Indexed OCR Text

Pages 201-220

وتناول الأعاجم هذه الفرية فاختلقوا لها عدة طرق وقبلها علماء الحنفية واحتجوا
بها، حتى إن البدر العيني شارح (صحيح البخاري) الذي يحاول الأستاذ تفضيله
على الحافظ الشهاب ابن حجر ويقول في تفضيل شرحه على ( فتح الباري): (( وليس
الشهاب كل حين بثاقب، بينما البدر ملتمع الأنوار من كل جانب)). (١) ذكر العيني
تلك الطرق ثم قال: كما نقله الأستاذ في (التأنيب) (ص ٣٠): ((فهذا الحديث كما
ترى قد روي بطرق مختلفة (بل مختلقة) ومتون متباينة ورواة متعددة عن النبي عليه
الصلاة والسلام، فهذا يدل على أن له أصلاً وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم
ينكرونه وبعضهم يدعون أنه موضوع، وربما كان هذا من أثر التعصب، ورواة
الحديث أكثرهم علماء وهم من خير الأمم فلا يليق بحالهم الاختلاق على النبي عليه.
الصلاة والسلام ... )).
ولا أدري أأقول هذا مبلغ علم العيني أم مبلغ تعصبه؟ وقد سعى الأستاذ في
تأييد كلام العيني وسيأتي الكلام في ذلك في ترجمة محمد بن سعيد البورقي إن شاء
الله تعالى. والذي تفنَّن في طرق تلك الفرية هو يونس بن طاهر النضري الملقب
شيخ الإسلام، ومن جملة رواياته ما ذكر الموفق في (مناقبه) (ج ١ ص ١٦) من
طريق النضري بسنده ((رأى أبو حنيفة في المنام ... فارتحل إلى البصرة فسأل محمد
ابن سيرين عن هذه الرؤيا فقال: لست بصاحب هذه الرؤيا صاحب هذه الرؤيا أبو
حنيفة، فقال: أنا أبو حنيفة، فقال: اكشف عن ظهرك، فكشف، فرأى بين كتفيه
خالاً فقال له محمد بن سيرين: أنت أبو حنيفة الذي قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم: يخرج في أمتي رجلٌ يقال له أبو حنيفة بين كتفيه خال يحيي الله على يديه
السنة))، ولا يخفى ما في ذكر الخال بين الكتفين من المضارعة لخاتم النبوة.
فالأستاذ عافانا الله وإياه يأخذ روايات الحنفية في مناقب أبي حنيفة كأنها
مسلّمة بل يصرح بأنها متواترة ويتجلد حق التجلد فيدافع عن أحمد بن محمد بن
(١) لا أحب أن اناقش الاستاذ في هذا فانه يعرف حقيقة الحال، والله المستعان.
٢٠١

الصلت كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، ويطعن في أئمة الدين كأبي إسحاق
إبراهيم بن محمد الفزاري وعبد الله بن الزبير الحميدي وأضرابهما كما يأتي في
التراجم إن شاء الله تعالى، مع أن ابن الصلت مُجمّع على تكذيبه، والفزاري
والحميدي وجماعة من أضرابهما الذين طعن فيهم الأستاذ مُجَمع على أنهم أئمة
أثبات. ولا ريب أن أتباع أصحاب الحديث جهالاً ومغفلين وفجاراً وأنه وقع من
هؤلاء الكذب، ولولا أن الخطيب اجتهد فلم يورد في حكايات الغض ما بان له
سقوطه لجاء بالعجب العجاب لكن الجهل في الجانب الآخر أعم وأطم لغلبة الجهل
بالسنة، وقلة الرواية التي يراقب صاحبها ألسنة النقاد صباح مساء ويخاف أن يفقد
رأس ماله بكلمة واحدة منهم.
وكان مقتضى الحكمة اتباع ما مضى عليه أهل العلم منذ سبعمائة سنة تقريباً من
سدل الستار على تلك الأحوال وتقارض الثناء واقتصار الحنفية في بعض المناسبات
على التألم من الخطيب بأنه أورد حكايات لا تصح، فيقتصرون على هذا الاجمال
ونحوه ولا يطعنون في الخطيب ولا في راوٍ بعينه ويعوضون أنفسهم بالاستكثار من
روايات المناقب، فإن جاوز بعضهم ذلك فعلى قدر ومراعاة للجانب الآخر، فليت
الأستاذ اكتفى بما يقرب من ذلك وطوى الثوب على غرة، فإن أبت نفسه إلا بعثرة
القبور فليتحر الحق إما تدينا، وإما علماً بأن في الناس بقايا وفي الزوايا خبايا (١).
أما أنا فقد قدمت بيان مقصودي ولا شأن لي بما عداه ولو ألجئت إلى نقد
الروايات من الجانبين لتحريت الحق إن شاء الله تعالى، وذلك بالنظر في أحوال
الرواة من الفريقين، فمن وثقه أهل العلم فلا بد من قبوله، ولا يعد ميله إلى أبي
حنيفة ولا انحرافه عنه مسوغاً لاتهامه بالكذب، كما سيأتي في قاعدة التهمة إن شاء
(١) ومنهم من يقول:
سلاح لنا لا يشترى بالدراهم
فإن تمنعوا عنا السلاح فعندنا
جنادل املاء الاكف كأنها
رؤوس رجال حلقت في المواسم
٢٠٢
٣٠

