Indexed OCR Text

Pages 261-280

اقتصرت على أول العبارة لأوهم أن شيخ يعقوب في ذاك السند ثقة يحتج به! وهذا
كما ترى.
أولاً : لأن سياق كلامي هناك واضح في أني إنما أردت تعيين شيخ يعقوب فأما
الاحتجاج وعدمه فلا ذکر له هناك .
ثانياً: لأن بقية عبارة يعقوب لا تعطي ان شيوخه كلهم غير الأَحْمَدَيْن لا يحتج
بأحد منهم في الرواية، كيف وفيهم أئمة أجلة قد احتج بروايتهم الأحمدان أنفسهما ،
بل قام الإجماع على ذلك، وإنما أراد يعقوب بالحجة عند الله من يؤخذ بروايته
ورأيه وقوله وسيرته .
الثالثة: أن كلمة ابن مهدي لا توافق مقصود الاستاذ فإنها تعطي بظاهرها أن
كلمة ((ثقة)) إنما تطلق على أعلى الدرجات كشعبة وسفيان، ومع العلم بأن ابن
مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير
فكلمته تلك تعطى بظاهرها أن من كان دون شعبة وسفيان فإنه وان كان عدلاً
ضابطاً تقوم الحجة بروايته فلا يقال له ((ثقة)) بل يقال ((صدوق)) ونحوها وأين
هذا من مقصود الاستاذ؟
الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة ((ثقة)) على العدل الضابط وإن
کان دون شعبة وسفيان بكثير .
الثاني: أن أبا خلدة قد قال فيه يزيد بن زريع والنسائي وابن سعد والعجلي
والدار قطني ((ثقة)) وقال ابن عبد البر: ((هو ثقة عند جميعهم وكلام ابن مهدي لا
معنى له في اختيار الألفاظ))؛ وأصل القصة أن ابن مهدي كان يحدث فقال:
((حدثنا أبو خلدة - )) فقال له رجل: ((كان ثقة؟)) فأجاب ابن مهدي بما مر.
فيظهر لي أن السائل فخم كلمة ((ثقة)) ورفع يده وشدها بحيث فهم ابن مهدي أنه
٢٦١

يريد أعلى الدرجات فأجابه بحسب ذلك فقوله: ((الثقة شعبة وسفيان)) أراد به الثقة
الكامل الذي هو أعلى الدرجات، وذلك لا ينفي أن يقال فيمن دون شعبة وسفيان
(( ثقة)) على المعنى المعروف، وهذا بحمد الله تعالى ظاهر؛ وإن لم أر من نبه عليه،
وقريب منه أن المروذي قال: ((قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟
فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان))، وقد وثق أحمد مئات من الرواة يعلم أنهم
دون يحى القطان بكثير .
الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المواضع كلمة ((ثقة))
كما قدمت أنا أمثلته لا يسوغ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل .
العاشر: (١) إذا(٢) جاء في الراوي جرح وتعديل فينبغي البحث عن ذات (!)
بين الراوي وجارحه أو معدله من نفرة أو محبة، وقد مرَّ إيضاح ذلك في القاعدة
الرابعة .
٧ - اذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل ؟
قد ينقل في راوٍ جرح وتعديل ولكننا إذا بحثنا بمقتضى القاعدة السابقة سقط
أحدهما أو تبين أنه إنما أريد به ما لا يخالف الآخر، فهاتان الصورتان خارجتان عن
هذه القاعدة، فأما إذا ثبت في الرجل جرح وتعديل متخالفان فالمشهور في ذلك
قضيتان:
الأولى: أن الجرح إذا لم يبين سببه فالعمل على التعديل، وهذا إنما يَطِّد في
الشاهد لأن معدله يعرف أن القاضي إنما يسأله ليحكم بقوله، ولأن شرطه معرفته
بسيرة الشاهد معرفة خبرة، ولأن القاضي يستفسر الجارح كما يجب فإذا أبى أن
(١) أي من الأمور التي على الباحث في كتب الجرح والتعديل أن يراعيها . ن.
(٢) الأصل (إذ). ن.
٢٦٢

