Indexed OCR Text

Pages 321-340

"مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً)) يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو
عمن كان كذلك بواسطة فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى، لأن المعروف عن
أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيراً ما يروون
عن متقدمى الضعفاء بواسطة .
وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه
يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل
صدوقاً في الأصل فإن الكذاب لا یمکن أن یعرف صحیح حديثه؛ فإن قيل: قد
يعرف بموافقته الثقات، قلت: قد لا يكون سمع وإنما سرق من بعض أولئك
الثقات، ولو اعتد البخاري بموافقة الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك
الكلمة فإن ابن ليلى عند البخاري وغيره صدوق، وقد وافق الثقات في كثير من
أحاديثه، ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمن غلطه حتى فيما وافق عليه
الثقات، وقريب منه من عرف بقبول التلقين، فإنه قد يلقن من أحاديث شيوخه ما
حدَّثوا به ولكنه لم يسمعه منهم، وهكذا من يحدث على التوهم فإنه قد يسمع من
أقرانه عن شيوخه ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه فيرويها عنهم .
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد
موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين إما أن يكون الراوي ثقة ثبتا فيعرف
صحيح حديثه بتحديثه، وإما أن يكون صدوقاً يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط
فيه بطريق أخرى كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصاً بجهة
كيحيى بن عبد الله بن بكير روى عنه البخاري، وقال في (التاريخ الصغير): ما
روى يحيى [ ابن عبد الله ] بن بكير عن أهل الحجاز في التأريخ فإني أتقيه)) ونحو
ذلك .
فإن قيل قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما
هو عنده صحيح، فإنه إن كان يروي ما لا يرى صحته فأي فائدة في تركه الرواية
عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في
٣٢١

كتب البخاري غير الصحيح أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه
بعدم صحتها ؟ قلت: أما ما نبه على عدم صحته فالخطب فيه سهل وذلك بأن يحمل
كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج فلا يشمل
ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته، ويبقى النظر فيما عدا ذلك، وقد يقال إنه إذا
رأى أن الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه تركه البتة ليعرف الناس ضعفه
مطلقاً، وإذا رأى أنه يمكن معرفة صحیح حديثه من سقیمه في باب دون باب ترك
الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في يحيى بن بكير، وأما غير ذلك فإنه
يروي ما عرف صحته وما قاربه أو أشبهه مبيناً الواقع بالقول أو الحال. والله
أعلم .
والمقصود هنا أن رواية البخاري عن الفرياناني تدل أنه كان عنده صدوقاً في
الأصل، وقد لقيه البخاري فهو أعرف به ممن بعده، وقد تأيد ذلك بأن الرجل
كان مشهوراً في تلك الجهة بالخير والصلاح كما مر، وأن أحمد بن سيار على جلالته
لما سئل عنه قال: ((لا سبيل إليه)) كأنه يريد أنه لا ينبغي الكلام فيه بمدح لضعفه
في الرواية ولا قدح لصلاحه في نفسه، على أن أكثر الذين تكلموا فيه لم يرموه
بتعمد الكذب، فأما أبو نعيم فمتأخر وقد تتبعنا كلام من تقدمه فلم نجد فيه ما
تحصل به النسبة إلى الوضع فكيف الشهرة؟
هذا والحكاية التي ذكرها الخطيب عن أحمد بن عبد الله ليست من طريق
البخاري وإنما هي من طريق الأبار، والأبار ناقل لا ناقد، ولكن الأستاذ لم يقنع
بتوهين تلك الحكاية بل قال: ((ومن يعول على الوضاع لا يكون إلا من طراز
الأبار المأجور)) ولا يبعد أن يكون أراد التعريض بالبخاري، وما أوهن رأياً
يضطر الجدل النحرير في الدفاع عنه إلى الطعن في مثل البخاري !!
فأما الأبار فهو أحمد بن علي بن مسلم حافظ فاضل تأتي ترجمته، وقول الأستاذ
((المأجور)) كلمة فاجرة مبنية على خيال كاذب، وسوء ظن صدقه الأستاذ على
عادته، حاصل ذلك الخيال أن الأستاذ زعم أن الحافظ الفاضل دَعْلَجْ بن أحمد
السِجْزي - وستأتي ترجمته - كان يصل الأبار بالمال الوافر فكان الأبار يجمع
٣٢٢
ره.

الروايات الموافقة لهوى دعلج، وسيأتي في ترجمة الأبار ما يتضح به أنه ليس هناك
أي دلالة على أن دعلجاً وصل الأبار بفلس واحد، وهب أنه ثبت أنه وصله بمال
كثير، فمثل ذلك لا يسوغ اتهام ذينك الحافظين تهمة ما، فضلاً عن هذه التهمة
الخبيثة، كيف وقد ثبتت عدالتهما وفضلهما، وكانا من أول عمرهما إلى آخره على
مذهب واحد وهو مذهب أهل الحديث المعروف .
أفرأيت إذا ثبت أن بعض تجار الحنفية يصل الأستاذ، أيحل لمخالفي الأستاذ أن
يطلقوا عليه تلك الكلمة (١)؟ هذا مع أن بين الرجلين بعد المشرقين وكذلك بين
صنيعيهما فالأبار لم يزد على رواية ما سمع، والأستاذ يتصرف التصرفات التي ترى
الكشف عن بعضها في (الطليعة) وهذا الكتاب، وإنما يحق أن يسمى مأجوراً من
يأتي ما يرى أنه مخالف للدين والشرف والمروءة طمعاً في المال ونحوه؛ بلى إنَّ الأبار
المأجور أجراً عظيماً إن شاء الله تعالى على صدقه وحسن قصده ونيل الكوثري من
عرضه .
٢٤ - أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود. ذكر الأستاذ (ص ١٢٥) رواية
للخطيب من طريق عبد الله بن محمد بن جعفر وستأتي ترجمته، ثم قال: ((وقد فعل
مثل ذلك في أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي الذي كذبه هو ... )).
أقوله كذَّب الخطيب أحمد هذا وروى في غير ترجمة أبي حنيفة من طريقه
حكايتين غير منكرتين ولا عيب في ذلك على الخطيب، فقد روى السفیانان وابن
جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة عن الكلبي مع اشتهاره بالكذب، وفي ترجمته
من (الميزان): ((يعلى بن عبيد قال، قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي
عنه، قال أنا أعرف صدقه من كذبه)).
(١) وعجيب أمر الكوثري يرى القذاة في عين أخيه ولا يرى العمود في عينه، لقد عاش
الكوثري في بلاد الشام ومصر، عالة على الناس ولم يكتف بذلك، بل زعم أنه كان
يجوع في دمشق. كما ذكر أحد المنتسبين إليه في قصة طويلة ممجوجة. وإن إنكار
المعروف والفضل، وادعاء سواهما على مدينة أو طائفة فإنه من قلة المروءة فضلاً عن
قلة الدين - زهير .
٣٢٣

