَ بن ضابىء
رُكوبُك حولنا من الثلج أشهبًا
همَا خُطَّا خَسْفٍ نجاؤك منهمَا
رآه مكان السُوق أو هوَ أقربَا
فأضحَى وَلو كانت خُرَاسَانِ دُونهُ
أَخْبَرَنا أبُو العزّ أحْمَد بن عُبَيْد اللّه - إذناً وَمُنَاوَلة، وَقرأْ عَليّ إِسْنادُه- أنبَأْنا أبُو عَلي
الجَازري(١)، أنبأنا المعَافى بن زكريا(٢)، أنبأنا أحْمَد بن مُحمد بن سَعِيْد الكلبي ، نبأنا
محمّد بن زكريا الغَلّبي، نبأنا محمَّد - يَعني ابن عبَيْد اللّه بن عباس - عَن عَطَاء - يَعني
ابن مُصْعَب - عَن عَاصِم قالَ: خَطَبَ الحجَّاجِ أهْلِ العرَاقِ بَعْد دير الجماجم فقالَ: [يا]
أهْل العرَاق، إنّ الشيطَان قد استبطنكم فخالطَ اللحم وَالدّم وَالَعَصَب والمَسَامِعِ
وَالأطراف، ثم أفضَى إلى الأسمَاخِ، ثم ارتفع فعَشَش ثم بَاض وَفرخ، ثم دَبّ وَدَرَج
فحشاكم نفاقاً وَشقاقاً وَأشعركم خلافاً، اتّخذتموه دليلاً تتبعُونَه، وَقائداً تطيعُونَه،
وَمؤامراً تشاورُونَهُ، فكيف تنفعكم تجربة أو ينفعكم بيان؟ أَستم أصحَابي بالأهوَاز حَيث
رمتم المكر، وَأجمعتم عَلى الكفر، وَظننتم أنّ الله عَزّ وَجَلّ يخذل دينه وَخلافته، وَأنا
أرميكم بطَرفي وأنتم تتسلّون لوَاذاً، وتنهزمون سرَاعاً، يوم الزاوية مَا كان من فشلكم
وتنازعكم وتخاذلكم، وَبرَاءة الله فيكم ، ونكوص وَليكم إذا وَليتم كالإبل الشاردة(٣)
(١) بالأصل «الحاروري) والصواب ما أثبت قياساً إلى سند مماثل.
(٢) الخبر في الجليس الصالح الكافي ٣/ ٣٠٠ وبغية الطلب لابن العديم نقلاً عن المعافى ٢٠٧٦/٥ - ٢٠٧٧.
والبيان والتبيين ١٣٨/٢.
(٣) في الجليس الصالح: الشاذة.

١٣٣
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتُّب بن مالك
عَلى أوطَانها، النوَازع ، لا يَسأل المرء عَن أخيه، وَلا يلوي الشيخ على بَنيه، حين
عَضّكم السَّلاح، ونخستكم (١) الرمَاح يَوم دَير الجمَاجم، وَمَا يَوم الجمَاجم ، بها كانت
المعَارك وَالملاحِم :
بضرب يزيل الهام عَن مقيله وَيذهل الخليْل عَن خليْله(٢)
يَا أَهْل العرَاق: الكفرات بَعْد الفجرَات، وَالعذلات(٣) بعد الخترات، وَالنزوة بَعْد
النزوات ، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وجبنتم ، وَإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم
نافقتم ، لا تتذكرون نعمة وَلا تشكرون معروفاً، هَل استخفكم ناكث، أو استغواكم
غاوٍ، أو استفزكم عاص، أو استنصركم ظالم ، أو استعضدكم خالع إلّ لبيتم دَعوَته،
وَأجبتم صُحبَته ، ونفرتم إليه خفافاً وَثقالاً وَفرسَاناً وَرِجَالاً .
يَا أهل العرَاق، هل شغب شاغب أو نعب ناعب أو زفر زافر إلّ كنتم أتباعُهُ
وأنصَارُه.
يَا أهْل العراق: ألم تنفعكم الموَاعِظ ألم تزجركم الوَقائع، ألم يشدّد الله عليكم
وَطأته ، وَيذقكم حرّ سَيْفِه، وَأَليْم بَأْسِهِ وَمثلاته؟
ثم التفت إلى أهْل الشام فقال: يَا أهْل الشام، إنما أنا لكم كالظليم الرَامح عن
فراخه ينفي عَنهَا القذف (٤)، وَيَباعد عَنهَا الحجَر، وَيَكنها من المَطر، وَيحميها من
الضبَاب، وَيحرسْهَا مِن الذئَاب (٥).
