Indexed OCR Text

Pages 341-360

التشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم
من يومك المشهود الذي لم ير مثله غم عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به
المحدثين من قلة الفهم؟.
أما ما قاله الخطيب في ترجمتي أحمد والشافعي فلفظه في المطبوع (ج ٤ ص
٤١٢) في ترجمة أحمد: (( .... إمام المحدثين الناصر للدين والمناضل عن السنة
والصابر في المحنة .... )) وفي آخر الترجمة (ج ٤ ص ٤٢٣): ((قد ذكرنا مناقب
أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها فلذلك اقتصرنا في هذا
الكتاب على ما أوردناه منها)) وعبارته في ترجمة الشافعي (ج ٢ ص ٥٦): (( ....
زين الفقهاء وتاج العلماء .... )) فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم
تذكر الشافعي بالحديث فإن كنت لا تراه محدثاً فقد سلبته أعظم الفضائل ولزم من
ذلك سلبه الفقه والعلم الذي يعتد به، وإن كنت تراه محدثاً فقد جعلت أحمد إماماً
له او سيداً للمحدثين مطلقاً فشمل ذلك الفقهاء منهم فلزم أن يكون إمام الفقهاء أو
سيدهم مطلقاً، ومع ذلك لم تذكر الشافعي بنصرة الدين ولا النضال عن السنة، فأما
قولك: ((زين الفقهاء وتاج العلماء)) فلا يدفع ما تقدم لأن المتزين أفضل من الزينة،
ولابس التاج أفضل من التاج .
:*
والصواب أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصلين وإنما الحاصل أن
المترجم يتحرى في صدر الترجمة أشهر الصفات فأحمد لتبحره في معرفة الحديث
وتجرده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لتجرده للفقه كان أشهر
به .
وأما قضية الكرابيسي فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته (ص ٨ ص ٦٤)
عن يحيى بن معين أنه: ((قيل له إن حسينا الكرابيسي يتكلم في أحد بن حنبل، قال
ما أحوجه أن يضرب)) وروى عن يحيى أيضاً أنه قال: ((ومن حسين الكرابيسي لعنه
الله ... )) ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة، ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع
الكرابيسي والتحذير منه، ثم ذكر قصة فيها غض الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين
٣٤١

علي بن أبي طالب، وأن رجلاً رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكذب
الكرابيسي، فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين.
الأولى: تفسير ما تقدم إجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد ، ليتبين أنه
كلام فارغ.
الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي، فمن توهم أن الخطيب حاول انتقاص
أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غض الكرابيسي من فضل علي بن
أبي طالب، محاولة من الخطيب لانتقاص علي! وابن الجوزي يرمي الخطيب وعامة
المحدثين بقلة الفهم وهذه حاله!
وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مهنأ والجماعة الذين سماهم فقد
أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وتتضح براءة الخطيب
مما تخيله ابن الجوزي. وقد وثق الخطيب جمعاً كثيراً بل جمعاً غفيراً من الحنابلة
وأطاب الثناء عليهم، فإن ساغ أن يرمى بالتعصب على الحنابلة لذكره القدح في
أفراد منهم فليسغ رميه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسغ رميه
بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم وقد مر قريباً ما ذكره في
الكرابيسي وهكذا حال بقية المذاهب فهل يسوغ أن يقال إن الخطيب كان يتعصب
لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل بل ينظر في كلامه، قلت فستراه في التراجم.
فصل
قال ابن الجوزي: ((وقد ذكر في ( كتاب الجهر) أحاديث يعلم أنها لا تصح،
وفي ( كتاب القنوت) أيضاً، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثاً يدري أنه
موضوع، فاحتج به ولم يذكر عليه شيئاً، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أنه قال: ((من روى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) (١). وذكر
(١) أخرجه مسلم في مقدمة (صحيحه). ن.
٦
٣٤٢

الكوثري في (التأنيب) (ص ١٠) عبارات أخرى لابن الجوزي تشتمل على زيادة
فذكر مما أخرجه الخطيب في ( كتاب الجهر بالبسملة): ((مثل حديث عبد الله بن
زياد فذكر مما أخرجه الخطيب في (كتاب الجهر بالبسملة): (( مثل حديث عبد الله
ابن زياد بن سمعان وقد أجمعوا على ترك حديثه، قال مالك: كان كذاباً، ومثل
حديث حفص بن سليمان (١)، قال أحمد: هو متروك الحديث)) ومما يتعلق بـ ( کتاب
القنوت): ((ما أخرجه عن دينار بن عبد الله ... عن أنس قال: ما زال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى مات، قال: وسكوته عن القدح
في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين، لأنه يعلم
أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس آثاراً موضوعة لا يحل ذكرها في
الکتب إلا علی سبیل القدح فیه ».
أقول: الجواب من أوجه:
الأول: أن الخطيب إن كان قصد بجمع تلك الرسائل جمع ما ورد في الباب فلا
احتجاج، وإن كان قصد الاحتجاج فبمجموع ما أورده، لا بكل حديث على
حدة .
الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرعه في الحكم بالوضع والبطلان وترى
إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث (الموضوع)).
الثالث: أن من جملة ما أورده في ((الموضوعات)) وحدها أكثر من ثلاثين حديثاً
رواها الامام أحمد في (مسنده) ولعله أورد في (الأحاديث الواهية) أضعاف ذلك،
فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما علمته من كون تلك
الأحاديث موضوعة أو باطلة فما نراك أحسنت الثناء عليه، وعلى ذلك فالخطيب
(١) هو أبو عمر البزاز الأسدي الكوفي القارىء، وهو متروك الحديث كما يأتي في
التعليق . ن.
٣٤٣

