Indexed OCR Text

Pages 461-480

الصون)) وقوله: ((لعن الله .... )) قطعة من خبر داود الذي رده الأستاذ هنا .
وغرض الأستاذ في الموضعین واحد وهو رد الروايات القوية فانه احتج به في (ص
٧٤) على رد روايات قوية متعددة وختم بقوله ((نسأل الله الصون)» ورده (ص
٩٤) ليرد روايات قوية ثم احتج على الرد بما هو أسقط من خبر داود وهو خبر
الحارثي بذاك الاسناد والحارثي قد أشرت إليه في (الطليعة) (ص ٦٤) ويأتي له
ذكر في ترجمة علي بن جرير وترجمة الحارثي في (لسان الميزان) (ج ١ ص ٢٧)
وفيها: (( قال ابن الجوزي قال أبو سعيد الرواس: يتهم بوضع الحديث. وقال أحمد
السليماني: كان يضع هذا الإسناد على هذا المتن، وهذا المتن على هذا الإسناد، وهذا
ضرب من الوضع ... وقال الخليلي: له معرفة بهذا الشأن وهو لين، ضعفوه، حدثنا
عنه الملاحي وأحمد بن محمد البصير بعجائب)) وسترى ما يكشف بعض حاله في
ترجمة علي بن جرير. وشيخه أبو سعيد بن جعفر هو أبًا بن جعفر ترجمته في (لسان
الميزان) (ج ١ ص ٢٧) وفيها ((قال ابن حبان كان يقُعد يوم الجمعة بحذاء مجلس
الساجي .... ذهبت إلى بيته للاختبار ... فرأيته قد وضع على أبي حنيفة أكثر من
ثلثمائة حديث ما حدث بها أبو حنيفة قط .... )) قال ابن حجر: ((وقال حمزة
(السهمي الحافظ) عن الحسن بن علي ابن غلام الزهري (الحافظ): أبا بن جعفر كان
يضع الحديث وحدث بنسخة نحو المائة عن شيخ له مجهول زعم أن اسمه أحمد بن
سعيد بن عمرو المطوعي عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن أنس، وفيها
مناكير لا تعرف. وقد أكثر عنه أبو (محمد) الحارثي في (مسند أبي حنيفة))).
وشيخه هنا أحمد بن سعيد الثقفي لا يعرف أو لم يخلق: وهكذا المغيرة بن عبد الله،
ومن العجائب أن صاحب (جامع المسانيد) زعم أنه المغيرة بن عبد الله اليشكري
الذي يروي عن المغيرة بن شعبة المتوفى سنة خمسين !! وأعجب من ذلك قول
الأستاذ: ((فهذا الحديث بهذا السند يرد .... )) وهذه سخرية من الأستاذ لا أدري
أبالعلم أم بنفسه أم بالذين يرى أنهم سيتلقون كلامه بالقبول والإعجاب؟ ثم ختم
الأستاذ بقوله: ((هكذا يفضح الله الأفاكين)) ولا يخفى أين موضع هذه الكلمة!
والله المستعان .
٤٦١٠

٩٠ - ((دَعْلَج بن أحمد السِجْزي. في (تاريخ بغداد) (٣٧٩/١٣) من طريقه
((أخبرنا أحمد بن على الأبار حدثنا سفيان بن وكيع قال جاء عمر بن حماد ... )) قال
الأستاذ (ص ٥٧) (( فدعلج تاجر مثرٍ كان عنده قفاف مملوءة ذهباً تبهر عيون من
يبيت عنده من الرواة وتسلب ألبابهم، يتعانى الرواية ويواسي الرواة من أهل مذهبه
في التشبيه، وكان عنده تعصب وتغفل، وكان الرواة الأظناء يبيتون عنده ويدخلون
في كتبه أشياء فيرويها بسلامة باطن، وذكر الذهبي من الوضاعين الذين كانوا
يدخلون في كتبه اثنين، أحدهما علي بن الحسن الرصافي وقد قال عنه: يضع الحديث
ويفتري على الله، قال الدارقطني: لا يوصف ما أدخل هذا على الشيوخ، ثم محضر
بأحاديث أدخلها على دعلج؛ وكذا أدخل أبو الحسين العطار المخرمي أحاديث على
دعلج أيضاً كما ذكره الذهبي، ويجعلهما ابن حجر شخصاً واحداً بدون حجة)).
أقول: قد سلف في ترجمة أحمد بن علي الأبار أن دعلجاً سجستاني كان يطوف
البلاد لسماع العلم وللتجارة، ودخل بغداد وسنه نيف وعشرون سنة، وسن الأبار
فوق السبعين فسمع منه ومن غيره ومات الأبار بعد ذلك بسنوات وبقي دعلج في
تطوافه ثم سكن مكة مدة ثم تحول إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات سنة ٣٥١ وذلك
بعد وفاة الأبار بإحدى وستين سنة؛ وتقدم أيضاً أن دعلجاً إنما أثرى بعد موت
الابار بدهر .
فأما مطاعن الأستاذ في دعلج، فأولها: أنه كان يعتقد التشبيه! وإنما أخذ الأستاذ
ذلك من ذكرهم أن دعلجاً أخذ عن ابن خزيمة كتبه وكان يفتى بقوله، وابن خزيمة
عند الاستاذ مشبه! وهبه ثبت ان دعلجاً كان على عقيدة ابن خزيمة. وعقيدة ابن
خزيمة هي في الجملة عقيدة أئمة الحديث، وهي محض الايمان وقد أفردت
الاعتقاديات بقسم .
وثانيها: أنه كان متعصباً! وهذا تخرص من الأستاذ فأما ما جاء من طريقه من
الروايات فشيء سمعه فرواه، وقد عاش دعلج ببغداد عشرات السنين، كان الثناء
عليه كلمة وفاق بينهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم .
في
٤٦٢