الله تعالى، ولا يلزم من ثقته بنفسه توجه الذم ولا تحقق المدح لما تقدم في الفصل
الثاني، كما لا يلزم من اتجاه عدم قبول المروي سقوط رجال السند كلهم، بل ولا
سقوط المتفرد به وإن كان من فوقه في السند كلهم ثقات أثباتاً لاحتمال الخطأ
والغلط والتأويل وغير ذلك كما يعترف به الأستاذ، نعم قد لا يكون مساغ لشيء
من ذلك ويتحقق البطلان لكن الحكم بمثل هذا يحتاج إلى معرفة بالغة واطلاع
واسع، وصدر غني بالتقوى بعيد عن الهوى؛ وسترى في التراجم ما ترى إن شاء
الله (١)
(١) وأين التقوى ممن يكذب على الله ورسوله - مع علمه بذلك - وما عهدنا بأتباعه
ببعيد، وعلى الأخص ما نشروا من رسائل ومقالات تحت أسماء مستعارة غالباً دون
خوف من الله أو حياء من الناس ومنها: ((الرد على صلاة التراويح)) والتعليق عليها،
و ((التقرير عن شرح العقيدة الطحاوية)) و((رسائل أرشد السلفي)) و((مقالات عبد الله
ابن عبد الجبار العلي)) و((لعبة ... د.محمد راتب قولى)) و((الرسائل التسع)) و((الأمة
العربية في تحقيق معركة الذات)) و((دراسات تاريخية)) و((حديث المزارعة عند أبي
داود)) و((رسالة أبي نوفل)) و((ويلك آمن)) .. الخ. ولتفصيل ذلك مكان آخر ان شاء
الله .
- زهير الشاويش -
٢٠٣
1

الفَصْلُ الخَامِسْ
الأستاذ من أهل الرأي، ويظهر أنه من غلاة المقلدين في فروع الفقه، ومن
مقلدي المتكلمين، ومن المجارين لكتاب العصر إلى حدٍ ما، وكل واحدة من هذه
الأربع تقتضي قلة مبالاة بالمرويات، ودربة على التمحل في ردها، وجرأة على
مخالفتها واتهام رواتها .
أما أهل الرأي فهذه بدايتهم في (الصحيح) عن أبي هريرة قال: ((إنكم
تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله عَ لّه والله الموعد ، إني كنت
امرءاً مسكيناً أصحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ملء بطني وكان
المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على
أموالهم .... )) ومن تتبع السيرة والسنة علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ربما
يقضي بالقضية أو يحدث بالحديث أو يفتي في مسألة وليس عنده من أصحابه إلا
الواحد أو الإثنان، ثم كان معظم أصحابه لا يحدثون بالحديث عنه صلى الله عليه
وآله وسلم إلا عندما تدعو الحاجة.
ومن لازم ما تقدم مع احتمال نسيان بعضهم أو موته قبل أن يخبر بالحديث أن
يكون كثير من السنن ينفرد بسماعها أو بحفظها أو بروايتها آحاد الصحابة، ثم تفرق
الصحابة في الأقطار فمنهم من هو في باديته، ومنهم من صار إلى الشام والعراق
ومصر واليمن، فكان عند أهل كل جهة أحاديث من السنة لم تكن
عند غيرهم في أول الأمر - كما روي عن مالك - ثم اجتهد أصحاب الحديث في
٢٠٤