· أولى أن يخفى عليه، وإن كنت ترى أن الامام أحمد علم أنها موضوعة أو باطلة ومع
ذلك أثبتها في (مسنده) ولم ينبه عليها فكفى به أسوة للخطيب.
الرابع: لا يلزم من زعم ابن الجوزي أن الحديث موضوع باطل أن يكون
الخطیب یری مثل رأيه .
الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعاً أو باطلاً ولم يتنبه الخطيب
لذلك.
السادس: إذا روي الحديث بسند ساقط لكنه قد روي بسند آخر حسن أو
صالح أو ضعيف ضعفاً لا يقتضي الحكم ببطلانه لم يجز الحكم ببطلان المتن مطلقاً،
ولا يدخل من رواه بالإسنادين معاً في حديث: ((من حدث عني بحديث يرى أنه
كذب فهو أحد الكاذبين)) لأنه لا يرى الحديث نفسه كذباً، وقد يتوسع في هذا
فيلحق به ما إذا كان المتن المروي بالسند الساقط ولم يروَ بسند أقوى لكن قد روي
معناه بسند أقوى، ويقوي هذا أن المفسدة إنما تعظم في نسبة الحكم إلى النبي صلى
الله عليه وآله وسلم مع ظن أنه كذب لا في نسبة اللفظ وشاهد هذا جواز الرواية
بالمعنى .
الأمر السابع: قوله في عبد الله بن زياد بن سمعان: ((أجمعوا على ترك حديثه))
فيه نظر فقد أكثر عنه ابن وهب ووثقه على ما في ( مختصر كتاب العلم لابن عبد
البر) (ص ١٩٩)، ومجموع كلامهم فيه يدل أنه صدوق في الأصل فلا بأس بإيراد
(١)
حديثه في المتابعات والشواهد
.
(١) قلت: بل الصواب فيه انه ضعيف جداً، لا يصلح للاستشهاد به، كما يشير الى ذلك
قول الذهبي في (الميزان): ((تركوه ... قال خ: سكتوا عنه ... وقال احمد: ابراهيم
ابن سعد يحلف ان ابن سمعان يكذب. وروى ابن القاسم عن مالك: كذاب)». وكذا
قال شيخ الإسلام ابن تيمية انه كذاب فهذا جرح مفسر، فتوثیق ابن وهب اياه ان
ثبت عنه، غير مقبول، كما يقتضيه علم المصطلح، وبينه المصنف رحمه اللّه في بحث (٢
۔ التھمة بالكذب) (ص٢٢١ - ٢٢٨). ن.
٣٤٤

وأما حفص فروى عبد الله وحنبل عن أحمد ((متروك الحديث)) وروى عبد الله
أيضاً عن أبيه: ((صالح))، وروى حنبل عن أحمد أيضاً ((ما به بأس)) فيأتي في
حديثه نحو ما مر (١)، وإنما ذكر الخطيب رواية هذين مع عدة روايات عن غيرهما،
والروايات في ذلك معروفة تراها في (سنن الدارقطني) و (سنن البيهقي) وغيرهما،
وفي ذلك آثار عن الصحابة منها الصحيح فما دونه .
وحديث أنس النافي للجهر قد أعل بعدة علل كما ترى ذلك في بحث المعلل من
(تدريب الراوي)(٣) وجمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية بأن الأصل عدم الجهر ولكن
(١) قلت: بل يقال فيه ما سبق آنفاً في ابن سمعان، فقد اتفقوا على تضعيفه ايضا بل
كذبه ابن معين في رواية وابن خراش، ولم يذكروا توثيقه الا عن وكيع، والا ما
ذكره المصنف عن احمد من الروايتين عنه. ومثل هذا التوثيق مما لا يلتفت اليه بعد
اتفاق الجمهور على تجريحه وتكذيب بعضهم له، على انه يمكن حمل التوثيق المذكور على
راو آخر اسمه حفص بن سليمان ايضاً كان نبه على ذلك المصنف في ( كيف البحث عن
احوال الرواة)، ويؤيده أن ابن شاهين حمل قول أحمد ((صالح)) على حفص بن سليمان
المنقري التميمي البصري، كما في (التهذيب) ولكي لا يشتبه هذا بالأول قال ابن
حبان: ((وليس هذا بحفص بن سليمان البزار أبي عمر القاري، ذاك ضعيف، وهذا
ثبت)) . ن.
(٢) قلت: انما أعل حديث أنس من جهة ما جاء في بعض طرقه من الالفاظ التي تدل
بظاهرها على نفي قراءة البسملة اصلا، وهو ما رواه مسلم عن قتادة عنه: (( صليت
خلف ابي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ((الحمد لله رب العالمين)) لا
يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في اول قراءة ولا في آخرها)) فقوله ((لا
يذكرون ... )) ينفي بظاهره قراءتها اصلا، فاعل من اجل ذلك، واما باعتبار الفاظه
الاخرى التي اتفقت على اثبات قراءتها سراً. فليس معلولا . هذا هو الذي انصب
عليه كلام الحافظ السيوطي في الكتاب المذكور: (التدريب) فراجعه متأهلا، على ان
قوله ((لا يذكرون)) يمكن تأويله بنفي ذكرها جهراً كما كانوا يجهرون بالفاتحة، فلا
ينافي حينئذ الالفاظ الاخرى، فعلى هذا فليس الحديث معلا اصلا، وهو حجة في
اثبات قراءتها سراً، وهو الذي اعتمده الحافظ في (( الفتح)» فارجع اليه فإنه مهم . ن.
٣٤٥

