Indexed OCR Text

Pages 181-200

الفَصَْلُ الأوّل
المقصود الأهم من كتابي هذا هو رد المطاعن الباطلة عن أئمة السنة وثقات
رواتها. والذي اضطرني إلى ذلك أن السنة النبوية وما تفتقر إليه من معرفة أحوال
رواتها ومعرفة العربية وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة
والأحكام وغيرها، والفقه نفسه، إنما مدارها على النقل، ومدار النقل على أولئك
الذين طعن فيهم الأستاذ وأضر بهم، فالطعن فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كله،
بل في الدين من أصله.
وحسبك أنَّ من المقرر عند أهل العلم أنه إذا نقل عن جماعة من الصحابة القول
بتحريم شيء ولم ينقل عن أحد منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قول بالحلَّ،
عُدَّ ذاك الشيء مجمعاً على حرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حله، فإن ذهب
إلى حله غافلاً عن الاجتماع كان قوله مردوداً، أو عالماً بالاجماع، فمن أهل العلم من
يضلله، ومنهم من قد يكفره؛ لكنه لو ثبت عن رجل واحد من الصحابة قول بحل
ذلك الشيء كانت المسألة خلافية لا يحظر على المجتهد أن يقول فيها بقول ذلك
الصحابي، أو بقولٍ مفصلٍ يوافق هذا في شيء، وذاك في شيء، ولا يحرم على
المقلد الذي مذهب إمامه الحرمة أن يأخذ بالحل إما على سبيل الترجيح والاختيار
إن كان أهلاً، وإما على سبيل التقليد المحض إن احتاج إليه. وثبوت ذاك القول
عن ذاك الصحابي يتوقف على ثقة رجال السند إليه، والعلم بثقتهم يتوقف على توثيق
بعض أئمة الجرح والتعديل لكل منهم، والاعتداد بتوثيق الموثق يتوقف على العلم
١٨١

بثقته في نفسه وأهليته، ثم على صحة سند التوثيق إليه، وثقته في نفسه تتوقف على
أن يوثقه ثقة عارف، وصحة سند التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة
والثقة لرجاله، وهلم جرا.
والسعي في توثيق رجل واحد من أولئك بغير حق أو الطعن فيه بغير حق سعيّ
في إفساد الدين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه، فإن كان ذاك الرجل
واسعَ الرواية أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعاً للأمرين كان الأمر أشد
جداً كما يعلم بالتدبر، ولولا أن أنسب إلى التهويل لشرحت ذلك، فما بالك إذا
كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة يترتب على الطعن فيهم -
زيادةً على محاولة إسقاط رواياتهم - محاولة توثيق جم غفير ممن جرحوه، وجرح جم
غفير ممن وثقوه.
ففي (التأنيب) الطعن في زهاء ثلثمائة رجل تبين لي أن غالبهم ثقات، وفيهم نحو
تسعين حافظاً، وجماعةٌ من الأئمة، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى
للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق؟! على أن الأمر لا يقف عندهم فإن
الأستاذ يحاول الرد بالاتهام، والتهم غير محصورة، فيمكن كلّ من يهوى رد شيء
من النقل أن يبدي تهمة في رواته وموثقيهم، فيحاول إسقاطهم بذلك، بل يعيد (١)
الملحدون الإسلام نفسه ذريعة لاتهام كل من من روى من المسلمين ما يثبت النبوة
والقرآن ونحو ذلك، ولا يقنعون بالآحاد، بل يساورون المتواترات بزعم التواطؤ
والتتابع لاتفاق الغرض.
ولو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعلم أو غير متبوع لهان
الخطب، ولكنه من رجل مشهور ينعته أصحابه بامثال ما كتب على لوح كتابه
(تأنيب الخطيب) الذي طبع تحت إشرافه بتصحيحه ((تأليف الامام الفقيه
(١) كذا الأصل، ولعله (يتخذ).
١٨٢

المحدث، والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... )) (١) ويلي ذلك كلمة الناشر وترجمة
المؤلف بتلك الألقاب الضخمة والعبارات الفخمة (٢)، ويتبعه الحنفية وهم كما يقول
السواد الأعظم، ويتابعه في الجملة كل من تُخالف السنةُ هواه من غلاة المقلدين
وأتباع المتكلمين وعباد القبور، ويعتضد بكلامه الملحدون.
بلى إن في أفاضل علماء الحنفية أنفسهم جماعة يمقتون تصرف الأستاذ، ولكن
تصدهم عن رفع أصواتهم بالإنكار عليه موانع هم أعلم بها. والله المستعان.
(١) هذه الالقاب كانت من دأب الكوثري لنفسه واشياخه ومن يتعصب لهم،وجرى اتباعه
عليها نحوه، ونحو انفسهم، وانظر إذا شئت مقدمة شرح الطحاوية و(( كشف النقاب
عما في كلمات أبي غدة)) للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
(٢) مع انه يشير في صفحة ١٤ من (الترحيب) الى كتب ابن خزيمة *، وعثمان بن سعيد
الدارمي، وعبد الله بن أحمد ابن حنبل ويقول: ((طبع كثير منها تحت ظلال الحرية ...
بعد نسج هالات من التبجيل حول اسماء مؤلفيها تمهيداً للاضلال بأقاويلهم))!
* وهو ((صحيح ابن خزيمة)) بتحقيق العالم الدكتور محمد مصطفى الاعظمي.
ومراجعة المحدث الالباني، وهو أحد كتابيه اللذين نال عنهما جائزة الملك فيصل
- رحمه الله - عن السَّنة. وقد تم طبعه في المكتب الاسلامي. بأربعة مجلدات.
١٨٣