يَا أهْل الشام: أنتم الجُنَّة وَالردَاء، وأنتم الملاءة والحذاء، أنتم الأوْليَاء
وَالأنصَارِ، وَالشعَار دون الدثار، بكم نذب عَن البيعَة والحوزة، وَبكم ترمى كتائب
الأعداء ، ويهزم من عاند وتولى، انتهى.
أَخْبَرَنا أبُو طَالب عَبْد القادر بن مُحمَّد بن يُوسُف في كتابه، أنبأنا أبو إسحاق بن
إبرَاهيْم بن عمَر الفقِيه، وَأَبُو الحسَن عَلي بن عمَر بن الحَسَن، قالاً: أنبَأنا أبُو عمَر بن
(١) الجليس الصالح: تجشمتكم.
(٢) ورد الرجز بالأصل نثراً.
(٣) في الجليس الصالح: ((والغدرات)) وفي بغية الطلب: ((والعذرات)).
(٤) في الجليس الصالح: القذر.
(٥) الأصل وابن العديم، وفي الجليس الصالح: الذباب.

١٣٤
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
حَيّوية، أنبَأنا عبَيْد اللّه بن عَبْد الرَّحمن بن محمَّد، حدثنا أبو محمَّد عَبْد اللّه بن
مسلم بن قُتيبة الدينوري قال في حَديثٍ: في حَديث الحجّاج أنه خطب حين دَخل العراق
فقال في خطبته شعراً:
إنّي أرى رؤوساً قد أينعت وَحَان قطافها كأنّي أنظر إلى الدّمَاء بَين اللحَى
وَالعمائم ، [ثم قال: ]
ليس أوان عشّك فادرُجي ليس أوان يكثر الخلاط
[ ثم قال: ]
قد لفّها الليْل بعصلبيّ أروع خرّاج من الدِّوِّيّ
مهَاجُر ليس بأعرابي
[ثم قال: ]
قد لفّها الليل بسَوَّاق حُطَمْ
لَيس برَاعي إِبْلِ وَلا غنمْ وَلا بجزّار عَلى ظهر وَضَمْ
[ثم قال : ]
أنا ابن جَلاً وطلّع الثنايا متى أضع العمامةَ تعرفوني
ثم قال: إن أميرَ المؤمنين نكت كنانته بَين يَدِيْه فعجمَ عيْدَانها فوَجدني أمرّهَا عُوداً
وَأصلبهَا مكسراً فوجهني إليكم، ألا فَوالله لأعصبَنْكم عَصَب السَّلَمة، وَلألحونكم لحي
العُود ، وَلأضربنكم غرائب الإبل، وَلأخذن الوَلي بالوَلي حتى يستقيم لِي قتالكم ،
وَحتى يَلقى أحدكم أخاهُ فيقول: ((انج سَعْد فقد قتل سَعيد))(١)، ألا وإياي وَهَذه الشقف
وَالزرافات، فإني لأجد أحداً مِن الجَالسين في زرَافة إلّ ضربت عنقه.
يروى من وُجُوه بألفاظ مختلفة يزيد وَينقص أحدهَا يَرْويه ابن عيينة عن ابن عَون:
قوله: إني أرى رُؤوساً قد أينعت: أصل هَذا في التمر وَايناعُهَا أن تدرك وَتبلغ وإذا هيَ
أدركت حَان أن تقطف، فشبّه رُؤوسهُم لاستخفافهم القتل بثمار قد حان أن تجتنی.
(١) مثل، انظر مجمع الأمثال للميداني.

١٣٥
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
وَقوله: ليس أوان عَشك فادْرجي: هَذا مثل يُضْربُ لِلرّجُل المُطمئن المقيم وَقد
أضله أمر عظيم يَحتاج إلى مناصرته وَالحفوف فيه، وَإِنمَا خصّهُم يَومئذ عَلى اللحُوق
بالمهَلّب وَكان يقال الأزارقة فقال: هَذا ليْسَ رَة "، المقام والحفض ولكنه وقت الغزو،
فليَلحق من كان في بَعث المُهَلّب به. وَأصْل المثل في الطَيْرِ.
وَقوله: وَلَيْسَ أوَان يكثر الخلاط. وَالخلاط هَا هُنا السّفاد وهو أشبه بالمثل
الأوّل، ليسَ هَذا أوَان السفاد وَالتعشيش.