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما جهر ليعلم أصحابه وكذلك أصحابه كان
أحدهم ربما جهر ليعلم من يسمعه، وفي (الصحيح) عن أبي قتادة ((كان النبي صلى
الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة
ويسمعنا الآية أحياناً)) والنسائي عن البراء (( ... فنسمع منه الآية بعد الآية ... ))
ولابن خزيمة عن أنس نحوه كما في (فتح الباري) فإسماعه إياهم البسملة في الجهرية
آكد لأنه إذا أسر بها وجهر بما بعدها توهموا أنه تركها البتة، فمن لم يقع له هذا
الجمع أو لم يقو عنده وقوي عنده ما ورد في الجهر فأخذ به مطلقاً كالشافعي فلا
لوم عليه، ومن احتج من أتباعه بما ورد في الجهر بالأسانيد القوية وألحق بها ما
يوافقها مما في سنده نحو ابن سمعان وحفص بن سليمان فلا حرج عليه (١) .
(١) قلت: قد علمت من التعليق السابق رقم (٢)، والذي قبله ان المذكورين واهيان
جداً، لا يستشهد بهما، وما افاده المصنف رحمه اللّه من ورود الجهر بالاسانيد القوية
فيه نظر عندي، لأن البحث الدقيق في أحاديث الجهر قد دل على انها تنقسم الى
قسمين :
الأول: صريح في الجهر، ولكن ليس فيها ما يصح اسناده اصلا، وقد حكى شيخ
الاسلام ابن تيمية في (مجموعة الفتاوى) ((٧٦/١ - ٧٧ طبع الكردي)) اتفاق اهل
المعرفة بالحديث على أنه ليس بالجهر بها حديث صريح، وانما يوجد الجهر بها في
أحاديث موضوعة ... يرويها من جمع هذا الباب كالدارقطني والخطيب وغيرهما،
فإنهما جمعوا ما روي، واذا سئلوا عن صحتها قالوا بموجب علمهم ، كما قال
الدارقطني لما دخل مصر وسئل أن يجمع أحاديث الجهر، فجمعها، فقيل له: هل فيها
شيءٍ صحيح؟ فقال: أما عن النبي ◌َ ◌ّ فلا، وأما عن الصحابة، فمنه صحيح ومنه
ضعيف. وسئل أبو بكر الخطيب عن مثل ذلك فذكر حديث معاوية لما صلى بالمدينة،
وذکر الخطیب انه أقوى ما يحتح به . وليس بحجة کا یأتي بيانه)).
ثم اطال في بیان ضعف اسناده من وجوه فراجعها فيه .
والقسم الآخر: أحاديث غير صريحة في الجهر، وأصح ما ورد فيه كما قال الحافظ في .
((الفتح)) حديث أبي هريرة من رواية نعيم المجمر قال: ((صليت وراء أبي هريرة فقرأ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثم بأم القرآن ... ويقول: اني لأشبهكم صلاة برسول الله =
٣٤٦

وأما حديث ((ما زال رسول الله صلى الله وآله وسلم يقنت في الصبح حتى
مات)) فقد ورد من وجهين آخرين أو أكثر عن أنس، صحح بعض الحفاظ
بعضها(١) وجاء نحو معناه من وجوه أخرى، راجع (سنن الدارقطني)) و((سنن
صلى اللّه عليه وسلم)).
=
فهذا كما ترى ليس فيه ذكر الجهر، وقوله: ((فقرأ)) يحتمل ان يكون قرأها سراً،
ويكون نعيم علم بذلك بقربه منه. فان قراءة السر اذا قويت يسمعها من يلي القارىء
كما قال ابن تيمية .
والخلاصة انه لم يصح في الجهر بالبسملة في الصلاة ما تقوم به الحجة من الحديث
والتفصيل لا يتسع - له في هذا المكان فليراجع من شاء (نصب الراية) (٣٣٥/١ -
٣٥٦) بل قد صح الإسرار بها من حديث انس كما سبقت الاشارة الى ذلك في
التعليق السابق. وللحافظ محمد بن طاهر المقدسى رسالة جيدة في هذه المسألة اختار
فيها الإسرار قال في مطلعها :
((أما بعد، فإن سائلا سألني عن السبب الموجب لترك الجهر بقراءة (بسم الله الرحمن
الرحيم) في أول الفاتحة ... بعد أن كنت أجهر بها ؟ فكان الجواب:
انني لما نشأت، كنت على مذهب أخذته تقليداً، اذ الصبي يكون مذهبه قبل التمييز
مذهب أبويه وأهل بلده، فكنت على ذلك حيناً اعتقد صحته، جهلا مني بطرق
الأحاديث التي هي المرقاة المتوصل بها إلى معرفة ذلك، فلما رزقني الله تعالى من العلوم
أجلها وأنفعها عاجلا وَآجلا، دعاني ذلك الى تناول الصحيح مما نقل عن صاحب
الشريعة وترك ما سواه، وذلك أني تتبعت هذه المسألة واحاديثها للفريقين، فلم أجد
في الجهر بها في الصلاة حديثاً صحيحاً يعتمد عليه أهل النقد ... )).
والرسالة محفوظة في المكتبة الظاهرية، لعل اللّه ييسر لي تحقيقها والتعليق عليها.
(١) يشير المصنف رحمه اللّه تعالى الى الحاكم فهو الذي صحح الحديث من غير طريق دينار،
وتعقبه ابن القيم وابن حجر وغيرهما بأن فيه أبا جعفر الرازي وهو ضعيف سيء
الحفظ، وأما الوجوه الأخرى التي أشار إليها المصنف، فهي واهية جداً لا تصلح
للاستشهاد بها على أن بعضها ليس فيها ذكر القنوت في الصبح والمداومة عليها فليست
شاهداً تاما لو ثبت، وتفصيل هذا في كتابنا: (( سلسلة الأحاديث الضعيفة)) رقم
(١٢٣٨).
٣٤٧

1
البيهقي )) وبمجموع ذلك يقوى الحديث. وقد جمع ابن القيم بينه وبين ما جاء في
ترك القنوت، فإذا أخرج الخطيب الحديث من تلك الأوجه القوية ثم ألحق بها رواية
دينار لم يلزمه أن يبين في ذاك الموضع حال دينار لما مر في الوجه السادس على أنه
قد بين الخطيب في موضع آخر حال دينار وبينه وغيره واشتهر ذلك، وقد بين
الأئمة كالثوري وابن المبارك وغيرهما حال الكلبي ثم كانوا يروون عنه ما لا يرونه
کذباً ولا یذکرون حاله .
وأما النهي من صوم يوم الشك فلم أعثر عليه (١) غير أن الأدلة على ذلك معروفة
في (الصحيحين) وغيرهما وعن الإمام أحمد في صوم يوم الشك إذا كان غيم رواية
أنه لا يصام، واختارها بعض المحققين من أصحابه، فعند الخطيب أن الحكم ثابت
بأحاديث صحيحة وبقية الكلام يعلم مما مر.
وأما قول ابن الجوزي: ((وقاحة عظيمة وعصبية باردة وقلة دين)) فابن الجوزي
أحوج إلى أن يجيب عنها! غفر الله للجميع .
فصل
في (تاريخ بغداد) (١٧٧/٢) ((أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أنبأنا
عثمان بن أحمد الدقاق قال: ثنا محمد بن إسماعيل التمار قال: حدثني الربيع بن سليمان
قال سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه ما خلا محمد بن الحسن؛
أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنبأنا دَعْلَج بن أحمد قال: أنبأنا أحمد بن علي
الأبار قال: حدثني يونس - يعني ابن عبد الأعلى - قال سمعت الشافعي يقول:
ناظرت محمد بن الحسن وعليه ثياب رقاق فجعل تنتفخ أوداجه ويصيح حتى لم يبق له
(١) قلت: الظاهر أنه حديث ((من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم))، فقد اورده
الفتني في (تذكرة الموضوعات) عن (الخلاصة) وقال (ص ٧١): ((هذا كلام عمار
ابن ياسر)). وهو ثابت عنه وقد خرجته في (الإرواء).
٣٤٨