يفسر كان إباؤه موهناً لجرحه. فأما الراوي فقد يكون المثني عليه لم يقصد الحكم
بثقته، وقد يكون الجرح متعلقاً بالعدالة مثل ((هو فاسق)) والتعديل مطلق والمعدل
غير خبير بحال الراوي وإنما اعتمد على سَبْر ما بلغه من أحاديثه، وذلك كما لو قال
مالك في مدني: ((هو فاسق)) ثم جاء ابن معين فقال: ((هو ثقة)) وقد يكون المعدل
إنما اجتمع بالراوي مدة يسيرة فعدله بناء على انه رأى أحاديثه مستقيمة والجارح
من أهل بلد الراوي، وذلك كما لو حج رازي فاجتمع به ابن معين ببغداد فسمع
منه مجلساً فوثقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه: ((ليس بثقة
ولا مأمون)) ففي هذه الأمثلة لا يخفى أن الجرح أولى أن يؤخذ به .
فالتحقيق أن كلاً من التعديل والجرح الذي لم يبين سببه يحتمل وقوع الخلل
فيه، والذي ينبغي أن يؤخذ به منهما هو ما كان احتمال الخلل فيه أبعد من احتماله
في الآخر، وهذا يختلف ويتفاوت باختلاف الوقائع والناظر في زماننا لا يكاد يتبين
له الفصل في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة، كما إذا وجدنا البخاري ومسلماً قد
احتجا أو أحدهما براوٍ سبق ممن قبلهما فيه جرح غير مفسر، فإنه يظهر لنا رجحان
التعديل غالباً، وقس على ذلك، وهذا تفصيل ما تقدم في القاعدة الخامسة عن ابن
الصلاح وغيره، لكن ينبغي النظر في كيفية رواية الشيخين عن الرجل فقد يحتجان
أو أحدهما بالراوي في شيء دون شيء وقد لا يحتجان به، وإنما يخرجان له ما توبع
عليه، ومن تتبع ذلك وأنعم فيه النظر علم أنهما في الغالب لا يهملان الجرح البتة بل
يحملانه على أمر خاص، أو على لين في الراوي لا يحطه عن الصلاحية به فيما ليس
مظنة الخطأ أو فيما توبع عليه ونحو ذلك، راجع الفصل التاسع من (مقدمة فتح
الباري) .
القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسراً فالعمل عليه، وهذه القضية يعرف ما
فيها بمعرفة دليلها وهو ما ذكره الخطيب في (الكفاية) (ص ١٠٥) قال: ((والعلة
في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ويصدّق المعدل ويقول له: قد
علمت من حاله الظاهرة ما علمتَها وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار أمره، وإخبار
٢٦٣

المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح .. ولأن من عمل بقول
الجارح لم يتهم المزكي ولم يخرجه بذلك عن كونه عدلاً، ومتى لم نعمل بقول الجارح
كان في ذلك تكذيب له ونقض لعدالته، وقد علم أن حاله في الأمانة مخالفة
لذلك» .
أقول: ظاهر كلام الخطيب أن الجرح المبين السبب مقدم على التعديل، بل يظهر
مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفاً
بالأسباب، واختلاف العلماء أن الجارح إذا كان كذلك قدم جرحه الذي لم يبين
سببه على التعديل، لكن جماعة من أهل العلم قيدوا الجرح الذي يقدم على التعديل
بأن يكون مفسراً، والدليل المذكور يرشد الى الصواب فقول الجارح العارف
بالأسباب والاختلاف: ليس بعدل، أو: فاسق، أو: ضعيف، أو: ليس بشيء، أو:
ليس بثقة، هل يجب أن لا يكون إلا عن علم بسببٍ موجبٍ للجرح إجماعاً؟ أو لا
يحتمل أن يكون جهل أو غفل أو ترجح عنده ما لا نوافقه عليه؟ أو ليس في كل
مذهب اختلاف بين فقهائه فيما يوجب الفسق؟ فإن بيَّن السبب فقال مثلاً: قاذف،
أو قال المحدث: كذاب، أو: يدعي السماع ممن لم يسمع منه، أفليس إذا كان
المتكلم فيه راوياً قد لا يكون المتكلم قصد الجرح وإنما هي فلتة لسان عند ثورة
غضب أو كلمة قصد بها غير ظاهرها بقرينة الغضب؟ أو لم يختلف الناس في بعض
الكلمات أقذفٌ هي أم لا؟ حتى إن فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها؛
أو ليس قد يستند الجارح الى شيوع خبر قد يكون أصله كذبة فاجرٍ أو قرينة
واهية كما في قصة الإِفْك؟ وقد يستند المحدث الى خبر واحد يراه ثقة وهو عند
غيره غير ثقة، أو ليس قد يبني المحدث كلمة ((كذاب)) أو ((يضع الحديث) أو
((يدعي السماع ممن لم يسمع منه)) على اجتهاد يحتمل الخطأ؟ فإن فصّل الجارح
القذف أفليس قد يكون القذف لمستحقه؟ أو ليس قد يكون فلتة لسان عند سورة
غضب كما وقع من محمد بن الزبير أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس على ما
رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما
٢٦٤

