Indexed OCR Text
Pages 741-760
وأما الوهم، فإذا كان يسيراً يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات فلا يستحق أن يسمى خللاً في الضبط، ولا ينبغي أن يسمى تغيراً، غاية الأمر أنه رجع عن الكمال الفائق المعروف لمالك وشعبة وكبار الثقات، ولم يذكروا في ترجمته شيئاً نسب فيه الى الوهم إلا ما وقع له مرة حديث أم زرع، والحديث في (الصحيحين) وغيرهما عنه عن أبيه عن عائشة قالت: ((جلس إحدى عشرة امرأة ... )) فساقت القصة بطولها وفيها ذكر أم زرع، وفي آخره: ((قالت عائشة: قال رسول الله عَ لّه : کنت لكِ کأبي زرع لأم زرع». وهذا السياق صحيح اتفاقاً ولكن رواه هشام مرة أخرى فرفع القصة كلها، وقد توبع على ذلك كما في (الفتح) ولكن الأول أرجح، واستدل بعضهم على رفع القصة كلها بأن المرفوع اتفاقاً وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( كنت لك کابي زرع لأم زرع)) مبنى على القصة فلا بد أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم بدأ فذكر القصة ثم بنى عليها تلك الكلمة أو بدأ بتلك الكلمة فسألته عائشة فذكر القصة. وأجيب باحتمال أن تكون القصة كانت مما يحكيه العرب وكان صلى الله عليه وآله وسلم قد سمعهم يحكونها وعلم أن عائشة قد سمعتها فبنى عليها تلك الكلمة. وعلى كل حال فهذا وهم يسير قد رجع عنه هشام. بقي ما قيل: إن هشاماً كان يدلس، قال يعقوب بن سفيان: ((ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلا بعدما صار الى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشاماً تسهل لأهل العراق، إنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكأن تسهله أنه أرسل عن أبيه عما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه)) وجاء عن ابن خراش ما يفهم منه هذا المعنى وقد تفهم منه زيادة لا دليل عليها فلا تقبل من ابن خراش، وعده ابن حجر في الطبقة الأولى من المدلسين، وهي طبقة من لم يوصف بذلك إلا نادراً . والتحقيق أنه لم يدلس قط ولكن كان ربما يحدث بالحديث عن فلان عن أبيه فيسمع الناس منه ذلك ويعرفونه ثم ربما ذكر ذلك الحديث بلفظ ((قال أبي)) أو نحوه ٧٤١ اتكالاً على أنه قد سبق بيان أنه إنما سمعه من فلان عن أبيه، فيغتنم بعض الناس حكايته الثانية فيروي ذاك الحديث عنه عن أبيه لما فيه من صورة العلو، مع الاتكال على أن الناس قد سمعواً روايته الأولى وحفظوها. وفي مقدمة (صحيح مسلم) ما يصرح بأن هشاماً غير مدلس، وفيه أن غير المدلس قد يرسل وذكر لذلك أمثلة منها حديث رواه جماعة عن هشام ((أخبرني اخي عثمان بن عروة عن عروة)). ورواه آخرون عن هشام عن أبيه، ومع هذا فإنما اتفق هشام مثل ذلك نادراً، ولم يتفق إلا حيث يكون الذي بينه وبين أبيه ثقة لا شك فيه کأخيه عثمان ومحمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة. والله الموفق . ٢٦٢ - هشام بن محمد السائب الكلبي. من عادة الخطيب ان يذكر اخر ترجمة الرجل تاريخ وفاته ورؤيا رئيت له بعد موته وابياتاً قيلت في رثائه حيث يتيسر ذلك، فذکر في آخر ترجمة محمد بن الحسن تاريخ وفاته، واتصل بذلك ابيات رئي بها ثم ذكر ما روي انه رئي في المنام فقال: ((قال لي اني لم اجعلك وعاء للعلم وانا اريد ان اعذبك ـ قيل له فما فعل ابو يوسف؟ قال: فوقي - قيل فما فعل ابو حنيفة؟ قال: فوق ابي يوسف طبقات)). وربما اتفق ان يكون فيما يختم به الترجمة من الشعر غضاضة ما على صاحب الترجمة فيغتفرها الخطيب في سبيل تزيينه (التاريخ) كما فعل في ترجمة الاصمعي حيث ذكر البيتين المعروفين: نحو دار البلى على خشبات لعن اللّه أعظماً حملوها بيت والطيبين والطيبات أعظماً تبغض النبي وأهل الـ هذا مع تبجيل الخطيب للأصمعي وانه لا غرض له في ذمه، فاتفق له ما هو دون هذا بكثير في ترجمة ابي يوسف، ذكر ما روي عن معروف الكرخي انه قال: ((رأيت كأني دخلت الجنة فاذا قصر قد بني وثم شرفه ... فقلت لمن هذا؟ فقالوا: لابي يوسف القاضي ... بتعليمه الناس الخير ... )) ثم ذكر تاريخ وفاته وذكر من طريق هشام ابن الكلبي ابياتا ذكر انها أنشدت على قبر ابي يوسف عقب وفاته أولها : ٧٤٢ سقى جدثاً به يعقوب أمسى من الوسمى منبجس ركام(١) وفيها تنكيت شعر خفيف بلا سب ولا لعن، فجاء الكوثري فذكر الاصمعي وغضب عليه لروايته ما سمع، وتجنى عليه وذكر بدون ادنى مناسبة بيتي اللعن تشفياً من الاصمعي فقط، ثم في ترجمة محمد بن الحسن ضج وعج وهاج وماج وطول وهول ينقم على الخطيب ابراد الابيات المذكورة، والوقت اعز من ان نضيعه في تعقب تهويل الكوثري فاما ابن الكلبي فكما قال . ٢٦٣ - الهيثم بن جميل. في (تاريخ بغداد) (٣٨٥/١٣) من طريق عبدالله بن خبيق قال: سمعت الهيثم بن جميل يقول: سمعت ابا عوانة يقول: كان ابو حنيفة مرجئاً يرى السيف ... )) قال الاستاذ (ص ٧١): ((قال ابن عدي: لم يكن بالحافظ يغلط على الثقات)) . اقول: روى عبدالله بن أحمد عن ابيه: (( كان اصحاب الحديث ببغداد ابو كامل وابو مسلمة الخزاعي والهيثم، وكان الهيثم احفظهم وابو كامل اتقنهم)). ذكر هذا في (التهذيب) في ترجمة ابي كامل مظفر بن مدرك ثم قال: ((وحكى ابو طالب عن احمد نحوه وزاد: لم يكونوا يحملون عن كل احد، ولم يكتبوا الا عن الثقات)). وذكر في ترجمة الهيثم قول احمد: ((ثقة)) قال: ((وقال العجلي: ثقة صاحب سنة . وقال إبراهيم الحربي: اماً الصدق فلا يدفع عنه، وهو ثقة. وقال الدراقطني: ثقة حافظ. وذكر قبل ذلك قول ابن سعد (( ... وكان ثقة)) اما الغلط فذكر له الذهبي في (الميزان) حديثا واحداً، فان كان هو الذي اشار اليه ابن عدي، فابن عدي هو الغالط، والحديث هو ما رواه الهيثم عن ابي عوانة عن عبد الاعلى عن سعيد (١) كذا هو بخط المصنف رحمه اللّه تعالى، والذي في ((التاريخ)) في المكان الذي اشار اليه (٢٦٢/١٤): (( ... اضحى رهينا لليل هزج ركام))،و کذا هو في(( التأنيب»(ص ١٧٧)، فالظاهر ان المؤلف كتب البيت من حفظه، لا نقلا عن ((التاريخ)) ويؤيد ذلك انه ليس فيه قول المؤلف: ((علی قبر ابي یوسف عقب وفاته)). ن. ٧٤٣ ابن جبير عن ابن عباس مرفوعا: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. كأن المغلط بنى على ان هذا المتن معروف من رواية سفيان الثوري عن عبد الاعلى، فأما أبو عوانة فالمعروف من روايته عن عبد الاعلى بهذا السند حديث (« اتقوا الحديث عني الا ما علمتم، فانه من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) ویجاب عن هذا بأن في (مسند احمد) (ج ١ ص ٣٢٣) حدثنا ابو الوليد ثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى ... اتقوا الحديث عني ... ومن كذب في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) فجمع بين الجملتين، واخرج الترمذي عن سفيان بن وكيع عن سويد بن عمرو الكلبي عن ابي عوانة نحوه وقال في الجملة الثانية ((ومن قال في القرآن ... )) فتبين ان المتنين حديث واحد اقتصر الثوري في روايته عن عبد الأعلى على أحدهما، واقتصر ابو عوانة في رواية الهيثم على الآخر، وجمعهما في رواية أبي الوليد وسويد بن عمرو . وفي (سنن البيهقي) (ج ٧ ص ٤٦٢) من طريق ابن عدي بسنده الى الهيثم (( ناسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أوعن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: ((لا يحرم الرضاع الا ما كان في الحولين)) ثم حكى عن ابن عدي قال: ((غير الهيثم يوقفه على ابن عباس)) وذكره الدارقطني في (السنن) (ص ٤٩٨) ثم قال: ((لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ)). اقول: فإن حكم للهيثم كما قد يشعر به كلام الدارقطني فذاك، وان ترجح خطؤه كما يشير اليه كلام ابن عدي فمثل هذا الخطأ اليسير لم يسلم منه كبار الأئمة كما يعلم من كتب العلل. ومع ذلك فحكاية الهيثم عن ابي عوانة في شأن أبي حنيفة ليست بمظنة للخطأ . والله المستعان .