زرّ إلا انقطع قلت: (الصواب: قال) ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي
أن يسكت، قال قلت له: نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبي كان عالماً بكتاب الله ؟
قال: نعم، قال قلت: فهل كان عالماً بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: نعم، قال قلت: أفما كان عاقلاً؟ قال: نعم، قلت: فهل كان صاحبك جاهلاً
بكتاب الله؟ قال: نعم، قلت: وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: نعم، قلت: وكان عاقلاً؟ قال: نعم، قال: قلت: صاحبي فيه ثلاث خصال لا
یستقيم لأحد أن یکون قاضياً إلا بهن، ۔ أو كلاما هذا معناه)) قال الأستاذ (ص
١٨٠) في جملة الكلام على الحكاية الثانية في شأن تغير محمد بن الحسن:
((هذا خلاف ما صح عنه في (انتقاء ابن عبد البر) (ص ٢٤) وخلاف ما
ثبت عن الشافعي بطرق أنه لم ير من لا يتغير عند المناظرة سواه)).
أقول: الذي في ((الانتقاء)) في تلك الصفحة ((حدثنا خلف بن قاسم قال: نا
الحسن بن رشيق قال: نا محمد بن الربيع بن سليمان ومحمد بن سفيان بن سعيد قالا : نا
يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ذاكرت محمد بن الحسن يوماً، فدار بيني
وبينه كلام واختلاف، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تدور وتنقطع أزراره فكان
فيما قلت له يومئذ: نشدتك بالله هل تعلم أن صاحبنا - يعني مالكاً - كان عالماً
بكتاب الله؟ قال: اللهم نعم، قلت: وعالماً باختلاف أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم! قال: اللهم نعم)) فالاختلاف بين الروايتين بالنسبة إلى تغير محمد
اختلاف يسير لا تكاد تخلو عن مثله حكاية تروى من وجهين مختلفين .
أما قول الأستاذ: ((وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق ... )) فقد قدم الخطيب
روايته في ذلك وفي سندها محمد بن إسماعيل التمار قال الأستاذ إنه غير موثق كما يأتي
في ترجمته، ولا منافاة، بل معنى قوله: ((ما ناظرت أحداً إلا تمعر وجهه)) على
العموم فيعم كل مناظر في كل مناظرة، فقول: ((ما خلا محمد بن الحسن)) يصح أن
يراد أنه لم يكن يتمعر وجهه في كل مناظرة فلا ينافي ذلك أنه تغير في مناظرة
واحدة مثلاً .
٣٤٩

ثم ذكر الأستاذ بقية القصة ثم قال: ((لا أدري متى كان أبو حنيفة أو مالك
قاضياً ... ))
أقول هذا هين فإن من لازم أهلية القضاء أهلية الإجتهاد، ثم قال:
(( وتلك العبارة لم ترد في رواية من الروايات أصلاً بل هذه تغيير من الخطيب
حتماً، وقد زاد في الآخر: ((أو كلاماً هذا معناه)) ليتمكن من التملص من تبعة هذا
التحريف الشنيع حينما يهتك ستر وجهه بأن قيل له استقصينا طرق تلك الحكاية من
طريق يونس بن عبد الأعلى وغيره استقصاء لا مزيد عليه فلم نجد تلك العبارة في
شيء منها فتكون أنت غيرت وبدلت، فيجيب الخطيب قائلاً: ما ادعيت أن ما سبق
ذكره هو نص عبارة الرواية بل هذا معناه، وكفى أن نقول لمثل هذا المحرف
المنحرف أفليس في روايتك: ما كان لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن
يسكت، فيكف تتصور أن يوجب محمد بن الحسن الكلام والافتاء على من هو
جاهل بكتاب الله وسنة رسوله ويحرم ذلك على العالم بهما، فيكون مع الخبر ما يبطله
على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... علم علم اليقين منزلة صاحبه عنده من
معرفة الكتاب والسنة )) .
أقول قولك: ((لم ترد في رواية من الروايات أصلاً)) إن أردت الإطلاق فهذه
مجازفة، فإن كثيراً من كتب الحديث فضلاً عن كتب الحكايات منها ما قد فقد
ومنها ما ليس في متناول الأيدي، وحسبك أنك ادعيت الاستقصاء الذي لا مزيد
عليه ومع ذلك فانك في كلامك أثبت الطرق، وهي رواية ابن أبي حاتم عن ابن
عبد الحكم وهي في موضعين من كتاب (تقدمة الجرح والتعديل) الذي نقلت عنه
في غير موضع، منها ما مر في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث، وفي (تهذيب
التهذيب) في ترجمة مالك التنبيه عليها وهو في متناول يدك كل وقت وهذا لفظ
ابن أبي حاتم: ((حدثنا محمد بن عبد الله الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي
محمد بن الحسن أيهما أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن
٣٥٠