وثالثها: أن الرواة الأظناء كانوا يبيتون عنده ويدخلون في| كتبه(١) وهذا تخرص
أيضاً، نعم حكي عن رجل غير ظنين أنه بات عنده وأراه ماله ولم يقل إن كتبه
كانت مطروحة له ولا لغيره ممن يخشى منه العبث بها، فأما إدخال بعضهم عليه
أحاديث فذلك لا يقتضي الادخال في كتبه بل إذا استخرج الشيخ أو غيره من
أصوله أحاديث وسلمها إلى رجل ليرتبها وينسخها فذهب الرجل أونسخها وأدخل
فيها أحاديث ليست حديث الشيخ وجاء بالنسخة فدفعها إليه ليحدث بها صدق أنه
أدخل عليه أحاديث، ثم إذا كان الشيخ يقظاً فاعتبر تلك النسخة بحفظه أو بمراجعة
أصوله أو دفعها إلى ثقة مأمون عارف كالدارقطني فاعتبرها فأخرج تلك
الزيادة ولم يحدث بها الشيخ لم يكن عليه في هذا بأس، ولعله هكذا جرى، فقد قال
الخطيب في دعلج: ((كان ثقة ثبتاً قبل الحكام شهادته، وأثبتوا عدالته ... وكان أبو
الحسن الدارقطني هو الناظر في أصوله والمصنف له كتبه، فحدثني أبو العلاء
الواسطي عن الدارقطني قال: صنفت لدعلج (المسند الكبير) فكان إذا شك في
حديث ضرب عليه، ولم أر في مشايخنا أثبت منه .. ، حمزة بن يوسف السهمي
يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني عن دعلج بن أحمد؟ فقال: كان ثقة مأموناً -
وذكر له قصة في أمانته وفضله ونبله)) وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص
٩٢): ((دعلج بن أحمد بن دعلج الامام الفقيه محدث بغداد ..... روى عنه
الدارقطني والحاكم وابن رزقويه وأبو إسحاق الأسفرائني وأبو القاسم بن بشران
وعدد كثير. وقال الحاكم: سمعت الدارقطني يقول: صنف الدعلج (المسند الكبير)
ولم أر في مشايخنا أثبت منه ... )) وجعل الأستاذ المدخلين جماعة من أمانيه،
والمعروف رجل واحد ترجمته في (تاريخ بغداد) (ج ١١ ص ٣٨٥) ((علي بن
الحسين بن جعفر أبو الحسين البزاز يعرف بابن كرنيب وبابن العطار المخرمي ...
يلغني عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد النيسابوري قال: ذكر الدارقطني ابن
العطار فذكر من إدخاله على المشايخ شيئاً فوق الوصف وأنه أشهد عليه واتخذ
(١) وقد شاهدنا من الكوثري وتلامذته في كتب السيد أحمد خيري التي آلت إلى جامعة محمد بن
سعود - زهير.
٤٦٣

محضراً بإدخاله أحاديث على دعلج))، وذكر الذهبي في (الميزان) واقتصر على قوله:
((أدخل على دعلج أحاديث قاله الدارقطني)) ثم ذكر ((علي بن الحسين الرضافي ))
وقال: ((قال الدارقطني لا يوصف ما ادخل على الشيوخ ثم عمل محضر عليه
بأحاديث أدخلها على دعلج)) فقال ابن حجر في (اللسان): هذه صفة علي بن
الحسين بن كرنيب وقد مر)) وحجته في ذلك أن القصة متفقة والاسم متفق واسم
الأب متقارب فإن اسم ((الحسن)) و((الحسين)) يكثر تحرف أحدهما إلى الآخر
وليس في (تاريخ بغداد) إلا رجل واحد، والمخرم والرصافة محلتان ببغداد وقد
يكون مسكن الرجل بينهما فينسب إلى هذه وإلى هذه وابن حجر مطلع على مأخذ
الذهبي ولم يقف في شيء منها إلا على رجل واحد؛ وهذه الأمور إن لم تكف للجزم
بانه رجل واحد فلا ريب أنها تكفي للتوقف عن الجزم بأنهما اثنان؛ وهب أنهما
اثنان أو عشرة فإن ذلك لا يضر دعلجاً وروايته ما لم يثبت أن ذلك كان على وجه
يوجب القدح فيه، وذلك مدفوع بأن المخبر بذلك وكاتب المحضر أو المحضرين أو
المحاضر كما يتمناه الأستاذ هو الامام أبو الحسن الدارقطني وهو الذي كان الناظر
في أمور دعلج والمصنف له كتبه وهو الذي وثقه أثبت توثيق كما سلف، وفي ذلك
ما يقطع نزاع من يخضع للحق، فأما المعاند فلا يقطعه إلا أن تشهد عليه
أعضاؤه!
٩١ - الربيع بن سليمان المرادي. في (تاريخ بغداد) (٤١٠/١٣) عنه
(( سمعت الشافعي يقول: أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب عليها))
قال الأستاذ (ص ١٣٩): ((الربيع المرادي الذي يقول فيه أبو يزيد القراطيسي ما
يقول )).
أقول في ترجمته من (التهذيب): ((قال ابو الحسين الرازي الحافظ والد تمام
أخبرنا علي بن محمد بن أبي حسان الزيادي بحمص: سمعت أبا يزيد القراطيسي
يوسف بن يزيد يقول: سماع الربيع بن سليمان من الشافعي ليس بالثبت وإنما أخذ
أكثر الكتب من آل البويطي بعد موت البويطي؛ قال أبو الحسين: وهذا لا يقبل من
أبي يزيد، بل البويطي كان يقول: الربيع أثبت مني، وقد سمع أبو زرعة الرازي
٤٦٤

كتب الشافعي كلها من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين)) وقول القراطيسي:
ليس بالثبت إنما مفاده نفي يكون غاية في الثبت ويفهم من ذلك أنه ثبت في الجملة
كما شرحته في ترجمة الحسن بن الصباح، ويوضح ذلك هنا ما بعده وحاصله أنه لم
يكن للربيع في بعض مسموعاته من الشافعي أصول خاصة محفوظة عنده لأنه إنما
أخذ أكثر الكتب من ورثة البويطي، وهذا تشدد من أبي يزيد في غير محله فقد
يكون للربيع أصول خاصة محفوظة عنده ولا يمنعه ذلك من أخذ غيرها من ورثة
اليويطي ليحفظها، وعلى فرض أنه لم يكن له ببعض الكتب أصول خاصة، وإنما
كان سماعه لها في كتب البويطي أن البويطي كان يخرجها لمن يريد سماعها من الربيع
كأبي زرعة فسماع الربيع لها ثابت وقد عرف الكتب وأتقنها فإذا وثق بأنها لم تزل
محفوظة في بيت البويطي حق الحفظ حتى أخذها فأي شيء في ذلك؟. وقد قال
الخليلي في الربيع: ((ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته عن
الشافعي بكتاب الربيع )) ووثقه آخرون واعتمد الأئمة عليه في كتب الشافعي
وغيرها؛ ومع هذا كله فالحكاية التي يحاول الأستاذ الجواب عنها حكاية مفردة قال
الربيع فيها: ((سمعت الشافعي .... )) واعترف الأستاذ بمضمونها كما يأتي في ترجمة
الشافعي، وقد روى الربيع عن البويطي عن الشافعي أشياء كما تراه بهامش (الأم)
(ج ٦ ص ٥٧) وكان عمر القراطيسي حين مات الشافعي ثماني عشرة سنة ولم
يأخذ عن الشافعي وإنما رآه رؤية فلا خبرة له بما سمعه الربيع وإنما بني على الحدس
کما سلف.
٩٢ - رجاء بن السندي. في (تاريخ بغداد) (٣٩١/١٣) عنه (( سمعت بشر
ابن السَّريّ قال: أتيت أبا عوانة ... )) قال الأستاذ (ص ٩٢): ((طويل اللسان وقد
أعرض عنه أصحاب الأصول الستة)) .
أقول: أوهم الأستاذ بهذه العبارة أن رجاء كان بذيئاً وأن أصحاب الأصول لح
يرضوه، وليس الأمر كذلك ولكن كان فصيحاً، قال بكر بن خلف: ((ما رأيت
أفصح منه)) فهذا طول لسانه في اصطلاح الأستاذ الذي يقصد به الايهام، فعل ذلك
في مواضع! وتوفي رجاء سنة ٢٢١ فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجه
٤٦٥