٢٥ - أحمد بن عبيد بن ناصح أبو عصيدة النحوي. في (تاريخ بغداد)
٤
((٣٧٣/١٣)) ((أحمد بن عبيد ثنا طاهر بن محمد ... )) قال الأستاذ (ص ٤٢):
(( فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من (الميزان)،
وقال الخطيب ((٢٦٠/٢)): ((قال ابن عدي يحدث بمناكير)) وقال أبو أحمد
[ الحاكم الكبير ]: لا يتابع في جل حديثه)).
أقول: لفظ ابن عدي على ما في (تهذيب التهذيب):
((حدث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب بمناكير)) قال ابن حجر: ((قال الحاكم
أبو عبد الله هو إمام في النحو وقد سكت مشايخنا عن الرواية عنه)) وقال ابن حبان
في (الثقات): ((ربما خالف)) وقال ابن عدي: هو عندي من أهل الصدق)).
أقول: كأن ابن حبان وابن عدي رأيا أنه لا يتعمد الكذب ولكن يخطىء ويهم،
مع احتمال أن يكون البلاء في كثير من مناكيره من محمد بن مصعب، فإنه ضعيف
يروي المناكير واتهمه بعضهم؛ فأما الأصمعي فثقة، ويأتي إن شاء الله تعالى في
ترجمته ذكر الحديث الذي أورده الأزدي من طريق أحمد بن عبيد هذا عن
الأصمعي واستنكره هو وغيره فأجاب الذهبي بأن أحمد بن عبيد ليس بعمدة
فأخذها الأستاذ هنا، وأعرض عنها عندما احتاج إلى الكلام في الأصمعي! والله
المستعان .
٢٦ - أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي مؤلف (تاريخ
بغداد)(١): قال ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٨ ص ٢٦٧): ((كان أبو بكر
الخطيب قديماً على مذهب أحمد بن حنبل فمال عليه أصحابنا [الحنابلة ] لما رأوا من
ميله إلى المبتدعة وآذوه فانتقل إلى مذهب الشافعي)) .
(١) اطلعت بعد كتابة هذه الترجمة وغيرها ببضع سنين على ترجمة للخطيب بقلم الدكتور
يوسف العش أجاد فيها فاستفدت منها فائدتين سألحقهما في موضعهما وأنبه على ذلك .
٣٢٤

أقول: أقدم النظر في عقيدة الخطيب، زعم بعضهم أنه كان يذهب إلى مذهب
الأشعري فرد الذهبي ذلك بقوله: ((قلت مذهب الخطيب في الصفات أنها تمر كما
جاءت، صرح بذلك في تصانيفه)) فاعترضه ابن السبكي في (طبقات الشافعية) (ج
٣ ص ١٣) بقوله: ((قلت هذا مذهب الأشعري ... وللأشعري قول آخر
بالتأويل)).
أقول: الذي شهره المتعمقون عن الأشعري التأويل وإن كان آخر مصنفاته
( كتاب الإبانة) أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث، فالقائل أن
الخطيب كان يذهب مذهب الأشعري أوهم أنه كان من المتأولين، ولم يزد الذهبي
على دفع هذا الإيهام، ولكن ابن السبكي لغلوه شديد العقوق لأستاذه الذهبي؛ وقد
نقل الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٣١٩) فصلاً من كلام الخطيب في
الاعتقاد ينفي عنه التأويل والتعطيل، قال الخطيب:
(( أما الكلام في الصفات فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف
إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفى الكيفية(١) والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم
فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه
والتكييف، والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ... )).
ويظهر أن ابن الجوزي أميل إلى المبتدعة من الخطيب، قال شيخ الإسلام ابن
تيمية في (شرح العقيدة الأصفهانية) (ص ٦٨):
((وأما الانتساب فانتساب الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصاً وسائر
أئمة الحديث عموماً ظاهر مشهور في كتبهم كلها، وما في كتب الأشعري مما يوجد
(١) مراده كغيره نفي الكيفية المدركة بالعقول كما جاء عن ربيعة الرأي ومالك وغيرهما
(((الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول)) وليس المراد نفي ان يكون في نفس
الامر كيفية، كيف وذلك من لوازم الوجود. المؤلف. قلت: وكلام الخطيب هذا
محفوظ في بعض مجاميع الظاهرية ن.
٣٢٥