أنس، قلت: على الانصاف؟ قال، نعم، قلت: فأنشدك الله من أعلم
بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: قال: صاحبكم، يعني مالك، قلت: فأنشدك
الله من أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله
من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمتقدمين صاحبنا أو
صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي فقلت: لم يبق إلا القياس والقياس لا
يكون إلا على واحد من هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء
یقیس ؟ .
فاتت الأستاذ - مع زعمه أنه استقصى استقصاء لا مزيد عليه - هذه الرواية مع
أن في ترجمة مالك من (تهذيب التهذيب): ((وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن عبد الله
ابن عبد الحكم سمعت الشافعي يقول ... )) نعم نقل الأستاذ متن هذه الرواية عن
كتاب لم تُسنَدْ فيه ولا أشير إلى إسنادها فقال: (( ولفظ ابن أبي إسحاق الشيرازي
في (طبقات الفقهاء) (ص ٤٢) بدون سند قال الشافعي ... )) وذكر الأستاذ رواية
ابن عبد الحكم من وجهين آخرين .
الأول: عن (ص ٢٣) من ( انتقاء عبد البر) من طريق ((ابراهيم بن نصر
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن
الحسن: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ - يعني أبا حنيفة ومالكاً - وما كان على
صاحبكم أن يتكلم وما كان على صاحبنا أن يسكت، قال: فغضبت وقلت : نشدتك
الله من كان أعلم بسنة رسول الله عَ لَّم مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن
صاحبنا أقيس، فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله تعالى وناسخه ومنسوخه وسنة
رسول الله عَ الله من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى
بالكلام)) .
الثاني: عن (مناقب أحمد) لابن الجوزي (ص ٤٩٨) من طريق ((يحيى بن آدم
الجوهري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول:
سمعت محمد بن الحسن يقول: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم
٣٥١

الانصاف؟ قال: بل الانصاف، قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والاجماع
والسنة والقياس، قال: قلت: أنشدك أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ قال:
إذ أنشدتني بالله فصاحبكم، قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله عَ لّه أم
صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا، قلت: فنحن
ندعي القياس أكثر مما تدعونه وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس، قال:
ويريد بصاحبه مالك بن أنس )) .
ثم نقل عن (كتاب ذم الكلام) للهروي رواية أخرى من طريق الربيع عن
الشافعي وبين الألفاظ اختلاف كما هو شأن الرواية بالمعنى، ومثل ذلك يكثر في
رواية الأحاديث النبوية كما سترى أمثلته في ((قسم الفقهيات)) من هذا الكتاب، فما
بالك بالحكايات؟.
وأثبت هذه الروايات وأولاها بأن يكون متنها هو اللفظ الذي قاله الشافعي
رواية ابن أبي حاتم لجلالته ولأنه أثبتها في موضعين من كتابه بلا فرق فدل ذلك أنه
أثبتها في أصله عند تلقيها من ابن عبد الحكم ثم نقلها بأمانتها إلى كتابه المصنف؛
فأما بقية الروايات فلم تقيد في كتاب إلا بعد زمان بعد أن تداولها جماعة من الرواة
وذلك مظنة للتصرف على جهة الرواية بالمعنى، نعم رواية الخطيب من طريق الأبّار
عن يونس مقيدة في مصنف للأبار يرويه الخطيب بذاك السند لكن لم يقم دليل على
أن الأبار أثبتها في أصله عند السماع، إلا أن رواية ابن عبد البر دلت على ضبط
الأبار، وإنما الظاهر أن يونس لم يكتب الحكاية عند سماعها من الشافعي ولم يتقن
حفظها فاتسع في روايتها بالمعنى واحتاط .
وإيضاح ذلك أن القصة مبنية على المفاضلة، والمفاضلة قد يعبر عنها بالجمع كأن
يقال: ((أيهما أعلم)) وقد يعبر عنها بالتفريق كأن يقال: ((أما كان فلان كذا)) ثم
يقال في الآخر: ((فهل كان فلان كذا)) على الوجه الذي يؤدي التفضيل فرواية ابن
عبد الحكم من طرقها الثلاث، وكذا رواية الربيع سلكت طريق الجمع ((أيهما أعلم))
أما يونس فسلك طريق التفريق فوقع في روايته عند الخطيب وابن عبد البر: ((هل
٣٥٢

تعلم أن صاحبي - أو صاحبنا - عالم ... )) فلزم من هذا بحسب الظاهر أن يقال في
المقابل: ((فهل كان صاحبك جاهلاً)) فجرى الأمر على ذلك كما في رواية
الخطيب، وكأن يونس أحس بالخلل في الظاهر فقال في رواية الخطيب: (( أوَ كلاماً
هذا معناه)) فأما في رواية ابن عبد البر فقد يكون الاقتصار من يونس لشعوره
بعدم إتقانه للقصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدث الأبار واستوفى القصة قال: (( أو
كلاماً هذا معناه)) فكذلك لما حدث محمد بن الربيع ومحمد بن سفيان اقتصر على
أولها وترك ما يتبين به الخلل. وقد يكون - وهو الظاهر - الاقتصار من عبد البر،
وذلك لأسباب:
الأول: أن بقية الحكاية ليس من مقصوده في الموضع الذي ذكرها فيه .
الثاني: أن ذكر بقيتها مناف لمقصوده في الانتقاء من الاجمال والمجاملة.
الثالث: أنه شعر بأن في بقيتها خللاً بحسب الظاهر.
أما قولي بأن الخلل بحسب الظاهر فقط فلأن القرائن تدل أن المقصود بكلمة
((جاهل)) الجهل النسبي، وفي (فتح المغيث) (ص ١٦٢): ((فقد يقولون: فلان
ثقة، أو، ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يحتج به ولا ممن يرد، إنما ذاك بالنسبة لمن
قرن معه ... قال عثمان الدرامي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه ... فقال: ليس به بأس، قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد
أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقاً بدليل قوله
أنه لا بأس به، وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري .
وأما احتمال أن يكون الاقتصار من ابن عبد البر فمثل ذلك جائز عند الجمهور
في الحديث النبوي فكيف الحكايات؟ وفي (تدريب الراوي): ((قال البُلْقِيني: يجوز
حذف زيادة مشكوك فيها بلا خلاف وكان مالك يفعله كثيراً تورعاً)).
وأما قولي: إن التغيير من يونس فلوجهين:
٣٥٣