وَقوله: قد لفّها الليْل بعصلبي، هَذا مثل ضربه لنفسه ولرعيته ، فجعَلُهُم بمنزلة
ناقة إيل لرجلٍ قوي شديد، يَسري وَيَتَبَعُهَا وَلا يَركن إلى دعةٍ وَلا سُكون، وَجَعَل نفسَه
بمنزلة ذلك الرجل. وَلفها: أي جَمَعَها هَذا أصل الحرف قال الفرزدق وذكر ذكياً(١):
مرُوا يَركبون الريح وهي تلفهم إلى شعب الأكوار ذات الحقائب
يروى: ((قد حسّها)) من قولك حَسَست النار: إذا ألقيته عَليْهَا فالتهب والليْل لاَ
يفعل شيئاً من هذا، إنما الفاعِلِ هَذا الرّجُل، والعَصْلبي: الشديد من الرجَال ، وَهوَ مثل
الضمل(٢).
وقوله: ((أروع من خراج الدَّوِّيّ)). الأروَع: الجَميْل، وخرّاج من الدويّ: يُريد أنه
صاحب أسفار ورحل، فهو لا يزال يخرج من التلوب ، وقد يكون أراد أنه دليل في
الفلوات لا يختبر فيها ولا تشتبه عليْه ، وَروي وادي جمع داوية وَهيَ الفلاة.
وَقوله: قد لفّها الليل بسَوَّاق حُطَم. وهو شبيه بالأوّل ويروَى أيضاً حَسهَا.
وَالحطم: العنيف بها في سُوقه، ومنه قول الله عز وَجَل: ﴿وَمَا أدْرَاك مَا الخُطَمةِ﴾(٣).
كأنها التي تحطم مَا ألقى فيهَا، ويُقَال أيضاً حسستك الحرب إذا هاجَهَا كما تحس النار.
قال النبي وَّ﴿ في أبي بصير: ((ويل أمّه مسعر حرب لو كان معه رجَال))[٢٩٢١].
وَقوله ليسَ برَاعي إبل وَلا غنم: يُريد أنه عَظيم القدر، ليْس ممَن يرَاعي.
وَلا بجزّار على ظهر وَضَمْ: يريد أنه ليس ممن يأخذ اللحم بيده ويبتذل نفسه ،
(١) البيت في ديوانه ٢٩/١ باختلاف الرواية.
(٢) كذا رسمها بالأصل، ولم أحله.
(٣) سورة الهمزة، الآية: ٥.

١٣٦
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
ولکنه یلقی ذلك کرماً. يريدون بهذه وشبهه. قال الشاعر:
تجوز يدَاهُ في الأديم وتخرج
وَكفّ فتى لم يعرف السّلخ قبلهَا
وقال الآخر أيضاً:
حفاة المحن غلاظ القصر
وَصلع الرؤوس عظام البُطون
حفاة المحن يُريد أنهم لا يصبون في القطع المفصل كما يصيبه الجازر وَقال
الآخر:
من آل المغيرة لاَ يشهَدون عند المجَازر لحم الوَضَمْ(١)
وَالوَضم كل شيء [قطع] (٢) به اللحم من الأرض من خوَانٍ أو غيره، يُقال وَضَمْتُ
اللحم أي عملت له وَضماً وَأوضمته جَعَلته عَلى الوَضَم.
وَقوله: أنا ابن جَلاً: قال سيبويه جَلاَ فعل مَاضٍ كأنه بمعنى أنا ابن الذي جَلاً أي
وَضُح وَكَشَف وَهَكذا جَاء الحرب ، وقال القلاخ:
أنا القلاخ ابنُ جناب بن جلا أبُو حناتير أقود الجملا(٣)
حناتير دَوَاهي وَخناسير أيضاً، وَقوله أقودُ الجملا. أي أنا مكشوف الأمر ظاهره لا
أخفى. كما قال الشاعر:
ما استسر من قاد الجمل
وقوله: وطلّع الثنايا، [الثنايا](٤): جمع ثنية ، والثنية الأرض ترتفع وتغلظ.
وقولهم: فلان طلاع أنجد، وهو جمع نجد، والنجد ما ارتفع من الأرض.
حدثني أبو حاتم عن الأصمعي أنه قال: يقال ذلك للرجل لا يزال قد فعل فعلة
سريعة، وقال دريد بن الصِّمَّة :
كاشف الإزار خارج نصف ساقه صبور على الجلّ طلّع أنجد
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة ودیوانه فيما نسب إليه ص ٤٩٩.