الفَصْلُ الثَّاني
من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل، ومن أمضى أسلحته أن يرمي الغالي
كلَّ من يحاول رده إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم، ويرى بعض أهل
العلم أن النصارى أوَّل ما غلوا في عيسى (عليه السلام) كان الغلاة يرمون كل من
أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره ونحو ذلك، فكان هذا من أعظم ما ساعد
على انتشار الغلو، لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نُسبوا
إلى ما هم أشد الناس كراهية له من بغض عيسى وتحقيره، ومَقَتَّهم الجمهور
وأوذوا، فَثَبَّطَهم هذا عن الانكار، وخلا الجو للشيطان، وقريب من هذا حال
الغلاة الروافض وحال القبوريين، وحال غلاة المقلدين.
وعلى هذا جرى الأمر في هذه القضية، فإن الأستاذ غلا في أبي حنيفة حتى
طعن في غيره من أئمة الفقه وفي أئمة الحديث وثقات رواته، بل تناول بعض
الصحابة والتابعين، وأسكتَ أهل العلم في مصر وغيرها برمي كل من يهم أن ينكر
عليه ببغض أبي حنيفة ومعاداته، ولما اطلع الأستاذ على (الطليعة) جرد على صاحبها
ذلك السلاح، ومن تصفح (الترحيب) علم أن ذلك، بعد المغالطة والتهويل هو
سلاحه الوحيد ، فهو يبديء فيه ويعيد، ونفسه تقول هل من مزيد؟ ومع ذلك
يضطرب، فمن جهة يقول في (الترحيب) (ص ١٥): ((أخبار الآحاد على فرض
ثقة رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلاً عن المتواتر وقد ثبتت إمامة
أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى الأمة بالتواتر)) ويقول بعد ذلك: ((خبر الآحاد
١٨٤

يكون مردوداً عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد فضلاً عن مصادمته
لما تواتر)) ويقول (ص ١٧): «وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد فيرد
حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر على تقدير سلامة رجاله من المآخذ))
ويقول (ص ٣٩) ((من المقرر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر لا
تسلتزم صحة المتن)).
ويعد حسناتي ذنوباً فيقول (ص ٩٩): ((وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ
شناعتها عن نظر القاريء، فلو ذكرها كلها مع كلام الكوثري (١) في موضوع
المسألة لنبذ السامع نقد هذا الناقد في أول نظرة لما حوت تلك المتون من السخف
البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مسقط فيكون ذكر المتون قاصاً لظهره»
ويقول (ص ٢٥): ((ولو كان الناقد ذكر في صلب متنه الخبر المتحدث عنه كان
القاريء يحكم بكذب الخبر بمجرد سماعه لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاءً
لحاله )).
ومن جهة أخرى يقول (ص ١٩): ((وعادتي أيضاً في مثل تلك الأخبار تطلب
ضعفاء بين رجال السند (٢) باديء ذي بدء ضرورة أن الخبر الذي ينبذه العقل أو
النقل لا يقع في رواية الثقات)) ويقول (ص ١٩): ((ومن المضحك تظاهره بأنه لا
يعادي النعمان مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجروح ولو بالتحاكم إلى
الخطيب نفسه المتهم فيما عمله مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها)).
وأقول: أما الباعث لي على تعقب (التأنيب) فقد ذكرته في أول (الطليعة)
(١) التأنيب مطبوع والأستاذ أقدر على اعادة طبعه، وسواء أكان مقصودي ما شرحته في
أول الطليعة في الفصل الأول الذي يرميني به الأستاذ أم كلاهما فعلى كل حال لا داعي
لي الى ما اقترحه الأستاذ من نقل كلامه. (( المؤلف)»
(٢) أرجو من القارىء أن يتدبر قول الاستاذ ((وعادتي ... )) مع مراجعة ((الطليعة)) (ص
١١ - ٣) ((المؤلف)).
١٨٥