جمع السنة من كل وجه.
وقد علم من الشريعة أنه ليس على العالم الإحاطة بالعلم كله، وأن من شهد له
أهل العلم بأنه عالم، فإنما عليه إذا احتاج إلى قضاء أو فتوى أن ينظر في كتاب الله
عز وجل وفيما يعلمه من السنة، فإن لم يجد فيهما النص على تلك المسألة سأل من
يسهل عليه ممن يرجو أن يكون عنده دليل، فإن لم يجد وعرف أن لبعض الصحابة
قولاً في تلك المسألة لم يعلم له مخالفاً أخذ به وإن علم خلافاً رجح. فإن لم يجد قول
صحابي ووجد قول تابعي ممن تقدمه لم يعلم له مخالفاً فيه أخذ به وإن علم خلافاً
رجح.
وكان الغالب في الترجيح أن يرجح العالم قول من كان ببلده من الصحابة أو
التابعين لمزيد معرفته بهم المقتضية لزيادة الوثوق هذا مع ما للإلف والعادة من الأثر
الخفي؛ فإن لم يجد شيئاً مما تقدم اجتهد رأيه وقضى وأفتى بما يظهر له.
ثم إذا قضى أو أفتى مستنداً إلى شيء مما تقدم ثم وجد دليلاً أقوى مما استند
إليه يخالف ما ذهب إليه سابقاً أخذ من حينئذ بالأقوى، على هذا جرى الخلفاء
الراشدون وغيرهم كما هو مبسوط في مواضعه ومنها (إعلام الموقعين).
وكان كثير من أهل العلم من الصحابة وغيرهم يتقون النظر فيما لم يجدوا فيه
نصاً، وكان منهم من يتوسع في ذلك، ثم نشأ من أهل العلم ولا سيما بالكوفة من
توسع في ذلك، وتوسع في النظر في القضايا التي لم تقع وأخذوا يبحثون في ذلك
ويتناظرون ويصرفون أوقاتهم في ذلك، واتصل بهم جماعة من طلبة العلم تشاغلوا
بذلك ورأوه أشهى لأنفسهم وأيسر عليهم من تتبع الرواة في البلدان والإمعان في
جمع الأحاديث والآثار، ومعرفة أحوال الرواة وعاداتهم والإمعان في ذلك ليعرف
الصحيح من السقيم والصواب من الخطأ والراجح من المرجوح، ويعرف العام
والخاص والمطلق والمبين وغير ذلك، فوقعوا فيما روي عن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه أنه قال: (( إياكم والرأي فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث
أن يعوها وتفلتت منهم أن يحفظوها فقالوا في الدين برأيهم)) راجع (إعلام
٢٠٥

الموقعين) طبعة مطبعة النيل بمصر (ج ١ ص ٦٣) وراجع (كتاب العلم) لابن عبد
البر .
فوقع فيما ذهبوا إليه وعملوا به وأفتوا مسائلُ ثبتت فيها السنة مخالفة لما ذهبوا
إليه، لم يكونوا اطلعوا عليها، فكان الحديث من تلك الأحاديث إذا بلغهم ارتابوا
فيه لمخالفته ما ذهب إليه أسلافهم واستمر عليه عملهم ورأوا أنه هو الذي يقتضيه
النظر المعقول (القياس)، فمن تلك الأحاديث ما كان من الثبوت والصراحة بحيث
قهرهم فلم يجدوا بدأً من الأخذ به، وكثير منها كانوا يردونها ويتلمسون المعاذير
مع أن منها ما هو أثبت وأظهر وأقرب إلى القياس من أحاديث قد أخذوا بها لكن
هذه التي أخذوا بها مع ما فيها من الضعف ومخالفة القياس وردت عليهم قبل أن
يذهبوا إلى خلافها فقبلوها اتباعاً، وتلك التي ردوها مع قوة ثبوتها إنما بلغتهم بعد
أن استقر عندهم خلافها واستمروا على العمل بذلك ومضى عليه أشياخهم، وربما
أخذوا بشيء من النقل ثم بلغهم من السنة ما يخالفه فأعجزهم أن ينظروا كما ينظر
أئمة الحديث لمعرفة الصحيح من السقيم والخطأ من الصواب والراجح من المرجوح
فقنعوا بالرأي كما ترى أمثلة لذلك في قسم الفقهيات ولا سيما في مسألة ما تقطع فيه
يد السارق، وهذا ديدنهم وعليه يعتمد الطحاوي وغيره منهم.
ولهذا بينما تجد الحنفية يتبجَّحون بأن مذهب أبي حنيفة وسائر فقهاء العراق
تقديم الحديث الضعيف على القياس، وقد ذكر الأستاذ ذلك في (التأنيب)
(١٦١)، إذا بهم يردون كثيراً من الأحاديث الصحيحة لمخالفتها آراء سلفهم
وآراءهم التي أخذوا بها، وقد كان الشافعي ينعى عليهم ذلك، ومن كلامه كما في
(سنن البيهقي) (ج ١ ص١٤٨):
((والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس أن لا ينتقض ولكنه
يتبع الآثار، فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميداً، ولكنه
يرد منها الصحيح الموصول المعروف ويقبل الضعيف المنقطع)).
فالحنيفة يعرفون شناعة رد السنة بالرأي ولكنهم يتلمسون المعاذير فيحاولون
٢٠٦