وأدركوا من أقرانه ومن هو أكبر منه من هو مثله أو أعلى إسناداً منه فلم يحتاجوا
الى الرواية عن رجل عنه الإيثارهم العلو، وأدركه أبو داود في (الجملة) لأنه مات
وسن أبي داود نحو تسع عشرة سنة ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يلقه؛
فأما مسلم فإنه كان له حين مات رجاء نحو ست عشرة سنة وهو بلديه ويمكن أن
يكون سمع منه وهو صغير فلم ير مسلم ذلك سماعاً لائقاً بأن يعتمده في
(الصحيح)، ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسن من رجاء
وأعلى إسناداً ففاته رجاء، وأما البخاري فقد ذكر الكمال أنه روى عنه لكن قال
المزي: ((لم أجد له ذكراً في الصحيح)) فقد لا يكون البخاري لقيه، وقد يكون
لقيه مرة فلم يسمع منه إلا شيئاً عن شيوخه الذين أدرك البخاري أقرانهم فلم يحتج
الى النزول بالرواية عن رجاء. فتحصل من هذا أنهم إنما لم يخرجو عنه إيثاراً للعلو
من غير طريقه، على النزول من طريقه؛ وراجع ترجمة ابراهيم بن شماس؛ هذا وقد
روى عنه الإمام أحمد وهو لا يروي إلا عن ثقة كما يأتي في ترجمة محمد بن أعين،
وروى عنه أيضاً ابراهيم بن موسى وأبو حاتم وقال: ((صدوق)). وقال الحاكم:
((ركن من أركان الحديث)).
٩٣ - رقبة بن مصقلة. في (تاريخ بغداد) (٤١٦/١٣) عن أبي أسامة ((مر
رجل على رقبة فقال من أين أقبلت؟ قال: من عند أبي حنيفة . قال: يمكنك من
رأى ما مضغت وترجع الى أهلك بغير ثقة)) قال الأستاذ (ص ١٥٨): ((ليس من
رجال الجرح والتعديل، وإنما هو من رجالات العرب الذين يحبون التنكيت والتندر
وهو الذي استلقى على ظهره في المسجد، وهو يتقلب ويقول لمن يسائله عما به: إني
صريع الفالوذج، يعني أنه متخوم بأكله، أو مصروع بالتشوق إليه؛ ومثل هذا
الكلام موضعه كتب النوادر والمحاضرات .. ))
أقول رقبة روى عن أنس فيما قيل وعن أبي اسحاق وعطاء ونافع وعبد العزيز
ابن صهيب وثابت البناني وطلحة بن مصرف وغيرهم، وعنه جرير بن عبد الحميد
وأبو عوانة وابن عيينة وغيرهم؛ قال الامام أحمد: ((شيخ ثقة من الثقات مأمون))
٤٦٦

وقال ابن معين والعجلي والنسائي: ((ثقة)) واحتج به الشيخان في (الصحيحين)
وغيرهما؛ ومثله لو جَرَح أو عَدَّل لقبل منه، فأما الدعابة فلم تبلغ به بحمد الله عز
وجل ما يخدش في دينه وأمانته، وقصة الفالوذج إن صحت إنما فيها أنه أكل
فالوذجا فتأذى به فقال ما قال تلطفاً ونصيحة لغيره فكان ماذا؟ ومع هذا كله
فليس في كلمته التي ذكرها الخطيب جرح لأبي حنيفة. وقوله: ((ترجع الى أهلك
بغير ثقة » يعني بالرأي لأنه قد يرجع أبو حنيفة عنه بعد ساعة وقد قال حفص بن
غياث: (( كنت أجلس الى أبي حنيفة فأسمعه يسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي
فيها بخمسة أقاويل فلما رأيت ذلك تركته وأقبلت على الحديث)) ذكره الأستاذ
(ص١٢٣). وقال زفر صاحب أبي حنيفة: (( كنا نختلف إلى أبي حنيفة .... فقال
يوماً أبو حنيفة لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمعه مني فإني قد
أرى الرأي اليوم فأتركه غداً، وأرى الرأي غداً فأتركه بعد غد)) ذكره الأستاذ
(ص ١١٨).
٩٤ - زكريا بن يحيى الساجي. في (تاريخ بغداد) (٣٢٥/١٣) عنه:
(( سمعت محمد بن معاوية الزيادي يقول: سمعت أبا جعفر يقول: كان أبو حنيفة
اسمه عتيك بن زوطرة فسمى نفسه النعمان وسمى أباه ثابتاً)) قال الأستاذ
(ص١٨): ((شيخ المتعصبين كان وقاعاً، ينفرد بمناكير عن مجاهيل وتجد في
(تاريخ بغداد) نماذج من انفراداته عن مجاهيل بأمور منكرة، ونضال الذهبي عنه
من تجاهل العارف، وقال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث وثقه قوم
وضعفه آخرون؛ وقال أبو بكر الرازي بعد أن ساق حديثاً بطريقه: انفرد به
الساجي ولم يكن مأموناً، وكفى في معرفة تعصب الرجل الاطلاع على أوائل كتاب
( العلل) له)).
أقول: أما التعصب فقد مر حكمه في القواعد، وبينا أنه إذا ثبتت ثقة الرجل
وأمانته لم يقدح ما يسميه الأستاذ تعصباً في روايته ولكن ينبغي التروي فيما يقوله
برأيه لا اتهاماً له بتعمد الكذب والحكم بالباطل، بل لاحتمال أن الحنق حال بينه
٤٦٧