وتقدم شرحه في الفصل الأول، وهب أن غرضي ما زعمه الأستاذ وأنه يلزم من
صنيعي تثبيت مقتضى تلك الحكايات فلا يخلو أن يكون كلامي مبنياً على الأصول
المألوفة والقواعد المعروفة، أو يكون على خلاف ذلك، فإن كان الأول فلازم الحق
حق، وإِن كان الثاني ففي وسع الأستاذ أن يوضح فساده بالأدلة المقبولة، فعلى أهل
المعرفة أن يحاكموا بين (طليعتي) و(ترحيبه) حتى يتبين لهم أقام بنقض كلامي
بأدلة مقبولة عند أهل العلم، أو أردف ما في (التأنيب) من تهويل ومغالطة وتمحل
بمثلها ولم يكد يضيف إلى ذلك إلاَّ رمي مؤلف (الطليعة) ببغض أبي حنيفة؟! كأن
الأستاذ يرى أن تلك المهاجمة لا تتقى إلا بالهوى، فأثاره ما استطاع في نفوس
أتباعه الذين يهمه شأنهم ليضرب به بينهم وبين (الطليعة) و(التنكيل) حجاباً لا
تمزقه حجة ولا يزيده الله تعالى بعد استحكامه إلا شدة.
والواقع أن مقصودي هو ما شرحته في الفصل السابق ولذلك أهلمت ذكر
المتون لأنها خارجة عن مقصودي ومع ذلك ففي ذكرها مفاسد:
الأولى: ما أشار إليه الأستاذ في الجملة وهو أن يطلع عليها حنفي متحمس
فيحمله ذكر المتن على أن يعرض عن كلامي البتة ولا يستفيد إلا بغض من نسب
إليه المتن من الأئمة.
الثانية : أن يطلع عليها رجل من خصوم الحنفية فيجتزيء بذاك المتن ويذهب
يعيب أبا حنيفة غير مبال أصح ذاك المتن أم لم يصح.
الثالثة: أن يطلع عليها عاميّ لا يميز فيقع في نفسه أن أئمة السلف كان بعضهم
يطعن في بعض، ويكبر ذلك عليه ويسيء الظن بهم جميعاً.
فإهمال ذكر المتن يمنع هذه المفاسد كلها ولا يبقى أمام الناظر إلا ما يتعلق بتلك
القضايا الخاصة التي ناقشت فيها الاستاذ.
والواقع أيضاً أنه لا يلزم من صنيعي تثبيت الذم ولا يلزمني قصد ذلك، ومن
تأمل عبارات الاستاذ في الجهة الأخرى كما قدمتها بان له صحة قولي. وأزيد ذلك
١٨٦

إيضاحاً وشرحاً وتتميماً فأقول: وعامة مناقشتي للاستاذ إنما هي في بعض رجال تلك
الأسانيد وقد وافقته على ضعف جماعة منهم، ولا يلزم من تثبيتي ثقة رجل من
رجال السند ثبوت ثقة غيره، بل الأمر أبعد من ذلك، فإن المقالة المسندة، إذا كان
ظاهرها الذم أو ما يقتضيه لا يثبت الذم إلا باجتماع عشرة أمور:
الأول: أن يكون هذا الرجل المعين الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة
ثقة .
الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد كلهم ثقات.
الثالث: ظهور اتصال السند ظهوراً تقوم به الحجة.
الرابع: ظهور أنه ليس هناك علة خفية يتبين بها انقطاع أو خطأ أو نحو ذلك مما
يوهن الرواية.
الخامس: ظهور أنه لم يقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير قد توقع فيه
الروايةُ بالمعنى.
السادس: ظهور أن المراد في الكلام ظاهره.
السابع: ظهور أن الذام بنى ذمه على حجة لا نحو أن يبلغه إنسان أن فلاناً قال
كذا أو فعل كذا فيحسبه صادقاً وهو كاذب أو غالط.
الثامن: ظهور أن الذام بنى ذمه على حجة لا على أمر حمله على وجه مذموم
وإنما وقع على وجه سائغ.
التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلم فيه عذر أو تأويل فيما أنكره الذام.
العاشر: ظهور أن ذلك المقتضى للذم لم يرجع عنه صاحبه. والمقصود بالظهور
في هذه المواضع الظهور الذي تقوم به الحجة.
وقد يزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية.
١٨٧ .

فهذه الأمور إذا اختل واحد منها لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل.
والذي تصديت لمناقشة الأستاذ فيه إنما يتعلق بالأمر الأول، ولا يلزم من تثبيته
تثبيت الثاني فضلاً عن الجميع، وقد يلزم من صنيعي في بعض المواضع تثبيت الثاني
لكن لا يلزم من ذلك تثبيت الثالث فضلاً عن الجميع، وما قد يتفق في بعض
المواضع من مناقشتي للأستاذ في دعوى الانقطاع أو التصحيف فالمقصود من ذلك
كشف مغالطته ولا يلزم من ذلك تثبيت تلك الأمور كلها، وقد يتهم الأستاذ
رجلاً في رواية مع علمه بأنه قد توبع متابعة تبين صدقه في تلك الرواية فيضطرني
إلى التنبيه على تلك المتابعة؛ وقد يشنع على الخطيب بإيراده رواية من فيه كلام في
صدد ما زعم أنه المحفوظ عنده، ويتبين لي سقوط الشناعة من هذه الناحية اما لأنه
إنما ذكر رواية ذلك الراوي في المتابعات وأما لأن الراوي إنما غمز بأنه يخطيء أو
بهم، وليس تلك الرواية مما يخشى فيه الخطأ أو الوهم فاحتاج إلى بيان ذلك؛ وكل
هذا لا يلزم منه تثبيت تلك الأمور كلها وأذكر هنا مثالاً واحداً:
قال إبراهيم بن بشار الرماديُّ: ((سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت أحداً
أجرأ على الله من أبي حنيفة، ولقد أتاه رجل من أهل خراسان فقال: يا أبا حنيفة
قد أتيتك بمائة ألف مسألة أريد أن أسألك عنها، قال: هاتها، فهل سمعتم أحداً
أجرأ على الله من هذا؟)) هذه الحكاية أول ما ناقشت الأستاذ في بعض رجال
سندها في (الطليعة) (ص ١٢ - ٢٠) فإنه خبط في الكلام في سندها إلى الرمادي
بما ترى حاله في (الطليعة) وتكلم في الرمادي ، وستأتي ترجمته، وزاد في (الترحيب)
فتكلم في ابن أبي خيثمة بما لا يضره، وذكر ما قيل أن ابن عيينة اختلط بأخرة،
وهو يعلم ما فيه، وستأتي ترجمته، وقد ذكر الاستاذ في (التأنيب) جواباً معنوياً
جيداً ولكنه مزجه بالتخليط فقال بعد أن تكلم في السند بما أوضحت ما فيه في
( الطليعة):
((وابن عيينة بريء من هذا الكلام قطعاً بالنظر إلى السند)).
كذا قال، ثم قال بعد ذلك:
١٨٨