مخالفاً للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد
كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج بن الجوزي وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد
عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه)).
وإذ قد بان أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة فلننظر في انتقاله
عن مذهب أحمد في الفروع: الظاهر أن معنى أنه كان على مذهب أحمد أن والده
وأهله كانوا على مذهب أحمد وأنه هو انتقل إلى مذهب الشافعي في صغره زمان
طلبه العلم، مما الباعث له على الانتقال؟ يقول ابن الجوزي: إن ذلك لميل الحنابلة
عليه وإيذائهم له، فلماذا آذوه؟ يقول ابن الجوزي: لما رأوا من ميله إلى المبتدعة .
قد تقدم إثبات أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة وذلك ينفي أن
يكون ميله إليهم رغبة منه في بدعتهم أو موافقة عليها، فما معنى الميل وما الباعث
عليه ؟
كان الحنابلة في ذاك العصر ينفرون بحق من كل من يقال إنه أشعري أو معتزلي
وينفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم، وكان كثير من الحنابلة
يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية
ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم، وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردد إلى حنفي أو
مالكي أو شافعي سخطوا عليه وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في (المنتظم) (ج ٩
ص ٢١٣) عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال: ((وكان أصحابنا الحنابلة يريدون
مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً)) وتقدم في ترجمة أحمد
ابن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه: ((قال إنسان من أراد أن يحضر مجلس أبي
نعيم فليفعل - وكان مهجوراً في ذلك الوقت بسبب المذهب وكان بين الحنابلة
والأشعرية تعصب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع، فقام إلى ذلك الرجل
أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام وكاد أن يقتل))، مع أن مجلس أبي نعيم إنما
كان لسماع الحديث لا للدعوة إلى الأشعرية .
وقد قال ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٨ ص ٢٦٧) في وصف الخطيب:
٣٢٦
٦

((كان حريصاً على علم الحديث وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه)).
وقال قبل ذلك بورقة: (( أول ما سمع الحديث في سنة ٤٠٣ وهو ابن إحدى عشرة
سنة .... وأكثر من السماع من البغداديين ورحل إلى البصرة ثم إلى نيسابور ثم إلى
أصبهان ودخل في طريقه همذان والجبال ثم عاد إلى بغداد وخرج إلى الشام وسمع
بدمشق وصور ووصل إلى مكة .... وقرأ (صحيح البخاري) على كريمة .... في
خمسة أيام)).
أقول فحرصه على تحصيل العلم وولوعه به هو الذي كان يحمله على أن يقصد
كل من عرف بالعلم مهما كان مذهبه وعقيدته وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه
بحق أن يقع في البدعة، وإذا كانت نهمته تضطره إلى الانطلاق في مخالفتهم وغيرتهم
تضطرهم إلى المبالغة في كفه بلغ الأمر إلى الإيذاء وكان وهو حنبلي لا يرجو من
غيرهم أن يعطف عليه ويحميه وينتصر له فاحتاج أن يتحول إلى مذهب الشافعي
ليحميه الشافعيون ولا يعارضوه في الاختلاف إلى من شاء من أهل العلم مهما كان
مذهبه وعقيدته لأن الشافعية لم يكونوا يضيقون في ذلك مع أنهم إنما استفادوا
الخطيب فهم أشد مسامحة له، وهذا وإن نفعه من جهة الظفر بأنصار أقوياء يتمكن
في حمياتهم من طلب العلم كيف شاء لكن من شأنه أن يزيد حنق الحنابلة عليه
وغيظهم منه وكانت بغداد مقر الحنابلة وأكثر العامة معهم، والعامة كما لا يخفى إذا
اتصل بهم السخط على رجل تسارعوا إلى إيذائه وبالغوا، قال الكوثري في
(التأنيب) (ص ١٢): ((وفي (مرآة الزمان) لسبط ابن الجوزي: وقال ابن طاهر
جاء جماعة من الحنابلة يوم الجمعة إلى حلقة الخطيب بجامع المنصور فناولوا حَدَثاً
صبيح الوجه ديناراً وقالوا له قف بإزائه ساعة وناوله هذه الرقعة فناوله الصبي وإذا
فيها - ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا. ثم قال: وكانوا يعطون السَّقَّاء
قطعة يوم الجمعة فكان يقف من بعيد بإزائه ويميل رأس القربة وبين يديه أجزاء
فيبتل الجميع فتتلف الأجزاء. وكانوا يطينون عليه باب داره في الليل فربما احتاج
. (( .
إلى الغسل لصلاة الفجر فتفوته ..
٣٢٧

قال الكوثري: ((وفي ذلك عبر من ناحية الخطيب وأحوال الحنابلة في آن
واحد)) .
أقول: السبط ليس بعمدة كما يأتي وابن طاهر لم يدرك الخطيب لكن ما تضمنته
القصة من تتبع أولئك العامة للخطيب وإيذائه يوافق في الجملة ما تقدم عن ابن
الجوزي، وكذلك يوافق ما في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٣١٨) عن الحافظ
المؤتمن الساجي: ((تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه)) وابن
الجوزي نفسه يتألم آخر عمره من أصحابه الحنابلة حتى قال في (المنتظم) (ج ١٠
ص ٢٥٣) بعد أن ذكر تسليم المدرسة إليه وحضور الأكابر وإلقاءه الدرس:
(( وكان يوماً مشهوداً لم ير مثله ودخل على قلوب أهل المذهب غم عظيم)) وزاد
سبطه في (المرآة) عنه: ((لأنهم حسدوني)) قال السبط: ((وكان جدي يقول: والله
لولا أحمد والوزير ابن هبيرة لانتقلت عن المذهب فإني لو كنت حنفياً أو شافعياً
لحملني القوم على رؤوسهم)). وليس السبط بعمدة لكن عبارة المنتظم تشعر بصحة
الزبادة؛ هذا حال ابن الجوزي في آخر عمره، فأما الخطيب فإنه كان انتقاله في
حداثته ليتمكن من طلب العلم لا ليحمل على الرؤوس، وكأن كلام ابن الجوزي
هذا مما جرأ السبط على الانتقال إلى مذهب أبي حنيفة تقرباً إلى الملك عيسى بن أبي
بكر الأيوبي، وقد دافع عنه صاحب (الذيل) على كتابه (المرآة) كما في (لسان
الميزان) بقوله: ((وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة)). وهذا
العذر يدفع احتمال أن يكون انتقل تديناً ويعيّن أنه إنما انتقل لأجل الدنيا .
فصل
قد علمت بعض ما كان يلقاه الخطيب من إيذاء العامة حتى في الجامع وقت
إملاء الحديث وفي بيته، إذ كانوا يطينون عليه بابه فيحولون بينه وبين شهود
الجماعة، عاش الخطيب في هذا الوسط إلى أن ناهز الستين من عمره، وأولئك
المؤذون يتعاقبونه نهاراً وليلاً يتمنون أن يقفوا له على زلة، أو يعثروا له على عثرة،
٣٢٨