وبين التثبت، وبهذه القاعدة نفسها نعامل ما حكاه الأستاذ عن أبي بكر الرازي إن
كان ممن ثبتت ثقته وأمانته فلا نقبلها منه بغير مستند مع مخالفته لمن هو أثبت منه
وأعلم بالحديث ورجاله، ولأمر ما ستر الأستاذ على نفسه وعلى الرازي فلم يذكر
الحدیث ولا بين موضعه .
فأما قوله: ((كان وقاعاً)) فمن تصدى للجرح والتعديل والتنديد بمن يخالف
السنة احتاج الى ما يسميه الأستاذ وقيعة، وإنما المذموم أن يقع الرجل في الناس بما
لا يراه حقاً أو بما لا يعذر في جهل أنه باطل .
وأما الانفراد بمناكير عن مجاهيل إن صح فلا يضره، وإنما الحمل على أولئك
المجاهيل ولا يترتب على ذلك مفسدة، ومثل ذلك ما يرويه عن الضعفاء، كالحديث
الذي في ترجمته في (لسان الميزان) سمعه من الساجي أبو داود وعبدان والبزار
وغيرهم، رواه الساجي عن عبد الله بن هارون بن أبي علقمة الفروي، وعبد الله
هذا يقال له: ((أبو علقمة الصغير)) له ترجمة في (تهذيب التهذيب) (ج ١٢
ص ١٧٢) وفيها: ((قال الحاكم أبو أحمد: منكر الحديث .... وقال ابن عدي: له
مناكير ... وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يخطىء ويخالف وقال الدارقطني في
غرائب مالك: متروك الحديث)) فإن كان ذاك الحديث منكراً فالحمل فيه على
الفروي، كالأحاديث الأخرى التي أنکرت عليه .
وأما كلمة ابن قطان فلم يبين من هم الذين ضعفوه وما هو التضعيف وما وجهه،
ومثل هذا النقل المرسل على عواهنه لا يلتفت إليه أمام التوثيق المحقق، وأخشى أن
يكون اشتبه على ابن قطان بغيره ممن يقال له: ((زكريا بن يحيى)) وهم جماعة، وابن
القطان ربما يأخذ من الصحف فيصحف فقد وقع له في موضع تصحيف في
ثلاثة أسماء متواليه؛ راجع (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٢٠١ - ٢٠٢) قد قال ابن حجر في
(اللسان) متعقباً كلمة ابن القطان: ((ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، قد جازف
بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحد قط ... وذكره ابن أبي حاتم
فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف
الفقهاء وأحكام القرآن .. ، وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة)). والذهبي إنما قال
٤٦٨

في (الميزان): ((أحد الأثبات ما علمت فيه جرحاً أصلاً؛ قال أبو الحسن ابن
القطان ... )). فما الذي تجاهله الذهبي؟ أما كلمة ابن القطان فقد ذكرها .
وأما ما حكاه الأستاذ عن الرازي، فليس الرازي ممن يذكر في هذا الشأن حتى
يتتبع الذهبي وغيره كلامه، فيسوغ أن يظن بالذهبي أنه وقف على كلمته وأعرض
عنا لمخالفتها هواه كما يتوهمه أو يوهمه الأستاذ!
٩٥ - سالم بن عصام. ذكرته في (الطليعة) (ص ٥٠ - ٥١) فأشار الى ذلك
في (الترحيب) (ص ٤٠ - ٤١) وتعرض لأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر
ابن حيان وستأتي ترجمته، وهو حافظ ثقة جبل وإن كره الأستاذ، وذكر أن كلمة
((صدوق)) دون كلمة ((ثقة)) وصدق في ذلك، ولكن أبا الشيخ أردفها بقوله:
((صاحب كتاب)) وصاحب الكتاب يكفيه كونه في نفسه صدوقاً وكون كتابه
صحيحاً، وقد توبع سالم كما ذكرته في (الطليعة).
٩٦ - سعيد بن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير. في (تاريخ بغداد)
(٣٧٥/١٣) عنه ((قلت لأبي يوسف: أكان أبو حنيفة مرجئاً؟! قال: نعم،
قلت: أكان جهمياً؟ قال: نعم، قلت: فأين أنت منه؟ قال: إنما كان أبو حنيفة
مدرساً فما كان من قوله حسناً قبلناه، وما كان قبيحاً تركناه)). قال الأستاذ
(ص٤٦): ((عامل أرمينية في عهد الرشيد وقد حاق بالمسلمين ما حاق من البلايا
هناك من سوء تصريف هذا العامل شئون الحكم وابتعاده في الحكم عن الحكمة
والسداد كما في (تاريخ ابن جرير) وغيره، وليس هو ممن يقبل له قول في مثل
هذه المسائل)).
أقول: حُسْن السياسة شيء، والصدق في الرواية شيء آخر، ولسعيد ترجمة في
(تاريخ بغداد) (ج٩ ص ٧٤) وفيها: (( ... قال العباس بن مصعب: قدم مروّ
زمان المأمون .... وكان عالماً بالحديث والعربية إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس ))
ولو قال الأستاذ: لم يوثق، لكفاه .
٤٦٩