ذكره وكيع وإن كانت الحكاية منقطعة ؟
إذا تدبرت هذا علمت أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون
الجرح مبيناً مفسراً مثبتاً مشروحاً بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح الى تعمد
الكذب، ويظهر أن المعدل لو وقف عليه لما عدل، فما كان هكذا فلا ريب أن
العمل فيه على الجرح وإن كثر المعدلون، وأما ما دون ذلك فعلى ما تقدم في القضية
الاولى .
٨ - قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ...
(١)
قال البخاري في (جزء القراءة): ((والذي يذكر عن مالك في ابن اسحاق لا
يكاد يبين .. ولوصح .... فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء واحد ولا يتهمه
في الأمور كلها، وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهائي مالك عن شيخين
من قريش وقد أكثر عنهما في ((الموطأ)) وهما مما يحتج بحديثهما، ولم ينج كثير من
الناس من كلام بعض الناس فيهم نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي،
وكلام الشعبي في عكرمة وفيمن كان قبلهم وتأويل بعضهم في العرض والنفس، ولم
يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم يسقط عدالتهم إلا ببرهان
وحجة .... وقال بعض أهل المدينة إن الذي يذكر عن هشام بن عروة قال كيف
يدخل ابن اسحاق على امرأتي؟ لو صح عن هشام جائز أن تكتب إليه ... وجائز
أن يكون سمع منها وبينهما حجاب وهشام لم يشهد )) .
وفي (فتح المغيث) للسخاوي (ص ١٣٠) عن محمد بن نصر المروزي: ((كل
رجل ثبتت عدالتهِ لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون
غير جرحة)). وفي ترجمة عكرمة من (مقدمة فتح الباري) عن ابن جرير:
(١) أي القراءة خلف الامام، وهو مطبوع متداول - زهير.
٢٦٥

(( من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن وبقول فلان
لمولاه: لا تكذب علي، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير
الذي وجهه اليه أهل الغباوة)).
وقال ابن عبد البر: ((الصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته وثبتت في
العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه الى قول أحد إلا أن يأتي في
جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة
والمعاينة)).
قال السخاوي في (فتح المغيث): ((ليس المراد إقامة بينة على جرحه بل المعنى
انه يستند في جرحه الى ما يستند اليه الشاهد في شهادته وهو المشاهدة ونحوها )).
قد يقال: إن كان المراد بثبوت العدالة أن يتقدم التعديل والحكم به والعمل
بحسبه على الجرح، فهذا إنما يكثر في الشهود، وإن كان المراد بثبوتها حصول تعديل
على أي حال كان، فهذا لا وجه له، فقد تقدم في القاعدة السادسة ما يعلم منه أن
التعديل يتفاوت، ويحتمل كثير منه الخلل كما يحتمله الجرح الذي لم يشرح كل
الشرح، أو أشد، ومن تتبع صنيع أهل العلم تبين له أنهم كثيراً ما يقدمون الجرح
الذي لم يشرح كل الشرح على التوثيق، كما في حال إبراهيم بن أبي يحيى والواقدي
وغيرهما، وكثيراً ما يقع للبخاري وغيره القدح فيمن لم يدركوه وقد سبق أن عدله
معدل أو أكثر، ولم يسبق أن جرحه أحد .
فأقول: الذي يتحرر أن للعدالة جهتين:
الأولى استقامة السيرة، وثبوت هذا بالنظر الى هذه القاعدة تظهر فيمن تظهر
عدالته ويعدل تعديلاً معتمداً وتمضي مدة ثم يجرح؛ فأما ما عدا ذلك فالمدار على
الترجيح وقد مرَّ في القاعدة السابقة .
٢٦٦

الجهة الثانية: استقامة الرواية وهذا يثبت عند المحدث بتتبعه أحاديث الراوي
واعتبارها وتبين أنها كلها مستقيمة تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق
والأمانة، وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نصوا
على ما أنكروه من حديثه بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم فقد يتيسر
لنا أن ننظر في تلك الأحاديث فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي
فقد ثبتت استقامة روايته، وقد حاولت العمل بهذا في بعض الآتين في قسم التراجم
كالحارث بن عمير والهيثم بن جميل؛ فأما ما عدا هذا فإننا نحتاج الى الترجيح، فقد
يترجح عندنا استقامة رواية الرجل باحتجاج البخاري به في صحيحه لظهور أن
البخاري إنما احتج به بعد أن تتبع أحاديثه وسبرها وتبين له استقامتها، وقد علمنا
مكانة البخاري وسعة اطلاعه ونفوذ نظره وشدة احتياطه في (صحيحه)، وقس
على ذلك. وراجع ما تقدم في القواعد السابقة؛ والله الموفق .
هذا وقد تعرض ابن السبكي في ترجمة أحمد بن صالح من (طبقات الشافعية)
لهذه القاعدة وزاد فيها فقال:
((فنقول مثلاً لا يلتفت الى كلام ابن أبي ذئب في مالك، وابن معين في
الشافعي، والنسائي في أحمد بن صالح لأن هؤلاء أئمة مشهورون صار الجارح لهم
كالآتي بخبر غريب لو صح لتوفرت الدواعي على نقله وكان القاطع قائماً على
كذبه ... ، ومعنا أصلان نستصحبهما الى أن نتيقن خلافهما أصل عدالة الإمام
المجروح ... وأصل عدالة الجارح ... فلا نلتفت الى جرحه ولا نجرحه بجرحه،
فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات ... فنحن نقبل قول ابن معين .. ولا نقبل
قوله في الشافعي ولو فسر وأتى بألف إيضاح لقيام القاطع على أنه غير محق بالنسبة
إليه)) .
أقول: هوّل على عادته، والإنصاف أن الشافعي لم يكن معصوماً، ولم يقم القاطع
اليقيني على أنه لم يقع منه ما إذا وقع من الرجل صح أن يجرح به، ولم يكن الشافعي
طول عمره في جميع أحواله لا يزال بحضرته جم غفير تقضي العادة حتماً بأنه لو وقع
٢٦٧

