Indexed OCR Text
Pages 361-380
سئل عن ثروته وانفاقه فقال: ((نشأت وحفظت القرآن وسمعت الحديث وكنت أتبزز فوافاني رجل من تجار البحر فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت: نعم، فقال: قد رغبت في تسليم مالي إليك لتتجر فيه، فما سهل الله من فائدة فهي بيننا، وما كان من جائحة كانت في أصل مالي، وسلم إليّ البرنامجات بألف ألف درهم ... ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة يحمل إليّ مثل هذا والبضاعة تنمى فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها، قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر فإن قضى الله عليّ بما قضاه على خلقه فهذا المال لك على أن تتصدق منه وتبني المساجد وتفعل الخير )). ففي أي سن ترى اشتهرت أمانة دعلج وديانته وحذقه بالتجارة حتى يأتمنه تاجر سمع به ولم يعرفه على مثل ذلك المال؟ ويكفيك النظر في عادات الناس تعلم أن الرجل لا يكاد يرسخ في التجارة ويتوفر رأس ماله وتسخو نفسه بالانفاق إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف إذا لاحظت أن دعلجاً لم يكن متجرداً للتجارة، بل كان كثير التطواف لسماع الحديث، والأبار توفي سنة ٢٩٠ أي وسن دعلج ثلاثون سنة، وعاش دعلج بعده فوق ستين سنة فإنه توفي سنة ٣٥١ والظاهر مما ذكروه من أنه أقام بمكة زماناً أنه لم يسكن بغداد إلا بعد وفاة الأبار بمدة، فبالنظر فيما تقدم يتبين أنه ليس هناك أدنى قرينة تقتضي أن يكون دعلج وصل الأبار بفلس واحد . أما ابن خزيمة فإنه توفي سنة ٣١١ أي بعد وفاة الأبار بأحدى وعشرين سنة، وإنما تجرد للتأليف في العقائد في أواخر عمره وفي (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص ٢٦٢) عن الحاكم عن جماعة: ((لما بلغ ابن خزيمة من السن والرياسة والتفرد بهما ما بلغ، كان له أصحاب صاروا أنجم الدنيا .. فلما ورد منصور الطوسي كان يختلف الى ابن خزيمة للسماع وهو معتزلي ... واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ وقالا: هذا إمام لا يسرع (؟) من الكلام وينهي عنه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه وهو لا يدري فإنهم على مذهب الكلامية ... )) ثم ذكر كلاماً فيه أن ذلك الخلاف كان بعد ضيافة عملها ابن خزيمة ((في جمادى الأولى سنة تسع)) يعني سنة ٣٠٩ وكأن ذاك الخلاف هو الذي دعا ابن خزيمة الى التأليف في العقائد، وعلى كل حال ٣٦١ فالظاهر البين أن أخذ دعلج كتب ابن خزيمة وإفتاءه بقوله إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة . وإنما الثابت أن الأبار كان ساخطاً على أبي حنيفة سخطاً ما كما يدل عليه جمعه ما جمع وذلك شأن أهل الحديث في عصره کالبخاري ويعقوب بن سفيان وزكريا الساجي والعقيلي وغيرهم، فإن صح أن يسمى ذلك عداوة وتعصباً فهي عداوة دينية لا ترد بها الشهادة فكيف الرواية؟ وقد مر إيضاح ذلك في القواعد . قول الأستاذ أن الأبار ((يروي عن مجاهيل بل الكذابين)). أقول: كل من تكلم فيه الأستاذ ممن روى عنهم الأبار ترى تراجمهم في هذا الكتاب فإن صح أن يكون منهم من هو مجهول أو كذاب فلا اعتداد بروايته ولا يضر الأبار ذلك شيئاً، فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم عن محمد بن السائب، وهو من أشهر الناس بالكذب. قول الاستاذ: ((فلا يحتاج القارىء الكريم ... )) أقول: الكريم من اتقى الله عز وجل، وثبوت الإمامة والأمانة كان في عصر الأبار وقبله محل النزاع كما يعلم الاستاذ. والله أعلم . ٢٨ - أحمد بن الفضل بن خزيمة. راجع (الطليعة) (ص ٩١) وفي (معجم الأدباء) (ج ٤ ص ٣٠) عن ابن السمعاني: ((والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي بن المديني ... وطبقتهم ... )). وراجع ترجمة أحمد بن إبراهيم فيما مضى. ٢٩ - أحمد بن كامل القاضي. في (تاريخ بغداد) (٣٧٤/١٣): (( أخبرنا ابن الفضل أخبرنا عبد الله بن جعفر يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب، وأخبرنا ابن الفضل أيضاً أخبرنا أحمد بن کامل القاضي حدثنا محمد بن موسى البربري حدثنا ابن الغلابي عن سليمان بن حرب ... )) قال الأستاذ (ص٤٣): ((وأحمد بن كامل ٣٦٢ القاضي فيه يقول الدارقطني: أهلكه العجب كان متساهلاً في الرواية ربما حدث من حفظه بما ليس عنده، كما رواه الخطيب)). أقول: ذكرت في (الطليعة) (ص٦٩) أن عبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) وغيره (( ... بما ليس عنده في كتابه)) وهذا القيد ((في كتابه)) يدفع القدح فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه)) فلأمر ما حذف الأستاذ ذاك القيد! أجاب