٩٧ ۔ سعيد بن عامر الضبعي. في (تاريخ بغداد) (٣٩٧/١٣) عنه: ( حدثنا
سلام بن أبي مطيع قال: كان أيوب قاعداً في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة فأقبل
نحوه، فلما رآه أيوب قد أقبل نحوه، قال لأصحابه: لا يعدنا بجربه، قوموا .
فتفرقوا)) قال الأستاذ (ص١٠٩): ((في حديثه بعض الغلط كما قال ابن أبي
حاتم)).
أقول: إنما حكى ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ((كان رجلاً صالحاً، وكان
في حديثه بعض الغلط)) وقد وقفت لسعيد على خطأ في إسناد حديث أو حديثين
وذلك لا يضره، وإنما حده أنه إذا خالف من هو أثبت منه ترجح قول الأثبت،
وقد أثنى عليه الإمامان ابن مهدي والقطان، وقال ابن معين: (( ثنا سعيد بن عامر
الثقة المأمون)) ووثقه أيضاً ابن سعد والعجلي وابن قانع حافظ الحنفية، وروى عنه
الأئمة ابن المبارك وأحمد ويحيى واسحاق وأبو خيثمة وعبد الله بن عبد الرحمن
الدارمي وغيرهم .
٩٨ - سفيان بن سعيد الثوري، في (تاريخ بغداد) في ترجمة أبي حنيفة عدة
كلمات منسوبة إلى الثوري فيها غض من أبي حنيفة تعقبها الأستاذ في (التأنيب) بما
تعقبها وفي بعض ذلك ما يؤول إلى الطعن في الثوري، فمن ذلك ما يتعلق
بالإرجاء، وقد ذكرته في قسم الاعتقاديات، ومن ذلك الروايات في أن أبا حنيفة
استتيب من الكفر مرتين، جاءت تلك الروايات عن الثوري وجماعة فتكلم الاستاذ
في الروايات بما لا شأن لنا به هنا، وقال (ص ٦٥): ((روى ابن عبد البر بسنده
عن عبد الله داود الخريبي الحافظ تكذيب استتابته مطلقاً. فليراجع (الانتقاء))).
أقول: تلك الرواية في (الانتقاء) (ص ١٥٠) وهي من طريق محمد بن يونس
الكديمي وقد قال الأستاذ (ص ٦٠): ((الكديمي متكلم فيه راجع (ميزان
الاعتدال )).
أقول: وراجع أيضاً (تهذيب التهذيب)، وحاصل ذلك أن الكديمي ليس بثقة،
٤٧٠

وقد كذبه جماعة .
وقال الأستاذ (ص٦٦): (( وهناك رواية أخرى .... وذلك ما حدثه ابن أبي
العوام الحافظ (؟) عن الحسن بن حماد سجادة قال: حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم
البصري ... )) ثم قال الأستاذ: (( وفي ذلك القول الفصل لأن أبا القاسم بن أبي العوام
الحافظ (؟) صاحب النسائي وسجادة وأبو قطن كلهم من الثقات الأثبات)).
أقول ابن أبي العوام ذكرته في (الطليعة) (ص ٢٧ - ٢٨) فراجعها، ولم
يتعقب الأستاذ في (الترحيب) ذلك بشيء وأي قيمه لتوثيق الكوثري؟! ومع ذلك
فلم يدرك سجادة، لأن سجادة توفى سنة ٢٤١ والنسائي نفسه يروي عن رجل عنه
ويظهر أنه إنما وقع في كتاب ابن أبي العوام: (( حُدِّثت عن الحسن بن حماد سجادة))
فقول الأستاذ: ((وذلك ما حُدَّثه)) حقها أن تقرأ هكذا بالبناء للمجهول فعلى هذا
لا يدرى من شيخ ابن أبي العوام إن كان له شيخ غير نفسه وصح الخبر عنه .
ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات عن الثوري والاوزاعي قال: ((ما ولد
في الإسلام مولود أشأم على هذه الأمة من أبي حنيفة)) فقال الأستاذ (ص ٧٢):
((لو كان هذا الخبر ثبت عن الثوري والأوزاعي لسقطا بتلك الكلمة وحدها في
هوة الهوى والمجازفة كما سقط مذهباهما بعدهما سقوطاً لا نهوض لهما أمام الفقه
الناضج وقد ورد: لا شؤم في الإسلام، وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير الثلاث
الواردة في السنة وأن صاحبنا مشؤم فمن أين لهما معرفة أنه في أعلى درجات
المشؤمين .... ))
أقول: لم يريدا الشؤم الذي نفاه الشرع وإنما أرادا الشؤم الذي يثبته الشرع
والعقل، إذا كان في أخلاق الإنسان وأقواله وأفعاله ما من شأنه ديانة وعادة وقوع
الضرر والمصائب بمن يصحبه ويتبعه ويتعدى ذلك إلى غيرهم، ووقع ذلك ولم يزل
ينتشر ودلت الحال على أنه لن يزال في انتشار، صح أن يقال إنه مشؤم، وإذا ظنَّ
أن ما يلحق الأمة من الضرر بسبب رجل آخر صح أن يقال: إنه لم يولد مولود
٤٧١

أشأم على الأمة منه، كان الثوري والأوزاعي كجمهور الأئمة قبلهما وفي عصرهما
يريان الإرجاء وردَّ السنة بالرأي والقولَ ببعض مقالات الجهمية كلَّ ذلك ضلالة
من شأنها أن يشتد ضررها على الأمة في دينها ودنياها، ورأيا صاحبكم وأتباعه
مخطئين أو مصيبين جادّين في نشر ذلك، ولا تزال مقالاتهم تنتشر وتجرّ الى ما هو
شر منها حتى جرت قوماً الى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقاً، وآخرين الى
رد الأخبار مطلقاً كما ذكره الشافعي، ثم جرت الى القول بأن النصوص الشرعية لا
يحتج بها في العقائد! ثم الى نسبة الكذب الى أنبياء الله عز وجل واليه سبحانه كما
شرحته في قسم الاعتقاديات .
شاهد الثوري والأوزاعي طرفاً من ذلك ودلتهما الحال على ما سيصير إليه الأمر
فكان كما ظنا، وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي
أصحابكم ينسبون أقوالهم الى صاحبكم؟ وفي كتاب (قضاة مصر) طرف من
وصف ذلك، وهل جر الى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة؟ وأي ضر نزل
بالأمة أشد من هذه المقالات؟
فأما سقوط مذهبيهما، فخيرة اختارها الله تبارك وتعالى لهما، فإن المجتهد قد
يخطىء خطأ لا يخلو عن تقصير، وقد يقصر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليد
الذي نرى عليه كثيراً من الناس منذ زمان طويل، الذي يتعسر أو يتعذر الفرق بينه
وبين اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، فقد يلحق المجتهد كفل من تلك
التبعات، فسلم الله تعالى الثوري والأوزاعي من ذلك، فأما ما يرجى من الأجر على
الاتباع في الحق فلهما من ذلك النصيب الأوفر بما نشراه من السنة علماً وعملاً،
وهذه الأمهات الست المتداولة بين الناس حافلة بالأحاديث المروية من طريقهما
وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد! وقد قال الإمام أبو عبد الله
محمد بن إسماعيل البخاري في (تاريخه الكبير) في ترجمة الثوري: ((قال لنا عبدان
عن ابن المبارك: كنت إذا شئت رأيت سفيان مصلياً، وإذا شئت رأيته محدثاً، وإذا
شئت رأيته في غامض الفقه. ومجلس شهد ( في التاريخ الصغير ص ١٨٧ : شهدته)
٤٧٢