منه شيء مما ذكر لتوفرت الدواعي على نقله، نعم لو فرضنا ان الجارح ذكر أمراً
يصح أن يقال فيه: لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله تواتراً: ولم يكن ذلك، فإنه
لا يقبل منه؛ ولو أن السبكي ترك أن يفرض ما لم يقع واعتنى بما وقع في الأمثلة
التي ذكرها وبين وجوهها لأجاد وأفاد، وقد تعرضت لما وقفت عليه من ذلك في
تراجم أولئك الثلاثة من قسم التراجم ولله الحمد .
٩ - مباحث في الاتصال والانقطاع
المبحث الأول: في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت
لقاؤه له .
ذكر مسلم في مقدمة (صحيحه) عن بعض أهل عصره: أنه شرط أن يثبت لقاء
الراوي للمروي عنه ولو مرة فإن لم يثبت لم يحكم لما يرويه عنه بالاتصال، وذكروا
أن الذي شرط ذلك هو البخاري وشيخه علي بن المديني، وحكى مسلم إجماع أهل
العلم سلفاً وخلفاً على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفه أن لا يحكم
بالاتصال فيما لم يصرح فيه الراوي بالسماع وإن ثبت اللقاء في الجملة ولم يكن الراوي
مدلساً .
وتوضيح هذا الالزام أنه كما أن الراوي الذي يُعرَف ويشتهر بالإرسال عمن
عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك؛ فإن كان ذلك الوقوع يوجب التوقف عن
الحكم بالاتصال في الأول فليوجبه في الثاني، وان لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في
الأول، أجاب النووي بما إيضاحه أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه
وسمع منه الظاهر منها السماع، والاستقراء يدل أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع إلا
المدلس؛ أقول: فمسلم يقول: الحال هكذا أيضاً في رواية غير المدلس عمن
عاصره، والرواية عن المعاصر على وجه الايهام تدليس أيضاً عند الجمهور، ومن لم
يطلق عليها ذلك لفظاً لا ينكر أنها تدليس في المعنى، بل هي أقبح عندهم من
إرسال الراوي على سبيل الإبهام عمن قد سمع منه.
٢٦٨

هذا وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليساً
إذا كان على وجه الإيهام، ويوافقه ما في (الكفاية) للخطيب (ص ٣٥٧).
وذكر مسلم أمثلة فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه ولم
تعد تدليساً ولا عُدُّو مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا
الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية
تدفع ظهور الصيغة في السماع، وقد كنت بسطت ذلك ثم رأيت هذا المقام يضيق
عنه؛ ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة، لأنا نقول:
هذا مسلم ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليساً بأن تكون بقصد الإيهام،
والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت
منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين .
وزعم النووي في (شرح صحيح مسلم) أنه لا يحكم على مسلم بأنه عمل في
( صحيحه) بقوله المذكور، وهذا سهو من النووي، فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام
أحاديث كثيرة زعم أنه لم يصرَّح فيها بالسماع ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل
العلم، ثم أخرج منها في أثناء (صحيحه) تسعة عشر حديثاً كما ذكره النووي نفسه،
ومنها ستة في (صحيح البخاري) كما ذكره النووي أيضاً .
هذا ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزم عدم
علم غيره، وهذا ليس بجواب عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله إنها
عند أهل العلم صحاح، وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم
مع العلم بسعة اطلاعه .
أقول: قد كان على المجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها،
وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في (صحيح البخاري)، وكنت أظنهم
قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رد دعوى مسلم، فاضطروا الى الاكتفاء
بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثت فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء بل
٢٦٩