الأستاذ في (الترحيب) (ص٥١) بقوله: ((ليس عادة النقاد أن يقولوا لما ليس في كتاب الراوي أنه عنده، فلا يكون سقوط ((في كتابه)) مغيراً للمعنى ولا مقصوداً، فَهِمَ الناقد [ يعني المعلمي] أم لم يفهم)) . أقول: لا يخفى أن الظاهر من قولهم ((عنده)» يتناول ما في كتابه وما في حفظه وعادة النقاد جارية على هذا الظاهر، وتجد أمثلة من ذلك في (تهذيب التهذيب) (ج١ ص ١١٠) ولا حاجة الى تتبع نظائر ذلك ما دام هو الموافق للظاهر كما تقدم . وكفى دليلاً على ذلك تقييد الدارقطني بقوله: ((في كتابه)) فأما القصد فالله أعلم، ولكن القرائن تدل عليه كما مر في ترجمة أحمد بن سلمان . وعلى كل حال فقد ثبت كما اعترف به الأستاذ أن كلمة الدارقطني فيما حدث به أحمد بن کامل ( وليس عنده في کتابه)) لا تتفي أن یکون عنده في حفظه، بل قد تثبت ذلك بمقتضى دليل الخطاب، وبذلك ثبت أنه لا قدح، غاية الأمر أن الدارقطني رأى أنه كان الأحوط لأحمد بن كامل أن لا يحدث بما ليس في كتابه وإن كان يحفظه، وترك الراوي للأحوط لا يقدح فيه، بل إذا خاف أن يكون تركه رواية ما حفظه ولم يثبته في كتابه الأصل كتماناً للعلم وتعريضاً للضياع وجب عليه أن يرويه. وراجع ما تقدم في ترجمة أحمد بن جعفر بن حمدان. وأما قول الدارقطني: ((أهلكه العجب)) ففسرها الدارقطني بقوله: ((فإنه كان ٣٦٣ يختار ولا يضع لأحد من الأئمة أصلاً)) فقيل له: كان جريري المذهب؟ فقال: ((بل خالفه واختار لنفسه وأملى كتاباً في السنن وتكلم على الأخبار)). فحاصل هذا أنه لم يكن يلتزم مذهب إمام معين بل كان ينظر في الحجج ثم يختار قول من رجح قوله عنده . أقول: وهذا أيضاً ليس بجرح بل هو بالمدح أولى، وقد قال الخطيب: ((كان من العلماء بأيام الناس والأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر وتواريخ أصحاب الحديث، قال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله)). أقول فیحق له أن ینشد : إن أكن معجباً فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد ٣٠ - أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروذي. في (تاريخ بغداد) (٤١١/١٣): ((أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن العباس أبو عمر اخزندار حدثنا ابو الفضل جعفر بن محمد الصندلي - وأثنى عليه أبو عمر جدا - حدثني المروذي أبو بكر أحمد [بن محمد ] بن الحجاج: سألت أبا عبدالله - وهو أحمد بن حنبل - عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد، قال: أبو حنيفة أشد على المسلمين من عمرو بن عبيد لأن له أصحاباً)). قال الأستاذ (ص ١٤١): (( ... المروذي هو صاحب الدعوة الى أن المقام المحمود هو إقعاد الرسول سَ لّم على العرش في جنبه تعالى، تعالى الله عما يقول المجسمة علواً كبيراً ... فياسبحان الله متى كان أحمد يقول إن عمرو بن عبيد لا أصحاب له وقد امتلأت البصرة وبغداد بأصحابه وأصحاب أصحابه، وهلم جرا حتى أوقعوا أحمد في تلك المحنة وكان أحمد يترحم على أبي حنيفة ويثني عليه كما سبق من الخطيب (ص ٣٢٧))). أقول: قد أفردت للاعتقاديات قسماً من هذا الكتاب، والمقام المحمود قد ٣٦٤ اختلف السلف في تفسيره وروى ابن جرير في (تفسيره) (ج ١٥ ص ٩٢) - : ((عن مجاهد قال: يجلسه معه على عرشه)) ثم قال: (( ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمداً عَ ظله على عرشه قول غير مدفوع صحته لا من جهة خبر ولا نظر .... )) وأطال في ذلك وأطاب، وقد أعطى الله رسوله في ليلة الاسراء ما أعطى، وقال له: ﴿وَلَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأَولى﴾ (١) . ولم يرد أحمد أن عمرو بن عبيد لا أصحاب له البتة وإنما أراد أنه ليس له أصحاب في مثل غلوه جادين في نشر شرهم، كان عمرو غالياً جداً كما أشرت إليه في الاعتقاديات، ولا أعرف أحداً ممن لقيه وتأثر بكلامه كان غالياً مثله، ولا أعرف أن عمرو بن عبيد تكلم إلا في القدر والوعيد، والمعتزلة الذين ينتسبون إليه لم يوافقوه في غلوه ولكنهم تابعوا جهماً في مسائل لم يتكلم فيها عمرو، والذين دَعوا الى المحنة كبشر المريسي وابن أبي دواد معروفون بأنهم من أصحاب أبي حنيفة واشتهروا بأنهم جهمية، ومسألة القول بخلق القرآن ليست من مسائل عمرو بن عبيد بل هي من مسائل جهم، نعم إن المعتزلة المنتسبين إلى عمرو بن عبيد لاتباعهم له في الجملة وافقوا جهما فيها ولعل من يقول إن دعاة المحنة معتزلة اغتر بموافقتهم المعتزلة في تلك القضية وقضايا أخرى تتفرع عن قول جهم، والصواب أن ينظر في قولهم في القدر والوعيد فإن كانوا لا يوافقون المعتزلة فيهما، وهذا هو الظاهر، فهم جهمية ولا