ما صُلي فيه على النبي ◌َ ◌ّمِ. يعني مجلس النعمان)). ولهذه الحكاية طرف في (تاريخ
بغداد) و(تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم وغيرهما .
وقد علمنا كيف انتشر مذهبكم، أوَّلاً: أولع الناس به لما فيه من تقريب
الحصول على الرئاسة بدون تعب في طلب الأحاديث وسماعها وحفظها والبحث عن
رواتها وعللها وغير ذلك، إذ رأوا أنه يكفي الرجل أن يحصل له طرف يسير من
ذلك ثم یتصرف برأيه، فإذا به قد صار رئيساً!
ثانياً: ولي أصحابكم قضاء القضاة فكانوا يحرصون على ان لا يولوا قاضياً في
بلد من بلدان الاسلام إلا على رأيهم، فرغب الناس فيه ليتولوا القضاء، ثم كان
القضاة يسعون في نشر المذهب في جميع البلدان .
ثالثاً: كانت المحنة على يدي أصحابكم واستمرت خلافة المأمون وخلافة
المعتصم وخلافة الواثق، وكانت قوى الدولة كلها تحت إشارتهم فسعوا في نشر
مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع الأقطار، وعمدوا الى من يخالفهم في الفقه
فقصدوه بأنواع الأذى ولذلك تعمدوا أبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر عالم الشام
وارث فقه الأوزاعي(١) والامام أحمد بن حنبل حامل راية فقه الحديث(٢) وأبا
يعقوب البويطي خليفة الشافعي (٣) وابن عبد الحكم وغيره من المالكية بمصر، وفي
كتاب (قضاة مصر) طرف مما صنعوه بمصر وفي ذلك يقول الشاعر يمدح قاضيكم
بمصر:
وفجرت منه منابعاً لم تفجر
ـد بجست العلم في طلابه
ومحمد واليوسفي الأذكر
فحميت قول أبي حنيفة بالهدى
(١) تأتي ترجمته وقد حمل إلى العراق وهدد بالقتل ثم اودع السجن حتى مات.
(٢) قصته معروفة .
(٣) حمل من مصر في القيود والاغلال ثم أودع السجن مقيداً الى انصاف ساقيه مغلولة يداه
الى عنقه الى أن مات .
٤٧٣

زفر القياس أخى الحجاج الأنظر
وفتى أبي ليلى وقول قريعهم
ومقالة ابن علية لم تصحر
وحطمت قول الشافعي وصحبه
عرض الحصير فإن بدا لك فاشبر
ألزقت قولهم الحصير فلم يجز
أخلتها فكأنها لم تذكر
والمالكية بعد ذكر شائع
ثم ذكر إكراه علماء مصر على القول بخلق القرآن وغير ذلك، راجع كتاب
(قضاة مصر) (ص ٤٥٢).
رابعاً: غلبت الأعاجم على الدولة فتعصبوا لمذهبكم لعلة الجنسية وما فيه من
التوسع في الرخص والحيل!
خامساً : تتابعت دول من الأعاجم كانوا على هذه الوتيرة .
سادساً: قام أصحابكم بدعاية لا نظير لها واستحلوا في سبيلها الكذب حتى على
النبي عَّه، كما نراه في كتب المناقب.
سابعاً: تمموا ذلك بالمغالطات التي ضرب فيها الكوثري المثل الأقصى في
(تأنيبه) كما شرحت أمثلة من ذلك في (الطليعة) وفي هذا الكتاب، ومر بعضها في
هذه الترجمه نفسها .
فأما النضج الذي يدعيه الأستاذ فيظهر نموذج منه في قسم الفقهيات، بل في
المسألة الأولى منها !
وقد كان خيراً للأستاذ ولأصحابه ولنا وللمسلمين أن يطوى الثوب على غرة،
ويقر الطير على مكناتها (١) ويدع ما في (تاريخ بغداد) مدفوناً فيه، ويذر النزاع
الضئيل بين مسلمي الهند مقصوراً عليهم ويمتثل قول زهير :
وما هو عنها بالحديث المرجم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقْتم
وتضر إذا أضريتموها فتضرم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمةً
(١) کذا الاصل علی و کناتها، ولكل وجه صحیح. زهير.
٤٧٤

وتلقح كَشْحاً(١ ثم تنتج فتتم
فتعرككم عرك الرحى بثُفالها
كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم
قرى بالعراق من قفيز ودرهم
فتغلل لكم مالا تغل لأهلها
وقد جرنى الغضب للسنة وأئمتها الى طرف مما أكره، وأعوذ بالله من شر نفسي
وسيء عملي، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لنا وَلإِخْواننا الَّذينَ سَبَقُونا بالإِيمانِ ولا تَجْعَل في
قُلوبنا غِلاَّ لِلذَّين آمنوا رَبَّنَا إِنَّك رَؤُوفٌ رحيم﴾ (٢) .
ومن أحب الوقوف على فضائل الثوري والأوزاعي فليراجع تراجهما في
(تقدمة الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، و(تهذيب التهذيب) وغير ذلك، ولنتبرك
بذكر طرف منها: قال شعبة وابن عيينة وابن معين وغير واحد من الأئمة: ((سفيان
أمير المؤمنين في الحديث)) وقال عبد الله بن المبارك: ((كتبت عن ألف ومائة شيخ
ما كتبت عن أفضل من سفيان))، ثم قال: ((ما رأيت أفضل من سفيان)). وقال
عبد الله بن داود الخريبي: (( ما رأيت أفقه من سفيان)).
وقال أبو إسحاق الفزاري: ((ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي والثوري ....
ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي .. وكان والله إماماً إذ لا نُصيب اليوم
إماما)). وقال ابن المبارك: ((لو قيل لي اختر لهذه الأمة لاخترت الثوري
والأوزاعي، ثم لاخترت الاوزاعي لأنه أرفق الرجلين)) وقال الخريبي: ((كان
الأوزاعي أفضل أهل زمانه)).
٩٩ - سفيان بن عيينة. شارك الثوري في بعض الكلمات التي نقمها الأستاذ،
"ولا حاجة لذكر ذلك هنا ولعلك ترى طرفاً منه في مواضعه، وأكتفي بالنظر فيما
ذكره الأستاذ في (الترحيب) (ص ٢٧) قال: ((لم أذكر في (التأنيب) أن سفيان بن
عيينة نفسه كان قد اختلط قبل وفاته بسنة أو أكثر فيمكن أن يقع منه هذا التخليط
في عام الاختلاط )).
(١) في شرح المعلقات: كشافاً. والكل صحيح. زهير.
(٢) الحشر (١٠).
٤٧٥