ثبت في بعضها السماع، بل في (صحيح مسلم) نفسه التصريح بالسماع في حديث
منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها ما يثبت فيه
السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح
ذلك .
وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء إنما هو لما يخرجه في
(صحيحه) لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في
عدة من كتبه كـ (جزء القراءة) وغيره ما يدفع هذا . والله الموفق .
المبحث الثاني: في ضبط المعاصرة المعتد بها على قول مسلم، ضبطها مسلم بقوله:
(( كل رجل ثقة روى عن مثله حديثاً وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما
كانا في عصر واحد ... )) وجمعه بين ((جائز وممكن)) يشعر بأن المراد الإمكان
الظاهر الذي يقرب في العادة والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك؛ والمعنى
يؤكد هذا، فإنه قد ثبت أن الصيغة بحسب العرف ولا سيما عرف المحدثين وما
جرى عليه عملهم ظاهرة في السماع فهذا الظهور يحتاج الى دافع فمتى لم يعلم اللقاء
فإن كان مع ذلك مستبعداً، الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع لأن ظهور
عدم اللقاء يدافع ظهور الصيغة، وقد يكون الراوي عد ظهور عدم اللقاء قرينة على
أنه لم يرد بالصيغة السماع، وإن احتمل اللقاء احتمالاً لا يترجح أحد طرفيه فظهور
الصيغة لا معارض له، فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهراً بيناً فلا محيص عن الحكم
بالاتصال، وذلك كمدني روى عن عمر ولم يعلم لقاؤه له نصاً لكنه ثبت أنه ولد
قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلاً فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة
عمر في المسجد مراراً .
فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن
دينار فإنه يحكم باللقاء حتماً، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي
روى عن يمانٍ لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع؛ [ وانظر ما يأتي في
٢٧٠

الفقهيات في مسألة القضاء بالشاهد واليمين].
المبحث الثالث: لا يكفي احتمال المعاصرة لكن إذا كان الشيخ غير مسمى ففي
كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال وذلك فيما إذا جاءت الرواية عن فلان
التابعي ((عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .. )) ونحو ذلك،
راجع (فتح المغيث) (ص ٦٢)؛ والفرق بين التسمية والإبهام أن ظاهر الصيغة
السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينة فالمدلس يعتد بأنه قد عرف
منه التدليس قرينة وأما غيره فإذا سمى شيخاً ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن
المحتمل أنه كان معروفاً عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة،
وأهل العلم كثيراً ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان من حدث عنهم ولم يلقهم، بل
أفردوا ذلك بالتصنيف (( كمراسيل بن أبي حاتم)) وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم
الإدراك لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة، فأما إذا أبْهَم فلم يسم فهذا
الاحتمال منتفٍ لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عين ذلك الصحابي فكيف
يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟ ففي هذا تَنْتفي القرينة، واذا انتفت ظهر
السماع وإلا لزم التدليس والفرض عدمه. [ هذا ما ظهر لي، وعندي فيه توقُّف].
المبحث الرابع: اشتراط العلم باللقاء أو بالمعاصرة إنما هو بالنظر الى من قصدت
الرواية عنه فأما من ذكر عرضاً فالظاهر أنه يكفي فيه الاحتمال، فإذا كان غير
مسمى فالأمر أوضح لما مر في المبحث السابق، وذلك كما في حديث (الصحيحين)
من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: ((سأل رجل أنس بن مالك: ما سمعت نبي
الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر في الثوم؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه وآله
وسلم .... )) لفظ مسلم، ولفظ البخاري: ((سئل أنس عن الثوم؟ فقال: قال
النبي ◌َ ◌ّه ... )) عبد العزيز معروف بصحبة أنس ولا ندري من
السائل. ومن ذلك ما في (صحيح مسلم) من طريق حنظلة قال: ((سمعت عكرمة بن
خالد يحدث طاوساً أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ فقال إني سمعت
٢٧١

رسول الله عَ له .. )) وأخرجه البخاري من طريق حنظلة: ((عن عكرمة بن خالد
عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَ ظ له ... )) وقد يأتي شبه هذا ويكون المبهم هو
الراوي نفسه، وإنما كنى عن نفسه لغرض كحديث (الصحيحين) عن معاذة: (( أن
امرأة قالت لعائشة: أيجزي إِحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية(١)
أنت؟ .... )) لفظ البخاري، وفي (الفتح): ((بين شعبة في روايته عن قتادة أنها هي
معاذة الراوية، أخرجه الاسماعيلي من طريقه وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن
قتادة)) .
أقول: في (صحيح مسلم) من طريق يزيد الرشك (( عن معاذة أن امرأة
سألت .... )) ومن طريق عاصم عن معاذة قالت: ((سألت عائشة فقلت ... )) وقد
يجيء نحو ذلك والراوي لم يشهد القصة ولكنه سمعها بتمامها ممن قصد الرواية عنه
كما في حديث البخاري من طريق علقمة قال: (( كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة
يوسف فقال رجل: ما هكذا نزلت! فقال: قرأت على رسول الله عَ له ... )) ورواه
مسلم من وجه آخر عن علقمة: ((عن عبد الله قال: كنت بحمص فقال لي بعض
القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا
أنزلت .. )).
فإن لم يكن التصرف من الرواة فالجمع بين الروايتين أن علقمة كان مع عبد الله
ابن مسعود بحمص ولكنه لم يشهد القصة وإنما سمعها من عبد الله، ولما كان المقصود
الرواية عنه هو عبد الله لم يلتفت الى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة
للقصة، وهكذا ما في قول معاذة: ((أن امرأة سألت .... )) من إِيهام أن السائلة
غيرها فإن مثل ذلك لا يضع حكماً ولا يرفعه .
والسر في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه، ومن شك في هذا لزمه أن
يشك في اتصال قول ثقة غير مدلس قد عُرف بصحبة ابن المبارك: طار غراب
(١) نسبة إلى فرقة من الخوارج، قاتلهم سيدنا علي في حروراء وكانوا يكثرون الاسئلة،
وايراد المشكلات - زهير.
٢٧٢