ينبغي أن يسموا معتزلة . وقد كان لهم من إعلان ضلالتهم والدعوة إليها إلى أن جرى ما جرى ما لم يكن للمنتسبين إلى عمرو بن عبيد ما يقاربه، وكانوا ينسبون جهميتهم الى أبي حنيفة، وفي روايات غيرهم عنه اضطراب وقد روى الخطيب من طريق المروذي عن أحمد أنه لم يثبت عنده أن أبا حنيفة قال: إن القرآن مخلوق، فكأنه قوي عنده عدم الثبوت فترحم إن صح ما رواه الخطيب (ص ٣٢٧) وقوي عنده الثبوت مرة فشدد والله أعلم؛ وعلى كل حال فصدق المروذي وأمانته وفضله كلمة وفاق قبل ١ - الضحى (٤) ٣٦٥ الاستاذ كما يعلم من ترجمته في (تاريخ بغداد) وغيره . ٣١ - أحمد بن محمد بن الحسين الرازي؛ يأتي مع محمود بن إسحاق إن شاء الله تعالى . ٣٢ - أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني إمام أهل السنة. قال أحمد الدَّورَقي ((من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام)) ومر في ترجمة الخطيب أن ابن معين بلغه أن الكرابيسي يتكلم في أحمد فقال: ((ومن حسين الكرابيسي لعنه الله .... )) وعن سفيان بن وكيع قال: ((أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق )) وقال ابن أعْيَن: فاعلم بأن ستوره ستهتك وإذا سمعت لأحمد متنقصاً عرض الاستاذ في مواضع بالطعن في عقيده الإمام أحمد وتتبع أصحابه وأصحابهم طاعناً في عقيدتهم ليلجىء من يقرأ كتابه الى اعتقاد الطعن في عقيدة أحمد نفسه، وقد افردت البحث في العقائد بقسم خاص من هذا الكتاب وهو بمثابة تتمة لترجمة الإمام أحمد وأقتصر هنا على ما عدا ذلك. قال الاستاذ (ص ٤): ((من تابع أحمد بن حنبل وذكره بكثرة الحديث فله ذلك لكن كثرة الحديث بمجردها إذا لم تكن مقرونة بالتمحيص والغوص تكون قليلة الجدوى)). أقول: نفيه عن أحمد التمحيص والغوص كذب مكشوف. فإن زعم الاستاذ أنه إنما أراد أن أبا حنيفة كان أبلغ في ذلك؛ قلنا أما تمحيص الروايات لمعرفة الصحيح من السقيم والراجح من المرجوح والناسخ من المنسوخ فأحمد أرجح الأئمة في ذلك لأنه اوسعهم رواية وأعلمهم بأحوال الرواة وعلل الحديث وأعلمهم بآثار الصحابة والتابعين . وأما تمحيص النصوص لمعرفة معانيها فأحمد من أحسن الأئمة معرفة لذلك، ٣٦٦ وهب أن غيره قد يفوقه في هذا فإنما يمحص الإنسان ما يعرفه ويغوص فيما يجده فمن لم يبلغه النص فأي شيء يمحص وفي أي شيء يغوص؟ وقد تقدم في ترجمة الخطيب قول الشافعي لمحمد بن الحسن بعد اعتراف محمد بأن مالكاً كان أعلم بالكتاب والسنة والآثار من أبي حنيفة: (( لم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء ومن لم يعرف الأصول على أي شيء يقيس؟)) وقد ذكر الاستاذ (ص١٣٩) ما نقل عن الشافعي ((ابو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها)) فقال الاستاذ: (( ... ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلاً ففرع عليه المسائل فأصبحت فروع هذا الكتاب غير مقبولة حتى ردها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي وجعله أصلاً ففرع عليه الفروع .... )). أقول: فلم ينفعه في تلك الكتب تمحيصه وغوصه إذ لم يطلع على ما ثبت من السنة وآثار الصحابة . فصل قال الأستاذ (ص٢٦): (( وأما أحمد فدونك (مسائل أبي داود) و(إسحاق بن منصور الكوسج) و(عبد الله بن أحمد) فيا ترى هل يمكنك أن تقرأ صفحة منها على صحة الأصول من غير أن تجابهك خطيئات في اللغة والنحو؟ )) أقول: أما أنا فلم أقف على نسخة من هذه المسائل فإن كان الاستاذ وقف عليها فهل ما وقف عليه هو بخطوط هؤلاء الذين سماهم؟ فإن لم تكن بخطوطهم ولا بخطوط تلامذتهم بل تداولها النساخ والرواة فمن أين يتجه أن يعد ما فيها من خطأ هو من أحمد نفسه؟! ونحن نرى النساخ يغلطون كثيراً حتى في كتابة القرآن مع انهم ينقلون من مصاحف واضحة الخط منقوطة مضبوطة؛ ولم أر أحداً قبل الأستاذ ٣٦٧ حاول الطعن في عربية أحمد ولا نسب إليه شيئاً من اللحن كما نُسب الى غيره من الأئمة! فصل قال الأستاذ (ص ١٤١): ((تفقه أول ما تفقه على أبي يوسف القاضي وكتب عنه ثلاثة قماطر من العلم كما في أوائل (سيرة ابن سيد الناس) و(تاريخ الخطيب) (١٧٧/٣). أقول الذي في (تاريخ الخطيب) في ذاك الموضع (( .... إبراهيم بن جابر حدثني عبد الله بن أحمد قال: كتب أبي عن أبي يوسف ومحمد ثلاثة قماطر، فقلت له: كان ينظر فيها؟ قال: كان ربما نظر فيها، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي))، وهذا لا يعطي أنه تفقه على أبي يوسف فأما الكتابة عنه وعن محمد إن صحت فالظاهر أنه إنما كتب عنهما مما يرويانه من الآثار ومع ذلك لم يرو عن أحد منهما ولا بنى على روايته حكماً، وفي الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما كثير النظر في كتب الواقدي، هذا مع أنه من أسوأ الناس رأياً في الواقدي فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمه فيبحث عنه من غير طريق الواقدي على حد قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأْ فَتَبَيِّنُوا﴾ (١) فلم يأمر بالغاء خبر الفاسق إذ لعله صادق، بل أمر بالتبين فخبر الفاسق يكون تنبيهاً يستدعي الإلتفات إلى ما اخبر به والاستعداد له وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه حتى يبحث عنه فيتبين الحال . فصل قال الأستاذ: ((وكان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن كما ١ - الحجرات (٦). ٣٦٨ روى عنه إبراهيم الحربي على ما في (تاريخ الخطيب) (١٧٧/٣). أقول: الراوي عن إبراهيم غير موثق، على أن محمداً لمهارته في الحساب وشغفه بالدقة كان يفرض القضايا التي لا تكاد تقع مما يحتاج الى دقيق الحساب فیضخم بها كتبه، ومن عرف النصوص الشرعية وفهمها وعلم الأحكام فهو الفقيه، فإن عرضت واقعة يحتاج تفصيل الحكم فيها الى حساب دقيق فاستعان بحاسب لم یکن في ذلك ما يتوهم منه أنه تعلم الفقه من الحاسب . فصل ثم ذكر الأستاذ رواية أن أحمد: ((كان يعيب أبا حنيفة ومذهبه)) ثم قال: ((يقول الملك المعظم: أنا أصدق هذا ، لأن أصحاب أحمد الى يومنا هذا لم يفهم أحد منهم (الجامع الكبير) ولا عرف ما فيه ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه ینکره فخل عنك باقي كتب أصحاب أبي حنيفة)) ثم قال الأستاذ: ((ومن جهل شيئاً [ أنكره و](١) عاداه)) أقول هذا موضع المثل: [ سألته عن أبيه؟ فقال: خالي شعيب!] لم يعب أحمد كل مسألة تكلم فيها أبو حنيفة ولا عاب المسائل الحسابية الدقيقة التي ضخم بها محمد كتبه، وإنما عاب ما يراه مخالفاً للسنة وهذا يتحقق عند أحمد - سواء أفهم أتباعه (الجامع الكبير) لمحمد؟ وهل نظر فيه وتفهمه غيرهم من غير الحنفية؟ وقول الملك عيسى الذي تقدمت الإشارة الى حاله في ترجمة الخطيب: (١) سقطت من قلم المصنف رحمه اللّه تعالى، فاستدركتها من (التأنيب)، وقد سقطت منه في الموضع الآتي ايضاً، ولكنه تنبه لذلك هناك فاستدركه كما يدل عليه أثر الكشط، وفاته الاستدراك هنا . ٣٦٩ ((ومتى وقف على ما فيه فلا شك أن ينكره)) مجازفة، نعم، ينكر ما فيه مما يراه مخالفاً للسنة، وعسى أن يتوقف بعضهم في بعض المسائل الدقيقة، وقول الأستاذ ((ومن جهل شيئاً أنكره وعاداه)) لا محل لها هنا فإن دعوى أن أحمد كان يجهل طريق استدلال أبي حنيفة في القضايا التي رد بها السنة دعوى باطلة، بل أكثر الناس يفهمون ذاك الاستدلال ويعرفون بطلانه كما ستراه في قسم الفقهيات وسترى هناك بعض ما يروى عن أبي حنيفة من مجابهة النصوص بتلك الكلمات التي تدل على ما تدل علیه إن صحت . فصل قال الأستاذ: (( وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض تدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقهاء باعتبار أنه محدث غير فقيه عنده، وأنَّى لغير الفقيه إبداء رأي متزن في فقه الفقهاء . أقول: يشير بهذا الى أن ابن جرير لم ينقل أقوال أحمد في كتابه الذي ألفه في ((اختلاف الفقهاء))، ولأن يعاب بهذا ابن جرير أولى من أن يعاب به أحمد، ولكن عذره أنه كما يعلم من النظر في كتابه إنما قصد الفقهاء الذين كانت قد تأسست مذاهبهم ورتبت كتبهم، ولم يكن هذا قد اتضح في مذهب أحمد فإنه رحمه الله لم يقصد أن يكون له مذهب ولا أتباع يعكفون على قوله وإنما كان يفتي كما يفتي غيره من العلماء، ويكره أن يكتب كلامه، فكانت فتاواه عند موته مبعثرة بأيدي الطلبة والمستفتين وأدركها ابن جرير كذلك، وإنما رتبها وجمعها أبو بكر الخلال وهو أصغر من ابن جرير بعشر سنين . وقول هذا الخائب: ((وأنَّى لغير الفقيه ... )) كلمة أدع جوابها الى القارىء. وفقه أحمد أظهر وأشهر من أن يحتاج الى ذكر شهادات الأكابر، ويغني في ذلك قول الشافعي: ٣٧٠ (( خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد ابن حنبل )» . هذا رأي الشافعي في أحمد قبل أن يموت أحمد بنيف وأربعين سنة . فصل ذكر الاستاذ (ص ١٤٣) ما روي من قول أحمد: ((ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء)) قال الأستاذ: المصدر من ألفاظ العموم عند الفقهاء فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفراً أو بدعة شنيعة ... فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية التي ما نازعه فيها أحد من المسلمين محض كفر لا يصدر عمن له دين)). أقول: هذه مخاطرة فاجرة ومحاولة خاسرة . أولاً: لأن من المعلوم