(( وأما من جهة المتن فتكذب شواهد الحال الأخلوقة تكذيباً لا مزيد عليه ...
رجل يبعث من خراسان ليسأل أبا حنيفة عن مائة ألف مسألة بين عشية وضحاها
ويجيب أبو حنيفة عنها بدون تلبث ولا تريث)).
(( كذا قال، وليس في القصة أن الرجل سأل عن مسألة واحدة فضلاً عن مائة
ألف، ولا أن أبا حنيفة أجاب عن مسألة واحدة فضلاً عن مائة ألف، فضلاً عن أن
يكون ذلك كله بين عشية وضحاها؛ وكان يمكن الأستاذ أن يجيب بجواب بعيد
عن الشغب كأن يقول: يبعد جداً أو يمتنع أن تجمع في ذاك العصر مائة ألف مسألة
ليأتي بها رجل من خراسان ليسأل عنها أبا حنيفة، وهذا يدل على أحد أمرين، إما
أن يكون السائل إنما أراد : أتيتك بمسائل كثيرة فبالغ، وإما أن يكون بطالاً لم يأت
ولا بمسألة واحدة، وإنما قصد اظهار التشنيع والتعجيز، فأجابه أبو حنيفة بذاك
الجواب الحكيم، فإن كان الرجل إنما قصد التشنيع أو التعجيز ففي ذاك الجواب
إرغامه، وإن كان عنده مسائل كثيرة نظر فيها أبو حنيفة على حسب ما يتسع له
الوقت ويجيب عندما يتضح له وجه الجواب.
فأما ابن عيينة فكان من الفريق الذين يكرهون أن يفتوا (وقد بين الأستاذ
ذلك في ((التأنيب))) فكأنه كره قول أبي حنيفة: هاتها، لما يشعر به من الاستعداد
لما يكرهه ابن عيينة، وكان أبو حنيفة من الفريق الذين يرون أن على العالم إذا سئل
عما يتبين له وجه الفتوى فيه أن يفتي، للأمر بالتبليغ والنهي عن كتمان العلم، ولئلا
يبقى الناس حيارى لا يدرون ما حكم الشرع في قضاياهم، فيضطرهم ذلك إلى ما
فيه فساد العلم والدين، ولا ريب أن الصواب مع الفريق الثاني وإن حمدنا الفريق
الأول حيث يكف أحدهم عن الفتوى مبالغة في التورع واتكالاً على غيره حيث
يوجد، فأما الجرأة فمعناها الإقدام والمقصود هنا كما يوضحه السياق وغيره
الاقدام على الفتوى، فمعنى الجرأة على الله هنا هو الإقدام على الافتاء في دين الله،
وهذا إذا كان عن معرفة موثوق بها فهو محمود وإن كرهه المبالغون في التورع كابن
عيينة، وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: ((لقد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن
١٨٩

عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علماً)) وعنه أيضاً أنه قال: أكثر
أبو هريرة، فقيل له: هل تنكر شيئاً مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجبنّاً، فبلغ
ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا؟ راجع ((الاصابة)) ترجمة
ابن عباس وترجمة أبي هريرة.
وإقدام أبي حنيفة كان من الضرب المحمود، وقد روى الخطيب نفسه ...
الحكايتين اللتين ذكرهما الاستاذ في (التأنيب) فهذا وغيره يدل على بعد أبي حنيفة
عن الجرأة المذمومة، فأما إذا علمنا أن ابن عيينة كان يطيب الثناء على أبي حنيفة
فإن ذلك يرشدنا إلى حمل تلك المقالة على معنى آخر أدنى إلى الصواب، مع ما فيه
من الحكمة البالغة التي تهدينا إلى بابٍ عظيم النفع في فهم ما ينقل عن أهل العلم من
كلام بعضهم في بعض.
وحاصله أن أكثر الناس مُغْرَوْن بتقليد من يعظم في نفوسهم والغلو في ذلك،
حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ والدليل قائم على خلاف قوله في كذا
فدل ذلك على أنه أخطأ ولا يحل لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه، قالوا: هو أعلم
منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا،
فإن زاد المنكرون فأظهروا حسن الثناء على ذلك المتبوع كان أشد لغلو متبعيه.
خطب عمار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج مع أم
المؤمنين عائشة فقال: ((والله إنها لزوجة نبيكم عَّ في الدنيا والآخرة ولكن الله
تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي)) أخرجه البخاري في (الصحيح) من
طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج نحوه من طريق أبي وائل عن عمار فلم
يؤثر هذا في كثير من الناس بل روي أن بعضهم أجاب قائلا: ((فنحن مع من
شهدت له بالجنة يا عمار)).
فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعة اتبعوا بعض الأفاضل في
أمر يرى أنه ليس لهم اتباعه فيه إما لأن حالهم غير حاله وإما لأنه يراه أخطأ -
١٩٠