فيشيعوها ويذيعوها ويدونها خصومه في كتبهم وتواريخهم لكنه لم يكن من ذلك
شيء، أفليس في هذا الدلالة القاطعة على نزاهة الخطيب وطهارة سيرته ؟
اللهم إلا أن في (معجم الأدباء) لياقوت (ج ٤ ص ٦٩) عن ابن السمعاني عن
عبد العزيز النّخْشبي أنه قال في معجم شيوخه:
((ومنهم أبو كبر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب .... حافظ فهم ولكنه كان
يتهم بشرب الخمر، كنت كلما لقيته بدأني بالسلام فلقيته في بعض الأيام فلم يسلم
علي ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عني لحقني بعض أصحابنا وقال لي: لقيت أبا بكر
الخطيب سكران! فقلت له: قد لقيته متغيراً واستنكرت حاله، ولم أعلم أنه
سكران، ولعله قد تاب إن شاء الله تعالى)) قال ابن السمعاني:
(( ولم يذكر من الخطيب رحمه الله هذا إلا النخشبي مع أني لحقت جماعة كثيرة
من أصحابه)).
أقول: النخشبي لم يكن من أهل بغداد، وإنما دخلها في رحلته، وابن السمعاني
دخل بغداد نخلاً، وجمع تاريخاً لها ولقي جماعة لا يحصون من موافقي الخطيب
ومخالفيه وأصدقائه وأعدائه من المتثبتين والمجازفين، ومعروف في العادة أنه لا
يشرب المسكر فيتغيرّ ثم يخرج يجول في الشوارع إلا من صار شرب المسكر عادة له
لا يبالي أن يطلع عليها الناس، وإذا صار عادة استمر زماناً، فلو كانت هذه حال
الخطيب لما خفيت على جميع أهل بغداد وفيهم من أعداء الخطيب جماعة يراقبون
حركاته وسكناته ويطينون عليه باب داره بالليل، ويتعطشون إلى أن يظفروا له
بعثرة ليذيعوها فيشتفوا بدلاً مما يسيئون به إلى أنفسهم وإلى من ينتسبون إليه أكثر
من إساءتهم إلى الخطيب.
وفي ذلك مع ظاهر سياق عبارة النخشبي أنه إنما أخذ التهمة من الفقيه التي
حكاها وحاصلها أنه كان يعرف من عادة الخطيب أنه إذا لقيه بدأه بالسلام حتى
٣٢٩

لقيه مرة فلم يبدأه بالسلام، والظاهر أن النخشبي بدأ هو بالسلام فرد عليه الخطيب
ولم ينبسط إليه، فإن النخشبي من أهل العلم فلم يكن ليترك السلام معتذراً بأن
الخطيب لم يبدأه مع أن الظاهر أن النخشبي أصغر من الخطيب وإن
مات قبله، والسنة أن الأصغر أولى أن يبتدىء بالسلام، ولو سلم على الخطيب فلم
- يرد عليه لحكى ذلك فإنه أدل على مقصوده، فاستنكر النخشبي من الخطيب أنه لم
يبدأه بالسلام ولا انبسط إليه على عادته فعد ذلك شبه تغير .
ومعلوم أن الإنسان قد يعرض له ما تضيق به نفسه من هم أو غم أو تفكير في
حل مشكل أو تكدر خاطر من سماع مكروه أو إيذاء مؤذ فيقصر عما جرت به
عادته من الانبساط وحسن الخلق. والنخشبي يقول: ((لحقني بعض أصحابنا وقال لي
لقيت الخطيب سكران؟)) أحسبه يعني بقوله ((أصحابنا)) الحنابلة فكأنه لقي
الخطيب بعض العامة الذين يتعاقبون الخطيب ويؤذونه كما سلف وكأنه آذى الخطيب
وأسمعه المكروه فأعرض الخطيب وتغافل متكدراً وأسرع في المشي فمر بالنخشي
وهو حديث عهد بسماع المكروه من بعض أصحابه فلم ينبسط إليه. وكذلك صنع
باللاحق، فهذا هو شبه التغير الذي رآه النخشبي وهو السكر الذي أطلقه ذلك
اللاحق(١) هذا كله دفع للاحتمال فأما الثبوت الشرعي فلاحظ لتلك الحكاية فيه
بحال (٢).
فصل
بعد أن قضى الخطيب قريباً من ستين سنة على الحال التي تقدمت من الانهماك في
(١) هذا إذا كانت كلمتا ((لقي)) و((لحق)). في عبارة النخشبي على ظاهرهما والا فيحتمل
ان ذلك اللاحق هو المؤذي نفسه .
(٢) ولا حاجة بنا هنا الى نحو ما يأتي في ترجمة الحسن بن ابراهيم. (المؤلف) قلت: وذلك
لأن الحكاية لم تثبت لأن مدارها على رجل لم يسم وهو بعض اصحاب النخشبي . ن.
٣٣٠