أقول: قال الذهبي في (الميزان): ((روى محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن
يحيى بن سعيد القطان قال: أشهد أن سفيان بن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة
فمن سمع منه فيها فسماعه لا شيء .. قلت: سمع منه فيها محمد بن عاصم صاحب
ذاك الجزء العالي، ويغلب على ظني أن سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل سنة
سبع، وأما سنة ثمان وتسعين ففيها مات ولم يلقه أحد فيها لأنه توفي قبل قدوم
الحاج بأربعة أشهر؛ وأنا أستبعد هذا الكلام من القطان وأعده غلطاً من ابن عمار،
فإن القطان مات في صفر من سنة ثمان وتسعين وقت قدوم الحاج، ووقت تحديثهم
عن أخبار الحجاز، فمتى تمكن يحيى بن سعيد من أن يسمع اختلاط سفيان ثم يشهد
عليه بذلك والموت قد نزل به؟ فلعله بلغه ذلك في أثناء سنة سبع: مع أن يحيي
متعنت جداً في الرجال، وسفيان فثقة مطلقاً والله أعلم)). قال ابن حجر في (تهذيب
التهذيب): ((ابن عمار من الأثبات المتقنين وما المانع أن يكون يحيى بن سعيد سمعه
من جماعة ممن حج في تلك السنة واعتمد قولهم وكانوا كثيراً فشهد على
استفاضتهم؟ وقد وجدت عن يحيى بن سعيد شيئاً يصلح أن يكون سبباً لما نقله عن
ابن عمار في حق ابن عيينة، وذلك ما أورده أبو سعيد ابن السمعاني في ترجمة
إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من (ذيل تاريخ بغداد) بسند له قوي الى عبد الرحمن
ابن بشر بن الحكم قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لابن عيينة: كنت تكتب
الحديث وتحدث اليوم وتزيد في اسناده أو تنقص منه؟ فقال: عليك بالسماع الأول
فإني قد سئمت. وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة (كتاب الايمان) لأحمد ان
هارون بن معروف قال له: إن ابن عيينة تغير أمره بأخرة، وإن سليمان بن حرب
قال له: إن ابن عيينة أخطأ في عامة حديثه عن أيوب)) .
أقول: كان ابن عيينة بمكة والقطان بالبصرة ولم يحج القطان سنة سبع فلعله حج
سنة ست، فرأى ابن عيينة قد ضعف حفظه قليلاً فربما أخطأ في بعض مظان الخطأ
من الأسانيد وحينئذ سأله فأجابه كما أخبر بذلك عبد الرحمن بن بشر، ثم كأنه بلغ
القطان في أثناء سنة سبع أو اوائل سنة ثمان أن ابن عيينة أخطأ في حديثين فعد
٤٧٦

ذلك تغيراً، وأطلق كلمة ((اختلط)) على عادته في التشديد .
وقد كان ابن عيينة أشهر من نار على علم، فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحي
لسارت بذلك الركبان وتناقله كثير من أهل العلم وشاع وذاع، وهذا ( جزء محمد بن
عاصم) سمعه من ابن عيينة في سنة سبع، ولا نعلمهم انتقدوا منه حرفاً واحداً،
فالحق أن ابن عيينة لم يختلط، ولكن كبر سنه فلم يبق حفظه على ما كان عليه فصار
ربما يخطيء في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في اتقانها كحديثه عن أيوب، والذي
يظهر أن ذلك خطأ هين، ولهذا لم يعبأ به أكثر الأئمة ووثقوا ابن عيينة مطلقاً .
ومع هذا فالحكاية التي تكلم فيها الأستاذ هي واقعة جرت لابن عيينة أخبر بها
وليس ذلك من مظان الغلط، وراويها عنه ابراهيم بن بشار الرمادي من قدماء
أصحابه، قال أبو عوانة في (صحيحه) (ج ١ ص ٣٦٥): ((كان ثقة من كبار
أصحاب سفيان وممن سمع قديماً منه)).
ومناقب ابن عيينة، في الكتب المشار إليها في ترجمة الثوري وغيرها، ومن ذلك
قال ابن وهب صاحب الإمام مالك: ((ما رأيت أحداً أعلم بكتاب الله من ابن
عيينة))، وقال الشافعي: ((ما رأيت أحداً من الناس فيه من آلة العلم ما في ابن
عيينة، وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه))، وقال أحمد: ((ما رأيت أحداً أعلم
بالقرآن والسنن منه)).
١٠٠ - سفيان بن وكيع. في (تاريخ بغداد) (٣٧٩/١٣) عنه قال: ((جاء
عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حماداً يقول بعث ابن أبي
ليلى الى أبي حنيفة فسأله عن القرآن فقال: مخلوق، .... )) قال الأستاذ (ص ٥٧):
((كان وراقه كذاباً يدخل في كتبه ما شاء من الأكاذيب فيرويها هو فنبهوه على
ذلك وأشاروا عليه أن يغير وراقه فلم يفعل فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند
النقاد)).
أقول: حسن الترمذي بعض أحاديثه وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال:
٤٧٧

((كان شيخاً فاضلاً صدوقاً إلا أنه ابتلي بوراق سوء .... وهو من الضرب الذين
"لأن يخر أحدهم من السماء أحب إليهم من أن يكذبوا على رسول الله ◌َّهِ)). وذكر
له ابن عدي خمسة أحاديث معروفة إلا أن في أسانيدها خللاً ثم قال: «إنما بلاؤه
أنه كان يتلقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه أو مرسل
يوصله أو يبدل رجلاً برجل)) والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين،
ولا من مظنة الإدخال في الكتب، فإذا صح أن هذا الرجل صدوق في نفسه لم يكن
في الطعن فيه بقصة الوراق فائدة هنا، وأكبر ما في الحكاية قول أبي حنيفة المقالة
المذكورة والأستاذ یثبت ذلك ویتبجح به .
١٠١ - سلام بن أبي مطيع؛ مرت الإشارة الى روايته في ترجمة سعيد بن
عامر. قال الاستاذ (ص١٠٩): ((قال ابن حبان لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به .
وقال الحاكم: منسوب الى الغفلة وسوء الحفظ)).
أقول هذا رجل من رجال (الصحيحين) منسوب الى العقل لا الى الغفلة فكأن
الحاكم صحف، قال أبو داود: ((كان يقال هو أعقل أهل البصرة)) وقال البزار:
((كان من خيار الناس وعقلائهم)) وقال أحمد وأبو داود: ((ثقة)) وقال ابن عدي:
(( لم أر أحداً من المتقدمين نسبه الى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها
أحاديث ليست بمحفوظة وهو مع ذلك کله عندي لا بأس به)) .
فكأن ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريباً فأطلق، وروايته هنا ليست
عن قتادة، وإنما هي قصة جرت لأيوب شهدها سلام وليس ذلك من مظنة الغلط .
( راجع ص ٩).
١٠٢ - سلامة بن محمود القيسي. في (تاريخ بغداد) (٣٧٤/١٣) عنه
(( حدثنا عبد الله بن محمد بن عمرو قال سمعت أبا مسهر يقول كان أبو حنيفة رأس
المرجئة)). قال الأستاذ (ص ٤٥): ((من الزهاد المستثنين في كل شيء إلا في مثل
هذا »!
٤٧٨