استنباط أصول يمكنهم إذا تشبثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث التي رودها بعذر
سوى مخالفة القياس وسوى الجمود على اتباع أشياخهم، ولكن تلك الأصول مع
ضعفها لا تطرد لهم لأن أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها ولهذا يكثر تناقضهم، وفي
مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم، بل من تدبر ما كتبوه في أصول الفقه
بان له كثير من التناقض، كما ترى المتأخر منهم يخالف المتقدم حتى أن الأستاذ
الكوثري ذكر في (التأنيب) (ص١٥٢ - ١٥٣) عدة أصول لمحاربة السنن الثابتة
ومنها ما خالف فيه من تقدمه منهم، ولما تعقبته في (الطليعة) (ص ١٠٢) في قوله:
( عنعنة قتادة متكلم فيها )» بأن ذلك الحديث في (صحيح البخاري) وفيه: « حدثنا
قتادة حدثنا أنس .. )) وفي مسند أحمد وفيه: ((أنا قتادة أن أنساً أخبره ... )) أجاب
في (الترحيب) (ص ٤٩) بقوله: ((من مذهب أبي حنيفة أيضاً كما يقول ابن رجب
في (شرح علل الترمذي) رد الزائد إلى الناقص في الحديث متناً وسنداً. وهذا
احتياط بالغ في دين الله ... فهل عرفت الآن يا معلمي مذهب الإمام لتقلع عن
نسج الأوهام))(١) .
هذا والأستاذ يعلم أولاً أن النسبة إلى أبي حنيفة لا يكفي في إثباتها قول رجل
حنبلي بينه وبين أبي حنيفة عدة قرون!
ويعلم ثانياً ما في كتب مذهبه مما يخالف هذا.
ويعلم ثالثاً أن قول الراوي: ((قتادة عن أنس )) وقوله مرة أخرى أو قول غيره:
((قتادة حدثنا أنس)) ومرة أخرى: ((قتادة أن أنساً أخبره)) ليس من باب النقص
والزيادة وإنما هو من باب: المحتمل والمعين، أو المجمل والمبين.
ويعلم رابعاً أن من أصل الحنفية الاحتجاج بالمنقطع، فما لم يتبين انقطاعه بل هو
متردد بين الاتصال والانقطاع أولى، فإذا ثبت مع ذلك اتصاله من وجه آخر فآكد .
ويعلم خامساً أنه لا ينبغي له أن يدافع عن نفسه بإلقاء التهم على إمامه.
(١) يلاحظ ان العلامة المعلمي يخاطب الكوثري بـ (الاستاذ) و(العلامة) .. والكوثري
يخاطبه بهذه الجلافة !! - زهير -.
٢٠٧

فأما الاحتياط البالغ في دين الله الذي يموه به الأستاذ فالتحري البالغ الذي سبق
ما فيه في الفصل الثالث فلا نعيده.
هذا وحديث الرضخ سيأتي بسط الكلام فيه في الفقهيات إن شاء الله تعالى.
والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادة ودربة في دفع الروايات الصحيحة
ومحاولة القدح في بعض الرواة حتى لم يسلم منهم الصحابة رضي الله عنهم، على أن
الأستاذ لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقرب منه بل أربى عليهم جميعاً كما تراه في
(الطليعة) ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى.
وأما غلاة المقلدين فأمرهم ظاهر وذلك أن المتبوع قد لا تبلغه السنة وقد يغفل
عن الدليل أو الدلالة وقد يسهو أو يخطيء أو يزل، فيقع في قول تجيء الأحاديث
بخلافه فيحتاج مقلدوه إلى دفعها والتمحل في ردها، ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما
عرف عنهم لهان الخطب، ولكنه يعد غلوهم تقصيراً!
وأما المتكلمون فأول أمن بلغنا أنه خاض في ذلك عمرو بن عبيد، ذكر له حديث
يخالف هواه، رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم، فقال عمرو: ((لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو
سمعته من زيد بن وهب لما صدقته ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو
سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله - عز
وجل - يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا)) (١).
وتعدى إلى القرآن فقال في ﴿تبت يدا أبي لهبٍ﴾ وقوله تعالى ﴿ذرني ومن
خلقت وحيداً﴾: ((لم يكونا في اللوح المحفوظ)) كأنه يريد أن الله تبارك وتعالى لم
يكن يعلم بما سيكون من أبي لهب ومن الوحيد. ثم كان في القرن الثاني جماعة ممن
عرف بسوء السيرة والجهل بالسنة ورقة الدين كثمامة بن أشرس والنظام والجاحظ
(١) ساقه الذهبي في ترجمة عمرو بن عبيد في ((الميزان)) مساق المسلمات. ن.
٢٠٨