(٢) بياض بالأصل، واللفظة المستدركة عن الكامل للمبرد ٤٩٩/٢ .
(٣) البيت في المؤتلف والمختلف للامدي ص ١٦٨ والشطر الثاني برواية:
أخو خناسير يقود الجملا
(٤) الزيادة للإيضاح.
في الكامل للمبرد ٤٩٧/٢ الثنية: الطريق في الجبل.

١٣٧
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
والجلّء: الأمر العظيم، وهو الجلي أيضاً. إذا قصر ضم أوله، وإذ مدّ فتح أوله
وجمعه جلل مثل کبری وکبر، وطولى وطول، وقوله :
كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الجلّ طلاع أنجد (١)
يريد أنه مشمر ليس صاحب خفض ولا دعة، وأصل المثل أن يكون الرجل
صاحب أسفار ، فهو لا يزال يطلع الثنايا والنجاد أي يشرف عليها ويكون أيضاً أن يربأ
عليها، والربيئة كمين القوم وكالئوهم، ومكان الربيئة الثنايا والهضاب، قال عروة بن
مرة :
لست لمرّة إن لم أقصر فيه تبدو لي الحرب منها والمقاصيب
المقاصيب مواضع القصب، وهو القتّ واحدها مقصبة.
وقوله: متى أضع العمامة تعرفوني ، يريد أنه مشهور لا أنكر، ويحتمل أيضاً أن
يريد متى أكاشفكم وأدع الأناة فيكم تعرفوني حينئذ حق معرفتي من قولك: ألقيت
القناع، إذا کاشفت.
وقوله: إن أمير المؤمنين نكب (٢) كنانته بين يديه، أي كبها ، يقال: نكب الرجل
الكنانة ينكبها نكباً ونكوباً إذا كبّها. وقوله: فعجم عيدانها يريد أنه اختبر سهامها، وهذا
مثل ضربه لنفسه ولأمثاله من رجال السلطان، يريد أنه اختبر أصحابه فوجدني أمرّهم
وأصلبهم فرماكم بي، يقال: عجمت العود أعجمه عَجْماً (٣) إذا عضضته بأسنانك لتنظر
هو أصلبٌ أم خوار. وعجمت الرجل إذا رزته، وعجمت الشيء إذا ذقته. قال الشاعر:
أبى عودك المعجوم إلّ حلاوة وكفاك إلَّ نائلا حين تسأل
وقوله: لأعصبنكم عصب السلمة، والسلمة: شجرة، وجمعها سلم، وبها سمي
الرجل سلمة. حدثني أبو حاتم عن الأصمعي أنه قال: السلمة يأتيها الرجل فيشدها
بنسعة إذا أراد أن يحيطها حتى لا يشد شوكها فيصيبه ، فيضرب مثلاً لمن عصبه شرّ وأمر
(١) البيت في الكامل للمبرد ٢/ ٤٩٧ منسوباً لدريد بن الصمة وعجزه فيه:
بعيد من السوات طلاع أنجد
(٢) ورد في رواية: نثر.
(٣) المصدر: العَجْم، يقال عجمته عَجْماً، ويقال لنوى كل شيء: عَجَمٌ مفتوح، ومن أسكن فقد أخطأ،
(المبرد، الكامل ٢/ ٥٠١).

١٣٨
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
شديد. وحدثني محمد بن عمر عن أبي كناسة أنه قال: عصب السلم في الجدب أن
يشتدوا في أعلى الشجرة منه حبلاً ثم يمد الغصن حتى يدنو من الإبل فتصيب من ورقه.
وأنشدنا الکمیت:
ولا سمراتي يتبعهن عاضد ولا سلماتي [في] بجيلة يعصبُ(١)
وأراد أن بجيلة لا تقدر على قهره وإذلاله ..
وقوله: لألحونكم لحو العصى، اللحو: التقشير، وهو اللحي أيضاً، يقال:
لحوت العصا ولحيتها إذا قشرتها، واللحاء ممدود: القشر ، ومثله مما يقال بالواو
والياء، كنوت الرجل وكنيته، ومحوت الكتاب ومحيته، وحثوت التراب وحثيته وأشباه
ذلك كثير. وقال أوس بن حجر :
لحيتهم لحي العصا فطردتهم إلى سنة جرذانها لم تحلَّم (٢)
قوله: لم تحلّم، لم تسمن ، يقول: هي سنة جدب فجرذانها هزلى، قال
النبي ◌َّجر: ((لا يزال الأمر فيكم ما لم تحدثوا، فإذا فعلتم ذلك سلط الله عليكم شرار خلقه
فيلحونكم(٣) كما يلتحى القضيب)) أي
(٤) كما يؤخذ بلحى
[٢٩٢٢]
القضيب ٢٩٢١٦].