العلم ليلاً ونهاراً حتى كان يمشي في الطريق وبيده جزء يطالعه، وفي تلك الصيانة
والنزاهة التي أعجز بها أولئك المؤذين فلم يعثروا له على عثرة خرج من بغداد في أيام
الفتن وقصد دمشق وأقام بها، وكانت إذ ذاك تحت ولاية العبيديين الرافضة
الباطنية، ولكن كانوا يتظاهرون بعدم التعرض لعلماء السنة، فاستمر الخطيب على
أعماله العلمية إلى أن بلغ عمره خمساً وستين سنة، وحينئذ أمر أمير دمشق من جهة
العبيديين الرافضة الباطنية بالقبض على الخطيب ونفيه عن دمشق، فأما مؤرخ دمشق
الحافظ الثبت ابن عساكر فقال: ((سعى بالخطيب حسين الدميني إلى أمير الجيوش
وقال هو ناصبي يروي فضائل الصحابة والعباس في جامع دمشق)).
فهذا سبب واضح لنفي الخطيب، فإن العبديين رافضة باطنية يكفرون الصحابة
والعباس ويسرفون في بغضهم، ويرون في نشر فضائل الصاحبة والعباس على
رؤوس الأشهاد بجامع دمشق تحدياً لهم وتنفيراً عنهم ودعوة إلى الخروج عليهم
ودعاية لخصومهم بني العباس الذين كانوا ينازعونهم الخلافة ويقاتلونهم عليها .
وأما ابن طاهر، وما أدراك ما ابن طاهر؟ فحكى سبباً آخر وقبل أن أشرحه
أذكر شيئاً من حال ابن طاهر، يقول ابن الجوزي في ترجمة ابن طاهر من (المنتظم)
(ج ٩ ص ١٧٨): (( .... فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث والإ فالجرح
أولى به، ذكره أبو سعد بن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال: سألت
شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي عن محمد بن طاهر؟ فأساء الثناء عليه وكان سيء
الرأي فيه، وقال: سمعت أبا الفضل محمد بن ناصر يقول محمد بن طاهر لا يحتج به
صنف كتاباً في جواز النظر الى الْمُرْد وأورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال:
رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها، فقيل له تصلي عليها؟ فقال: صلى الله
عليها وعلى كل مليح؛ ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة؛ قال ابن السمعاني؛
وذكره أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الدقاق الحافظ فأساء الثناء عليه جداً ونسبه
إلى أشياء، ثم انتصر له ابن السمعاني فقال: لعله قد تاب. فواعجباً من سيره قبيحة
فيترك الذم لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب، ما أبله هذا المنتصر؛ ويدل على
٣٣١

صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب الإباحة ما أنبأنا به أبو المعمر
المبارك بن أحمد الأنصاري، قال: أنشدنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه:
به جوارح أقوام من الناس
((دع التصوف والزهد الذي اشتغلت
ـرهبان ما بين قسيس وشماس
وعج على دير داريا فإن به الـ
تسقيك خرين من لحظ ومن كاس
فاشرب معتقة من كف كافرة
مهفهف لحظه أمضى من الماس))
ثم استمع رنة الأوتار من رشا
وذكره الذهبي في (تذكرة الحفاظ) ((٣٧/٤)) وذب عنه قال: ((الرجل مسلم
معظم للآثار وإنما كان يرى إباحة السماع [ يعني سماع الغناء والملاهي] لا الإباحة
المطلقة .... معلوم جواز النظر إلى الملاح عند الظاهرية فهو منهم)) وذكر ثناء
جماعة عليه، وله ترجمة في (لسان الميزان) والمقصود أن ابن طاهر كان له ولوع
بالجمال وتعلق به وتسَمُّح فيه وإن لم يخرجه إن شاء الله تعالى إلى ما يوجب الفسق،
وإنما ذكرته هنا لأن له أثراً على حكايته الآتية كما سترى )).
في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٣١٨): ((قال ابن طاهر في (المنثور) أخبرنا
مكي الرملي [ صوابه الرميلي] قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان
يختلف إليه صبي مليح فتكلم فيه الناس وكان أمير البلد رافضياً متعصباً، فجعل
ذلك سبباً للفتك بالخطيب فأمر صاحب شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله
وكان سنياً فقصده تلك الليلة في جماعته فأخذه وقال له بما أمر به ثم قال: لا أجد
لك حيلة إلا أنك تفر منَّا وتهجم دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي ... ففعل
ذلك، فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال له: أيها الأمير ... ليس في
قتله مصلحة ... أرى أن تخرجه من بلدك. فأمر بإخراجه، فذهب إلى (صور)
وأقام بها مدة)).
وذكر ياقوت في (معجم الأدباء) (ج ٤ ص٣٤) عن ابن طاهر نحو ذلك وفيه
(( ... كان يختلف إليه صبي مليح الوجه قد سماه مكي، وأنا نكبت عن ذكره)).
٣٣٢