خاضوا في ذلك كما أشار إليه ابن قتيبة وغيره، وجماعة آخرون كانوا يتعاطون
الرأي والكلام يردون الأخبار كلها، وآخرون يردون أخبار الآحاد أي ما دون
المتواتر، كَسَرّ الله تعالى شوكتهم بالشافعي حتى إن شيوخه ومن في طبقتهم من
الأكابر كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي انتفعوا بكتبه، قال
الشافعي في (الأم) (ج ٧ ص ٢٥٠): ((باب حكاية قول الطائفة التى ردت الأخبار
كلها)) ثم ذكر مناظرته لهم. ثم قال بعد ذلك: ((باب حكاية قول من رد خبر
الخاصة)). فذكر كلامه معهم، وبسط الكلام في ذلك في (الرسالة)، وفي ( کتاب
اختلاف الحديث). ثم كانت المحنة وويلاتها وكان دعاتها لا يجرؤون على رد
الحديث، وسيأتي في ترجمة علي بن عبد الله بن المديني بعض ما يتعلق بذلك، ثم جاء
محمد بن شجاع بن الثلجي فلم يجرؤ على الرد وإنما لفق ما حاول به إسقاط حماد بن
سلمة كما يأتي في ترجمة حماد إن شاء الله تعالى، وجمع كتاباً تكلف فيه تأويل
الأحاديث وتبعه من الأشعرية ابن فُورَك في كتابه المطبوع، ثم اشتهر بين المتكلمين
أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لا تصلح حجة في صفات الله عز وجل
ونحوها من الاعتقاديات وصرحوا بذلك في كتب الكلام والعقائد كالمواقف
وشرحها، والأمر أشد من ذلك كما يأتي في الاعتقاديات إن شاء الله تعالى.
والأستاذ يدين بالكلام ويتشدد، ومع هذا كله فغالب أصحاب الرأي وغلاة
المقلدين وأكثر المتكلمين لم يقدموا على اتهام الرواة الذين وثقهم أهل الحديث، وإنما
يحملون على الخطأ والغلط والتأويل وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي
والمقلدين، أما الأستاذ فبرز على هؤلاء جميعاً !.
وأما كتاب العصر فإنهم مقتدون بكتاب الافرنج الذين يتعاطون النظر في
الاسلاميات ونحوها وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للاسلام إنما يعرفون
الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منه.
فمن الموانع التديّن والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة
وقد قال سبحانه: ﴿إِنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ وفي
٢٠٩

(الصحيح) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( علامة المنافق ثلاث وإِن صام وصلى
وزعم أنه مسلم، إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف)) وإخلاف
الوعد أغلب ما يكون إذا الوعد كذباً، والخيانة تعتمد الكذب كما لا يخفى.
وقال أبو بكر الصديق: ((الكذب مجانب للإيمان)) (١) فأما توّهم حل الكذب في
مصلحة الدين فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدهم غفلة لأن حظر الكذب
مطلقاً هو من أظهر الأحكام الشرعية. وأولئك الكتاب لا يعرفون هذا المانع لأنهم
لا يجدونه في أنفسهم ولا يجدون فيمن يخالطونه من تقهرهم سيرته على اعتقاد
اتصافه بهذا المانع لضعف الايمان في غالب الناس ورقة التدين، ولا يعرفون من
أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع لأنهم إنما يطالعون
التواريخ وكتب الأدب كـ (الأغاني) ونحوها، وهذه الكتب يكثر فيها الكذب
والحكايات الفاجرة، وكان فجرة الإخباريين يضعون تلك الحكايات لأغراض منها
دفع الملامة عن أنفسهم - يقولون ليس هذا العيب خاصاً بنا بل كان من قبلنا
كذلك حتى المشهورون بالفضل؛ ومنها ترويج الفجور والدعاية إليه ليكثر أهله
فيجد الداعي مساعدين عليه ويقوى عذره، ومنها ترغيب الأمراء والأغنياء في
الفجور وتشجيعهم عليه ليجد الدعاة المتأدبون مراعي خصبة يتمتعون فيها بلذاتهم
وشهواتهم، ومنها التقرب إلى الأمراء والأغنياء بالحكايات الفاجرة التي يلذ لهم
سماعها إلى غير ذلك.
وما يوجد في تلك الكتب من الصدق إنما يصوّر طائفة مخصوصة كالأمراء
المترفين والشعراء والأدباء ونحوهم، ولو عكف أولئك الكتاب على كتب السنة
ورجالها وأخبارهم لعلموا أن هذه الطائفة وهي طائفة أصحاب الحديث كان ذلك
المانع غالباً فيهم، وقد احتج بعضهم بما في (الأغاني) في أخبار عمر بن أبي ربيعة
(١) أخرجه أحمد بسند صحيح. ن . - أي استاذنا المحدث محمد ناصر الدين
الالباني - زهير .
٢١٠

من طريق عبد العزيز بن أبي ثابت (وهو عبد العزيز بن عمران) عن محمد بن عبد
العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام ... )) ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث وفكر في أحوالهم
وفي حال القصة لعلم بطلان القصة حتماً .
ومن الموانع خوف الضرر الدنيوي، وأولئك الكتاب يعرفون شرط هذا المانع.
وهو الضرر المادي فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنبون الخيانة.
والكذب في المعاملات خوفاً من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم فيعدلوا إلى معاملة
غيرهم، بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالباً وإلا لكانت
الخصومات مستمرة في الأسواق بل لعلها تتعطل الأسواق فليتدبر القاريء ذلك.
فأما الشطر المعنوي فإن اولئك الكتاب لا يقدرون قدره فأقول: كان العرب يحبون
الشرف ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل، وفي أوائل (صحيح
البخاري) في قصة أبي سفيان بن حرب أن هرقل لما جاءه كتاب النبي صلى الله
عليه وآله وسلم دعا بمن كان بالشام من تجار قريش فأتى بأبي سفيان ورهط معه
قال: ((ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه
نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسباً، قال أدنوه مني وقربوا أصحابه
فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فان
كَذَبني فكذبوه. قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عليه ... ))
قال ابن حجر في (فتح الباري): (( وفي قوله يأثروا دون قوله يكذبوا دليل على أنه
كان واثقاً منهم بعدم التكذيب ان لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم لكنه ترك ذلك استحياء وأنفةً من أن يتحدثوا بعد أن يرجعوا.
فيصير عند سامعي ذلك كذاباً، وفي رواية ابن اسحاق التصريح بذلك))؛ أقول :
وهذا هو الذي أراده هرقل، ثم جاء الاسلام فشدد في تقبيح الكذب جداً حتى قال
الله عز وجل: ﴿إِنّا يَفْتَرِي الْكَذب الذين لا يُؤْمِنُون بآياتِ الله﴾ وروي عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً كذب عليه فبعث علياً والزبير فقال: ((إذهبا فان
٢١١