فقال ابن المبارك .. ، أو: هبت ريح فقال ابن المبارك ... ، وهذا لا سبيل إليه
فكذا ذاك. والله الموفق .
المبحث الخامس: اشتهر في هذا الباب العنعنةُ مع أن كلمة ((عن)) ليست من
لفظ الراوي الذي يُذكر اسمه قبلها بل هي من لفظ من دونه وذلك كما لو قال
همام: ((حدثنا قتادة عن أنس)) فكلمة ((عن)) من لفظ همام لأنها متعلقة بكلمة
((حدثنا)) وهي من قول همام، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدىء الشيخ فيقول ((عن
فلان)) وإنما يقول حدثنا، أو أخبرنا، أو قال أو ذكر، أو نحو ذلك، وقد يبتدىء
فيقول ((فلان ... )) كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من (فتح المغيث)
وغيره، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات ((قال)) في أثناء الإسناد قبل ((حدثنا))
و((أخبرنا)) وذلك في نحو قول البخاري: (( حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال
حدثنا يحيى بن سعيد)) وكثيراً ما تحذف فيزيدها الشراح أو قراء الحديث ولا تثبت
قبل كلمة عن وتصفح إن شئت (شرح القسطلاني على صحيح البخاري) فبهذا
يتضح أنه في قول همام ((حدثنا قتادة عن أنس)) لا يدري كيف قال قتادة، فقد
یکون قال: ((حدثني أنس)) أو ((قال أنس)) أو ((حدث أنس)) أو (( ذکر أنس)» أو
((سمعت|أنساً)) أو غير ذلك من الصيغ التي تصرح بسماعه من أنس أو تحتمله لكن لا
يحتمل أن يكون قال ((بلغني عن أنس)) إذ لو قال هكذا لزم هماماً أن يحكي لفظه
أو معناه كأن يقول: ((حدثني قتادة عمن بلغه عن أنس)) وإلا كان همام مدلساً
تدليس التسوية، وهو قبيح جداً، وإن خف أمره في هذا المثال لما يأتي في قسم
التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد .
والمقصود هنا أنه لو قال راوٍ لم يعرف بتدليس التسوية: (( حدثني عبد العزيز بن
صهيب عن أنس، كان متصلاً لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس وأنه غير مدلس مع
أننا لا ندري كيف قال عبد العزيز فقد يكون قال ((قال أنس)) أو ((ذكر أنس))
أو ((حدث أنس)) أو ابتدأ فقال: ((أنس)) فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم
الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها، وقد صرحوا بذلك كما تراه في (فتح
٢٧٣

المغيث) (ص٦٩) وغيره، وما ذكروه من الخلاف في كلمة ((أن)) إنما هو في نحو
أن يجيء ((عن عبد العزيز أن أنساً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم)) ومعلوم أن
عبد العزيز لم يدرك ذلك، ومن حمله على السماع إنما مال الى أن الظاهر أن عبد
العزيز سمع القصة من أنس فكأنه قال: (( حدثني أنس أنه سأل النبي صلى الله عليه
وآله وسلم .. )) وفي المثال لا مزية لكلمة ((أن)) بل لو قال عبد العزيز: ((سأل
أنس النبي مَ له .. )) لكان هذا كقوله: ((عن عبد العزيز أن أنساً سأل ... )) بل إن
كلمة ((أن)) في المثال ليست من لفظ عبد العزيز وإنما هي من لفظ الراوي عنه
فقوله: ((حدثني عبد العزيز أن أنساً سأل)) إنما تقديره ((حدثني عبد العزيز بأن أنساً
سأل)) وقد يكون عبد العزيز قال: ((سأل أنس)) وقد يكون قال غير ذلك؛ والله
أعلم .
٢٧٤