أطلق كلمات يظهر منها الغض من ذاك الفاضل لكي يكف الناس عن الغلو فيه
الحامل لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه، فمن هذا ما في (المستدرك) (٢
ص ٣٢٩) (( ... عن خيثمة قال: ((كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في نفر
فذكروا علياً فشتموه فقال سعد: مهلاً عن أصحاب رسول الله عَ لَّه (١) ... فقال
بعضهم: فوالله إنه كان يبغضك ويسميك الأخنس، فضحك سعد حتى استعلاه
الضحك ثم قال: أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه ثم لا يبلغ
ذلك أمانته ... )) قال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)) وأقره الذهبي.
وفي الصحيحين وغيرهما عن علي رضي الله عنه قال: (( ما سمعت النبي صلى الله
عليه وآله وسلم جمع أبويه إلا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص) فاني سمعته
يقول يوم أحد: يا سعد ارْم فداك أبي وأمي)).
وتروى عن عليّ كلمات أخرى من ذا وذاك، وكان سعد قد قعد عن قتال
البغاة فكان علي إذا كان في جماعة أن يتبعوا سعداً في القعود ربما أطلق غير كاذب
كلمات توهم الغض من سعد، وإذا كان مع من لا يخشى منه القعود فذكر سعداً
ذكر فضله. ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكاً
من إطلاق كلمات فيها غض من مالك مع ما عرف عن الشافعي من تبجيل أستاذه
مالك، وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: ((مالك حجة الله على خلقه بعد
التابعين)) كما يأتي في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى.
ومنه ما تراه في كلام مسلم في مقدمة صحيحه مما يظهر منه الغض الشديد من
مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو البخاري، وقد عرف عن مسلم
تبجيله للبخاري.
(١) ان الكلام المحذوف هو: ((فانا أصبنا دنيا مع رسول الله عَّ اله، فأنزل الله عز وجل
﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما اخذتم عذاب عظيم﴾ (٦٨/٨) فأرجو ان
تكون رحمة من عند الله سبقت لنا ... زهير.
١٩١

وأنت إذا تدبرت تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة وإن كان ظاهرها
التشنيع الشديد .
وفي ترجمة الحسن بن صالح بن حي من (تهذيب التهذيب) كلماتٌ قاسية أطلقها
بعض الأئمة فيه مع ما عرف من فضله، وفيها: ((قال أبو صالح الفراء: ذكرت
ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئاً من أمر الفتن فقال: ذاك يشبه أستاذه يعني الحسن
(بن صالح) بن حي - فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ قال: لم یا
أحمق؟ أنا خير لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحدثوا
فتتبعهم أوزارهم، ومن أطراهم كان أضر عليهم)).
أقول: والأئمة غير معصومين من الخطأ والغلط، وهم إن شاء الله تعالى معذورون
مأجورون فيما أخطأوا فيه كما هو الشأن فيمن أخطأ بعد بذل الوسع في تحري الحق،
لكن لا سبيل إلى القطع بأنه لم يقع منهم في بعض الفروع تقصیر یؤاخذون عليه، أو
تقصير في زجر أتباعهم عن الغلو في تقليدهم.
على أن الاستاذ إذا أحب أن يسلك هذه الطريق لا يضطر إلى الاعتراف بأن
ابن عيينة كان يعتقد أن أبا حنيفة أخطأ في بعض مقالاته، بل يمكنه أن يقول: لعل
ابن عيينة رأى أناساً قاصرين عن رتبة أبي حنيفة يتعاطون مثل ما كان يقع منه من
الإكثار من الفتوى والإسراع بها غير معترفين بقصورهم اغتراراً منهم بكثرة ما
جمعوا من الأحاديث والآثار فاحتاج ابن عيينة في ردعهم إلى تلك الكلمة القاطعة
لشغبهم. والله أعلم.
١٩٢

الفَصْلُ الثّالِث
حاول الأستاذ في (الترحيب) التبرؤ مما نسب إليه في (الطليعة) من الكلام في
أنس رضي الله عنه، وفي هشام بن عروة بن الزبير وفي الأئمة الثلاثة مالك والشافعي
وأحمد .
. فأما كلامه في أنس فتراه وما عليه في (الطليعة) (ص ٩٨ - ١٠٦) ويأتي تمامه
في ترجمته إن شاء الله تعالى؛ وينبغي أن يعلم أن منزلة أنس رضي الله عنه عندنا غير
منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسان حال الأستاذ يقول: ومن أنس؟ وما عسى أن
تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإمام الأعظم، وعقليته الجبارة، كما أشار إلى ذلك
في (الترحيب) (ص ٢٤) إذ قال:
(( وأسماء الصحابة الذين رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في
(المؤمل) لأبي شامة الحافظ، وليس هذا إلا تحرياً بالغاً في المرويات يدل على عقلية
أبي حنيفة الجبارة)) فزادنا مع أنس جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وإلى ما
غالط به من الترجيح الذي دفعته في (الطليعة) (ص ١٠٥ - ١٠٦) التصريح بأنه
يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السنة أن ينفرد برواية السنة بعض أولئك
الصحابة. هذا مع أن رواية أنس في الرضخ تشهد لها أربع آيات من كتاب الله عز
وجل بل أكثر من ذلك كما يأتي في (الفقهيات) إن شاء الله تعالى ومعها القياس
الجلي، ولا يعارض ذلك شيء إلا أن يقال: إن عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن
يقدم قوله على ذلك كله، وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب عن قوله في
١٩٣