أدركتماه فاقتلاه)) (١).
وتوهم رجل من صغار الصحابة أمراً فأخبر بما توهمه وما يقتضيه ففضحه الله
عز وجل إلى يوم القيامة إذ أنزل فيه ﴿يا أيُّها الذين آمَنُوا إِنْ جاءَكُم فاسِقٌ بِنْبَأ
فَتَبَيِّنُوا﴾ ،.ثم كان الصحابي يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا
يخفى أثره على النفس ويعلم أنه إن بان لهم منه أنه كذب كذبة سقط من عيونهم
ومقتوه واتهموه بأنه لم يكن مؤمناً وإنما كان منافقاً.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال ودام ذلك زماناً
ولم يبلغنا عن أحد منهم انه رمى مخالفه بالكذب في الحديث، وكان التابعون إذا
سمعوا حديثاً من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة ولم يبلغنا أن أحداً منهم
كذب صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطئه، وكان المهلب بن أبي صفرة في محاربته
الأزارقة يعمل بما رخص فيه للمحارب من التورية الموهمة فعاب الناس عليه ذلك
حتى قيل فيه:
أنت الفتى كل الفتى لو كنت تصدق ما تقول
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ
دائباً في الطلب والحفظ والجمع ليلاً ونهاراً ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان
ويقاسي المشاق الشديدة كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره
إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب
الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه، وفي (تهذيب التهذيب) (ج ١١ ص ١٨٣):
((قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: (( كنت قاضياً وأميراً
(١) أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٦٤/١ - ١٦٥) من حديث بريدة،
والطبراني في ((طرق حديث من كذب علي)) (ق ١/٤٧) من حديث عبدالله بن
الحارث، وفي ((المعجم الكبير)) عن رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم. وفي
الأوسط وعنه الضياء في ((المختارة)) عن عبدالله بن عمرو . ن.
٢١٢٠

ووزيراً ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (١) من ذكرت؟ رضي الله عنك)) وفيه
(ج ٦ ص ٣١٤): ((روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام
لا يجيئني أصحاب الحديث فتعلقت بالكعبة وقلت: يا رب مالي أكذاب أنا؟
أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاؤوني )).
وقد علم طالب الحديث في أيام طلبه تشدد علماء الحديث وتعنتهم وشدة فحصهم
وتدقيقهم حتى أن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه فوجدوه
خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يربها البغلة
ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا
وقالوا إنه كذاب، كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيراً والواقع أنه ليس
فيها شيء.
وفي (تهذيب التهذيب) (ج ١١ ص ٢٨٤): ((وقال هارون بن معروف: قدم
علينا بعض الشيوخ من الشام فكنت أول من بكر عليه فسألته أن يملي عليّ شيئاً
فأخذ الكتاب يملي فإذا بإنسان يدق الباب فقال الشيخ؛ من هذا؟ .. فإذا بآخر يدق
الباب قال الشيخ: من هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده ثم
سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: ((قدم علينا عبد
الوهاب بن عطاء فكتب إلى أهل البصرة: وقدمت بغداد وقبلني يحيى بن معين
والحمد لله)).
فمن تدبر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول
عمره وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب، كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من
الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه
(١) كان اذا كثر الجمع عند المحدث يقوم رجل صيت يسمع املاء الشيخ الحديث
ويستفهمه فيما يخفى، ثم يعيد ذلك بصوت عال ليسمعه الحاضرون، فهذا الرجل يقال له:
المستملي .
واحياناً يكون أكثر من واحد، كما يروى عن مجالس وعظ ابن الجوزي حيث
يحضرها أكثر من ثلاثين ألفاً - زهير .
٢١٣