الأول: أن رواية ابن عبد الحكم بطرقها الثلاث ورواية الربيع قد دلت أن
القصة مطولة، وأن موضوعها المفاضلة بين مالك وأبي حنيفة، ورواية ابن عبد البر
من طريق يونس لا تفي بذلك.
الثاني: أن رواية ابن عبد البر قد وافقت رواية الخطيب في التغيير في ذكر ماك
بلفظ ((عالم)) وذلك من يونس إتفاقاً، وهو مقتض كما تقدم أن يقال في مقابلة
((جاهل)) فبان أن هذا أيضاً من يونس؛ ولولا رواية ابن عبد البر، لجاز أن يكون
التغيير من الأبار بأن يكون لما سمع القصة لم يثبتها في أصله ولم يتقن حفظها ، فلما
احتاج إلى ذكرها في مصنفه رواها بالمعنى ولما أحس بالخلل بحسب الظاهر قال:
((أو كلاماً هذا معناه)).
فأما احتمال أن يكون التغيير من الخطيب خطأ فباطل لأوجه:
الأول: ما تقدم من الدلالة على أن التغيير من فوق .
الثاني: أن الخطيب إنما يروي بذلك السند من كتاب معروف للأبار.
الثالث: أن الخطيب لم يكن يتساهل في الرواية من حفظه، وفي (تذكرة
الحفاظ): (ج ٤ ص ٤) ((قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا أحالني
على الكتاب، وقال: حتى أكشفه)) وفي الصفحة التي تليها عن السّلَفي: (( سألت أبا
الغنائم النّرْسِيَّ عن الخطيب! فقال: جبل لا يسأل عن مثله، ما رأينا مثله، وما سألته
عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه)). وفيها (ج ٣ ص ٣١٨) عن
عبد الوارث الشيرازي: (( كنا إذا سألنا عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه
غضب، كانت له بادرة وحشة)).
الرابع: أن الخطيب يعلم عادة المحدثين في تتبع عثرات المحدث مع أنه قد أوغر
قلوب كثير منهم فلو تساهل بالرواية من حفظه لما أخذ من مصنف معروف كما
صنع الاستاذ ذلك في مواضع معتذراً بما تقدم في ترجمة أحمد بن سلمان، لقالوا له:
٣٥٤

هذا الكتاب معروف متداول وليس فيه كما ذكرت، فإن قال: قد قلت: (( أو
كلاماً هذا معناه)) قالوا: لم تبين أن هذا من عندك، وما ذلك فعادتك التثبت الزائد
حتى إذا سُئلت عن شيء أحلت على الكتاب فكيف يعقل أن تتساهل فيما تثبته في
مصنفك ؟.
هذا وقد علمنا أن الأئمة وثقوا الخطيب وثبتوه وبالغوا في إطرائه ولم يعثر له
المتعنتون على أدنى خلل في الرواية، وقد علمت محاولة ابن الجوزي الغض من
الخطيب فلم يظفر بشيء من باب الرواية، وإنما تعنَّت في أمور أخر قد مر ما فيها،
فمحاولة الأستاذ أن ينسب التغيير إلى الخطيب وأنه تعمده تناوش من مكان بعيد .
قول الأستاذ: ((أليس في روايتك. ما كان لصاحبك أن يتكلم ... فكيف
تتصور ... )).
أقول قد يكون هذا من جملة التغيير ويكون الصواب ما في رواية ابن الجوزي
من طريق ابن عبد الحكيم ((ما كان على صاحبكم أن يتكلم)) لكن في رواية الهروي
من طريق الربيع ((قد رأيت مالكاً وسألته عن أشياء فما كان يحل له أن يفتي)) وقد
مر بيان أن كلمة ((جاهلاً)) في رواية الخطيب المراد بها الجهل النسبي وحاصله أنه
دون مالك في العلم بالكتاب والسنة، ومعروف عن أهل الرأي أنهم يؤكدون أمر
الرأي والقياس ويقولون من كان عنده من العلم بالكتاب والسنة ما يكفيه وكان
جيد النظر في الرأي والقياس كان عليه أن يفتي، ومن كان ضعيف النظر في الرأي
والقياس لم يكن له أن يفتي وإن كان أعلم من الأول بالكتاب والسنة؛ وقد أشار
الشافعي في عدة مواضع من كتبه إلى زعم أهل العراق ضعف مالك في القياس ففي
(الأم) (ج ٤ ص ٦): ((أرأيت من نسبتم إليه الضعف من أصحابنا وتعطيل النظر
وقلتم: إنما يتخرص فيلقى ما جاء على لسانه .. )) وفيها (ج ٧ ص ٥٧) ((فسمعت
بعض من يفتى منهم يحلف بالله ما كان لفلان أن يفتي لنقص عقله وجهالته وما كان
يحل لفلان أن يسكت - آخر من أهل العلم)) على أن المحاجة والملاحة التي تبلغ
بالحليم الوقور أن تنتفخ أوداجه وتنقطع أزراره مظنة للاسراف في القول .
٣٥٥