(التأنيب) (ص ١٣٩) عند كلامه على ما روي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة
يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها (١). قال الأستاذ هناك ((ولأبي حنيفة
بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل ففي كتاب الموقف أخذ بقول شريح القاضي
وجعله أصلا ففرَّع عليه المسائل فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردها
صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله
أصلا ففرع عليه الفروع .. ))
إلا أن يقول الأستاذ إنّ أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو
الأبواب وإِنما قلد فيها بعض التابعين كشريح وإبراهيم، فعلى هذا يختص تقديم
العقلية الجبارة بما قاله من عند نفسه، فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبق مسألة
القَوَدِ على هذه القاعدة.
أما نحن فلا نعتد على أبي حنيفة بقول الأستاذ، ولا بحكاية أبي شامة الشافعي .
الذي بينه وبين أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة، بل نقول لعل أبا حنيفة لم يرغب عن
انفراد أحد من الصحابة بل هو موافق لغيره في أن انفراد الصحابي مقبول على كل
حال وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث لأنه لم يبلغه من وجه يثبت، أو لأنه عارضه
من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه، وإذا كان يأخذ برأي رجل من التابعين
فيجعله أصلاً لباب عظيم من أبواب الشرع كشريح في الوقف وإبراهيم في المزارعة،
فكيف يرغب عن سنة لتفرد بعض الصحابة بها؟ ثم راجعت (المؤمل) قرأيت
عبارته تشعر بأن الكلام فيما تفرد أنس ومن معه يقوله برأيه، لا في ما كان رواية
عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فأما التحري البالغ فإن كان هو الذي يؤدي إلى قبول ما حقه أن يقبل ورد ما
حقه أن يرد فلا موضع له هنا، وإن كان هو الذي يؤدي إلى قبول ما حقه الرد
(١) ويروى عن الامام احمد الكثير من التعابير المؤدية الى ما قصد اليه الامام الشافعي،
انظر مسائل الامام احمد لابنه عبد الله، ولتلميذه ابن هانيء و((المسائل التي حلف عليها
احمد بن حنبل)) وهي من مطبوعات المكتب الاسلامي، بتحقيق زهير الشاويش.
١٩٤

كرأي شريح في الوقف ورأي ابراهيم في المزارعة، وإلى رد ما حقه القبول كما يتفرد
به بعض الصحابة ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو کرد حديث
الرضخ مع شهادة القرآن والقياس الجلي له فهذا إن وقع ممن لم يقف على الأدلة
المخالفة له أو ذهل عنها وعن دلالتها، له اسم آخر لا يضر صاحبه إن شاء الله،
وإن وقع ممن عرف كله فهو تجرّ [ بالجيم لا تحر بالحاء ] أو قل تحرٍ للباطل لا
للحق .
فإن كان المقصود التخييل الشعري فيستطيع من يرد انفراد الصحابي أيّ
صحابي كان أن يقول أن ذلك تحر بالغ، بل من يرد السنن كلها سوى المتواتر، بل
من يرد المتواتر أيضاً فيقول إنّ التحري البالغ يقضي أن لا ينسب إلى
شرع الله إلا ما نص عليه كلامه، بل من يرد الدلالات الظنية من القرآن ويرد
الإجماع، ولم يبق إلا الدلالات اليقينية من القرآن؛ وشيوخ الأستاذ من المتكلمين
ينفون وجودها كما يأتي في الاعتقاديات ان شاء الله تعالى. فأما القياس فهو بأن
يسمى الغاؤه تحرياً واحتياطاً في دين الله أولى من ذلك كله فإنه بالنسبة إلى ذلك كما
قیل ؛
ويذهب بينها المرئي لغوا كما ألغيت في الدية الحوار!
والمقصود هنا أن منزلة أنس رضي الله عنه عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ
فيها، فلا غرو أن يزعم الاستاذ أنه ليس في كلامه فيه ما ينتقد ! وفي (فتح
الباري) في ((باب المصراة)): ((قال ابن السمعاني (١) في (الإصطلام): التعرض إلى
جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة)) ذكر ذلك في صدد
رد كلام بعض الحنفية في رواية أبي هريرة حديث المصراة.
(١) هو أبو المظفر منصور بن عبدالجبار كان أهل بيته حنفية ونشأ على ذلك ومهر في
المذهب ثم تشفع تديناً، وترجمته في طبقات ابن السبكي (ج ٤ ص ٢١) وقد أسرف
الشافعية في التبجح بذلك كما تراه هناك .
١٩٥

