Indexed OCR Text
Pages 501-520
عباد ما يظهر له صحته، وفي ترجمة محمد بن السائب الكلبي من (الميزان) ((يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي. فقيل: فإنك تروي عنه. قال: أنا أعرف صدقه من كذبه )) . ١١٧ - عبد الله بن أبي القاضي. في (تاريخ بغداد) من طريقه: (( سمعت محمد ابن حماد يقول رأيت النبي ◌َّه في المنام ... )) قال الأستاذ (ص ١٢١): ((لم نر أحداً وثقه من رجال هذا الشأن وإن روى البخاري عنه في (الضعفاء)، وأما من ظن أنه روى عنه في (الصحيح) فقد وهم وليس هو من شرطه ولم يخرج عنه أحد من أصحاب الأصول الستة)) . أقول: ذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص ٢٠٦) قال: ((عبد الله بن أبي الخوارزمي الحافظ قاضي خوارزم رحَّال جوّال مفضال لحق أحمد بن يونس اليربوعي وسعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد وسليمان ابن بنت شرحبيل وإسحاق بن راهويه وطبقتهم، حدث عنه الإمام أبو عبد الله البخاري في ( كتاب الضعفاء) و .... وقد روى البخاري في (صحيحه): أنا عبد الله عن سليمان بن عبد الرحمن (وهو ابن بنت شرحبيل) فقيل: إنه هو، مات سنة نيف وتسعين ومائتين عن سن عالية تقارب التسعين ... )) وفي ترجمته من (التهذيب) ذكر الحديث المذكور قال: (( فقيل إنه ابن حماد الآمُلي، ويحتمل أن يكون هذا فإنه قد روى (البخاري) في (الضعفاء) عدة أحاديث عنه عن سليمان بن عبد الرحمن وغيره سماعاً وتعليقاً)) وأشار المزّي إلى ذلك في ترجمة عبد الله بن حماد فذكر ابن حجر عن جماعة أنهم جزموا بأنه ابن حماد وأنه وقع في بعض النسخ منسوباً كذلك. وفي هذا أمران: الأول: أن البخاري قد روى عنه في ( كتاب الضعفاء) عدة أحاديث سماعاً وتعليقاً وذلك يقضي بأنه عنده ثقة أو صدوق كما سلف في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن. الثاني: أن المزي والذهبي اتفقا على أنه يحتمل أن يكون هو الذي روى عنه في (الصحيح) وهذا يقضي بأن عندهما أهل لأن يخرج عنه البخاري في (صحيحه) ٥٠١ وأقرهما ابن حجر على ذلك، غير أنه رجح أن الواقع في (الصحيح) غيره لانه قد جاء منسوباً في بعض النسخ وجزم به جماعة؛ فأما عدم إخراج البخاري له في (الصحيح) إن صح أن راوي ذاك الحديث غيره فهذا لا يدل على أنه ليس على شرط الصحيح لاحتمال أن البخاري إنما لم يخرج له في (الصحيح) لأنه أصغر من البخاري، ولم يسمع منه حديثاً يضطر إلى إخراجه في (الصحيح) بنزول، وقد سمع البخاري من شيوخ هذا الرجل وممن هو أكبر منهم بكثير . فأما بقية الستة فإنما لم يرووا عنه لأنه من أقرانهم، وأصغر من بعضهم، وقد سمعوا من شيوخه وممن هو أكبر من شيوخه وبلده بعيد فلم يحتاجوا إلى الرحلة إليه والرواية عنه بنزول. [ راجع ترجمة إبراهيم بن شماس]. ١١٨ - عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني. في (تاريخ بغداد) (٤١٤/١٣) من طريقه عن أبي بكر الأعين الحكاية التي تقدمت في ترجمة الحسن بن الربيع، قال الأستاذ (ص ١٥١): (( وعبد الله بن أحمد صاحب (كتاب السنة)، وما حواه كتابه هذا كافٍ في معرفة الرجل، ومثله لا يصدق في أبي حنيفة وقد بلي فيه الكذب ... )) إلى آخر ما مر في ترجمة أحمد بن عبد الأصبهاني . أقول: أما ( كتاب السنة) فهو من مصنفات المحدثين التي لم يلتزم بها صحة كل خبر على حدة، فقد يقع فيه ما في سنده ضعف، وما يكون في الأدلة الثابتة عند أئمة السنة ما يخصصه أو يقيده أو يبينه ونحو ذلك، وبحسب هذا يكون اعتقاد جامعه وما يريد تثبيته. ومع هذا فلا اعتداد باستنكار من استقى عقيدته من مستنقعات مقالات الراغبين عن الصراط المستقيم إلى غيره، فإن هؤلاء يستنكرون معاني القرآن نفسه، وقد أشبعت الكلام في ذلك في قسم الاعتقاديات، وأما قوله: (( لا يصدق في أبي حنيفة)) فمن أماني الأستاذ؛ وأما قوله: ((وقد بلي فيه الكذب)) فإن كان المراد أنه قد بليَ في أبي حنيفة الكذب، يعني أن الناس قد كذبوا في شأنه، فجوابه أنه قد بلي فيه الصدق أيضاً، والحق إنما هو تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فأما ما سلكه الأستاذ من تصديق الكذابين كأحمد بن محمد ٥٠٢ الصلت ابن المغلس الحماني، وتكذيب الصادقين كأبي إسحاق ابراهيم بن محمد الفزاري وأضرابه كعبد الله بن أحمد فهذا طريق لا يرضاه مؤمن؛ وإن أراد أنه قد بلي في عبد الله بن أحمد الكذب، أي أنه قد جرب عليه أن يكذب، فهذا من قبيل تكذيب الصديقين وقد تقدم الكلام في تلك الحكاية في ترجمة أحمد بن عبد الله الأصبهاني واتضح هناك من هو الكاذب! وقد كنت أشرت إلى طرف من ذلك في (الطليعة) (ص ٩٢ - ٩٣) فلم يعرض الكوثري لها في (الترحيب) بشيء؛ وعبد الله قد أثنى عليه أبوه ووثقه النسائي وابن أبي حاتم والدارقطني والخطيب وغيرهم، وأجمع أهل العلم على الاحتجاج به؛ والله الموفق. ١١٩ - عبد الله بن جعفر بن درستويه. كان يروي (تاريخ يعقوب بن سفيان) فرواه عنه جماعة، ويروي الخطيب عن رجل عنه فيأخذ الخطيب الحكاية من (تاريخ يعقوب) ولا ينص على ذلك بل يسوقها بالسند عن شيخه عن ابن درستويه عن يعقوب إلخ على ما جرت به عادة محدثي عصره كما ترى