أقول: قد عرفت ابن طاهر فأما مكي الرميلي الذي حكى ابن طاهر القصة عنه
فحافظ فاضل شافعي كالخطيب ومن تلامذة الخطيب المعظمين له، ترجمته في
(تذكرة الحفاظ) (ج ٤ ص ٢٢) و (طبقات الشافعية) (ج ٤ ص ٢٠)
وذكروا أنه سمع من الخطيب بصور، ثم سمع منه ببغداد كما يعلم من (ترجمة
الخطيب)، وكان مبجلاً للخطيب روى ابن عساكر عنه أنه رأى في المنام لما كانوا
يقرأون على الخطيب (تاريخه) ببغداد أنه حضر مجلس الخطيب لقراءة التاريخ على
العادة فرأى رجلاً لم يعرفه، فسأل عنه فقيل له هذا رسول الله عَ لّه جاء ليسمع
( التاريخ). انظر الرؤيا مبسوطة في (طبقات الشافعية) (ج ٣ ص ١٥) وذكرها
الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (ج ٣ ص ٣٢١) قال: ((قال غيث الأرمنازي قال
مكي الرميلي: كنت ببغداد نائماً في ليلة ثاني عشر في ربيع الأول سنة ثلاث وستين
فرأيت كأنا عند الخطيب لقراءة (تاريخه) على العادة ... )).
ويؤخذ مما تقدم أن الرميلي لم يلق الخطيب إلا بعد خروج الخطيب من دمشق فلم
يحضر الرميلي ذلك الخروج فهل أخبره الخطيب بسبب إخراجه؟ .
قد عرفنا الخطيب وعرفنا الرميلي وعرفنا ابن طاهر فما الذي يتوقع من الخطيب
بعد شيخوخته؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به عما جرى له؟ وما الذي يتوقع أن يخبر
به الرميلي عن أستاذه المبجل؟ وما الذي يتوقع من ابن طاهر؟
أما السؤال الأول فالعادة قاضية أن العالم الفاضل المستغرق في العلم الذي قضى
عامة عمره في صيانة ونزاهة يمتنع أن يعرض له بعد شيخوخته داء العلاقة
بالصبيان .
وأما الثاني: فمن عرف الخطيب ونزاهته وصيانته وعقله وتحفظه على امتناع أن
يخبر في شيخوخته بما يشينه شيئاً مزرياً .
وأما الثالث: فيبعد جداً أن يحكي الرميلي ما يشين أستاذه الذي كان يبجله ذاك
التبجيل .
٣٣٣

وأما الرابع: فقد طهر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن
يسمع حكاية لها علاقة ما بالجمال الذي كان مولعاً به متسمحاً في شأنه فتصطبغ في
نفسه صبغة تناسب هواه فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى؛ فعسى أن
يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي على ما
تقدم عن ابن عساكر توقف لأن أكثر أهل الشام أهل سنة ويخشى أن يعلموا أنه
تعرض للخطيب لأجل المذهب ففكر أولئك السعاة في حيلة، فرأوا في طلبة العلم
الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحاً فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف
مثله إلى الخطيب ريبة وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس ثم قالوا للأمير
تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدث بها الناس .
فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة فقد يقع مثلها لأفضل الناس ويخبر
بوقوعها له أعقل الناس وأحزمهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن
يتخرصوا منها ما يكره، ويحكي وقوعها لأستاذه أبو الناس وأوفاهم، لكن ابن
طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي
أَلَّف فيه، ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمى ذاك الفتى ولم ير في ذكر
اسمه غضاضة عليه فلما حكاها ابن طاهر لم يسمه بل قال: ((قد سماه مكي وأنا
نكبت عن ذكره)) لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي، ولم يحتج ابن طاهر
إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهداً لابن طاهر على
ما يميل إليه كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية .
فتدبر ما تقدم ثم استمع لسبط ابن الجوزي وتصرفه. قال الذهبي في (الميزان):
(( يوسف بن فرغلي الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي
روى عن جده وطائفة، وألف (مرآة الزمان) فتراه يأتي فيه بمناکیر الحكايات، وما
أظنه بثقة فيما ينقله بل يجنف ويجازف، ثم إنه ترفّض وله في ذلك مؤلف ... قال
الشيخ محيي الدين .... لما بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال لا رحمه الله كان
رافضياً، قلت كان بارعاً في الوعظ ومدرساً للحنفية)).
٣٣٤

أقول قد تقدم أنه كان حنبلياً ثم تحنف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيل
مرآته لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب الذي يلقبه الكوثري :
((عالم الملوك الملك المعظم)) فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب، قال
فيه الملا علي القاري الحنفي، كما في (الفوائد البهية في مناقب الحنفية) (ص
١٥٢):
(( كان متغالياً في التعصب لمذهب أبي حنيفة، قال له والده يوماً: كيف اخترت
مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية؟ فقال: أترغبون عن أن يكون فيكم رجل
واحد مسلم))! وهذا الملك قد أثنى عليه خليله السبط في (المرآة) ومع ذلك ذكره
في مواضع متفرقة بفظائع، وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون،
وذكرت المانع من تتبع هفواته .
فأما السبط فقد مر عن الذهبي ما علمت ومن طالع (المرآة) علم صدق الذهبي
فيما يتعلق بالحكايات المنكرة والمجازفات ولا سيما فيما فيه مدح لنفسه، ويظهر من
(المرآة) ما يوافق قول صاحب (الذيل عليها) أنه إنما تحنف في الصورة الظاهرة،
وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي فكأنه إنما ألف كتابه في الترفض تقرباً إلى بعض
الرافضة من أصحاب الدنيا؛ فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى وقد عرفت بعض
حاله في التعصب فتحنف السبط إرضاءً له، وألف كل منهما رداً على الخطيب كما
مر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون، وحاول السبط التقرب إلى عيسى بذم
الخطيب وذكر حكاية ابن طاهر فزاد فيها، قال الأستاذ (ص ١٢): ((قال سبط
ابن الجوزي في (مرآة الزمان): قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من
بغداد عند دخول البساسیري إليها قدم دمشق فصحبه حدث صبيح الوجه كان
يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا حتى بلغ والي المدينة وكان من قبل المصريين
شيعياً، فأمر صاحب الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله، وكان صاحب الشرطة
سنياً فهجم عليه فرأى الصبي عنده وهما في خلوة فقال للخطيب: قد أمر الوالي
بقتلك وقد رحمتك ... فأخرجوه فمضى إلى صور ، واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال
٣٣٥
.*