(١) ٢٦٤ - يحي بن حمزة بن واقد الحضرمي الاصل الدمشقي. في (تاريخ بغداد) (١) الهيثم بن خلف الدوري راجع (الطليعة) ص (٣٤) وراجع ما مر في ترجمة المسيب بن واضح وراجع (تاريخ جرجان) ترجمة سعيد بن سلم. ٧٤٤ (٣٧٢/١٣) من طريق « يعقوب بن سفيان حدثني علي بن عثمان بن نفيل حدثنا ابو مسهر حدثنا يحيى بن حمزة وسعيد يسمع ان ابا حنيفة قال: لو ان رجلا عبد هذه النعل يتقرب بها الى اللّه لم ار بذلك بأساً. فقال سعيد: هذا الكفر صراحا)). قال الاستاذ (ص ٣٩) ((يحيى بن حمزة قدري لا يتخذ قوله ضد ائمة السنة حجة)). اقول: اما قوله من رأيه فربما، واما روايته فلا وجه لردها كما مر تحقيقه في القواعد، وقد وثقه ابن معين ودحيم وابو داود والنسائي ويعقوب بن شيبة وغيرهم، واحتج به الشيخان في (الصحيحين) وسائر الأئمة ولم يغمز بشيء سوى القدر، ولم يكن داعية، وقد توبع في هذه الحكاية كما مر في ترجمة القاسم بن حبيب. والله اعلم . ٢٦٥ - يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني. في (تاريخ بغداد) (٣٧٩/١٣) من طريق مسدد بن قطن سمعت ابى يقول :(( سمعت يحيى بن عبدالحميد يقول: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا ابا حنيفة يقول: القرآن مخلوق)) قال الاستاذ (ص ٥٦): ((متكلم فيه الى ان قيل فيه: كذاب)). اقول: أما يحيى بن معین فکان یوثقه ويدافع عنه، وقد تضافرت الروايات على أن يحيى بن عبدالحميد كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها عن شيوخهم، فان كان يصرح في ذلك بالسماع فهذا هو المعروف بسرقة الحديث، وهو كذاب، وإلا فهو تدليس. وعلى كل حال فلم يتهم بوضع حديث أو حكاية، والاستاذ يعترف بأن أبا حنيفة كان يرى أن القرآن مخلوق ويعد ذلك من مناقبه(١). ٢٦٦ - يزيد بن يوسف الشامي. في (تاريخ بغداد) (٣٨٥/١٣) من طريقه ((قال لي ابو اسحاق الفزاري جاءني نعي اخي من العراق ... )) قال الاستاذ (ص ٧٠): ((يقول عنه ابن معين: ليس بثقة. والنسائى: متروك)). اقول: عبارة النسائي (( متروك الحديث)) وقال ابو داود: ضعيف وقال صالح بن (١) قلت: ومن ارتاب في ذلك فليراجع ((التأنيب)) (ص ٥٣). ن . ٧٤٥ محمد ((تركوا حديثه)) وحكى ابن شاهين في (الضعفاء) ان ابن معين قال: ((كان كذابا)) وقد أجمل بعضهم القول فيه، وتوبع على اصل القصة لكن في روايته زيادة ان ابا حنيفة هو الذي افتى اخا ابي اسحاق بالخروج فتشبث الاستاذ في كلامه في ابي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري بهذه الزيادة كما مر في ترجمة ابي اسحاق، وتغافل عن تفرد يزيد هذا بتلك الزيادة. والله المستعان. ٢٦٧ - يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي ابو يوسف الفَسَوي. قال الاستاذ (ص ١٠٠): ((يقال: انه كان يتكلم في عثمان)). اقول: يعقوب امام جليل علماً وحفظاً واتباعاً للسنة وذبا عنها، وهذه الساقطة التي لقطها الاستاذ أشار اليها الذهبي في ترجمة يعقوب من (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص ١٤٦) قال: ((قيل إنه كان يتكلم في عثمان رضي الله عنه ولم يصح))! ٢٦٨ - يوسف بن أسباط. في (تاريخ بغداد) (٣٢٤/١٣) من طريق ((محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني)) قال الاستاذ (ص ١٧) ((من مغفلي الزهاد، دفن كتبه واختلط، واستقر الامر على انه لا يحتج به، واين هذا السند من سند الخبر الذي يليه في (تاريخ الخطيب) نفسه وفيه: وولد ثابت على الاسلام ... وجد أبي حنيفة النعمان بن قيس المرزبان بن زوطى بن ماه كان حامل راية علي بن ابي طالب كرم الله وجهه يوم النهروان - كما ذكره ... السمناني في كتاب (روضة الفضلاء) ... ودعاء علي كرم الله وجهه لوالد ابي حنيفة في عهد جده مما ساقه الخطيب بسنده ... بل لم يكن بين اجداده ونصراني اصلا لأن منحدر النسب من دم فارسي » . أقول : اما التغفيل والاختلاط فمن مفتريات الكوثري، وأما دفن كتبه فصحيح، وكذلك فعل اخرون من أهل الورع،(١) كانوا يرون ان حفظ الحديث (١) هذا من قبيل اضاعة المال، والعلم أعز منه، فأين هو من الورع؟ وبيانه في ((تلبيس ابليس)» ٣٧٧ . ن. ٧٤٦ وروايته فرض كفاية، وان في غيرهم من أهل العلم من يقوم بالكفاية وزيادة، ويرون أن التصدي للرواية مع قيام الكفاية بغيرهم لا يخلو من حظ النفس بطلب المنزلة بين الناس. ثم لم یتصد یوسف للرواية بعد ان دفن کتبه ولکن کان یأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرغب في الطاعة ويحذر من المعصية، ويحض على اتباع السنة، وينفر عن البدعة، فربما احتاج في اثناء ذلك لرواية الحديث فيذكره من حفظه، فقد يقع له الخطأ في مظانه، وإلى أي حد كان ذلك؟ قال ابن معين: (ثقة)) وقال ابن حبان في (الثقات): ((كان من عُباد أهل الشام وقرائهم، سكن انطا کیة و کان لا یأکل إلا الحلال، فإن لم يجده استف التراب، و کان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ مات سنة ١٩٥)) فعبارة ابن حبان تعطي ان خطأه كان يسيراً لا يمنع من الاحتجاج بخبره حيث لم يتبين خطؤه ، ويشهد لذلك اطلاق ابن معين انه ثقة. وقال البخاري: (( كان قد دفن كتبه فصار لا يجيء بالحديث كما ينبغي)). وهذا يشعر بأنه كان يكثر منه الخطأ في مظانه، وقريب من ذلك قول ابن عدي: (( من اهل الصدق الا انه لما عدم كتبه صار يحمل على حفظه فيغلط ويشتبه عليه ولا يتعمد الكذب)). وبالغ الخطيب فقال: ((يغلط في الحديث كثيراً)). فأما قول الاستاذ: ((وأبن هذا من سند الخبر الذي يليه ((فذاك الخبر من طريق)) عمر بن حماد ابن ابي حنيفة قال: ابو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى، فأما زوطى فإنه من اهل كابل، وولد ثابت على الإسلام وكان زوطى مملوكا لبني تيم اللّه ثعلبة فأعتق ... )) فهذا الخبر وان خالف ما مر عن يوسف بن اسباط، فهو مخالف لما زاده السمناني عصري الخطيب كما يقوله الاستاذ، ولم يذكر السمناني سنداً فيما يظهر وبينه وبين النهروان(١) نحو اربعمائة سنة، ومخالف ايضا لما يروى عن اسماعيل بن حماد من إنكار أن يكونوا مولى عتاقة وما ذكر من دعاء علي رضي الله عنه لا يصح (١) أي معركة النهروان وكانت سنة ٣٧هـ - ٦٥٨°م. زهير. ٧٤٧ سنده الى اسماعيل بن حماد كما اشار اليه في (تهذيب التهذيب)، واسماعيل اسماعيل (١)! وفي الحكاية ما ينكره الاستاذ وهو قوله: ((ولد جدي النعمان سنة ثمانين)) وان صح انه من أبناء فارس لم يمنع ذلك ان يكون تنصر أحد آبائه، وقد كان سلمان الفارسي نصرانيا، وفي قصته أنه كان في بلاد فارس دعاة إلى النصرانية، وأيّا ما كان فالحرص على اثبات شيء مما يتعلق بذاك الاختلاف لا يليق بأهل العلم، وقد قال اللّه تبارك وتعالى: ﴿أَمْ لم يُنَبَّأ بما في صحفِ موسى. وابراهيم الذي وَفِىّ أَلاَ تَزِرَ وازرةٌ وزر أخرى . وَأنْ لَيْسَ للإنسان إلّ ما سَعَى﴾(٢). ٢٦٩ - أبو الأخنس الكناني. في (تاريخ بغداد) (٣٧٥/١٣) من طريق (( أحمد بن على الأبار حدثنا منصور بن ابي مزاحم حدثني أبو الاخنس الكناني فقال: (( رأيت ابا حنيفة - او حدثني الثقة انه رأى أبا حنيفة - آخذاً بزمام بعير مولاة للجهم قدمت [ من] خراسان يقود جملها بظهر الكوفة)) قال الاستاذ (ص ٥٠)، ((الراوي عن أبي حنيفة في هذه الحكاية مغفل لا يدري هل رأى أبا حنيفة أو سمع من رآه)). أقول: الظاهر ان الشك ممن بعده، وابو الأخنس هذا اسمه بكير كما ذكره الدولابي الحنفي في (الكنى) (ج ١ ص ١١٧) وساق الى ((معاوية بن صالح قال: ثنا منصور بن أبي مزاحم قال: ثنا أبو الأخنس بكير الكناني ... )) وقد تعددت الحكايات في شأن أبي حنيفة وامرأة جهمية، واختلفت في نسبتها إلى جهم، ففي بعضها أنها امرأة جهم، وفي بعضها أنها مولاته، وفي بعضها أنها امرأة كانت تجالسه . والله أعلم. (١) تشعر هذه العبارة بحفظ واتقان اسماعيل بن حماد، ولكني أظن أن هذا مرتبط في نقل نسبه عن جده الإمام أبي حنيفة، وأما هو في الحديث فقالوا عنه ((ضعيف)) وغير ثقة، ولم يخرجوا له شيئاً، (تهذيب التهذيب) (٢٩٠/١). زهير. (٢) النجم (٣٧). ٧٤٨ ٢٧٠ - ابو جزي بن عمرو بن سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي. في (تاريخ بغداد) (٣٧٥/١٣) من طريق يعقوب بن سفيان: ((حدثنا ابو جزي [ بن ] عمرو بن سعيد ابن سالم (صوابه سلم) قال: سمعت جدي قال: قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئاً؟ قال: نعم، قلت: أكان جهميا؟ قال: نعم، [ قلت](١): فأين انت منه؟ قال: انما كان ابو حنيفة مدرساً، فما كان من قوله حسنا قبلناه، وما كان قبيحاً تركناه)) ذكر الاستاذ(ص ٤٦) ان في الطبعة الهندية والنسخة الخطية من (التاريخ):((ابو جزي بن عمرو)) وهو الصواب ثم شكك في سعيد بن سالم، ومال الى انه سعيد بن سلم ثم قال: ((على انه لا يعرف له ابن يسمى عمراً ولا ابن ابن يكنى أبا جزي)) . اقول: بل ذلك معروف ففي الباب (٤١) من الجزء الرابع من ( خصائص ابن جي): ((انشد الاصمعي ابا توبة ميمون بن حفض مؤدب عمرو بن سعيد بن سلم بحضرة سعيد ... )) وفي (الكامل) للمبرد (ص ٧١٦): ((حدثني علي بن القاسم قال: حدثني أبو قلابة الجرمي قال: حججنا مرة مع البي جزء