في (سنن البيهقي) يأخذ من سنن أبي داود وسنن الدارقطني ومؤلفات أخرى كثيرة فيسوق الحديث بسنده إلى أبي داود ثم يصله بسند أبي داود، ويكرر ذلك في كل حديث، وقد قرر أهل العلم أن جل الاعتماد في مثل هذا على الوثوق بصحة النسخة، فلا يضر أن يكون مع ذلك في الوسائط التي دون مؤلف الكتاب رجل فيه كلام، لأنه واسطة سندية فقط، والاعتماد على صحة النسخة، وهذا كما لو أحب إنسان منا أن يسوق بسند له إلى البخاري ثم يصله بسند البخاري لبعض الأحاديث في (صحيحه)، فإنه بعد ظهور أنه إنما يروي بذلك السند من (صحيح البخاري) لا يكون هناك معنى لأن يعترض عليه بأن في سنده إلى البخاري رجلاً فيه كلام. والأئمة الأثبات كالبيهقي والخطيب قد عرف عنهم كمال التحري والتثبت في صحة النسخ، وتأكد ذلك بأن من كان من أهل العلم والنقد في عصرهم وما بعده لم ينكروا عليهم شيئاً مما رووه من تلك الكتب مع وجود نسخ أخرى عندهم، وكانوا بغاية الحرص على أن يجدوا للمحدث زلة أو تساهلاً فيشيعوا ذلك ويذيعوه نصيحة ٥٠٣ للدين من وجه، وحبا للسمعة والشهرة من وجه آخر، ولما قد يكون في صدر بعضهم من الحنق على الرجل أو الحسد له من وجه ثالث، وقد كان القدماء كسعيد ابن أبي عروبة ووكيع وغيرهما يروون من حفظهم وتكون لأحدهم كتب ومصنفات لا تحيط بحديثه فكثيراً ما يحدث من حفظه بما ليس في كتبه مع ذلك كان الرجل إذا روى عن أحد هؤلاء ما ليس في كتبه أنكر الناس عليه ذلك قائلين: ليس هذا في كتب ابن أبي عروبة، ليس هذا في كتب وكيع، حتى تناول بعضهم يحيى بن معين إذ روى عن حفص بن غياث حديثاً لم يوجد في كتب حفص كما تقدم في ترجمة حسين بن حميد، فما بالك بالمتأخرين الذين إنما يروون من الكتب، فما بالك بمثل الخطيب الذي قد عرف أنه إنما يروي بذاك السند من كتاب يعقوب، فإذا لم يطعن أحد في شيء يرويه الخطيب بطريق ابن درستويه عن يعقوب ولا قال أحد: هذه الحكاية ليست في (تاريخ يعقوب)، ولا: هذا السياق مخالف لما في (تاريخ يعقوب) بزيادة أو نقص أو تغيير، فقد ثبت بذلك وبغيره صحة نسخة الخطيب وثبوت ذلك عن يعقوب، وهكذا لم يطعن أحد في شيء رواه ابن درستويه عن يعقوب بأنه ليس في كتاب يعقوب إما البتة وإما بذلك السياق، فظهر بهذا أن كل ما رواه ابن درستويه عن يعقوب فهو ثابت في كتاب يعقوب؛ وبهذا يتبين أن محاولة القدح في كل الحكايات التي يرويها الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب بمحاولة الطعن في ابن درستويه تعب لا يجدي ولا يفيد، ولا يبديء ولا یعید ، ومع ذلك فلننظر في حال ابن درستويه . قال الأستاذ (ص ٣٥): ((كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهماً يصطنع لك ما شئت من الأكاذيب، وروايته عن الدوري ويعقوب خاصة منكرة، وقول البرقاني واللالكائي فيه معروف، وتضعف كواهل الخطيب وأذنابه عن حمل أثقال التهم التي ركبت على أكتاف هذا الإخباري الهاذي، وقد أكثر الخطيب عن عبد الله بن جعفر هذا جد الإكثار)). أقول: قوله: ((يحدث عمن لم يدركه)) فرية كما سترى، وقوله: لأجل دريهمات يأخذها)) فرية أخرى، وصار الأستاذ يكررها في مواضع وينبز هذا الرجل بقوله: ٥٠٤ ((الدراهمي)) ويسيء القول فيه في عدة مواضع، وحقيقة الحال أن هذا الرجل كان يروي عن عباس الدوري أحاديث، ويروي عن يعقوب بن سفيان (تاريخه)، وغير ذلك، وكانت ولادة هذا الرجل سنة ٢٧١ ووفاة يعقوب سنة ٢٧٧ فقد أدركهما قطعاً، وكان سنه لما مات عباس ثلاث عشرة سنة. وقد ذكر الخطيب أن جعفر بن درستويه والد عبد الله هذا كان « من كبار المحدثين وفهمائهم وعنده عن علي بن المديني وطبقته فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع)). أقول: بل هذا هو الظاهر كما جرت عليه عادة المحدثين في ذاك العصر من التبكير بأبنائهم للسماع من المعمَّرين على أمل أن يعيش الابن فيكون سنده عالياً فيكون له بذلك صيت وشهرة ويرحل الناس إليه، وتلك مرتبة يحرص المحدث أن ينالها ابنه؛ وقد ولد أبو حنيفة سنة ٨٠ بالكوفة ونشأ بها ولم يعرف والده بشيء من العلم، ونشأ هو غير معنيّ بطلب الحديث كما يدل عليه النظر في وفيات شيوخه الذين تثبتُ روايتهُ عنهم، وعاش أنس رضي الله عنه بالبصرة إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وقيل بعدها بسنة وقيل بسنتين. أي وعمر أبي حنيفة ما بين إحدى عشرة إلى ثلاث عشرة ولم يكن عادة الناس في ذاك العصر التبكير بالسماع. وفي (الكفاية) (ص ٥٤): ((قل من كان يثبت (وفي نسخة: يكتب) الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريباً منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم، وقيل: إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة))؛ ثم روي بعد ذلك حكايات منها: (( أنه قيل لموسى بن إسحاق: كيف لم تكتب عن أبي نعيم؟ قال: كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة)). وروى الخطيب في (التاريخ) من طريق حمزة السهمي قال: ((سئل الدارقطني عن سماع أبي حنيفة من أنس هل يصح؟ قال: لا ولا رؤيته)) فذكر الأستاذ ذلك (ص ١٥) ونازع في ذلك بما نظرت فيه في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، وضج الأستاذ في (ص ١٩٦) من إنكار سماع أبي حنيفة من أنس، قال: ((مع أن أبا ٥٠٥ حنيفة كان أكبر سناً من أقل سن التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس)). هذا كله مع أن أسطورة الدراهم والتحديث عمن لم يدركه، إنما أخذها الأستاذ من قول الخطيب: (( سمعت هبة الدين الحسين الطبري (اللالكائي) ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثاً ونحن نعطيك درهماً ففعل، ولم يكن سمع من عباس)) قال الخطيب: ((وهذه الحكاية باطلة لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفع قدراً من أن يكذب لأجل العرض الكثير فكيف لأجل التافه الحقير !! وقد حدثنا عنه ابن رزقويه بأمالي أملاها في جامع المدينة وفيها عن عباس الدوري أحاديث عدة))، أقول: واللالكائي توفي سنة ٤١٨؛ وقد قال الخطيب في ترجمته: ((عاجلته المنية فلم ينشر عنه كبير شيء)) فهذا يدل أن مولد اللالكائى كان بعد وفاة ابن درستويه بمدة فإن وفاته كانت سنة ٣٤٧ . وقوله: (( بلغني ... )) لا يدري من الذي بلغه، ومثل هذا لا يثبت به حكم ما، وقد قال الحماني: ((سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق)) فرده الأستاذ (ص ٥٦) بقوله: ((قول الراوي سمعت الثقة، يعد كرواية عن مجهول وكذا الثقات)) ثم تراه يبني على قول اللالكائي ((بلغني ... )) القصور والعلالي جازماً بذلك مكرراً نبز ابن درستويه بقوله: ((الدراهمي)) وغير ذلك، ومع أن المبلغ اللالكائي إنما قال: ((ولم يكن سمع من عباس)) فلم يقنع الأستاذ (( الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقاً )) كما نعته صاحبه على لوح (التأنيب) أو كما نعت نفسه، لم يقنع بذلك بل قال: ((كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها)) ثم مع هذا وأمثاله وما هو أشد منه وكثرة ذلك يضج ويعج ويرغى ويزبد إذا نُسب إلى المغالطة، وليت شعري كيف يمكننا إحسان الظن به وحمله على الغلط والوهم من (١) أن تلك الزلات الكثيرة كلها فيما يؤيد به هواه، ولا أذكر له زلة واحدة فيما يخالف هواه . (١) كذا الأصل ولعل الصواب (مع). ن. ٥٠٦٠ هذا ولم ينكروا على ابن درستويه حديثاً واحداً مما حدث به عن الدوري فدل ذلك على أن تلك الأحاديث ثابتة عن الدوري حتماً، وإنما زعم من لا يُدرى من هو أن ابن درستویه لم يسمع من الدوري، وقد علمت إمکان سماعه منه، فإن ثبت أن ابن درستويه ثقة - وسنثبته إن شاء الله تعالى - ثبت السماع. وأما شأنه مع يعقوب بن سفيان فقد علم بما مر أنه لما توفي يعقوب كان سن ابن درستويه نحو عشرين سنة لكن قال الخطيب: ((سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال: ضعفوه لأنه لما روى (التاريخ) عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك وقالوا له: إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديماً فمتى سمعته !! )). ولم يبينوا تاريخ تحديث يعقوب بـ (التاريخ) فقد يكون حين كان سن ابن درستويه اثنتي عشرة سنة أو نحوها واستبعدوا أن يكون سمع حينئذ لصغره، وعلى هذا يدل قول الخطيب عقب ما حكاه عن البرقاني، قال: ((في هذا القول نظر لأن جعفر بن درستويه من كبار المحدثين ... فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان)) ثم استأصل الخطيب الشأفة واقتلع الجرثومة بقوله: ((مع أن أبا القاسم الأزهري حدثني قال رأيت أصل كتاب ابن درستويه بتاريخ يعقوب بن سفيان لما بيع في ميراث ابن الآبنُوسي(١) فرأيته أصلاً حسناً ووجدت سماعه فيه صحيحاً))، والأزهري من أهل المعرفة والتيقظ والثقة والأمانة ترجمته عند (الخطيب) (ج ١٠ ص ٣٨٥)، فثبت السماع وبطل النزاع. فأما حال ابن درستويه فتضعيف اللالكائي له قد بين وجهه، وهو قوله: ((بلغني ... )) وقد علمت أنه ليس في ذلك حجة، وقول البرقاني: ((ضعفوه)) قد بين وجهه، وهو استبعادهم أن يكون سمع (التاريخ)، وقد ثبت سماعه له فزال سبب التضعيف، على أنه لو لم يتبين أن ذلك هو وجه التضعيف لكان تضعيفاً مجرداً وهو جرح غير مفسر، وقد ثبت التوثيق. قال الخطيب: ((سألت أبا سعد الحسين بن (١) بمد الألف وفتح الباء الموحدة أو سكونها وضم النون نسبة الى (آبنوس) نوع من الخشب البحري . ن. ٥٠٧ عثمان الشيرازي عن ابن درستويه، فقال: ثقة ثقة، حدثنا عنه أبو عبيد الله (الصواب: أبو عبد الله). كما في (لسان الميزان) وهو الحافظ محمد بن إسحاق بن منده من شيوخ الشيرازي هذا کما في ترجمته من (التاریخ) (ج٨ ص ٨٤) ابن منده الحافظ بغير شيء وسألته عنه، فأثنى عليه ووثقه)) وقال الخطيب في ترجمة الشيرازي هذا: (( كتبنا عنه وكان صدوقاً متنبهاً)) وقد تقدم ثناء الخطيب على ابن درستويه . وذكر الأستاذ (ص ١٠٥) ما رواه الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب عن الحسن بن الصباح عن إسحاق بن ابراهيم الحنيني قال: ((قال مالك ما ولد في الاسلام مولود أضر على أهل الاسلام من أبي حنيفة. وكان (مالك) يعيب الرأي، ويقول: قبض رسول الله عَ له وقد تم هذا الأمر واستكمل ... )) فذكر الأستاذ أن ابن عبد البر ذكر في (كتاب العلم) عن (تهذيب الآثار) للطبري عن الحسن بن الصباح عن الحنيني أن مالكاً قال: ((قبض رسول الله مَّه ... )) ولم يذكر ما قبله، قال الأستاذ: (( فيكون ابن درستويه الدراهمي هو الذي زاد في أول الخبر ما شاءه)) . أقول: ليس هذا بشيء وإنما اقتصر ابن جرير أو ابن عبد البر على موضع الحجة، وقد جرت عادتهم بتقطيع الأحاديث النبوية كما فعله البخاري في (صحيحه) وغيره فما بالك بمثل هذا؟ وقال الخطيب في ترجمة ابن درستويه: ((حمل عنه من علوم الأدب كتب عدة صنفها منها (تفسير كتاب الجرمي)، ومنها كتاب في النحو الذي يدعى (الارشاد)، ومنها كتابه في الهجاء وهو من أحسن كتبه، وروى عنه محمد بن المظفر والدارقطني وابن شاهين ... حدثنا عنه أبو الحسن بن رزقويه وأبو الحسين بن الفضل وأبو علي بن شاذان .... )) وفي (تاريخ ابن خلكان): ((تصانيفه في غاية الجودة والاتقان، منها .... )) وزاد على ما ذكره الخطيب (شرح الفصيح)، (الرد على المفضل الضبي في الرد على الخليل)، (كتاب الهداية)، (كتاب المقصور ٥٠٨ والممدود)، (كتاب غريب الحديث)، (كتاب معاني الشعر)، (كتاب الحي والميت)، (كتاب التوسط بين الأخفش وثعلب في تفسير القرآن)، ( كتاب خبر. قس بن ساعدة)، ( کتاب الأعداد)، ( کتاب أخبار النحویین)، ( کتاب الرد على الفراء) في المعاني . ٠ ١٢٠ - عبد الله بن خُبَيْق. في (تاريخ بغداد) (٣٩٠/١٣) من طريقه ((حدثنا أبو صالح الفراء ... )) قال الأستاذ (ص ٨٥): ((صالح، غير صالح لتلقي شيء منه غير القراءة)). أقول: أما صلاحه فمشهور، وأما روايته فلم يغمزه فيها أحد، وقد ذكره ابن أبي حاتم فقال: (( کتب الى أبي بجزء من حديثه)). ١٢١ - عبد الله بن الزبير أبو بكر الحميدي. تقدمت الإشارة الى بعض حكاياته في ترجمة الحارث بن عمير وغيرها. قال الأستاذ (ص٣٦): ((الحميدي كذبه محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم - في كلامه في الناس. راجع (طبقات السبكي (ج ١ ص ٢٢٤) وهو شديد التعصب وقّاع مضطرب يروى مرة عن حمزة ابن حارث ومرة عن الحارث مباشرة)). أقول: أما التعصب فحقيقته هنا نفرة دينية وقد مر حكمها في القواعد، وأما الوقيعة ففيمن يراه من أهل البدع، قال يعقوب بن سفيان: (( ثنا الحميدي وما لقيت أنصح للاسلام وأهله منه )). وأما الاضطراب في تلك الحكاية فقد أشار الخطيب إلى أن الصواب عن الحميدي ثنا حمزة، وقول محمد بن محمد الباغندي عن أبيه عن الحميدي: حدثني الحارث. وهم من ابن الباغندي أو أبيه، وقد طعن الأستاذ فيهما كما سيأتي في موضعه. وأما قصته مع ابن عبد الحكم فهذه عبارة ابن السبكي التي استند إليها الأستاذ جازماً بقوله ((كذَّبه ... في كلامه في الناس))! قال ابن السبكي ((قال ابن خزيمة فيما رواه الحاكم عن الحافظ حسينك؟ التميمي عنه: كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعي فوقعت بينه وبين البويطي وحشة في مرض الشافعي فحدثني أبو جعفر السكري صديق الربيع قال: لما مرض الشافعي جاء ابن عبد الحكم ينازع ٥٠٩ البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك. فجاء الحميدي وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من البويطي، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبت أنت وأبوك وأمك، وغضب ابن عبد الحكم فترك مذهب الشافعي؛ فحدثني ابن عبد الحكم قال: كان الحميدي معي في الدار نحواً من سنة، وأعطاني كتاب ابن عيينة، ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع)). فأول ما يجب البحث عنه هنا هو النظر في أبي جعفر السكري حاكي القصة أثقة هو أم لا؟ أما الأستاذ فلم يهمه هذا إذ كان في القصة ما يوافق هواه، وأما أنا فقد فتشت عنه فلم أعرفه، ورأيت القصة في (تاريخ بغداد) (ج ١٤ ص ٣٠١) وفيها ((صديق للربيع)) وهذا يشعر بأنه ليس بالمعروف، فعلى هذا لا تثبت القصة، وإن دلت الشواهد على أن لها أصلاً في الجملة، فإن ذلك لا يُثبِتُ من تفاصيلها ما لا شاهد له. وفي (توالي التأسيس) (ص ٨٤) عن الربيع صاحب الشافعي قال: (( وجه الشافعي الحميدي الى الحلقة، فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي فمن شاء فليجلس ومن شاء فليذهب)) وكان البويطي أسن أصحاب الشافعي وأفقههم حتى كان الشافعي يعتمده في الفتيا ويحيل عليه إذا جاءته مسألة كما في (الطبقات الشافعية) وكان ابن عبد الحكم حينئذ فتى ابن إحدى وعشرين سنة فلم يكن قد استحكم علمه ولا عقله، فمنازعته للبويطي طيشة من طيشات الشباب، وكان الحميدي أعلمهم بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، لأنه قدم معه من الحجاز إلى مصر، والباقون إنما صحبوه بمصر، والحميدي قرشي مكي كما أن الشافعي كذلك فهو أقربهم الى الشافعي وألصقهم به، ولذلك والله أعلم لما ذهب أصحاب الشافعي في مرضه الى الجامع تخلف الحميدي عنده ثم خشي الشافعي أن يتنازعوا الحلقة فأرسل الحميدي إليهم ليبلغهم عنه، فلو شك ابن الحكم في خبر الحميدي لكان حقه أن يذهب ليراجع الشافعي لكنه عرف صدقه فاضطرم في نفسه اليأس والحزن والغضب فإن بدرت منه تلك الكلمة فهي من فلتات الغضب كما لا يخفى فلا يتشبث بمثلها في الطعن في مثل