قول الأستاذ ((على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... ))
أقول: قد سلف أنه ليس في تلك الرواية ولا غيرها نفي محمد أن يكون لأبي
حنيفة علم بالكتاب والسنة، وإنما في الروايات كلها أنه دون مالك في ذلك، فأما
العلم بالسنة فيكفي في الشهادة لذلك الموازنة بين ما روى محمد عن أبي حنيفة وما
روي عن مالك، وأما العلم بالكتاب فإن كان في كتب محمد ما ينافي اعترافه
فالأستاذ أحوج إلى أن يجيب عن هذا جواباً معقولاً، ولقائل أن يقول: إن محمداً لما
ضايقه الشافعي وسأله بالله عز وجل وناشده إياه وشرط عليه الانصاف راجع نفسه
فلم يسعه إلا الاعتراف، ولعله جرى في بعض كتبه على الاسترسال في الميل إلى أبي
حنيفة، والحق إن شاء الله تعالى أنه ليس في كتب محمد ما هو صريح في منافاة
اعترافه .
قال الأستاذ: ((ملازمة الشافعي لمالك إلى وفاته لم ترد إلا في خبر منكر ...
والمعروف أنه صحبه إلى أن أتم سماع ((الموطأ)) منه في نحو ثمانية أشهر، وأما محمد
ابن الحسن فقد لازم مالكاً ما يزيد على ثلاث سنين فلا يتصور أن يسأل محمد
ابن الحسن عن الشافعي مبلغ علم أبي حنيفة، ومالك كما وقع في رواية الشيرازي، لأن
أبا حنيفة لم يدركه الشافعي حتى يتحاكم في علمه إليه، وكذلك لم يلازم مالكاً أكثر
من محمد بن الحسن، فالمفاضلة بين الإمامين بصيغة صاحبنا وصاحبكم والحالة هذه
غير مستساغة )) .
أقول: الذي وقع في رواية الشيرازي هو الواقع في أثبت الروايات وهي رواية
ابن أبي حاتم التي فاتت الاستاذ مع زعمه أنه استقصى استقصاء لا مزيد عليه .
وكذلك هي في الوجهين الآخرين عن ابن عبد الحكيم، والشافعي حجازي فلعله عاد
إلى المدينة بعد قراءته (الموطأ) وخروجه منها بل لعله تردد مراراً، وكان الشافعي
يدين أولاً بقول مالك ويذب عنه، فإن لم يكن تلقى جميع ذلك منه فقد تلقى بعضه
منه وبعضه من أصحابه، ومعرفة الشافعي بمبلغ علم أبي حنيفة يكفي فيها نظرة في
كتبه وكتب أصحابه، وسؤال محمد للشافعي ليس على وجه التحكيم بل على وجه
:
٣٥٦

السؤال عن رأيه، والشافعي حجازي كمالك كان أولاً يدين بقوله ثم صار ربما
خالفه مع انتسابه إليه، وحينئذ وقعت القصة، وإنما كثر خلافه لمالك بعد دخلوه
مصر، وذلك بعد موت محمد بن الحسن، ومحمد بن الحسن عراقي كأبي حنيفة ينتسب
إليه ويتبعه في أصوله ويذب عن قوله غالباً، فأي غبار على أن يقول محمد للشافعي
((صاحبكم)) يريد مالكا، و((صاحبنا)) يريد أبا حنيفة؟.
هذا وقد أشار الأستاذ في ما علقه على ((الانتقاء)) لابن عبد البر (ص ٢٤) إلى
الروايات واختلافها ثم قال: ((والملخص من ذلك النظر في الأسانيد والمقارنة بينها
وضرب ما يروى بغير إسناد عرض الحائط)).
ثم حاول عبثاً الرجوع عن هذا القضاء العدل في (التأنيب) (١٨٣) إذ قال:
((ولعل الصواب في الأمر هو ما حكاه القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد العامري في
((مبسوطه)) حيث قال في كتابه المذكور أن الشافعي سأل محمداً: أيما أعلم مالك أو
أبو حنيفة؟ فقال محمد: بماذا؟ قال: بكتاب الله، قال: أبو حنيفة، فقال: من أعلم
بسنة رسول الله عَّه؟ فقال: أبو حنيفة أعلم بالمعاني ومالك أهدى
للألفاظ ... )) !.
مُنىّ ن تكن حقاً تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا
فصل
قال الخطيب (٣٦٩/١٣) بعد ذكر المناقب: ((قد سقنا عن أيوب السختياني
وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبي بكر بن عياش وغيرهم من الأئمة أخباراً
كثيرة تتضمن تقريظ (١) أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة
الحديث عن الأئمة المتقدمين وهؤلاء المذكورين منهم في أبي حنيفة خلاف ذلك)).
(١) الأصل (تقريض) والتصويب من ((الخطيب)).
٣٥٧

فأخذ الاستاذ يتكلم على الروايات ثم يقول: ((وهذا من المحفوظ عند الخطيب))
ویشنع .
فأقول: قال ابن حجر في (النخبة) وقرره السخاوي في (فتح المغيث)
(ص ٨٢):
((فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير
ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله وهو المرجوح يقال له الشاذ ».
فالمحفوظ عندهم ما كان أرجح من مقابله فنقد كلمة الخطيب إنما هي
بالموازنة فإن بان رجحان ما ذكره أخيراً صح كلامه حتى على فرض أن يكون
الثاني ضعيفاً فإن الضعيف أرجح من الأضعف، ولا يضره أن يكون فيا ذكره
أخيراً رواية ساقطة توافق أخرى قوية، أو تكون عمن لم يتقدم في المناقب عنه
شيء، ولا يحتسب على الخطيب ولا له بما عند غيره ولا يؤاخذ في أحوال الرواة
بخلاف اعتقاده واجتهاده فإن مدار صدق كلمته على الرحجان عنده. وقد كنت
جمعت ما في الترجمة عن أيوب والسفيانين وأبي بكر بن عياش ونظرت فيها، ثم
كرهت شرح ذلك هنا لطوله وإن كان فيه إظهار حجة الخطيب وتصديق كلمته .
وأقتصر في ترجمة الخطيب على هذا القدر وأدع الكلمات المفرقة في (التأنيب)
وسينكشف حال غالبها إن شاء الله تعالى .
٢٧ - أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأبار. في (تاريخ بغداد)
(٣٢٥/١٣): ((أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن
سلم الخُتَلي (١) حدثنا أحمد بن على الأبار ... )) قال الأستاذ (ص ١٩): ((والأبار
من الرواة الذين كان دَعْلَج التاجر يدر عليهم الرزق فيدونون ما يروقه للنكاية في
مخالفيه في الفروع والأصول فللأبار قام مأجور ولسان ذلق في الوقيعة في أئمة أهل
الحق، وكفى ما يجده القارىء في روايات الخطيب عنه في النيل من أبي حنيفة
وأصحابه لتعرف مبلغ عداوته وتعصبه، ورواية العدو المتعصب مردودة عند أهل
(١) بضم الخاء المعجمة وبالتاء المثناة من فوق نسبة الى (ختل) قرية بطريق خراسان. ن.
٣٥٨