القِسْمُ الثّاني
في الترَاجِم

أسوق في هذا القسم على الحروف تراجم الأئمة والرواة الذين تكلم فيهم الأستاذ
في (التأنيب) وربما ذكرت غيرهم لاقتضاء الحال، فأذكر في كل ترجمة كلام
الأستاذ وما له وما عليه متحرياً إن شاء الله تعالى الحق، فما لم أنسبه من أقوال أئمة
الجرح والتعديل إلى كتاب فهو من (تهذيب التهذيب) أو (لسان الميزان)، وعادة
مؤلفها أن لا يجزم بالنقل فیما لم يثبت عنده، فإن تبين لي خلاف ذلك نبهت عليه،
وما عدا ذلك فإني أسمي الكتاب وأبين الجلد والصفحة غالباً إن كان مطبوعاً؛
وأعوذ بالله من شر نفسي وسيء عملي، وأسأله التوفيق فإنه لا حول ولا قوة إلا
بالله .
١ - أبان بن سفيان. في (تاريخ بغداد) (٣٩٩/١٣) (( ... علي بن حرب
حدثنا أبان بن سفيان حدثنا حماد بن زيد ... )) قال الأستاذ في (التأنيب) (ص
١١٣) ((في سنده أبان بن سفيان قال ابن حبان يروي عن (الثقات) أشياء
موضوعة. وقال الدارقطني متروك )).
أقول في (الميزان) و (اللسان) ذكر رجلين يقال لكل منهما أبان بن سفيان
أحدهما بصري نزل الموصل من بلاد الجزيرة روى عن أبي هلال محمد بن سليم
البصري قال فيه الدارقطني: ((جزري متروك)). والثاني مقدسي روى عن الفضيل
ابن عياض وعبيد الله بن عمر روى عنه محمد بن غالب الأنطاكي قال فيه ابن حبان:
((روى أشياء موضوعة)) وأورد له حديثين وقال: ((هذان موضوعان)) وناقشه
٢٧٧

الذهبي في (الميزان) ثم استظهر الذهبي أن الرجلين واحد وذكر ابن حجر أن النباتي
فرق بينهما .
أقول: والفرق هو الظاهر، فأما الذي في سند الخطيب فإن كان غير هذين فلا
نعرفه، وإن كان أحدهما، فالظاهر أنه الأول، فإن حماد بن زيد بصري من طبقة
محمد بن سليم، وعلي بن حرب موصلي. والله أعلم.
٢ - إبراهيم بن بشار الرمادي. في (تاريخ بغداد) ((٣٨٩/١٣))(١) , ...
إبراهيم بن بشار الرمادي حدثنا سفيان بن عيينة ... )) قال الأستاذ (ص ٨٢)
(( عنه يقول ابن أبي حاتم أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إليَّ قال: سمعت
أبي وذكر إبراهيم بن بشار الرمادي فقال: كان يحضر معنا عند سفيان ثم يملي على
الناس ما سمعوه من سفيان وربما أملى عليهم ما لم يسمعوا - كأنه يغير الألفاظ
فتكون زيادة ليس في الحديث فقلت له ألا تتقي الله تملي عليهم ما لم يسمعوا -
وذمه في ذلك ذماً شديداً)).
أقول: وقال ابن معين: ((ليس بشيء ولم يكتب عند سفيان وكان يملي على الناس
ما لم يقله سفيان)) وقال النسائي: ((ليس بالقوي)) وقال أبو حاتم ((صدوق)) وقال
أبو عوانة في صحيحه: ((ثقة من كبار أصحاب ابن عيينة وممن سمع منه قديماً))
وقال الحاكم: ((ثقة مأمون من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة)) وقال يحيى بن
(١) كذا الأصل، وكذا في (التأنيب)، والظاهر انهما ينقلان عن نسخة غير النسخة
المتداولة اليوم من (التاريخ) الطبعة الاولى سنة ١٣٤٩ بمصر، فان الرواية فيها
(٤٠٥/١٣)، وكذلك الارقام في سائر التراجم الآتية تختلف عن الواقع في هذه
الطبعة، فزد على كل رقم نحو عشرة تجد الرواية فيها ان شاء اللّه. وسبب هذا التفاوت
بين النسخ - فيما بلغني - أن هذا الجزء الثالث عشر من (التاريخ) لما نزل الى السوق
واطلع عليه بعض المتعصبين لأبي حنيفة رحمه اللّه هالهم ما جاء في ترجمته من طعون
رواها الخطيب بأسانيده، فكلف الشيخ الكوثري بالتعليق عليها ففعل وأعيد طبع
الجزء مع التعليقات المذكورة . ن.
٢٧٨