فيه الأشعار فمن شعره .... )) (١).
فيقال لهذا الجانف المجازف توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدك فمن أين لك
هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر حتى ياقوت مع
شدة غرامه بالحكايات الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي فلم يذكروا فيها ما ذكرت،
بل نقلها خليلك الملك عيسى في رده على الخطيب (ص ٢٧٧) من خط ابن طاهر
كما قال، ولم يذكر هذه الزيادة ولا ما يشير إليها؛ استفدت هذه من ترجمة الخطيب
للدكتور يوسف العش، وكانت القصة وابن طاهر في سن تسع سنين، ولم يكن
بدمشق فممن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكي الرميلي فإنه حكى
ما سمعه من مكي على غير هذا، وقد تقدم حال مكي بما يعلم أنه يمتنع أن يحكيها
على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكياً لم يشهد القصة فممن سمعها؟ وفي
أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها، ولو كان السبط
ثقة لاتجه الحمل على ابن طاهر وتثبت مجازفته، لكن حال السبط كما علمت وقد
حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يغتفر في الجملة فالحمل على السبط .
أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب فلا أدري ما يصح منها وما وجد منها بخطه
قد يكون لغيره، وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظ من
الأدب يقول أحدهم الأبيات على طراز ما عرف من شعراء زمانه كما ينقل عن ابن
سريج وغيره، وما في (معجم الأدباء) عن أبي العز ابن كادش لا يعبأ به، ترجمة
ابن كادش في (لسان الميزان) (ج ١ ص ٢١٨) وفيها عن ابن النجار: ((كان
مخلطاً كذاباً لا يحتج بمثله)).
وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن عساكر أن ابن كادش أخبره أنه وضع
حديثاً في فضل أبي بكر وتبجح بذلك قائلاً (( بالله أليس فعلت جيداً؟)) !.
فقد اتضح بحمد الله عز وجل سلامة الخطيب في عقيدته ونزاهته في سيرته وأن
ما ظن غمزاً في سيرته مع وضوح أنه ليس مما يعتد به شرعاً ليس مما يسوغ احتماله
(١) لم يورد المعلمي شيئاً من هذا الشعر واحسن جزاه الله الخير. زهير.
٣٣٦

تخرصاً بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه .
ومن المضحك المبكي صنيع الاستاذ الكوثري يقول (ص ١٠) في الخطيب:
((على سوء سلوك ينسب إليه ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هجر القول وسوء
الفعل)) ويقول (ص ٥١): ((إذا فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في
دمشق)) ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجاً بها، وفي مقابل ذلك يرى كلام
الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلوي الذي كذبه ابن معين وابن نُمَيْر وأبو داود وأبو
ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم، وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جرزة: « ليس
بشيء. لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم يتهم بداء سوء، وليس في
الحديث بشيء.)) وفي (لسان الميزان) (ج ٢ ص ٢٠٩): ((قال أبو داود عن
الحسن بن علي الحلواني رأيت اللؤلؤي قبل غلاماً وهو ساجد)) .... وقال أحمد بن
سليمان الرهاوي: ((رأيته يوماً في الصلاة وغلام أمرد إلى جانبه في الصف فلما سجد
مد يده إلى خد الغلام فقرصه)) وصالح والحلواني والرهاوي كلهم من الحفاظ
الثقات الأثبات، فيضج الأستاذ من هذا ويعج ويقول (ص ١٨٨): ((والعجب من
هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام
الحجة فيه مع علمهم بحكم الله في القذفة ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال
العقل )).
يقول هذا، ثم يرمي الخطيب بما رماه ويصرح أو يكاد مع أن القصة ولو كما
حكاها سبط ابن الجوزي، ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل فضلاً عن غيره، ومع
علمه بحال سبط ابن الجوزي، وحال ابن طاهر، وان السبط لم يدرك ابن طاهر ولم
يذكر سنده إليه، وأن ابن طاهر لم يدرك القصة ولا ذكر في رواية السبط من أخبره
بها، وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في (تذكرة
الحفاظ) لم يشهد القصة ولم يذكر عمن أخذها، ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذ قال
(ص ١٢١): ((تجد بينهم من يجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحضر مجلس
إقراء الخطيب لتاريخه .... ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق
الکمین)) !!!.
٣٣٧