ليس العجب ممن جرحوه بل العجب ممن وثقوه.
/
ومن العجب أن أولئك الكتاب يلاحظون الموانع في عصرهم هذا بل في وقائعهم
اليومية فيعلمون من بعض أصحابهم أنه صدوق فيثقون بخبره ولو كان مخالفاً
لبعض ما يظهر لهم من القرآن بحيث لو كان المدار على القرائن لكان الراجح
خلاف ما في الخبر ، ويعرفون آخر بأنه لا يتحرز عن الكذب فيرتابون في خبره ولو
ساعدته قرائن لا تكفي وحدها لحصول الظن، وهكذا يصنعون في أخبار مكاتبي
الصحف وفي الصحف أنفسها، فمن الصحف ما تعود الناس منها أنها لا تكاد تنقل
إلا الأخبار الصحيحة فيميلون إلى الوثوق بما يقع فيها وإن خالف القرائن، وفيها
ما هو على خلاف ذلك.
وبالجملة فلا يرتاب عاقل أن غالب مصالح الدنيا قائمة على الأخبار الظنية، ولو
التزم الناس أن لا يعملوا بخبر من عرفوا أنه صدوق حتى توجد قرائن تغني في
حصول الظن عن خبره لاستغنوا عن الأخبار بل لفسدت مصالح الدنيا. ولست
أجهل ولا أجحد ما في طريقة الكتاب من الحق ولكنني أقول: ينبغي للعاقل أن
يفكر في الآراء التي يتظناها العقلاء في عصرهم نفسه بناء على العلامات والقرائن
أليس يكثر فيها الخطأ؟ هذا مع تيسر معرفتهم بعصرهم وطباع أهله وأغراضهم
وسهولة الاطلاع على العلامات والقرائن، فما أكثر ما يقع لأحدنا كل يوم من الخطأ
يتراءى أن القرائن والأمارات تقتضي وقوع الأمر ثم لا يقع، وتقتضي أن لا يقع،
ثم يقع، فما بالك بالأمور التي مضت عليها قرون ولا سيما إذا لم يتهيأ للناظر تتبع ما
يمكن معرفته من القرائن والأمارات ولم يلاحظ الموانع، فأما إذا كان له هوى
فالأمر أوضح؛ والناظر إنما يشتد حرصه على الاصابة في القضايا العصرية لأنه
يخشى انكشاف الحال فيها على خلاف ما زعم، فأما التي مضت عليها قرون
والباحثون عنها قليل فإنه لا يبالي، اللهم إلا أن يكون متديناً محترساً من الهوى،
على أن الاستاذ لم يخلص لطريقة الكتاب بل كثيراً ما يرمى بالقرائن القوية
والدلالات الواضحة خلف ظهره، ويحاول اصطناع خلافها وسد الفراغ بالتهويل
والمغالطة كما سترى أمثلة من ذلك في هذا الكتاب. وأسأل الله لي وله التوفيق.
٢١٤

١
القِسْمُالأول
فِي القَوَاعِد
٢١٥

١ - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي
تقدم في الفصل الثالث قول مالك: (( لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى
ذلك، لا تأخذ عن معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ عن كذاب
يكذب في حديث الناس إذا جرب عليه ذلك وإن كان لا يتهم أن يكذب على
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ... )) أسنده الخطيب في (الكفاية) (ص ١١٦)
إلی مالك کما تقدم ثم قال (ص ١٧): « باب في أن الكاذب في غیر حديث رسول
الله صلى عليه وآله وسلم ترد روايته - قد ذكرنا آنفاً قول مالك بن انس. ويجب أن
يقبل حديثه إذا ثبت توبته)) ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك. وأسند (ص ٢٣ -
٢٤) إلى الشافعي (( ... ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً منها : أن
يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه ... )) وهذه العبارة ثابتة
في رسالة الشافعي.
وفي ((لسان الميزان)) (ج ١ ص ٤٦٩):
(( قال ابن أبي حاتم عن أبيه أن يحيى بن المغيرة سأل جريراً (ابن عبد الحميد)
عن أخيه أنس فقال: قد سمع من هشام بن عروة ولکنه یکذب في حدیث الناس
فلا يُكتب عنه)). وفي (النخبة وشرحها):
((( (ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء ... ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد
٢١٧

على سبيل التدلى ... ) (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبوي ... متعمداً
لذلك (أو تهمته بذلك) بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته ويكون مخالفاً
للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه وان لم يظهر منه وقوع ذلك
في الحديث النبوي، وهو دون الأول، (أو فحش غلطه) أي كثرته (أو غفلته) عن
الإتقان (أو فسقه) ... (أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهم (أو مخالفته) أي
الثقات (أو جهالته) ... (أو بدعته) ... (أو سوء حفظه) ... )).
هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام ترد به الرواية مطلقاً وذلك يشمل
الكذبة الواحدة التي لا يترتب عليها ضرر ولا مفسدة، وقد ساق صاحب
(الزواجر) الأحاديث في التشديد في الكذب ثم قال (ج ٢ ص ١٦٩): ((عد هذا
هو ما صرحوا به قيل لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقاً بل قد يكون كبيرة
کالكذب على الأنبياء وقد لا يكون ـ انتهى - وفيه نظر بل الذي يتجه انه حيث
اشتد ضرره بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة، بل صرح الروياني في (البحر) بأنه
كبيرة وان لم يضر، فقال: من كذب قصداً ردت شهادته وإن لم يضر بغيره لأن
الكذب حرام بكل حال، وروى فيه حديثاً؛ وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها
يوافقه وكأن وجه عدو لهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به فكان كالغيبة على ما مر
فيها عند جماعة)).
أقول: لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يتسامح في الراوي لوجوه:
الأول: أنّ الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة فإن الشهادة تترتب على
خصومة ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم ويأتي باللفظ الخاص الذي لا يحتاج
إليه في حديث الناس ويتعرض للجرح فوراً، فمن جربت عليه كذبة في حديث
الناس لا يترتب عليها ضرر فخوف أن يجره تساهله في ذلك إلى التساهل في الرواية
أشد من خوف أن يجره إلى شهادة الزور.
الثاني: أن عماد الرواية الصدق ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد في
٢١٨