الفضل: ((كان والله ثقة)) وقال ابن حبان في (الثقات): ((كان متقناً ضابطاً صحب
ابن عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مراراً ... )) ولقد حدثنا أبو خليفة ثنا
إبراهيم بن بشار الرمادي قال: حدثنا سفيان بمكة و((عبّادان)) وبين السماعين أربعون
سنة. سمعت أحمد بن زنجويه يقول سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول
سمعت يحيى بن معين يقول: كان الحميدي لا يكتب عند سفيان بن عيينة وإبراهيم
بن بشار أحفظهما .
أقول: يتحصل من مجموع ما ذكر أن إبراهيم كان قد سمع من سفيان بن عيينة
قديماً ثم كان يحضر مجالسه فربما حدث سفيان ببعض تلك الأحاديث فربما أبدل
كلمة بأخرى أو نحو ذلك على ما هو معروف من عادة سفيان في الرواية بالمعنى،
وكان بعض الحاضرين لا يتمكنون من الحفظ أو الكتابة وقت السماع، فإذا فرغ
المجلس رغبوا إلى إبراهيم فيملي عليهم ذاك المجلس، فربما أملى عليهم كما حفظ
سابقاً، ويكون في ذلك ألفاظ مغايرة للألفاظ التي عبر بها سفيان في ذاك المجلس،
فذاك الذي أنكره عليه أحمد ويحيى، وقد يقال: إن كان إبراهيم لم يشعر
بالاختلاف فالخطب سهل، وإن شعر به فغايته أن يكون استساغ للجماعة أن يذهب
أحدهم فيروي عن سفيان كما حدث سفيان قديماً، وإن كان هو إنما سمعه بتغييرٍ
ما في الألفاظ كما ساغ لسفيان أن يروي ما سمعه تارة كما سمعه، وتارة بتغييرٍ ما
في الألفاظ، بل هذا أسوغ فإن اللفظين كلاهما صحيح عن سفيان؛ وبالجملة فهذا
توسع في الرواية بالمعنى لا يوجب جرحاً، وظاهر قول أحمد ((كأنه يغير الألفاظ))
أنه جوز أن إبراهيم يغير الألفاظ من عنده وذلك أشد، وهكذا ما یروى عن ابن
معين أنه قال في إبراهيم: ((رأيته ينظر في كتاب وابن عيينة يقرأ ولا يغير شيئاً
ليس معه ألواح ولا دواة)) فالكتاب الذي كان ينظر فيه سماعه القديم من ابن عيينة
فكان يعيد سماعه ليتثبت، وقد عرف عادة ابن عيينة في الرواية بالمعنى فلم يكن
يلتفت إلى اختلاف بعض الألفاظ، ولعله لو رأى اختلافاً معنوياً لراجع ابن عيينة
إما في المجلس وإما بعده .
٢٧٩

وقد جاء عن يحيى القطان أنه ذكر لابن عيينة ما قد يقع في حديثه من
الاختلاف فقال ابن عيينة: ((عليك بالسماع الأول فإني قد سئمت)) كما في (فتح
المغيث) (ص ٤٩٢). وفي (التهذيب): (( وقال أحمد: كأن سفيان الذي يروي عنه
إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة . يعني مما يغرب عنه وكان مكثراً عنه)).
أقول: وحق لمن لازم مثل ابن عيينة في كثرة حديثه عشرات السنين أن يكون
عنده عنه ما ليس عند غيره ممن صحبه مدة قليلة؛ نعم قال البخاري في إبراهيم:
((يهم في الشيء بعد الشيء وهو صدوق) وأورد له حديثاً رواه ابن عيينة مرفوعاً(١)
وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلاً، قال ابن عدي: ((لا أعلم أنكر عليه إلا هذا
الحديث الذي ذكره البخاري وباقي حديثه مستقيم، وهو عندنا من أهل الصدق)).
أقول: فإن كان وهم في هذا وهم يسير في جانب ما روى، فالرجل ثقة ربما
وهم، والسلام .
هذا وقد توبع إبراهيم على الرواية التي ساقها الخطيب وذكر الأستاذ نفسه متابعة
علي بن المديني له، غاية الأمر أن بين اللفظين اختلافاً ما وجهه أن ابن عيينة قال
مرة كما ذكره إبراهيم، ومرة كما ذكره ابن المديني. [ راجع ص ٤] والله أعلم .
٣ - إبراهيم بن الحجاج. في (تاريخ بغداد) ((٣٩٢/١٣)).(( ... الحسن بن
سفيان عن إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن زيد ... )) قال الأستاذ (ص ٩٤)
(( قدري ففي قبول قوله في أئمة السنة وقفة)) .
أقول: في ترجمة إبراهيم بن الحجاج السامي من (تهذيب المزي) أنه يروي عن
حماد بن زيد ويروي عنه الحسن بن سفيان وكذا في ترجمة إبراهيم بن الحجاج
النيلي، وكلاهما موثق ولم أجد نسبة أحدهما إلى القدر، وليس كل بصري قدرياً،
(١) كذا الأصل، والصواب أن يقال: ((موصولا)) لانه الذي يقابل قوله الآتي ((مرسلا))
ولأن المرسل مرفوع ايضاً . ن.
٢٨٠