فليتدبر القاريء أيهما أولى بأن يكون قذفاً شرعياً أكلمات الأستاذ بانياً على ما
ليس بشيء؟ أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم
اللؤلؤي: ((يتهم بداء سوء)» وإخبار الحافظين الآخرين بما شاهداه من اللؤلؤي في
حال سجوده من التقبيل وقرص الخد؟ وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف
الشنيع فيما لا يتصور قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القذفة؟! وأيهما أولى
وأحق بأن يقال فيه: ((لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل))؟! وكذلك
الرميلي الحافظ الفاضل ليس يترتب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة شرعية
على أن تاريخ الخطيب كله حق، فأي حجة أو شبهة تبعد أن يكون صادقاً فيما
حكى! فمن الأوْلى برقة الدين والنفاق الكمين؟ !.
فصل
قال ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٨ ص ٢٦٦) بعد أن عدد جملة من
مصنفات الخطيب: ((فهذا الذي ظهر لنا في مصنفاته، ومن نظر فيها عرف قدر
الرجل وما هيىء له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره، وقد روي لنا
عن أبي الحسن ابن الطيوري أنه قال: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب
الصوري ابتداء بها)) قال ابن الجوزي: ((وقد يضع الانسان طريقاً فيسلك، وما
قصر الخطيب على كل حال )).
أقول: لم يسم ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري، وابن
الطيوري هذا هو المبارك عبد الجبار وثقة جماعة وكذبه المؤتمن الساجي الحافظ،
والصوري هو محمد بن عبد الله الساحلي ترجمته في (التذكرة) (ج ٣ ص ٢٩٣)
وفيها أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلثمائة ووفاته سنة ٤٤١ فهو أكبر
من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة، ومع حفظه ففي (التذكرة) (ج ٣ ص
٢٩٨) في ترجمة أبي نصر السجزي المتوفي سنة ٤٤٤: ((قال ابن طاهر: سألت
الحافظ أبا إسحاق الحبال عن أبي نصر السجزي والصوري أيهما أحفظ؟ فقال:
٣٣٨

كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري)) وفي (التذكرة) (ج ١ ص ٣١٤):
((قال ابن ماكولا كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظاً
واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتفنناً في علله
وأسانيده، وعلماً بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره ومطروحه، ثم قال: ولم يكن
البغداديين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي
ففضل الخطيب تفضيلاً بيناً)) وقد علمت أن الصوري توفى سنة ٤٤١ أي قبل
وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاة السجزي سنة ٤٤٤ وابن طاهر لقي
الحبال سنة ٤٧٠ كما في (التذكرة) (ج ٣ ص ٣٦٣) فتفضيل الحبال بين
السجزي والصوري كان بعد موتهما فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما ، وأما تفضيل
الصوري بين الخطيب والسجزي ففي حياتهما لكن أحدهما وهو السجزي كان في
أواخر عمره والآخر وهو الخطيب في وسط عمره لأن الصوري مات سنة ٤٤١
كما مر، فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك، فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر
مثلاً حيث كان سن السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة فإن مولده سنة ٤٢٢
كان ذلك قبل وفاة السجزي بنحو ثلاث سنين وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنين
وعشرين سنة، فيخرج مما تقدم أن الخطيب باعتراف الصوري كان قبل موته
باثنتين وعشرين سنة بحيث يفضل تفضيلاً بيناً على من هو بحكم الحبال أحفظ من
خمسين مثل الصوري فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟ وإذا كانت النسبة بينهما هي
هذه فما معنى ما حكى عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر
الكتب اليت تنسب إلى الخطيب ولم يتم شيئاً منها؟ ويقول ابن السمعاني: إن مؤلفات
الخطيب ستة وخمسون مصنفاً، فهل ابتدأ الصوري في علم ثلاثين مصنفاً أو نحوها
ولم يتم شيئاً منها؟ فإن كان أتم شيئاً منها أو قارب أو على الأقل كتب منه كراسة
مثلاً فقد كان ابن الطيوري من أخص الناس بالصوري كما يؤخذ من (لسان
الميزان) (ج ٥ ص ١٠) أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري فيبرزه للناس
تصديقاً لقوله ! ولعل أصل الحكاية على ما يؤخذ من (معجم الأدباء) أن الكتب
التي كانت في ملك الصوري صار جملة منها بعد موته إلى الخطيب فاستفاد منها
٣٣٩

الخطيب، لكن قد علمنا أن الخطيب لا يكاد يورد شيئاً إلا بأسانيده المعروفة، ومن
تدبر مؤلفاته علم أنها من مشكاة واحدة أوائلها وأواخرها . هذا وفي روايةٍ عن ابن
الطيوري أن الصوري كان ترك كتبه عند أُخت له بصور. وأن الخطيب أخذها
عند خروجه إلى الشام ( كأنه يعني عند دخوله صور وذلك بعد إقامته بدمشق)
واحتج الدكتور بهذا على بطلان زعم ابن الطيوري من أصله لأن أكثر كتب
الخطيب ثبت تأليفه لها قبل خروجه إلى الشام، - وذكر دليل ذلك -، وبأن الصوري
إمام ببغداد نيفاً وعشرين سنة وبها مات فكيف يعقل أن لا يطلب كتباً تركها عند
أخته ! .
فصل
قال ابن الجوزي في (المنتظم) (ج ٨ ص ٢٦٧) بعد أن ذكر ميل الحنابلة على
الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه: ((وتعصب في تصانيفه عليهم فرمز إلى
ذمهم وصرح بقدر ما أمكنه فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: ((سيد المحدثين))، وفي
ترجمة الشافعي: ((تاج الفقهاء)) فلم يذكر أحمد بالفقه؛ وقال في ترجمة حسين
الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أي شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا لفظنا بالقرآن
مخلوق، قال: بدعة، وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة، وله دسائس في ذمهم من
ذلك أنه ذكر مهنا بن يحيى .... ومال الخطيب على أبي الحسن [عبد العزيز بن
الحارث] التميمي .... ومال الخطيب على أبي [عبد الله ] عبيد الله بن [ محمد بن]
بطة ... ومال الخطيب على أبي علي [ الحسن بن علي ] ابن المذهب؛ وكان في
الخطيب شيئان: أحدهما الجري على عادة عوام المحدثين في الجرح والتعديل فإنهم
يجرحون بما ليس يجرح، وذلك لقلة فهمهم، والثاني التعصب على مذهب أحمد
وأصحابه .... )).
أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري أجاوزت الحد في غبطة الخطيب على
مصنفاته التي أنت عيال عليها كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه، فدعتك نفسك إلى
٣٤٠