وأما هشام بن عروة بن الزبير بن العوام فهذه قصته: روى هشام عن أبيه عروة
- وفي رواية للدارمي (ج ١ ص٥١): هشام عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن
عروة (١)١ - قال: لم يزل أمر بني اسرائيل معتدلاً حتى ظهر فيهم المولدون أبناء سبايا
الأمم فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا)) فذكرها الأستاذ في (التأنيب) (ص
٩٨) ثم قال: ((وإنما أراد هشام النكاية في ربيعة وصاحبه (مالك) لقول مالك فيه
بعد رحيله إلى العراق فيما رواه الساجي عن أحمد بن محمد البغدادي عن ابراهيم بن
المنذر عن محمد بن فليح قال: قال لي مالك بن أنس: هشام بن عروة كذاب، قال:
فسألت يحيى بن معين؟ فقال: عسى أراد في الكلام، فأما في الحديث فهو ثقة)).
وعلق في الحاشية ((هذا من انفرادات الساجي، وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة
فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة، على أن ما يؤخذ به هشام
بعد رحيله إلى العراق أمر يتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في
الموطأ)) ففهمت من قوله: ((وإنما أراد هشام النكاية .. )) أنه يريد أن هشاماً افترى
هذه الحكاية لذاك الغرض، وأن ذلك من الكذب الذي عُني بالكلمة المحكية عن
مالك: ((هشام بن عروة كذاب)) ومن الكذب في الكلام على ما في الحكاية عن ابن
معين ومن البوادر التي لا تقبل كما ذكره في الحاشية، وبنيت على ذلك في الكلمة
التي كنت كتبتها إلى بعض الإخوان فاتفق أن وقعت بيد المعلق على (الطليعة) أو
طابعها فطبعت كمقدمة للطليعة بدون علمي، قلت فيها كما في (الطليعة) المطبوعة
(ص ٤): ((وفي هشام بن عروة بن الزبير بن العوام حتى نسب إليه الكذب في
الرواية)) فتعرض الأستاذ لذلك في (الترحيب) (ص ٤٨) وتوهم أو أوهم أنني إنما
بنيت على ما في الحكاية التي ينقلها مما نسب إلى مالك من قوله (( ... كذاب))
فأعاد الأستاذ الحكاية هنالك ثم قال: ((أهذا قولي أم قول مالك أيها الباهت
الآفك؟!)).
فأقول: أما قولك، فقد قدمت ما فيه من إفهام أن هشاماً افترى تلك الحكاية
(١) وهكذا في ترجمة عبدالرحمن بن مهدي من مقدمة كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم .
١٩٦

انتقاماً من مالك، وأما قول مالك فلم يصح بل هو باطل؛ ومن لطائف الأستاذ أنه
اقتصر فيما تظاهر به في صدر الحاشية من محاولة تليين الحكاية عن مالك على قوله:
((من انفرادات الساجي)) وهو يعلم أن زكريا الساجي حافظ ثقة ثبت، وإن حاول
في موضع آخر أن يتكلم فيه كما يأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، هذا مع جزمه في
المتن بقوله: ((لقول مالك فيه)) والحكاية أخرجها الخطيب في (تاريخ بغداد) (ج ١
ص٢٢٣) وتعقبها بقوله:
((فليست بالمحفوظة إلا من الوجه الذي ذكرناه، وراويها عن إبراهيم بن المنذر
غير معروف عندنا )).
يعني أحمد بن محمد البغدادي، وبغدادي لا يعرفه الخطيب الذي صرف أكثر
عمره في تتبع الرواة البغداديين لا يكون إلا مجهولاً ، فهذا هو المسقط لتلك الحكاية
من جهة السند، ويسقطها من جهة النظر أن مالكاً احتج بهشام في ((الموطأ)) مع أن
مالكاً لا يجيز الأخذ عمن جُرب عليه كذب في حديث الناس فكيف الرواية عنه
فکیف الاحتجاج به؟!
صح عن مالك أنه قال:
(( لا تأخذ العلم من أربعة وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ عن سفيه معلن بالسفه
وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ عن كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب
ذلك عليه وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله عَ ل ... )) أسنده الخطيب في
(الكفاية) (ص ١١٦) وذكره ابن عبد البر في (كتاب العلم) كما في (مختصره)
(ص ١٢٢) وقال (( وقد ذكرنا هذا الخبر عن مالك من طرق في (كتاب
التمهيد) ... )».
وكأن الاستاذ يحاول إثبات أن الأئمة كمالك وابن معين يوثقون الرجل إذا رأوا
أنه لا يكذب في الحديث النبوي وإن علموا أنه يكذب في الكلام، ويحاول أن
يدخل في الكلام ما يرويه الثقات مما فيه غض من أبي حنيفة وهكذا ما يرويه
١٩٧

أحدهم عن غيره مما فيه غض من أبي حنيفة ولو من بُعد كرواية هشام المذكورة.
وعلى هذا فيدخل في الكلام الذي لا يمتنع الأئمة من توثيق الكاذب فيه كل
كلام إلا ما فيه اسناد خبر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولو - والعياذ بالله -
تم هذا للاستاذ لسقطت المرويات كلها، ويأبى الله ذلك والمؤمنون، أما السنة فإنها
لا تثبت إلا بثقة رواتها، وتوثيق الأئمة للرواة كلام ليس فيه إسناد خبر إلى النبي
صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا كانوا يرون أن الكذب في ذلك لا ينافي الثقة لم نأمن
أن يكذبوا فيه، وتوثيق من بعدهم لهم لا يدفع أن يكونوا يكذبون مثل هذا
الكذب بل يجوز أن يكون ذاك التوثيق نفسه كذباً وإن كان قائله ثقة، وهكذا
رواية من بعد الأئمة لكلام الأئمة هي كلام، وبالجملة فيشمل ذلك سائر كلمات
الجرح والتعديل، والمدح والقدح، قولها وروايتها، وحكاية مقتضيها وروايته، وأما
ما عدا السنة من آثار الصحابة والتابعين وغير ذلك فكله كلام.
وسيأتي تمام الكلام في القاعدة الأولى من قسم القواعد إن شاء الله تعالى.
وأما كلام الأستاذ في الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد فسيأتي إن شاء الله
تعالى في تراجمهم ويكفي العبارة التي قالها في (التأنيب) في معرض الثناء عليهم زعم،
ونقلها في (الترحيب) في معرض التبرؤ عن الطعن فيهم. وحقيقة الحال أن الاستاذ
يَرى أو يتراءى أو يفرض على الناس أن يروا أن منازل الأئمة هي كما يتحصل من
مجموع كلامه في (التأنيب)، ويرى أنه قد تفضل على الأئمة الثلاثة وجامل أتباعهم
بأن أوهم في بعض عباراته رفعهم عن تلك المنزلة قليلاً، فلما رآني لم أعتد بذاك
الإيهام الفارغ كان أقصى ما عنده أن يوهم الجهال براءته ويفهم العلماء أن تلك
منازلهم عنده، رضوا أم كرهوا. وتمام الكلام في التراجم إن شاء الله تعالى.
١٩٨
/