وقوله: لأضربنَّكم غرائب الإبل، وذلك أن الإبل إذا وردت الماء فدخلت فيها
غريبة من غيرها ردّت(٥) عن الماء وضربت حتى تخرج عنها.
وذكر عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة أنه كان يشفع بركعة ويقول: ما
أشبهها إلاَّ بالغريبة من الإبل.
وقوله: (انج سعد قد قتل سُعَيد))، هذا مثل، وقيل قاله زياد في خطبته التي خطبها
عند دخوله البصرة، وإنما قيل لها البتراء لأنه لم يحمد الله تعالى فيها ولم يصلّ على
النبي له .
(١) عجزه في اللسان ((عصب)) بدون نسبة ذكره في شرحه لمثل: ((فلان لا تعصب سلماته)) وهذا المثل يضرب
للرجل الشدید العزيز الذي لا يقهر ولا يستذل.
(٢) ديوانه ط بيروت ص ١١٩.
(٣) في النهاية (لحى): ((فالتحوكم)) ويروى: فلحتوكم.
(٤) ثلاث كلمات غير مقروءة فتركنا مكانها بياضاً.
(٥) رسمها بالأصل: ((ذندب)) ولعل الصواب ما أثبت.

١٣٩
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
وذكر المفضل الضّبي(١): أنه كان لضبة(٢) إبنان سعد وسُعَيد فجاءا يطلبان إيلاً
لهما، فرجع سعد ولم يرجع سُعَيد، فكان ضبة إذا رأى سواداً تحت الليل يقول: ((أسعد
أم سُعَيد)»، هذا أصل المثل، فأخذ ذلك اللفظ منه، وهو يضرب في العناية بذي الرحم،
وقد يضرب في الاستخبار عن الأمر من الخير والشر أيهما وقع.
وأما الزرافات فهي الجماعات، نهاهم أن يجتمعوا، وقد ذكر أبو عبيد هذا الحرف
في الحديث وفسّره، وذكر السقف أيضاً وقال: لا أعرفه، وقد أكثرت أنا أيضاً السؤال
عنه فلم يعرف. وقال لي بعض أهل اللغة: إنما هو الشفعاء وأراد أنهم كانوا يجتمعون
إلى السلطان يشفعون في المريب، فنهاهم عن ذلك. وقد ذهب مذهباً حسناً، وقد نهى
زياد عن مثل ذلك أيضاً حين نهى عن البرازق(٣)، قال: فلم يزل بهم ما يزرى من قيامكم
بأمرهم حتى انتهكوا الحريم وأطرقوا وراءكم في مكامن الريب، يريد أنهم كانوا يشفعون
لهم فیخلصونھم من ید السلطان ثم یر کبون العظائم ویستترون بهم انتھی.
أَخْبَرَنا أبو بكر اللفتواني، أنبأنا أبو عمرو الأصْفَهَاني، أنبأنا محمّد بن الحَسَن
المَديني، عَن أبيْهِ، عَن عوَانة بن الحكم قال: سُمعَ الحجّاج يكبر في السّوق في صَلاة
الظهر، فلما انصَرَفَ ليس (٤) بالتكبِيْرِ صَعَدَ المنبَر فقال: يَا أهْل العرَاق وَأهْل الشقاق
وَالنفاق وَمَسَاوىء الأخلاق، وقد سَمعت يكبر ليسَ بالتكبير الذي يرَاد به في الترهيب
وَلكنه التكبير الذي يُراد به الترغيب (٥) وعبَيْد العَطَاء وَأولاد الإمَاء أَلَا يرفأ الرجل منكم
صلعه ويخسر حمل رَأسه وَحقن دَمه وَيَبْصر مَوضع قدمه، وَالله مَا أرى الأمور تمضي
تثقل أياديكم، حَتى أوقع بكم وَقعة تكون نكالاً لما قبلها وتأديباً لمَا بَعْدُهَا.
أَخْبَرَنا أَبُو القاسِم بن الحُصَين، أنبأنا عَلي بن المُحَسّن التنوخي، أنبَأْنا أَبُو
إِسْحَاق إبراهيم بن أحْمَد بن مُحمَّد الطَبَري الشاهِد، نبَأنا أبُو طَلحة مُحمَّد بن مُوسَى بن
(١) المثل في الفاخر للمفضل الضبي ص ٥٩.