النقد، كيف وهو يروي عن مجاهيل بل الكذابين في هذا الباب ما ستراه، فلا
يحتاج القارىء الكريم في معرفة سقوط هذا الراوي الى شيء سوى استعراض
مروياته فيمن ثبتت إمامته وأمانته، فكفى الله المؤمنين القتال)).
أقول في (تذكرة الحفاظ) للذهبي (ج ٢ ص ١٩٢): ((الأبار الحافظ الإمام
أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم محدث بغداد، يروى عن مسدد وعلي بن الجعد
وشيبان بن فروخ وأمية بن بسطام ودُحيم وخلق كثير حدث عنه دَعْلَج وأبو بكر
النجاد وأبو سهل بن زياد والقطيعي وآخرون؛ قال الخطيب كان حافظاً متقناً حسن
المذهب، قال جعفر الخلدي: كان الأبار أزهد الناس استأذن أمَّه في الرحلة الى
قتيبة فلم تأذن له فلما ماتت رحل الى بلخ وقد مات قتيبة وكانوا يعزونه على هذا؛
قلت: وله تاريخ وتصانيف مات يوم نصف شعبان سنة تسعين ومائتين)).
رأى الاستاذ في الرواة عن الأبار دعلج بن أحمد السجزي ورأى في ترجمة دعلج
أنه كان تاجراً كثير المال كثير الإفضال على أصحاب الحديث وغيرهم وأنه أخذ
عن ابن خزيمة مصنفاته وكان يفتي بقوله، فاستنبط الأستاذ أن دعلجاً كان متعصباً
لابن خزيمة في الأصول يعني العقائد، وفي الفروع، وابن خزيمة عند الأستاذ مجسم،
وأبو حنيفة عنده منزه، التنزيه الذي يسميه خصومه تعطيلاً وتكذيباً، فعلى هذا
كان دعلج متعصباً على أبي حنيفة للعقيدة وللمذهب معاً! ثم استنبط الأستاذ في
شأن الأبار أنه جمع ما جمعه في الغض من أبي حنيفة تقرباً الى دعلج المثري المنفق،
وأن دعلجاً كان يوسع العطاء للأبار لأجل ذلك!
فأقول: لا يخفى على عارف بالفقه والحديث أنه يكفي في رد هذه التهمة أن
يبين أن الأبار ودعلجاً من الحفاظ المعروفين، روى عنهما أئمة الحديث العارفون
بالعدالة والرواية ووثقوهما وأثنوا عليهما، ولم يطعن أحد في عدالتهما ولا روايتهما،
ولم يذكر أحد دعلجاً بتعصب بل كان فضله وإفضاله كلمة وفاق، ولم يذكر أحد
الأبار بحرص على الدنيا كما ذكروا الحارث بن أبي أسامة وعلي بن عبد العزيز
البغوي وغيرهما بل وصفه شيخ الزهاد وراوية أخبارهم جعفر بن محمد بن نصير
٣٥٩

الخُلدي بأنه كان أزهد الناس كما سلف.
ومع هذا فالأبار کان ببغداد، وسكنی دعلج بها وحصول الثروة له وما عرف به
من الإنفاق وتجرد ابن حزيمة للكلام في العقائد وأخذ دعلج کتبه واتباعه له كل
ذلك إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة، فإن أقدم من سمي من شيوخ الأبار مسدد
المتوفى سنة ٢٢٨ فعلي بن الجعد المتوفى سنة ٢٣٠ فأمية بن بسطام المتوفى سنة
٢٣١، وبذلك يظهر أن مولد الأبار كان بعد سنة ٢١٠ وتوفي سنة ٢٩٠ كما
مر، ومولد دعلج سنة ٢٦٠ بسجستان وبها نشأ ثم كان يطوف البلدان لطلب العلم
والتجارة، ويظهر أن أول دخوله بغداد كان في أواخر سنة ٢٨٢ أو أوائل التي
تليها، فإن أعلى من سمع دعلج منه ببغداد كما يؤخذ من ترجمته في (تذكرة
الحفاظ) محمد بن ربح البزاز ومحمد بن غالب تمتام وكانت وفاتهما سنة ٢٨٣، وقد
كان ببغداد الحارث بن أبي أسامة وهو أسن منهما وأعلى إسناداً وأشهر ذكراً وتوفي
يوم عرفة سنة ٢٨٢ ولم يذكروا لدعلج عنه رواية ولو أدركه ما فاته، فعلى هذا
أول ما لقي دعلج الأبار سنة ٢٨٣ وسن الأبار نحو سبعين سنة، وسن دعلج نحو
ثلاث وعشرين سنة، ولم يكن دعلج حينئذ ذا ثروة ولا إنفاق لأنه أقام بعد ذلك
بمكة زماناً وسمع بها من الحافظ المعمر عالي الإسناد علي بن عبد العزيز البغوي
المتوفى سنة ٢٨٦، وكان البغوي بغاية الفقر حتى كان يضطر إلى أخذ الأجرة على
الحديث ويقول كما في (تذكرة الحفاظ) (ج ٢ ص١٧٩): ((يا قوم أنا بين
الأخشبين وإذا ذهب الحجاج نادى أبو قبيس قعيقعان يقول من بقي؟ فيقول:
المجاورون، فيقول: أطبق !! )) وبقي على ذلك الى أن مات إذ لو كف قبل موته
لكان الظاهر أن يذكر ذلك تلامذته الأجلاء، وهم كثير، ولهم حرص على أن
يدفعوا عن شيخهم ما عيب به فيقول واحد منهم أو أكثر: إنما كان يأخذ للضرورة
ثم كف عن ذلك؛ ولو كان دعلج تلك المدة قد اتسعت ثروته وإنفاقه لكان جديراً
بأن يعطى شيخه ما يخلصه من انطباق الأخشبين والمشاحة على الدرهم والدرهمين .
وفي (تاريخ بغداد) (ج٨ ص ٣٩٠) - قصة من سخاء دعلج وفي آخرها أنه
٣٦٠