أقول: يعني أن الرجل منهم كان إذا قال: أنا مؤمن. قال: إن شاء الله . وليس
هذا بقادح، وقد ذكرت هذه المسألة في قسم الاعتقاديات (١) .
١٠٣ - سلمة بن كلثوم في (تاريخ بغداد) (٣٩٧/١٣) من طريق أبي توبة
((حدثنا سلمة بن كلثوم وكان من العابدين ولم يكن في أصحاب الأوزاعي أحيا منه
قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة: الحمد لله إن كان لينقض الإسلام عروة
عروة)). قال الأستاذ (ص ١٠٩): ((يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم)) .
أقول عبارة الدارقطني على ما في (التهذيب) ((يهم كثيراً)) وليست حكايته هذه
مظنة للوهم، وقد توبع عليها. وراجع (ص٩). وقال أبو اليمان ((كان يقاس
بالأوزاعي)» (٢) .
١٠٤ - سليمان بن عبد الله. في (تاريخ بغداد) (٣٨٢/١٣) من طريق ((أحمد
ابن مهدي حدثنا أحمد بن ابراهيم حدثني سلم ( وفي طبعة الهند : سليمان) بن عبد الله
حدثنا جرير عن ثعلبة .... )) وفيه (٣٩٨/١٣) مثل هذا السند وفيه («سليمان بن
عبد الله)) باتفاق النسخ، قال الأستاذ (ص ٦٥): ((واه إن كان سلم بن عبد الله
الزاهد، وليس بشيء إن كان سليمان بن عبد الله الراقي، وإن كان غيرهما
فمجهول)) وقال (ص ١١٠): ((هو أبو الوليد الرقي قال ابن معين: ليس بشيء)).
أقول ذكر الذهبي في (الميزان) سليمان بن عبيد الله أبا أيوب الرقي، وذكر قول
ابن معين ((سليمان بن عبيد الله الرقي ليس بشيء)) وذكر قبله بتراجم («سليمان بن
عبد الله أبو الوليد الرقي قال ابن معين: ليس بشيء)) تعقبه ابن حجر في (اللسان)
في هذا فقال: ((ما أعلم أن هذا غير أبي أيوب أم لا؟ بل لعله هو فقد ذكر المؤلف
(١) سلم بن سالم الباهلي. لم أجده. سلم بن عبدالله - يأتي في سليمان بن عبدالله.
(٢) سليم بن عيسى راجع (الطليعة) ص ٥١ - ٥٣ . سليمان بن حسان الحلبي. راجع
( الطليعة ) ص ٤٦ .
٤٧٩

في ترجمته قول ابن معين هذا)). وابن حجر واسع الاطلاع وقد استدرك على
الذهبي عدة أوهام، ويظهر أن الذهبي كان إذا ظفر باسم في مطالعاته قيده في
مذكرته ليلحقه في موضعه من (الميزان) فقد يقع التصحيف والوهم إما من المأخذ
الذي نقل عنه الذهبي وإما من سرعة كتابة الذهبي في مذكرته .
وعلى كل حال فقد جازف الأستاذ بجزمه أن الواقع في السند هو هذا الذي
ذكره الذهبي لإنه إن كان هذا الذي ذكره الذهبي لا وجود له فواضح، وإن كان
موجوداً فلا یدری في أي عصر کان، وعمن روی، ومن روی عنه، ولیس هو من
بلد أحمد بن ابراهيم، ولا من بلد جرير، وهذا الاسم (( سليمان بن عبد الله )) لیس
بغريب حتى يقل الاشتراك فيه؛ أرأيت لو قال قائل: بل المذكور في السند هو
سليمان بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن أبي داود
الحراني لأنه موجود قطعاً وكان في تلك الطبقة قطعاً ألا يكون هذا أقرب من قول
الأستاذ بكثير؟ وحينئذ يضج الأستاذ ويقول: هذا سعي في تصحيح المثالب التي
يأبى العقل صحتها . فنقول له: إن كان العقل الذي يعرفه الناس فلا يضرك معه أن
يكون هذا الواقع في السند هو الحراني أو من هو أثبت منه لأن الخبر المخالف
للعقل لا يقبل ولو من الثقة كما ذكرته أنت في (الترحيب)، وإذا تفرد الثقة بما لا
يقبل حمل على الخطأ واسترحت منه؛ وإن كان المراد بالعقل ما يسميه الناس الهوى
فليس لك أن تتبعه، فإن لم تستطع إلا اتباعه فعلى الأقل لا ترم بدائك من هو
أقرب الى الحق منك، فإن صح أن له هوى مضاداً لهواك فليس لك أن تلومه؛
هَبُ أن الناس أعطوك حكمك أن لك أن تتبع هواك وتنكر على من خالفك فهل
يبلغ من ذلك أن يدعوك تنكر على مخالفك ما هو حق لا شبهة فيه، ولا يمكنك أن
تجحده بقلبك وإن جحدته بلسانك، كأن يقال إن المتنين المرويين بهذا السند قد
رويا وما في معناهما من طرق أخرى قوية قد ذكرتها أنت أو بعضها في (تأنيبك).
بل لعل أحدهما متواترٌ التواتر في اصطلاح أهل العلم لا في اصطلاحك الخاص إن
حسنا الظن بك، فإنك تطلق كلمة ((متواتر)) على ما يشتهر في كتب المناقب وإن
كان أصله مما لا تقوم به الحجة!
٤٨٠