بن عمرو بن سعيد ، قال: وكنا في ذراه وهو اذ ذاك بهي وضي فجلسنا في المسجد الحرام ... هذا ابو جزء امير، ابن عمرو وكان أميراً ، ابن سعيد وكان أميراً، ابن سلم وكان اميراً، ابن قتيبة وكان أميراً ... )) وراجع ترجمة احمد ابن الخليل . ٢٧١ - ابو جعفر. تقدمت الاشارة الى حكايته في ترجمة زكريا بن يحي الساجي. قال الاستاذ (ص ١٨): ((مجهول)). (١) كذا الأصل، ولا داعي لوضع المعكوفتين، فان لفظة (قلت) ثابتة في ((التاريخ)) وكأن المصنف رحمه اللّه تعالى كان قد نقل هذه الحكاية من ((التاريخ)) الى مسودته. فسقطت هذه اللفظة من قلمه، فلما كتب الحكاية هنا، ولم ير اللفظة تنبه لها، وان السياق يقتضيها فاستدركها مشيراً الى ذلك بوضعها بين المعكوفتين ظاناً أنها سقطت من الاصل لا من قلمه، ولم يتنبه لها فيما سبق فاستدركتها انا هناك ، ن. ٧٤٩ اقول: لم يتبين لي من هو ؟(١). ٢٧٢ - ابو محمد. في (تاريخ بغداد) (٣٧٩/١٣) من طريق ((العباس بن عبدالعظيم حدثنا احمد بن يونس ... )) ومن طريق ((محمد بن العباس - يعني المؤدب - حدثنا أبو محمد - شيخ له - اخبرني احمد بن يونس ... قال الاستاذ (ص ٥٧): « شیخ مجهول)). اقول: انما هي متابعة . ٢٧٣ - ابن سختويه بن مازيار. في (تاريخ بغداد) (٣٧٥/١٣) من طريق أبي حامد ابن بلال ((حدثنا ابن سختويه بن مازيار حدثنا علي بن عثمان ... )) قال الاستاذ (ص ٤٨): ((ليس محمد بن عمرو الشيرازي لتقدم وفاته، ولا هو ابراهيم ·· ابن محمد المزكي النيسابوري لتأخر وفاته عن وفاة أبي حامد بن بلال بدهر، ولا هو احد أجداد المزكي لأن جد هذا البيت سختويه بن مازيار كما هنا وعلى فرض انه اقيم عبدالله مقام مازيار يكون غير معلوم الصفة)). اقول: ينبغي ان يراجع (تاريخ نيسابور) للحاكم ولم اقف عليه . ﴿رَبَّنَا أَغْفِرِ لنا وَلإِخْواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قُلُوبِنا غِلاَّ لِلذِّين آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكْ رَؤُفّ رَحِيمٍ﴾(٢). (١) أبو عاصم راجع (الطليعة) ص (٢١) ولا تلتفت إلى حركة المذبوح. (٢) الحشر (١٠). ٧٥٠ الْقِسْمُ الثّالِث البحث مع الخَفيَّة فِي سَبْعَ عَشِرَة قضِيَّة ٧٥١ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الذي من يُردْ بهِ خيراً يفقهه في الدين، وأشهد ألاّ إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما بار کت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد . أمّا بعد: فهذه بضع عشرة مسألة وردت فيها أحاديث ذكر الخطيب في ترجمة أبي حنيفة من (تاريخ بغداد) إِنكار بعض المتقدمين على أبي حنيفة ردها، فتعرض لها الأستاذ محمد زاهد الكوثري في كتابه (تأنيب الخطيب)، فتعقبه في ذلك كما تعقبه في غيره وسأذكر في كل مسألة كلامه، وما له، وما عليه. وأسأل الله تعالى التوفيق. ٧٥٣ المسْألَة الأولى إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس في (تاريخ بغداد) (٣٨٩/١٣) من طريق: ((الفضل بن موسى السيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من يبول قلتين؛ يرد على النبي صلى اللّه عليه وسلم: اذا كان الماء قلتين لم ينجس)). قال الأستاذ (ص ٨٣): ((وحديث القلتين (١) لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين (٢) لأن في ذلك اضطراباً عظيماً (٣) ولم يقل يتصحيحه الا المتساهلون (٤) ولم ينفع تصحيح من صححه في الاخذ به لعدم تعين المراد بالقلتين (٥) حتى ان ابن دقيق العيد يعترف في شرح (عمدة الأحكام) بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم في (الصحيح) (٦) فدعونا معاشر الحنفية نتوضأ من الحنفيات، ولا نغطس في المستنقعات)). أقول: في هذه العبارة ستة امور كما اشرت اليه بالأرقام. فأما الامر الأول: فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصره مذهبان: الأول: أن الماء سواء أكان قليلا أم كثيراً لا ينجس الا ان تخالطه النجاسة، فتغير لونه او ريحه او طمعه، واليه ذهب مالك، وكذلك احمد في رواية(١) وهو أيسر المذاهب علماً وعملاً، وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احاديث (١) ولا يخفى ان تعدد الروايات في مذهب الامام أحمد يسرت على الأمة كثيراً