الشهادة وقد خفف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة، تقوم الحجة بخبر
الثقة ولو واحداً او عبد أو امرأة أو جالب منفعة إلى نفسه أو أصله أو فرعه أو
ضرر على عدوه كما يأتي بخلاف الشهادة، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية
فيما يمس عمادها .
الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشد جداً من الضرر
الذي يترتب على شهادة الزور فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية آكد ، وقد أجاز
الحنفية قبول شهادة الفاسق دون روايته، والتخفيف في الرواية بما تقدم من قيام
الحجة بخير الرجل الواحد وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط لأن لذلك
التخفيف حكماً أخرى، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك فتزداد
تخفيفاً على تخفيف.
الرابع: أن الرواية يختص لها قوم، محصورون ينشأون على العلم والدين والتحرز
عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس لأن المعاملات والحوادث التي
يحتاج إلى الشهادة عليها تتفق لكل أحد ولا يحضرها غالباً إلا أوساط الناس
وعامتهم الذين ينشأون على التساهل، فمعقولٌ أنه لوردت شهادة كل من جربت
عليه كذبة لضاعت حقوق كثيرة جداً، ولا كذلك الرواية؛ نعم الفلتة والهفوة التى
لا ضرر فيها ويعقبها الندم، وما يقع من الانسان في أوائل عمره ثم يقلع عنه
ويتوب منه وما يدفع به ضرر شديد ولا ضرر فيه وصاحبه مع ذلك مستوحش منه
ربما يغتفر. والله أعلم.
فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين ولو غير الحديث النبوي فلا خفاء في
سقوط صاحبه، فإن الكذب في رواية أثرٍ عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج
بذلك الأثر من يرى قول الصحابي حجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك
القول ليس خرقاً للاجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويردّ به بعض أهل
العلم حديثاً رواه ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول ويأتي نحو ذلك في الكذب في
رواية قول عن التابعي، أو عالم ممن بعده، وأقل ما في ذلك أن يقلده العامي.
٢١٩

وهكذا الكذب في رواية تعديل لبعض الرواة فإنه يترتب عليه قبول أخبار ذلك
الراوي وقد يكون فيها أحاديث كثيرة فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب
على كذب في حديث واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الكذب في
رواية الجرح فقد يترتب عليها اسقاط أحاديث كثيرة صحيحة وذلك أشد من
الكذب في حديث واحد؛ وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه، وهكذا
الكذب في الجرح والتعديل كقوله ((هو ثقة))، ((هو ضعيف)» فالكذب في هذه
الأبواب في معنى الكذب في الحديث النبوي أو قريب منه وتترتب عليه مضار
شديدة ومفاسد عظيمة فلا يتوهم محل للتسامح فيه على فرض أن بعضهم تسامح في
بعض ما يقع [ في] حديث الناس.
فالأستاذ يرمي بعض أئمة السنة فمن دونهم من ثقات الرواة بتعمد الكذب في
الرواية وفي الجرح والتعديل كذباً يترتب عليه الضرر الشديد والفساد الكبير ثم يزعم
أنه يقدح بذلك فيما لا يقبله هو منهم فاما ما عداه فإنهم يكونون فيه مقبولين، كذا
يقول (١)، وكأنه يقول: وإذا لزم أن يسقطوا البتة فليسقطوا جميعاً؛ وليت شعري
من الذي يعادي أبا حنيفة أمن يقتضي صنيعه أنه لا يمكن الذب عنه إلا بمثل هذا
الباطل أم من يقول: يمكن المتحري للحق أن يذب عنه بدون ذلك؟.
تنبيه
ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهراً في خلاف الواقع محتملاً للواقع احتمالاً
قريباً وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور بحيث إذا تدبر السامع صار الخبر عنده
محتملاً للمعنّيّن على السواء كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجيء،
وكالكلام المرخص به في الحرب، وكالتدليس فإن المعروف بالتدليس لا يبقى
قوله: ((قال فلان)) ويسمي شيخاً له ظاهراً في الاتصال بل يكون محتملاً، وهكذا
من عرف بالمزاح إذا مزح بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يرد بها ظاهرها وإن كان
(١) وسيأتي ما فيه في القاعدة الآتية.
٢٢٠