(٢) وهو ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر.
(٣) ويروى برازيق، جمع برزيق، الجماعات، وقيل جماعات الناس، وقيل: جماعات الخيل. فارسي
معرب.
(٤) كذا وقد تكون ((ليس بالتكبير)) مقحمة، والظاهر حذفها.
(٥) بعدها عبارة غير مقروءة ورسم لفظاتها غير واضح ((تهاعجاخع تحتط نصف إلى بني الكيق)) كذا، ولم
أجدها .

١٤٠
الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتِّب بن مالك
مُحمَّد بن عَبْد اللّه الأنصاري - بالبَصرة - حَدثنا أبُو السيار أحْمَد بن حَمّوية البزاز
) (١) بن عثمان أبُو مُعَاذ الليثي، نبَأنا مُسْعَدة بن
التُّسْتَري، حَدَّثنا (
أليَسَع بن قبيس أبُو بشر البَاهِلِي، أنبأنا عَون، عَن عمران الضُّبَعي: أنه رَأى في مَنامِهِ كأن
الحجّاج بن يُوسُف عَلى بَغل، وَكأنه عَلى حَائط كلس، وَكأنه يَسف التراب، قال:
فقصّهَا عَلى غير واحد مِن أصْحَابه، وكلهم يقول (٢) خيراً حتى قصّهَا عَلى أبي قِلابة ،
فقال لهُ: هَاتها أمّا كانت ، فقال له أبُو قِلابة: أما البَغل فليس في الدوَاب أطول عمراً من
البَغْل ، وَأمّا حَائط كلس فليس في البَناء أثبت مِن الكلس ، وَأمّا سفّه التراب فأكلهُ
أموَالكم، انتهى.
أَخْبَرَنا أَبُو سَعْد بن البَغدَادِي، أنبَأنا أبُو نَصر محمَّد بن أحْمَد بن محمَّد ، أنبأنا
أبُو سَعِيد، أنبأنا أبُو نصر محمّد بن أحْمَد، أنبَأنا أبُو سَعيد الصَيرَفي، أنبَأنا أبُو عَبْد اللّه
مُحمَّد بن عَبْد اللّه بن أحْمَد الصّفار، نبَأنا ابن أبي الدنيا، حَدَّثنا محمّد - هوَ ابن أبي
الحُسَين - نبَأنا عبيد اللّه بن محمَّد التميمي، قال: سمعت شيخاً من قريش يُكنى أبا بكر
(٣) إن الله عَزّ وَجَلّ خلق
التيمي قال: كان الحجاج يَقُول في خطبته: وَكان
آدَم وَذريته من الأرض فأمشاهُم عَلى ظهرها، فأكلُوا ثمارَهَا وَشَربوا أنهارهَا فملأوهَا (٤)
المساحي والمرور من أزال الأرض منهم فردّهم إليهَا فأكلت لحُومُهُم كما أكُلُوا ثمارهَا
وشربت دماءهم كما شربُوا أنهارها وقطعتهم في جَوفها وَمزقت أوْصَالهم كما حملوهَا
مساحیھم وَمرُورهم، انتھی.
أَخْبَرَنا أبُو الحسَن عَلي بن المُسَلّم الفقيه، نبأنا عَبْد العزيز بن أحْمَد، أخْبَرَنَا أَبُو
الحَسَن بن أبي الحَديْد، أنبأنا جدي أبُو عَبْد اللّه، قالا: أنبأنا أبو بكر محمَّد بن عوف بن
أحْمَد المُزَني ، نبَأنا محمَّد بن مُوسَى بن الحسين بن السّمسَار الحافظ، أنبأنا محمّد بن
خُرَيم، أنبَأْنا هشام بن عمّار، حَدثنا شهَاب بن خِرَاش، نبَأنا سيَار أبُو الحكم، قال:
سَمعت الحجَّاج بن يُوسُف مِن عَلى المنبر يَقُول: أَلَا أيها الرجُل وكُلكم ذلك الرّجل،
(١) اللفظة غير مقروءة، تركنا مكانها بياضاً.
(٢) بالأصل ((يقولوا)) والمثبت عن مختصر ابن منظور ٢٠٩/٦.
(٣) بياض بالأصل، ولعلها: وكان فصيحاً.
(٤) كذا رسمها، وفي تهذيب ابن عساكر: ((وهيأوا لها)).