وجعلت مجالاً للفقيه أو المتعبد للاختيار. وانظر ((مسائل الامام أحمد)) لابن هانىء و((مسائل عبد الله)) ابن الامام أحمد وهما من طبع المكتب الاسلامي بتحقيقي - زهير. ٧٥٤ (( أن الماء طهور لا ينجسه شيء(١) وجاء في روايات استنثاء ما غيرت النجاسة أحد اوصافه، وهي ضعيفة من جهة الاسناد، لكن حكوا الاجماع على ذلك. المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه فأما القليل فینجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم تُغَيرِ أحد اوصافه، والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات کالتي لا يدركها الطرف، والتي تعم بهالبلوى، ومیتة ما لا دم له سائل، وتفصيل ذلك في كتب الفقه، ثم المشهور في التقدير ان ما بلغ قلتين فهو كثير ، وما دون ذلك فهو قليل، جاء في هذا عن النبي عَ لمِ حديث القلتين، وروي من قول عبد الله بن عمر وعبدالله بن عباس وابي هريرة، ومن قول مجاهد وغيره من التابعين، وأخذ به نصاً عبدالله بن عبدالله بن عُمر وبعض فقهاء مكة، والظاهر: أن كل من روى الحديث من الصحابة فمن بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافه، ولم يصح عن النبي مَ المه تقدير آخر. فأما من بعده فرويت أقوال: أولها: عن ابن عباس ذكر ذَنُوبين(٢) وفي سنده ضعف، ولو صح لما تحتمت مخالفته للقلتين فان ابن عباس معروف بالميل الى التيسير والتوسعة، فلعله حمل القلتين على الاطلاق فرأى انه يصدق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كل منهما ذنوباً(٣) فقط . ثانیھا : عن سعيد بن جبير ذکر ثلاث قلال، وسعید كان بالعراق، فكأنه رأى : قلال العراق صغيرة، كما اشار الشافعي القرب الى ذلك في القِرَب، فحزر سعيد أن (١) أنظر تخريج الحديث وطرقه ومن صححه من الأئمة في كتابنا ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) رقم (١٤)، وقد طبعه المكتب الاسلامي في ثمانية مجلدات. وفي (صحيح أبي داود ) رقم ٥٩ . ن. (٢) و (٣) الذنوب: الدلو، والقرب مثله. ٧٥٥ ثلاثاً من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يحمل عليهما الحديث. ثالثها: عن مسروق قال: ((إذ بلغ الماء كذا لم ينجسه شيء )). ونحوه عن ابن سيرين، وابي عبيدة ابن عبدالله بن مسعود، وهؤلاء عراقيون فاما ان يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق فأجملوا، واما ان يكون كل منهم اشار الى ماء معيَّن فأراد بقوله: ((كذا)) أي بمقدار هذا الماء المشار اليه، وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولأن يحمل ذلك على التقدير المنقول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى من أن يحمل على تقدير لا يعلم له مستند من الشرع. رابعها : عن عبدالله بن عمرو بن العاصي ذكر اربعين قلة، وروي مثله من وجه .ضعيف عن أبي هريرة، وقيل عنه اربعين غرباً(١)"، وقيل: اربعين دلواً. وهذا القول يحتمل معنيين، الاول: المعنى المعروف لحديث القلتين، المعنى الثاني، أن ما بلغ الأربعين لا ينجس البتة إلا بمخالطة نجاسة لا تغير أحد اوصافه، لانه قلتان وأكثر، ولا بمخالطة نجاسة تغير احد أوصافه لان ذلك لا يقع عادة، إذ لا يعرف في ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ اربعين أو أزيد تقع فيه نجاسة تغيره. والمعنى الاول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه فيقال: إلا أن يتغير، ومن مفهومه فيقال: إلا بعض النجاسات كمية مالا دم له سائل، ومع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع بل المنقول عن الشرع خلافه. وأيضاً فلم يذهب اليه أحد من الفقهاء ، فإما أن يترجح المعنى الثاني وتكون فائدة ذاك القول أن من ورد ماء فوجده متغيراً فإن كان من الكثرة بحيث لا يعرف في العادة ان تقع فيه نجاسة تغیره فله استعماله بدون بحث، وان كان دون ذلك فعليه أن . يتروى ويبحث، وإما أن يحمل على المعنى الأول ويطرح مفهومه ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدار وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقيد . (١) الغَرَبُ: هو إناء من جلد البقر يستخرج به الماء من الآبار. ٧٥٦ هذا، ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء وغيرهم حرفا واحداً فيه التفات الى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره وكأن الاستاذ شعر بهذا فحاول عبثاً أن يشرك مع مذهبه في ذلك مذهب القلتين، إذ قال: ((لم يأخذ به أحد من الفقهاء قبل المائتين)) وقد علمت ان القول بالقلتين مروي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم. فأما الحنفية فذهبوا في الجملة الى الفرق بين القليل والكثير، لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وانما نظروا إلى مساحة وجهه وعندهم في ذلك روايات: الأولى: أن الماء الراكد الذي تقع فيه نجاسة لا تغير أحد أوصافه، اذا كانت. مساحة وجهه بحيث يظن المحتاج خلوص النجاسة من أحد طرفيه الى الآخر بنجس والا فلا . الثانية: أنه إذا كانت بحيث إذا حرك أدناه اضطرب أقصاه تنجس وإلا فلا .. ولهم في الترجيح والتفريع اختلاف واضطراب شديد جداً كما تراه في كتبهم المطولة . واستبعد بعضهم عدم اعتبار العمق، فاشترطوا عمقاً! واختلفوا في قدره! فقيل أن يكون بحيث لا ينحسر بالإغتراف، وقيل: أربع أصابع، وقيل: ما بلغ الكعبين، وقيل : شبر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان !!! واختلفوا على الرواية الثانية في الحركة فقيل: حركة المغتسل، وقيل المتوضىء، وقيل اليد، ولم يعتبروا وقوع الحركة وانما ذكروها لمعرفة قدر المساحة، وسواء في الحكم عندهم أكان الماء عند وقوع النجاسة وبعدها ساكناً أم تحرك، وقالوا : إذا كان بالمساحة المشروطة فللمحتاج ان يستعمل من موضع النجاسة وإن لم يكن قد تحرك! وقالوا: إذا كانت مساحة وجه الماء تساوي القدر المشروط كفى وإن كان دقيقاً كأن يكون طوله مائة ذراع وعرضه ذراعاً! وقال محققهم ابن الهمام في ترجيح الرواية الأولى: ((هو الأليق بأصل أبي حنيفة أعني عدم التحكم بتقدير فيما لم يرد فیه تقدیر شرعي » . أقول: والرواية الأولى فيها تحكم، والبول مثلاً إذا وقع في الماء ثم حرك الماء خلصت. ذرات البول الى جميع الماء كما تشاهده إذا صببت قارورة مداد في حوض فقد ٧٥٧ يظهر لون المداد في الماء واضحاً، وقد يظهر بتأمل، وقد لا يظهر وذلك بحسب اختلاف قدر الماء وقدر المداد وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقق، وإنما لا يظهر اللون لتفرق الذرات، وظنون الناس لا ترجع غالباً إلى دلالة، وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنساناً واحداً بال فيه، وآخر لا ينفر، ولكن لو رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر، وثالث لا ينفر ولو رأى عشرة بالوا فيه، وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم، لم يكد يتحصل منها إلا ان قائلها وكل الناس إلى طباعهم، وفي عد هذا قولاً ومذهباً نظر، وقد حكى الحنفية أن محمد بن الحسن كان يقول: بعشر في عشر، ثم رجع وقال: لا أوقت شيئاً)). وعقد الشافعي لهذه المسألة باباً طويلاً تراه في كتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) (ج ٧ ص ١٠٥ - ١٢٥) وذكر انه ناظر بعضهم، والظاهر انه محمد بن الحسن، وفي المناظرة: (( قال قد سمعت قولك في الماء، فلو قلت لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفت أن الماء يزيل الانجاس كان قولا لا يستطيع أحدٌ رده ... قلت: ولا يجوز إلا أن لا ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير ... أو ينجس كله بكل ما خالطه؟ قال: ما يستقيم في القياس الا هذا، ولكن لا قياس مع خلاف خبر لازم؛ قلت: فقد خالفت الخبر اللازم ولم تقل معقولا ولم تقس))، وقال في موضع آخر: ((فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ))؛. وقال في موضع آخر: ((فقال: ما أحسن قولكم في الماء)). أقول: فانحصر الحق في المذهبين الأولين وسقط ما يخالفهما . وأما الأمر الثاني: وهو الاضطراب في روايات ذاك الحديث فالاضطراب الضار ان يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلا دون الآخر ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتد بحيث يدل أن الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يضبط. وليس الأمر في هذا الحديث كذلك كما يعلم من مراجعة (سنن الدارقطني) و(المستدرك) و(سنن البيهقي)(١). (١) قلت: وقد بينت ذلك في « صحيح سنن أبي داود)) رقم (٥٨). ن. ٧٥٨ وأما الأمر الثالث: وهو قول الأستاذ: ((ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون)) ففيه مجازفة فقد صححه الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم ابن سلام، وحكى الشافعي عن مناظره من الحنفية ويظهر أن محمد بن الحسن أنه اعترف بثبوته، كما في كتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) (ج ٧ ص ١١٥) ولفظه: ((فقلت: أليس تثبت الأحاديث التي وصفت؟ فقال: أما حديث الوليد بن كثير [ وهو حديث القلتين]، وحديث ولوغ الكلب في الماء، وحديث موسى بن أبي عثمان فتثبت بإسنادها، وحديث بئر بضاعة فيثبت بشهرته وأنه معروف))؛ واعترف الطحاوي بصحته كما يأتي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، قال الحاكم في (المستدرك) (ج ١ ص ١٣٢): (( حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعاً بجميع رواته ولم يخرجاه وأظنهما والله أعلم لم يخرجاه لخلاف فيه ... )). ثم ذكر الخلاف وأثبت أن ما هو متابعة تزيد الحديث قوة . وأما الأمر الرابع: وهو قول الاستاذ: ((ولم ينفع تصحيح من صححه لعدم تعين المراد بالقلتين)) ففي (فتح الباري): ((واعترف الطحاوي من الحنفية بذلك [ يعني بصحة الحديث] لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ولم يثبت في الحديث تقديرهما فيكون مجملاً فلا يعمل به وقواه ابن دقيق العيد .... )) أقول: قال اللّه عز وجل: ﴿فَكَفَارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين مِنْ أَوْسَطِ ماتُطْعِمون أهْلِيكُم أو كسْوَتهم أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾(١) ومن المساكين الصغير والكبير والطويل الجسيم والقصير القضيف، ومن المماليك الصغير والكبير وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة اذ يصدقان بتمرة تمرة وقلنسوة قلنسوة، وأمثال هذا في النصوص كثير، وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما (١) المائدة (٨٩). ٧٥٩ وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك أنه مجمل، بل منهم من يقول بمقتضى الاطلاق، ومنهم من يذهب الى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل. فيمكن الأخذ بمقتضى الإطلاق في القلتين فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين من أصغر ما يكون من القلال ولا يخدش في ذلك أنه قد يكون مقدار قلة كبيرة أو نصفها مثلا كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفي ما يسمى كسوة مسكين؛ ويمكن الأخذ بالأحوط كما فعل الشافعي وغيره، ولا ريب أن ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذ وزاد على ذلك داخل في حكم منطوق الحديث حتماً على كل تقدير، وهو أنه لا ينجس، وأن ما لم يبلغ قلتين من أصغر القلال المعهودة حينئذ داخل في حكم مفهوم الحديث حتماً، وهو أنه ينجس، فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر الى هذين المقدارين وإنما يبقى الشك في ما بينهما فيؤخذ فيه بالاحتياط . وقال ابن التركماني في (الجوهر النقي): ((قد اختلف في تفسير القلتين اختلافا شديداً كما ترى، ففسرتا بخمس قرب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلا، وباثنين وثلاثين رطلا، وبالجرتين مطلقاً، وبالجرتين بقيد الكبر وبالخابيتين، والخابية: الحُبُّ، فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها)). أقول: أما الإختلاف في تفسير القلة بمقتضى اللغة فمن تأمل كلام أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدثين السابقين ظهر له أن القلة هي الجرة، وإنما جاء قید الکبر من جهتین : الأولى: تفسير أهل الغريب لما ورد في الحديث في ذكر سدرة المنتهى: (( فاذا نبقها مثل قلال هَجَر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة)) وقلال هجر مشهورة بالكبر ، وتفخيم شأن السدرة يقتضي الكبر . الثانية: تفسير المحتاطين لحديث القلتين، وفي (سنن البيهقي) (ج ١ ص ٢٦٤) عن مجاهد تفسير القلتين بالجرتين ونحوه عن وكيع ويحيى بن آدم، وعن ابن اسحاق: ((هذه الجرار التي يستقى فيها الماء والدواريق)) وعن هُشَيْم: ((الجرتين الكبار)) وعن ٧٦٠