اسم
الفَصْلُ الَّرَّابع
ذكر الأستاذ في (التأنيب) أسباباً اقتضت المنافرة بين الحنفية ومخالفيهم وأطنب
في فتنة القول بخلق القرآن، ثم ذكر في (الترحيب) (ص ١٨ - ١٩) أنه يتحتم علي
أن أدرس ملابسات تلك الفتنة، يريد أن الدعاة إليها كانوا من أتباع أبي حنيفة
كبشر المريسى وابن أبي دواد ، ونسبوا تلك المقالة إلى أبي حنيفة، وساعدهم حفيده
إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة واستحوذوا على الدولة فسعت في تنفيذ تلك المقالة
بكل قواها في جميع البلدان فكان علماء السنة يكلفون بأن يقولوا: إن القرآن
مخلوق، فمن أجاب مظهراً الرضا والاعتقاد صار له منزلة وجاه في الدولة وأنعم
عليه بالعطاء وولاية القضاء وغير ذلك، ومن أبى حرم عطاءه وعزل عن القضاء أو
الولاية ومنع من نشر العلم، وكثير منهم سجنوا ومنهم من جلد، ومنهم من قتل،
وأسرف الدعاة في ذلك حتى كان القضاة لا يجيزون شهادة شاهد حتى يقول إن
القرآن مخلوق، فإن أبى ردوا شهادته، ومن أجاب مكرهاً ربما سجنوه وربما أطلقوه
مسخوطاً عليه، وفي كتاب (قضاة مصر) طرف من وصف تلك المحنة؛ فيرى
الأستاذ أن ذلك أوغر صدور أصحاب الحديث على أبي حنيفة فكان فيهم من يذمه
ومنهم من يختلق الحکایات في ثلبه.
فأقول ليس في ذلك ما يبرر صنيع الأستاذ.
أما أولاً فلأن أصحاب الحديث منهم من صرح بأنه لم يثبت عنده نسبة تلك
المقالة إلى أبي حنيفة، كما رواه الخطيب من طريق المروذي عن أحمد بن حنبل،
١٩٩

ومنهم من وقعت له روايات تنسب إلى أبي حنيفة القول بأن القرآن غير مخلوق،
وتلك الروايات معروفة في (تاريخ بغداد) و (مناقب أبي حنيفة) وغيرها، فكيف
يظن بهم أن يحملوا على أبي حنيفة ذنباً يرونه بريئاً منه ويخرجوه من صفهم، مع عدم
استغنائهم عنه، إلى صف مخالفهم؟.
وأما ثانياً: فهل يريد الأستاذ أن يستنتج من ذلك أن أصحاب الحديث صاروا
كلهم بين سفيه فاجر كذاب، وأحمق مُغفَّل يستحل الكذب الذي هو في مذهبه من
أكبر الكبائر وأقبح القبائح؟ فليت شعري عند من بقي العلم والدين ؟ أعند الجهمية
الذين يعزلون الله وكتبه ورسله عن الإعتداد في عظم الدين وهو الاعتقاديات
ويتبعون فيها الأهواء والأوهام؟! يقال لأحدهم: قال الله عز وجل .. ، وقال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتلتوي عنقه ويتقبض وجهه تبرماً وتكرهاً، ويقال له:
قال ابن سينا ... ، فيستوي قاعداً ويسمو رأسه وينبسط وجهه وتتسع عيناه وتصغي
أذناه كأنه يتلقى بشرى عظيمة كان يتوقعها، فهل هذا هو الإيمان الذي لا يزيد
ولا ينقص يا أستاذ!؟.
وأما ثالثاً: فإن ما يسميه الأستاذ ((مثالب أبي حنيفة)) أكثرها كان معروفاً قبل
المحنة ولهذا احتاج الأستاذ إلى مساورة كبار الأئمة وأركان الدين وجبال الأمة مثل
أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري وسفيان بن سعيد الثوري وحماد بن سلمة.
وأما رابعاً: فقد أثبتها في كتبه أو أثبت مقتضاها من عاصر المحنة وعرف مالها
وما عليها كيعقوب بن سفيان والبخاري وهل يتهم البخاري إلا مجنون؟.
وأما خامساً: فإن تلك المشادّة لم تقتصر على أصحاب الحديث بل كان
لأصحاب أبي حنيفة النصيب الأوفر من اختلاق الحكايات في مناقبه، بل جاوزوا
ذلك إلى وضع الأحاديث كحديث: (( يكون في أمتي رجل اسمه النعمان وكنيته أبو
حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي))، وزاد بعضهم فيه:
((وسيكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس فتنته على أمتي أضر من إبليس)»
٢٠٠