الحميدي إلا مثل الأستاذ! وقد قال هو نفسه في حاشية ٥١٠ (ص٩٩): (( وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة )) . وقد أسلفت تحقيق هذا المعنى في القاعدة الرابعة من قسم القواعد، والأستاذ يقصر عن الحق تارة، ويتعداه أخرى! صعدة نابتة في حائر أينما الريح تميّلُها تمل وهكذا إن كان الحميدي لما استقبله صديقه الفتى الطياش بتلك الكلمة غلبه الغضب فأجاب بما أجاب، وحق للحميدي أن ينشق غضباً فإنه لو جاء بذاك الخبر أكذب الناس لما ساغ لعاقل أن يكذبه فيه لأن الشافعي حي يرزق بالقرب منهم، تمكن مراجعته بالسهولة، فمن الذي يجترىء. أن يكذب عليه مع علم الحميدي (١) بصدقه وأمانته وأنه لا هوى له، بل لو كان له هوى لكان مع ابن عبد الحكم صديقه الذي أضافه في بيتهم نحواً من سنة كما نص على ذلك ابن عبد الحكم نفسه، وعلى كل حال فذاك الجواب فلتة غضب أيضاً كما لا يخفى، ولا عتب على الأستاذ في تشبثه بها أيضاً لما احتاج الى الكلام في ابن عبد الحكم كما يأتي في ترجمته! ولم يبق الأستاذ على نفسه بل أخذ يتكهن فقال في (ص ١٣٠) في الحميدي: (( لما استصحبه الشافعي الى مصر باعتبار أنه راوية ابن عيين أخذ يطمع أن يخلف الشافعي بعد وفاته، ولما علم أن أصحابه لا يرضونه لبعده عن الفقه، حكى عن الشافعي أن أحق جماعته بمقامه هو البويطي، فكذبه محمد بن عبد الحكم، ولم يكن مثل الإمام الشافعي ليسر الى آحاد الآفاقيين بما يكتمه عن جماعته، ولو كان رأيه أن يكون البويطي خلفاً له لجاهر بذلك أمام جماعته لئلا يختلفوا بعده، وقد غرم البويطي ألف دينار والألف كثير الى أن يصلح قلوب الجماعة كما حكى الحافظ ابن حجر في (توالي التأسيس)، وللبراطيل أفايل، وكان هوى الحميدي مع البويطي (١) كذا الأصل، ولعله سبق قلم المؤلف، والصواب، ابن عبدالحكم، كما يدل عليه السياق . ن. ٥١١ لتقاربهما في المنزع، وبعدهما عن الغوص على دقائق الفقه، بخلاف المزني وابن عبد الحكم ولولا أنه كان راوية ابن عيينة لكان الناس استغنوا عنه وعن حديثه لبذاءة لسانه )). أقول: الحميدي هو الذي اعتمد صحبة الشافعي وفي كتاب ابن أبي حاتم (ج ٣ قسم ٢ ص ٢٠٢) عن الحميدي أنه كان يقول: ((كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة فقال لي ذات يوم: ههنا رجل من قريش له بيان ومعرفة. قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي؛ وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق. فلم يزل حتى اجترّني إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش يكون له هذه المعرفة وهذا البيان؟ فوقع كلامه في قلبي فجالسته فغلبتهم عليه ... وخرجت مع الشافعي الى مصر )). وكان الشافعي قد استكثر من ابن عيينة فلم يكن به حاجة الى الحميدي ولا غيره، وزعم طمع الحميدي أن يخلف الشافعي بمصر من مخلوقات الأستاذ ليس عليه أدنى شبهة بل كان الحميدي مكيناً بمكة مؤثراً لها، وإنما فارقها تلك المدة الى مصر إيثاراً لصحبة الشافعي، فكان أقصى همه أن يعود إليها، ودعوى بعده عن الفقه مخلوق آخر! إنما كان الغالب علي الحميدي الحديث، وقد صحب ابن عيينة وأخذ من أخلاقه، وقد تقدم قول الشافعي في ابن عيينة: ((ما رأيت أحداً من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن عيينة، وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه)) ولعل هذين الأمرين إيثاره الرجوع الى مكة، وعدم التبسط في الفتوى، من الأسباب التي منعت ترشيحه لخلافة الشافعي . وحكايته عن الشافعي أن البويطي أحق الجماعة كانت برسالة من الشافعي وهو حي بالقرب منهم يمكنهم مراجعته كما تقدم في القصة نفسها؛ ومحاولة الأستاذ أن يري القارىء ان الحميدي إنما أخبر بذلك بعد وفاة الشافعي مخلوق آخر من مخلوقاته! وتكذيب ابن عبد الحكم له إن صح طيشة فتى غر محنق كما سلف، ٥١٢ والشافعي لم يسرَّ إليه، وإنما كان عنده وبقية الأصحاب بالجامع فأرسله إليهم وهم بحيث تمكنهم مراجعته؛ وقد جاء عن الربيع قال: (( دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني وابن عبد الحكم، فنظر إلينا الشافعي فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا يعقوب فستموت في جديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هِناتٌ وهنات، ولتدركن زماناً تكون أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا محمد فسترجع الى مذهب أبيك، وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قال الربيع: فكان كما قال)) ترى القصة بسندها في (توالي التأسيس) (ص ٨٥). والحميدي وإن لم يكن مصرياً، فقد كان أعلم الجماعة بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي، ورفيقه في سفره، وكان قرشياً مكياً كالشافعي، فأخصيته به واضحة، والمجاهرة قد وقعت، وذاك الاختلاف كان في حياة الشافعي كما هو صريح في القصة، وغرامة البويطي ألف دينار لا شأن للحميدي بها، ولا لاختلاف الأصحاب، فإن الأستاذ إنما أخذ مما في (توالي التأسيس): ((قال زكريا الساجي: سمعت ابراهيم بن زياد يقول: سمعت البويطى يقول: لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة من أصحابه فجعل أصحاب مالك يسعون بنا عند السلطان حتى بقيت أنا ومولى للشافعي، ثم صرنا بعد نجتمع ونتألف ثم يسعون بنا حتى نتفرق، فلقد غرمت نحواً من ألف دينار حتى تراجع أصحابنا وتألفنا))؛ فغرامة الألف كانت للسعي في إنقاذ من تحبسه الأمراء أو تنفيه من الأصحاب، فإن كان هناك برطيل فللأمراء وأشياعهم(١). وزعم أن البويطي رشا الحميدي حتى شهد له زوراً بهتان عظيم لا يضر في الدنيا والآخرة إلا مختلقه، وزعم أن هوى الحميدي كان مع البويطي مخلوق آخر! ولو كان للهوى مدخل لكان هواه مع ابن عبد الحكم صديقه ومضيفه، وكان آل عبد الحكم أهل الكلمة والمكانة والثروة بمصر، لا يكاد يذكر البويطي في ذلك بالنسبة إليهم. وزعم التقارب في المنزع خلاف الواقع فإن الحميدي كان محدثاً قبل كل شيء والبويطي كان فقيهاً قبل كل شيء، وبُعد (١) وما اشبه ما يفعله تلاميذ الكوثري - الان ـ بهذا؟ زهير. ٥١٣ البويطي عن الغوص مخلوق آخر! فقد كان الشافعي يحيل عليه بالفتوى في حياته وإن كان أقل مخالفة له من المزني، والمزني لم يكن عند وفاة الشافعي في حد أن بصلح لخلافته كما يعلم من قول الشافعي له: ((وليأتين عليك زمان ... )) وكانت سنه عند وفاة الشافعي دون الثلاثين وكأنه إنما صحب الشافعي بأخرة فإنه استعان على ما فاته عن الشافعي بكتاب الربيع كما مر في ترجمة الربيع، فأما ابن عبد الحكم فكان دون ذلك بكثير كما يعلم مما مر. ولم ير الأستاذ في تخرصاته بعد عنائه الطويل ما يغتر به عاقل! فأردف ذلك بحاشية علقها على (ص ١٣١) أعاد فيها بعض ما تقدم وحاول الاستنتاج على ذلك الأسلوب! فلا أطيل بذكر ذلك وما عليه، لكن زاد فيها ما قيل: إن البويطي لما حبس قال: ((برىء الناس من دمي إلا ثلاثة حرملة والمزني وآخر))، وقال بعضهم أنه أراد بالآخر ابن الشافعي، فالحكاية ذكرها ابن السبكي بقوله: ((قال أبو جعفر الترمذي فحدثني الثقة عن البويطي أنه قال ... )) ولا أدري كيف سندها إلى أبي جعفر ومن شيخ أبي جعفر أثقة كان حقاً أم لا، أسمع من البويطي أم بلغه عنه، والحكاية منكرة، لأن أولئك الثلاثة إن كانوا سعوا به كما قيل فالمباشر لترحيله من مصر وتقييده وحبسه غيرهم فكيف يبرىء المباشرين لظلمه دون الساعين؟ وأيضاً فلا موضع للسعي لأن قضاة مصر الحنفية الجهمية كانوا يتبعون كل من عرف بعلم أو فقه فيكرهونه على القول بخلق القرآن وشمل ذلك جميع علماء الشافعية والمالكية بمصر؛ وأشبه ما تحمل عليه الحكاية إن صحت هو أن يكون الجهمية حينئذ إنما كانوا يتعرضون لمن جاهر بالإنكار عليهم واعلن منابذتهم وتضليلهم، وكان البويطي يؤثر عدم المجاهرة فجاهر أولئك الثلاثة فأدى ذلك الى قبض الجهمية على البويطي باعتبار أنه رئيس الجماعة والمعروف عن أولئك الثلاثة عقيدة أهل السنة . وكأن الأستاذ يقيس أصحاب الشافعي على أصحاب أبي حنيفة إذ كذَّب أبو يوسف محمداً تكذيباً صريحاً فيما يرويه عنه مع ما في كتب الحنفية كـ (شرح السير الكبير) (ج١ ص٣) إذ ذكر الوحشة التي كانت بين أبي يوسف ومحمد ثم قال: (( وسببها الخاص ما يحكى أنه جرى ذكر محمد رحمه الله في مجلس الخليفة فأثنى عليه ٥١٤ الخليفة فخاف أبو يوسف أنه يقربه فخلا به وقال: أترغب في قضاء مصر؟ فقال محمد: ما غرضك في هذا؟ فقال: قد ظهر علمنا بالعراق وأحب أن يظهر بمصر. فقال محمد: حتى أنظر. وشاور في ذلك أصحابه فقالوا له: ليس غرضه قضاؤك ولكن يريد أن ينحيك عن باب الخليفة. ثم أمر الخليفة أبا يوسف أن يحضره مجلسه، فقال أبو يوسف: إن به داءً لا يصلح معه لمجلس أمير المؤمنين. فقال: وما ذاك؟ قال به سلس البول بحيث لا يمكنه استدامة الجلوس. فقال الخليفة. فأذن له بالقيام عند حاجته. ثم خلا بمحمد رحمه الله وقال: إن أمير المؤمنين يدعوك، وهو رجل ملول فلا تطل الجلوس عنده، وإذا أشرت إليك فقم ... ولما مات أبو يوسف رحمه الله لم يخرج محمد رحمه الله في جنازته)). لكن الفرق يا أستاذ واضح كان أمام أبي يوسف ومحمد مجلس الرشيد وملاذ الدنيا وبدر الدنانير وتخوت الثياب وغير ذلك، ولم يكن أمام البويطي شيء من ذلك، إنما أمامه مخالفة المالكية والجهمية والدولة واحتاج أن ينفق من صلب ماله وقوت عياله حتى ختم الله تعالى له على أيدي أصحابك بالحسنى وزيادة. من ثناء الأئمة على الحميدي قال الإمام أحمد: ((الحميدي إمام)) وقال أبو حاتم: ((هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام)) وقال يعقوب ابن سفيان: (( ثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه)). فأما شدة الحميدي على أبي حنيفة فاضطره إليها ما بلغه عنه مما ذكر بعضه في الترجمة وقد صرح الأستاذ نفسه (ص٣٦) في بعضها أنها كفر صراخ، وتلك الحكاية سمعها الحميدي من حمزة بن الحارث بن عمير يرويها عن أبيه أنه سمعها من أبي حنيفة، وقد روى رجاء بن السِّندي - وقد تقدمت ترجمته - عن حمزة بن الحارث عن أبيه نحوها كما في الترجمة، وحمزة ثقة عندهم وكذلك أبوه عند القدماء كما تقدم في ترجمته فكان ثقة عند الحميدي، فكان عند الحميدي أن الحكاية صحيحة، وسمع الحميدي أبا صالح الفراء وهو محبوب بن موسى يحدث عن الفزاري وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث قال: قال أبو حنيفة: ((إِيمان آدم وإيمان إِبليس واحد ... )) وقد قال عثمان بن سعيد الدارمي: ثنا محبوب بن ٥١٥ موسى الأنطاكي قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إِيمان أبي بكر الصديق وإيمان إِبليس واحد ... )) وقد مرت ترجمة الفزاري، وتأتي ترجمة عثمان ومحبوب، وكان عند الحميدي أن هذه الحكاية صحيحة أيضاً، ومن تدبر الترجمة علم أنه كان عند الحميدي حكايات أخرى قد سمعها ممن هو عنده ثقة وبهذا يتبين للعالم العاقل أن الحميدي إن كان مخطئاً فهو معذور مأجور إن شاء الله تعالى، وقد عذر أهل السنة بعض من قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وجاهر بسبه ولعنه، فإن كان الحميدي مخطئاً فهو أولى وأجدر بأن يعذر ويؤجر . فإن قيل فكذلك ينبغي أن تعذروا الكوثري وإن اعتقدتم خطأه . قلت: أما في خطائه الذي يعذر به فحباً وكرامة، وأما ما زاد على ذلك، فقد جعل الله لكل شيء قدرا! ١٢٢ - عبد الله بن سعيد. في (تاريخ بغداد) (٣٨٠/١٣) من طريق أبي بكر الشافعي: (( حدثني عمر بن الهيثم البزاز أخبرنا عبد الله بن سعيد - بقصر ابن هبيرة - حدثني أبي أن أباه أخبره أن ابن أبي ليلى كان يتمثل ... )) قال الأستاذ (ص ٦٠): ((إن كان أبا عباد المقبري ... وإن كان أبا سعيد الأشج ... وان كان غیرهما یکون مجهولاً هو وأبوه وجده)). أقول: ما هو بأحدهما . والله أعلم . ١٢٣ - عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبو بكر بن أبي داود السجستاني. في (تاريخ بغداد) (٣٨٣/١٣) عنه أنه قال لأصحابه ((ما تقولون في مسألة ... )) قال الأستاذ (ص٦٨): ((كذبه أبوه وابن صاعد وابراهيم ابن الأصبهاني وابن جرير وهو ناصبي مجسم خبيث روى أخلوقة التسلق عن الزهري كذباً وزورا، وقد شهد عليه بذلك شهود عدول هم الحفاظ محمد بن العباس الأخرم وأحمد بن علي بن الجارود ومحمد بن يحيى بن منده وكاد أن يراق دمه في أصبهان بيد أميرها أبي ليلى لولا سعي بعض الوجهاء ممن كان يجل أباه في استنقاذه بالطعن في أمثال هؤلاء ٥١٦ الشهود، وهذا حاله وإن راج على من لم يعرف دخائله، وكان هو في صف أبي عبد الله الجصاص الکشوف الأمر ضد ابن جرير)). أقول: أما كلام أبيه فقال ابن عدي على ما في (الميزان) و(لسانه): (( حدثنا علي بن عبدالله الداهري سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن كركرة ( وفي (تذكرة الحفاظ): محمد بن أحمد بن عمرو) بن كركرة(١) سمعت علي بن الحسين بن الجنيد سمعت أبا داود يقول: ابني عبد الله كذاب، قال ابن صاعد: كفانا ما قال أبوه فیه )). الداهري وابن كركرة لم أجد لهما ذكراً في غير الموضع وقول ابن صاعد: (( ما قال أبوه فيه)) إن أراد هذه الكلمة، فإن كانت بلغته بهذا السند فلا نعلمه ثابتاً، وإن كان له مستند آخر فما هو؟ وإن أراد كلمة أخرى فما هي؟ وقد ارتاب الذهبي في الحكاية فقال في (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص ٣٠٢) بعد ذكر الحكاية بسندها: ((وأما قول أبيه فيه فالظاهر أنه إن صح عنه فقد عنى أنه كذاب في كلامه لآ في الحديث النبوي وكأنه قال هذا وعبد الله شاب طري ثم كبر وساد)). وقال ابن عدي - مع حشره كلما قيل في عبدالله - قال: كما في (الميزان) ((ولولا ما شرطنا (يعني من ذكر كل من تكلم فيه وإن كان الكلام غير قادح)(٢) لما ذكرته ... وهو معروف بالطلب وعامة ما كتب مع أبيه، هو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه فما أدري أيش تبين له منه)). ۔۔ أقول: لم تثبت الكلمة، وقال ابن عدي: ((سمعت عبدان يقول: سمعت أبا داود (١) وفي مخطوطة الظاهرية من ((كامل ابن عدي)) (٢/٢٢٨): (( ... سمعت أحمد بن محمد بن عمرو بن عيسى كركرة يقول: سمعت علي بن الحسين ... )) وهي نسخة جيدة عتيقة لولا ان فيها خرما إن. (٢) ما بين القوسين من كلام المصنف رحمه اللّه كبيان لعبارة ابن عدي التي اختصرها الذهبي، وقد كاد المصنف ان يوافق عبارة ابن عدي فان لفظها في (الكامل): ((ولولا شرطنا في أول الكتاب ان کل من تكلم فيه متکلم ذکرته في كتابي هذا ... » ن. ٥١٧ السجستاني يقول: ومن البلاء أن عبد الله يطلب القضاء)). كان أبو داود على طريقة كبار الأئمة من التباعد عن ولاية القضاء، فلما طلبه ابنه كره ذلك. ومن الجائز إن صح أنه قال: ((كذاب)) أن يكون إنما أراد الكذب في دعوى التأهل للقضاء والقيام بحقوقه. ومن عادة الأب الشفيق إذا رأى من ابنه تقصيراً أن يبالغ في تقريعه. وقد قال الأستاذ (ص ١٦٣): (( الإِخبار بخلاف الواقع هو الكذب والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم .... فلا يعتد بقول من يقول: فلان یکذب. ما لم يفسر وجه كذبه». وأما ابن صاعد وابن جرير فلم أجد لهما كلاماً غير قول الأول: ((كفانا ما قال أبوه فيه)) وقد تقدم. وقول الثاني لما قيل له: إن ابن أبي داود يقرأ على الناس فضائل علي بن أبي طالب: ((تكبيرة من حارس)) وهذا ليس بجرح إنما مقصوده أنه كما أن الحارس قد يقول رافعاً صوته: الله أكبر، لا ينوي ذكر الله عز وجل وإنما يقصد أن يسمع السراق صوته