قطعاً أن أحمد لا يمتهن الحق، وإنما روى الناس امتهان الحق عن غيره كما ترى بعض ذلك في (قسم الفقهيات)، والعموم يخص بما هو دون هذه الدلالة بكثير . ثانياً: هبه سلم العموم فمعلوم أن ما في تلك الكلمة إنما هو حكم على القول من حيث هو قول ذاك القائل فلا يتعداها الى حيثية أخرى . ثالثاً: عموم القول لا يستلزم عموم التسوية للصفات فاذا قيل: سواء زيد والأسد، لم يفهم منه إلا التسوية في بعض المعاني وهي الشجاعة؛ فالتسوية بين القول والبعر إنما هي في عدم الاعتداد فمعنى تلك الكلمة إنما هو أن أحمد لا يعتد بقول أبي حنيفة دليلاً أو خلافاً كما لا يعتد بالبعر مالاً؛ فأما عدم اعتداده به دليلاً فلا غبار عليه، ولا يقول أحد إن قول أبي حنيفة دليل شرعي يلزم من بعده من المجتهدين الأخذ به، وأما عدم الاعتداد به خلافاً فكما قاله بعضهم في قول داود ٣٧١ الظاهري، فلو كلف الأستاذ نفسه الاتزان لحمل الكلمة على عدم الاعتداد دليلاً ، ثم يقول: فإن أراد عدم الاعتداد بقول أبي حنيفة خلافاً فغير مسلم له ... هذا وقد ثبت عمن لا يحصى من الأئمة من عظيم الثناء على أحمد ما لم يثنوا به على أحد من الأئمة كما يعلم من كتاب ابن الجوزي و(تاريخ بغداد) وغيرهما وأكتفي ههنا ببعض ما في (تهذيب التهذيب): ((قال ابراهيم بن شماس: سمعت وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذاك الفتى - يعنيان أحمد، وقال القطان: ما قدم علي مثل أحمد، وقال مرة: حبر من أحبار الامة، ... وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع، وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحد غيره يحسن الفقه، وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا، وقال الشافعي ... (قد مرَّ)، وقال عبد الله [ بن داود] الخُريبي: كان أفضل زمانه ... ؛ وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا، وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله، ... وقال العباس بن الوليد بن مزيد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحداً يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا، إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد، ... ، وقال بشر بن الحارث: أدخل الكير فخرج ذهباً أحمر، وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحاً في جسد أفضل من أحمد بن حنبل، وقال أحمد الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام)) . ٣٣ - أحمد بن سعيد بن عقدة. في (تاريخ بغداد) (٣٨٧/١٣): « ... أحمد بن سعيد الكوفي حدثنا ... عن بشر بن مفضل قال: قلت لأبي حنيفة : نافع عن ابن عمر أن النبي عَ ◌ّم قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. قال: هذا رجز. قلت: قتادة عن أنس أن يهودياً رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي عَّه رأسه بین حجرین. قال: هذیان)). وفيه (٤٠٣/١٣) ((عبد الله بن المبارك قال: من نظر في ( كتاب الحيل) لأبي حنيفة أحل ما حرم الله وحرم ما أحل الله)) قال الاستاذ (ص ٧٨): ((وأحمد بن ٣٧٢ سعيد في السند هو ابن عقدة الكوفي شيعي جلد وكلام الخطيب فيه شديد فيلزمه أن لا يعول عليه)) وقال (ص١٢٢): ((حاول بعض الكذابين رواية ( كتاب الحيل) عن أبي حنيفة .... وهو أبو الطيب محمد بن الحسين .... وقد قال مُطَيِّن: إن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب وأقره ابن عقدة .... وقد قوي ابن عدي أمر ابن عقدة ورد على الذين تكلموا فيه، بل قال السيوطي .... من كبار الحفاظ وثقه الناس وما ضعفه إلا عصري متعصب)). أقول: ما نقله عن السيوطي مجازفة، ولم أر في (الميزان) و(اللسان) ما نسبه الى ابن عدي، وابن عقدة لا نزاع في سعة حفظه ومعرفته، قال البرقاني: ((قلت للدارقطني أيش أكثر ما في نفسك من ابن عقدة؟ قال: الإكثار بالمناكير)). وفي (الميزان): ((قرأت بخط يوسف بن أحمد الشيرازي: سئل الدارقطني عن ابن عقدةفقال: لم يكن في الدين بالقوي، وأكذب من يتهمه بالوضع، إنما بلاؤه هذه الوجادات)) وفيه: ((قال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتدين بالحديث لأنه كان يحمل شيوخاً بالكوفة على الكذب يسوي لهم نسخاً ويأمرهم أن يرووها ثم يرويها عنهم))، وفي (اللسان): ((وقال ابن عدي أيضاً: سمعت أبا بكر الباغندي يقول: كتب إلينا ابن عقدة: قد خرج شيخ بالكوفة عنده نسخ الكوفيين، فقدمنا عليه وقصدنا الشيخ فطالبناه بالأصول، فقال: ما عندي أصل وإنما جاءني ابن عقدة بهذه النسخ وقال لي: ارو هذه يكون لك ذكر ويرحل إليك أهل بغداد، قال: وسمعت ابن مكرم يقول لنا عند ابن عثمان بن سعيد في بيت وقد وضع بين أيدينا كتباً كثيرة فنزع ابن عقدة سراويله وملأه منها سراً من الشيخ ومنا فلما خرجنا قلنا: ما هذا الذي تحمله؟ فقال: دعونا من ورعكم هذا)) وفيه أيضاً (( وقال ابن الهراوني (؟) أراد الحضرمي أبو جعفر - يعني مطينا - أن ينشر أن ابن عقدة كذاب ويصنف في ذلك فتوفى رحمه الله قبل أن يفعل )) . أقول: الذي يتحرر من هذه النقول وغيرها أن ابن عقدة ليس بعمدة، وفي ٣٧٣ سرقة الكتب والأمر بالكذب وبناء الرواية عليه ما يمنع الاعتماد على الرجل فيما ينفرد به . وانظر ما يأتي في ترجمتي محمد بن حسین بن حميد ومحمد بن عثمان. ٣٤ - أحمد بن محمد بن الصلت بن المُغَلِّس الحِماني. وقد ينسب الى جده والی أبي جده، ويقال له، احمد بن عطيه وغير ذلك أخرج الخطيب من طريقه في مناقب أبي حنيفة عدة حكايات ثم اخرج عنه (٤١٩/١٣) حكايتين: الأولى: قوله ((سمعت يحيى بن معين وهو يسأل عن أبي حنيفة: أثقة هو في الحديث؟ قال: نعم، ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب وهو أجل قدراً من ذلك)) . الثانية: قوله ((سئل يحيى بن معين: هل حدث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: نعم كان أبو حنيفة ثقة صدوقاً في الحديث والفقه مأموناً على دين الله)). ثم قال الخطيب : ((أحمد بن الصلت هو أحمد بن عطيه وكان غير ثقة)). قال الأستاذ (ص ١٦٥): ((سبق أن تحدثت عن أحمد بن الصلت هذا في هامش (ص ٣٥٣) من (تاريخ الخطيب) ... )) أقول: عبارته هناك: (( وعنه يقول ابن أبي خيثمة لابنه عبد الله: اكتب عن هذا الشيخ يا بني فإنه كان يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة، ... وفي شيوخه كثرة وقد أخذ عنه أناس لا يحصون من الرواة وتحامل ابن عدي عليه كتحامله على البغوي، ولعل ذنبه كونه ألف في مناقب النعمان. وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته والكلام في حقه طويل الذيل، ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسراباً من ورائه يرددون صدى الطاعن أياً كانت قيمة طعنه)). أقول: أما الحكاية عن ابن أبي خيثمة فأعادها الأستاذ في (التأنيب) (ص ١٦٧) ثم اتبعها بقوله: ٣٧٤ ((وهذا مما يغيظ الخطيب جداً ويحمله على ركوب كل مركب للتخلص منه بدون جدوی ». وقد نعيت على الأستاذ في (الطليعة) (ص ٩٣) أنه ((يتعارف المجاهيل ويحتج بروايتهم إذا كانت روايتهم توافق هواه)) ثم ذكرت (ص٩٣) هذه الحكاية وقلت: ((كذا قال ثم لم يبين ما يعرف به أولئك الذين جهلهم الخطيب)). فتعامى الأستاذ في (الترحيب) عن ذلك فلم يذكر فيه شيئاً. فلننظر في سند هذه الحكاية أصحيح هو؟ حتى يسوغ للاستاذ أن يجزم بقوله (( يقول ابن أبي خيثمة)) وماذا قال الخطيب في هذه الحكاية؟ أركب كل مركب للتخلص منها بدون جدوى؟ قال الخطيب (ج ٤ ص٢٠٩): ((أخبرنا علي بن المحسن التنوخي: حدثني أبي: ثنا أبو بكر محمد بن حمدان بن الصباح النيسابوري بالبصرة: حدثنا أبو علي الحسن بن محمد الرازي قال قال لي عبد الله بن أبي خيثمة قال لي أبي أحمد بن أبي خيثمة: أكتب عن هذا الشيخ يا بني فإنه يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة - يعني أبا العباس أحمد بن الصلت المغلس الحماني)). قال الخطيب: ((قلت لا أبعد أن تكون هذه الحكاية موضوعة، وفي إسنادها غير واحد من المجهولين، وحال أحمد بن الصلت اظهر من أن يقع فيها الريبة )). فلندع الجملة الأولى والثالثة، ولننظر في الوسطى، هل جميع رجال السند معروفون ثقات حتى يسوغ للأستاذ أن يعوّل بدون جدوى، وأن يجزم بنسبة ذاك القول الى ابن أبي خيثمة. أما علي بن المحسن وأبوه فمعروفان، فمن أبو بكر محمد ابن حمدان بن الصباح النيسابوري؟ ومن شيخه؟ وهل يعرف لابن أبي خيثمة ابن اسمه عبد الله؟ أما الأول ففي (لسان الميزان) (ج ٥ ص ١٤٧) ((محمد بن حمدان ابن الصباح النيسابوري عن الحسن بن محمد الرازي وعنه علي بن الحسن (صوابه: المحسن) التنوخي قال الخطيب: مجهول)) ولم يتعقبه بشيء، نعم عرفنا محمد بن حمدان هذا بأنه يروي فيكثر عن ابن الصلت صاحب هذه الترجمة وعنه التنوخي، أخرج ٣٧٥ الخطيب في مناقب أبي حنيفة بهذا الطريق عدة حكايات منها في (ص ٣٣٩) مرتين وفي (ص ٣٤٠) و(ص ٤٤٣) و(ص ٤٤٥) و(ص ٣٤٦) و(ص ٣٥٣) و(ص ٣٥٨) وَأَكِلُ الاستنتاج الى القاريء. وأما الثاني: ففي (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٢٥٣) ((الحسن بن محمد بن نصر عثمان بن الوليد بن مدرك الرازي أبو محمد ( كذا) المتطيب، قال: الحاكم قدم نيسابور سنة ٣٣٧ وكان يحدث عن الكُدَيمى وأقرانه بعجائب فمنها .... )) فذكر حكاية قال ابن حجر: ((قلت هذا لا يحتمله الكديمى وإن كان ضعيفاً، وروى الخطيب في (تاريخه) عن علي بن الحسن ( كذا) بن علي التنوخي عن أبيه عن أبي بكر بن أحمد ( كذا) النيسابوري عن الحسن بن محمد الرازي عن محمد (كذا) بن أحمد بن أبي خيثمة حكاية باطلة، وقال: في إسنادها غير واحد من المجهولين وعنى بذلك الحسن بن محمد والراوي عنه)». أقول: وللحسن هذا عجائب في (مناقب أبي حنيفة) للموفق . وأما الثالث: فلم أر أحداً ذكر أن لأحمد بن أبي خيثمة ابناً اسمه عبد الله وما سبق عن ابن حجر من جعله بدل عبد الله ((محمد)) فهل وقع في نسخته من تاريخ الخطيب ((محمد))؟ أم وقع فيها ((أبو عبد الله)) وهي كنية محمد، أم وقع فيها كما في النسخ المطبوع عنها ((عبدالله)) ولكنه ظن أن الصواب ((أبو عبد الله)) وأن كلمة ((أبو)) سقطت من الناسخ، الأشبه هذا الثالث، ولو تم هذا لنجا الثالث من الجهالة والضعف، فإن أبا عبد الله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة معروف ثقة، لكن وجدت الحكاية في (تهذيب تاريخ ابن عساكر) (ج٢ ص ٥٧) وفيها ((عبد الله)) فضعف ما ظنه ابن حجر. هذا حال الإسناد فكيف ترى حال الأستاذ؟. وهب أن الحكاية صحت عن أحمد بن أبي خيثمة فأي شيء فيها؟ لم يعرف ابن أبي خيثمة بالتوقي عن الرواية عن الضعفاء فضلاً عن الكتابة عنهم، بل عامة المحدثين يكتبون عن كل أحد إلا أن منهم أفراداً كانوا يتقون أن يروا إلا عن ٣٧٦ ثقة ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة كما مر في ترجمة الإمام أحمد من نظره في كتب الواقدي. وأحمد بن أبي خيثمة وابنه محمد لو اتجه ظن ابن حجر كانا مشتغلين بجمع (التاريخ)، والتاريخ يحتاج الى مواد وتسامح في الرواية عن الضعفاء، فلو صحت القضية لما كان فيها إلا شهادة ابن أبي خيثمة لابن الصلت أنه كان يكتب معهم من زمان طويل، وبذلك علل [و] أمر ابنه بالكتابة عنه على ما جرت عادتهم من الحرص على الكتابة عن المعمر ولو كان ضعيفاً رغبة في العلو، وعلى كل حال فليس فيها توثيق . قول الأستاذ: ((وفي شيوخه كثرة)). أقول: سيأتي كلام الأئمة فيه وبه تعرف أن من كان في مثل حاله فالناس كلهم شيوخه ! . قوله: ((وقد أخذ عنه أناس لا يحصون)). أقول: أما المذكورون في ترجمته فقليل، ومع ذلك فليس فيهم من عرف بأنه لا يروى عن الساقطين وهذا الكلبي أشهر الرواة بالكذب روى عنه السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة فلم ينفعه ذلك. قوله: (( وتحامل عليه ابن عدي كتحامله على البغوي)). أقول: لا سواء، البغوي وهو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز تأتي ترجمته، تحامل عليه ابن عدي بما ليس بجرح، ثم عاد فأثنى عليه، ووثقه الناس، وابن الصلت جرحه ابن عدي جرحاً صريحاً مفسراً وجرحه الناس كما يأتي، ولم يثن عليه أحد، ومع ذلك فقد رجع الأستاذ حين احتاج الى الكلام في البغوي فلم يعد كلام ابن عدي فيه تحاملاً بل بنى على ذاك التحامل وهول، ورمى البغوي بالكذب !. قوله: ((ولعل ذنبه كونه ألف في مناقب النعمان)». أقول: لم يخب رجاء الأستاذ فإن من ذنب ابن الصلت عندهم أنه خلط في ٣٧٧ المناقب كما يأتي وذلك واضح لكل متدبر، وسيأتي أن أعلى الجارحين لابن الصلت حافظ حنفي !. قوله: ((وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته)) وزاد في (التأنيب) (ص١٦٦): ((بل أخرجه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) (ج ١ ص ٤٥) بسند ليس فيه ابن الصلت)). أقول: في الموضع المذكور من كتاب (العلم): ((وأخبرنا أيضاً عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني المكي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي وأبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ومحمد بن سماعة عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة رحمه الله يقول: حججت مع أبي سنة ثلاث وتسعين ولي ست عشرة سنة ... )) ذكر القصة. فينظر في المخبر لابن عبد البر من هو؟ وفي الصيدلاني فإني لم أجد من وثقه، ومع هذا ففي بقية السند تحريف لم يشر إليه الأستاذ رجاء أن يغتر به من لا معرفة له، فإن الصيدلاني لم يدرك ابن سماعة والعقيلي لم يدرك أبا يوسف ولا ابن سماعة، وعبد الله بن جعفر هذا قد جاء كما يأتي هذا الخبر عنه عن أبيه عن ابن سماعة. فصواب هذه العبارة كما يعلم من (الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية) للقرشي (٢٧٣/١): (( ... العقيلي ثنا أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ثنا (أو: عن) محمد بن سماعة ... )) ترجم القرشي عبد الله بن جعفر هذا أخذاً من هذا الموضع في (كتاب العلم) فقط كما يتضح من مراجعة كلامه؛ ولما شعر أن عبد الله بن جعفر هذا لا يدرى من هو رأى حقاً عليه أن يموه فخلع عليه لقب ((الإمام)) وفي (مناقب أبي حنيفة) للموفق (٢٥/١) عن الجعابي: (( حدثني أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي من كتاب فيه حديث أبي حنيفة حدثنا أبي عن محمد سماعة عن أبي يوسف قال: (( حججت مع أبي سنة ست وتسعين ولي ست عشرة سنة ... )) وذكر القصة، زاد في السند كما مر، وقال: ((سنة ست وتسعين)) وفي كتاب (العلم) و(الجواهر المضيئة) عنه: ((سنة ثلاث وتسعين)) تارة حاول أن يقرب التاريخ من وفاة عبد الله بن الحارث، وتارة راعى المعروف من ٣٧٨ مولد أبي حنيفة؛ وفي (لسان الميزان) و(ذيل اللآليء) للسيوطي من طريق أبي علي الحسن بن علي الدمشقي عن عبد العزيز بن حسن الطبري عن مكرم بن أحمد عن محمد ابن أحمد بن سماعة عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف، فذكر القصة؛ قال في (اللسان): وهو باطل أيضاً .. وللحسن بن علي الدمشقي ترجمة في (لسان الميزان) (٢٣٦/٢) وفي (شرح مسند أبي حنيفة) لعلي قاري: ((الأقرب ما ذكره أبو منصور البغدادي بإسناده عن بلال بن أبي العلاء عنه أنه قال: حملني أبي على عاتقه وذهب الى عبد الله بن الحارث ... )) ولا أدري ما ذاك السند؟ ومن بلال بن أبي العلاء؟ وربما كان عند القوم غير هذا ! . قال الأستاذ: (( فثبت أنه لم ينفرد بروايته فيجب أن تزول نقمة الذهبي عليه بزوال سببها )». أقول: هذا إذا كان سند المتابعة مقبولاً، أما إذا كان ساقطاً فلا يدفع التهمة بل يقال بعضهم وضع، وبعضهم سرق أو وهم أو لُقّن أو أدخل عليه، على أنه إذا كان مقبولاً والمروي منكراً فإن الراوي يبرأ وتلصق التهمة بمن فوقه، ومع ذلك فلا ينفع ابن الصلت زوال تبعة ذلك الحديث عنه الى فوقه لأن له بلايا أخر لا تحصی . قال الأستاذ: ((ولكن لا يمكنهم أن يسامحوه لأنه بروايته الحديث المذكور بطريق أبي حنيفة يثبت أن أبا حنيفة من التابعين حتى عند من لا يكتفي بالمعاصرة أو الرؤية في ذلك وهذا مما لا يمكن مسامحته والصفح عنه ... )). أقول: لخصمك أن يقول أنت أحق بالتهمة وأهلها، بل الأمر أوضح من أن يسمى تهمة ومع ذلك لو جئت بحجة صحيحة لوجب قبولها، فكيف ترجو أن ترد حجج الأئمة باتهامك لهم؟. وفي (التأنيب) (ص ١٦٥) بعد الاشارة الى قول الذهبي في هذا الحديث: ((هذا كذب فابن جزء مات بمصر ولأبي حنيفة ست ٣٧٩ سنين)) قال الأستاذ ((تغافل الذهبي عن ان في مواليد رجال الصدر الأول ووفياتهم اختلافاً كثيراً لتقدمهم على تدوين كتب الوفيات بمدة كبيرة فلا بيت في أغلب الوفيات برواية أحد النقلة، وها هو أُبَيُّ بن كعب رضي الله عنه من اشهر الصحابة اختلفوا في وفاته من سنة ١٨ الى سنة ٣٢ والذهبي يصر على أن وفاته سنة ٢٢ في كتبه جميعاً مع أنه عاش الى سنة ٣٢ وشارك جمع القرآن في عهد عثمان كما يظهر من طبقات ابن سعد، وأين منزلة ابن جزء من منزلة أُبيِّ حتى يبت بوفاة تروى له عن ابن يونس وحده، وقد قال الحسن بن علي الغزنوي ان وفاته سنة ٩٦ كما في (( شرح المسند)) لعلي القاري، ولعل ذلك هو الصواب في وفاته)). أقول الجواب من وجوه: الأول: وقوع الاختلاف في ذلك في الجملة إنما هو بمنزلة وقوعه في أدلة الأحكام لا يبيح إلغاء الجميع جملة بل يؤخذ بما لا مخالف له وينظر في المتخالفين فيؤخذ بأرجحهما، فإن لم يظهر الرجحان أخذ بما اتفقا عليه، مثال ذلك ما قيل في وفاة سعد بن أبي وقاص سنة ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، فإن لم يترجح أحدها أخذ بما دل عليه مجموعها انه لم يعش بعد سنة ٥٨ . فإن جاءت رواية عن رجل انه لقي ((سعداً)) بمكة سنة ٦٥ مثلاً استنكرها اهل العلم، ثم ينظرون في السند فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقته حملوا عليه؛ فابن جزء قيل في وفاته سنة ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، وأرجحها الثاني لأنه قول ابن يونس مؤرخ مصر وهي مع ذلك مجتمعة على أنه لم يعش بعد سنة ٨٨، فلما جاءت تلك الرواية أنه لقي بمكة سنة ٩٦ او ٩٨ استنكرها أهل العلم ووجدوا أحق من يحمل عليه ابن الصلت، فأما قول الغزنوى المتأخر أن ابن جزء توفي سنة ٩٩ فهو من نمط ما في (المناقب) للموفق (ج١ ص٢٦) روى من طريق الجَعَّابي القصة وفيها أن اللقاء كان سنة ٩٦ ثم حكى عن الجعابي أن ابن جزء مات سنة ٩٧ فهذان القولان مع تأخر قائليهما إنما حاولا بهما تمشية القصة، رأيا أن فيها أن اللقاء كان بالموسم وأن المعروف في وفاة ابن جزء أنها بمصر بقرية يقال لها: ((سفط القدور)) كما جاء عن ٣٨٠