فيعرفوا أنه موجود يقظان فلا يقدموا على السرقة. فكذلك قد يكون ابن أبي داود يروي فضائل علي ليدفع عن نفسه ما رماه بعض الناس من النصب وهو بغض علي رضي الله عنه؛ وقد قال الذهبي في (التذكرة): (( لا ينبغي سماع قول ابن صاعد فيه، كما لم يعتد تكذيبه لان صاعد، وكذا لا يسمع قول ابن جرير فيه، فإن هؤلاء بينهم عداوة بينة)). : أقول وقد قدمت تحقيق هذا البحث في القواعد . وأما ابن الأصبهانى، فقال ابن عدي: (( سمعت موسى بن القاسم الأشيب يقول: حدثني أبو بكر سمعت ابراهيم الأصبهاني يقول: أبو بكر بن أبي داود كذاب، أبو بكر شيخ الأشيب يحتمل أن يكون هو ابن أبي الدنيا لأنه ممن يروى عن ابراهيم وممن يروى عنه الأشيب، ويحتمل أن يكون غيره لأن أصحاب هذه الكنية في ذاك العصر ببغداد كثيرون ولم يشتهر ابن أبي الدنيا بهذه الكنية بحيث إذا ذكرت وحدها في تلك الطبقة ظهر أنه المراد، فعلى هذا لا يتبين ثبوت هذه الكلمة عن ابن الأصبهاني. وابن أبي داود إن كان سنه عند وفاة الأصبهاني سنة ٢٦٦ فوق ٥١٨ الثلاثين فلم يكن قد تصدى للرواية في زمانه. قال الخطيب: ((أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى الهمذاني حدثنا أبو الفضل صالح بن أحمد الحافظ قال: أبو بكر عبد الله بن سليمان إمام أهل العراق وعلم العلم في الأمصار نصب السلطان المنبر فحدث عليه لفضله ومعرفته، وحدث قديماً قبل التسعين ومائتين، قدم همذان سنة نيف وثمانين ومائتين وكتب عنه عامة مشايخ بلدنا ذلك الوقت وكان في وقته بالعراق مشايخ أسند منه ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو))؛ بلى كان يذاكر وربما يتعرض لأكابر الحفاظ يذاكرهم فيتفق أن يكون عنده حديث ليس عندهم فتعجبه نفسه ويتكلم بما يعد جرأة منه وسوء أدب فيغضبهم كما فعل مع أبي زرعة، قال: ((قلت لأبي زرعة: ((ألق عليَّ حديثاً غريباً من حديث مالك، فألقى عليَّ حديث وهب بن كيسان عن أسماء: لا تحصي فيحصى عليك، رواه لي عن عبد الرحمن بن شيبة - وهو ضعيف، فقلت له: يجب أن تكتبه عني عن أحمد بن صالح عن عبد الله بن نافع عن مالك، فغضب وشكاني الى أبي وقال: انظر الى ما يقول لي أبو بكر)» هكذا في (تهذيب تاریخ ابن عساكر) وغيره، فلعله کان یتعرض بمثل هذا لابن الأصبهاني، فاتفق أن وهم ولجّ فقال ابن الأصبهاني ما قال، إن صحت الحكاية عنه . فأما بعد أن تصدى للحديث فإن الناس أكثروا السماع منه وكان كثير من الحفاظ يعادونه ويتعطشون الى أن يقفوا له على زلة في الرواية فلم يظفروا بشيء، ولم ينكر أحد عليه حديثاً واحداً، وكانوا كلما استغربوا شيئاً من حديثه أبرز أصله بسماعه مع أبيه وهو القائل: فليطلب البعض من بعض أصولهم إذا تشاجر أهل العلم في خبر لم تخرج الأصل لم تسلك سبيلهم إخراجك الأصل فعل الصادقين فإن واظهر أصولك إن الفرع متهم فاصدع بعلم ولا تردد نصيحتهم وأما النصب فقال ابن عدي على ما في (تذكرة الحفاظ): ((نسب في الابتداء إلى شيء من النصب ونفاه ابن الفرات من بغداد الى واسط ثم رده علي بن عيسى ٥١٩ فحدث وأظهر فضائل علي ثم تحنبل فصار شيخاً منهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث)) ولم يتحقق من الذي نسبه الى النصب وما حجته على ذلك، وكان الرجل شكس الأخلاق تياهاً وله أعداء، فإن كان شيء فقد تاب وأناب، قال أحمد بن يوسف الأزرق: ((سمعت أبا بكر بن أبي داود غير مرة يقول: كل من بيني وبينه شيء - أو قال: كل من ذكرني بشيء - فهو في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب)). وأما أخلوقة التسلق فقال ابن عدي: (( سمعت محمد بن الضحاك بن عمرو بن أبي عاصم يقول: أشهد على محمد بن يحيى بن مندة بين يدي الله قال: أشهد على أبي بكر بن أبي دواد بين يدي الله أنه قال: روى الزهري عن عروة قال: حفيت أظافر فلان من كثرة ما كان يتسلق على أزواج النبي عَ لّم )) محمد بن الضحاك هذا له ترجمة في (تاريخ بغداد) (ج ٥ ص ٣٧٦) لم يذكر فيه توثيقاً ولا جرحاً. وابن منده هو أحد الذين شهدوا بأصبهان فجرحوا، وقد ذكر الحافظان الأصبهانيان الجليلان أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان وأبو نعيم في كتابيهما في (تاريخ علماء أصبهان والواردين عليها) أبا بكر بن أبي داود وأثنيا عليه ولم يتعرضا في ترجمته للقصة، لكن ذكراها في ترجمة محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص فقال أبو الشيخ: ((كان ورد أصبهان أبو بكر بن أبي داود السجستاني وكان من العلماء الكبار فكان يجتمع معه حفاظ أهل البلد وعلماؤهم فجرى منهم يوماً ذكر علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال ابن أبي داود : إن الناصبة يروون عليه أن أظفاره حفيت من كثرة تسلقه على أم سلمة، فنسبوا الحكاية إليه وألغوا ذكر الناصبة وألبوا عليه جعفر بن شريك وأولاده ... )) وساق أبو نعيم القصة بأتم من ذلك قال: ((محمد بن عبد الله بن الحسن بن حفص الهمذاني ... وهو الذي عمل وسعى في خلاص عبد الله بن أبي داود لما أمر أبو ليلى الحارث بن عبد العزيز بضرب عنقه لما تقولوا عليه؛ وكان رحمه الله احتسب في أمر عبد الله بن أبي ٥٢٠