Indexed OCR Text
Pages 101-120
مقَدّمَة بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الهادي إلى الطريق الأقوم، المتفضل علينا بنعمة الإيمان والإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. أما بعد: فهذه الرسالة القيمة مما كتبه استاذنا العلامة: الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، استاذ دار الحديث، وإمام الحرم المكي - عليه رحمة الله - . وقد كانت الرغبة في طبعها مع التعليقات عليها في حياته، ولكن ما أن باشرت اعدادها للطبع حتى وافاه الأجل. والله اسأل له الرحمة والمغفرة، وأرجوه تعالى، أن يجعل من أبنائه وتلامذته خير خلفاء له، وأن يوفقهم للخير، وأن يسدد خطاهم لإكمال طريقه على النهج السوي. إنه تعالى أكرم مسؤول. * قدم محقق هذه الرسالة في طبعتها السابقة سنة ١٣٩٣ بصفحات تبين عوار بعض تلامذة الكوثري .. غير أنني رأيت عدم طبعها ضمن هذه المجموعة - الناشر -. ١٠١ ترجمة فضيلة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزه رحمه الله ولادته ونسبه : وُلد الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في إحدى قرى مصر (كفر شكر) التي تقع قريباً من (بنها) شمال القاهرة، وعلى بُعد خمسين (كلم) تقريباً. وتنتهي شجرة نسبه إلى سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، لكنه رحمه الله لم يكن ليرضى أن يذكر شيئاً من هذا القبيل، لأن له من مبادئه وعقيدته التي كان يدعو إليها وينشرها بين ما يمنعه من ذلك. فالأنساب لا ترفع أحداً، وإن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وإنه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى. دراسته. تعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم في مدرسة قريته، وبعد أن بلغ السنّ القانونية التي تخوّله دخول الأزهر، أبدى رغبتَهُ لوالده، ورغم الممانعة التي أبداها ذووه محتجين ببُعد المسافة بين بلده والقاهرة فإنه أُصَرَّ على طلبه، فنزل والده على رغبته وأدخله الأزهر. وعُرف منذ انتظامه في طلب العلم بالجدِّيَّة والاجتهاد والتفوّق في مختلف الموادّ؛ لهذا كان موضع تقدير أساتذته. ومدرّسيه وزملائه؛ وفي مقدّمة هؤلاء جميعاً شيخ الأزهر نفسه، فضيلة الشيخ سليم البشري - رحمه الله -. ١٠٢ في مدرسة «دار الدعوة والإرشاد)). في ذلك الحين، قام السيد رشيد رضا - رحمه الله - بتأسيس معهد أسماه (دار الدعوة والإرشاد) غايته: بث الفكرة الإسلامية النقيّة من شوائب البدع والخرافات. وإحياء السُّنَّة المحمدية، والدعوة إلى الاقتداء، ونبذ التقليد في الدين. فانضم إلى المعهد العديد من شباب مصر وغيرها من البلاد العربية والإسلامية، منهم الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. وكان حضوره لدروس السيد رشيد رضا - رحمهما الله - باكورة اشتغاله بكُتُب الحديث والتخصص فيها؛ والإضطلاع بأعباء نشر الدعوة الإسلامية مصفّاةً من كل شائبة. ولقد توثقت صلتُهُ بمؤسس الدّار لاتفاق الميول وتَوَحِّد الإتجاهات فيما يتعلَّق بشؤون العقيدة والعبادات. ومن ثَمَّ انطلق الشيخ محمد عبد الرزاق (رحمه الله) في القُرى والمُدُن ينشُرُ الدعوة السلفيَّة ويبشِّر بها، محارباً كل بدعة؛ راداً كُلّ فِرْيَة، داعياً إلى كل سُنَّةٍ. ولم يكن ليُبالي أبداً بما يلقاه من بعض المتعصبين والجهلة؛ بل استمرّ في دعوته إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. صلتُه بالشيخ عبد الظاهر أبي السَّمْح. كما توثقت صلتُهُ في ((دار الدعوة والإرشاد)» بالشيخ عبد الظاهر أبي السَّمْح الذي كان قد أوذي مراراً وتكراراً في سبيل دعوته السلفية ودفاعِهِ عنها، ومحاربتهِ للجهل والخرافة؛ ثم ترسَّخت هذه الصلة وتوطَّدت هذه العلاقة بعد أن تزوّج ((أبو السمح)) من شقيقة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة. نشاطه العلمي في القاهرة. وعندما قامت الحرب العالمية الأولى اضطر صاحب ((دار الدعوة)) لإغلاق أبوابها. إلا أن الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة لم ينقطع عن الاتصال بالسيد رشيد رضا؛ فانتقل معه إلى إدارة مجلة ((المنار))، فكان السيد يستعين به في تصحيح ملازم المجلة، ١٠٣ أو يعهد إليه يتنقيح بعض النصوص الخطية، أو المتون المطبوعة، أو تصحيح الكتب التي أعادت طبعها دار ((المنار)). وكان يدُبِّج المقالات التوجيهية الهادفة وينشرها في المجلات التي تصدرها بعض الجمعيات الإسلامية في القاهرة كمجلة ((مكارم الأخلاق)) ومجلة ((الهدى النبوي)). في الحجاز. وفي عام (١٣٤٤ هـ - ١٩٢٥م)، قصد الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ عبد الظاهر محمد أبو السمح إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج؛ فلقيا جلالة الملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - حاجاً، فرحّب بهما وقد عرف عنهما بواسطة أستاذهما السيد رشيد رضا الشيء الكثير؛ فدعاهما لتولي منصب الإمامة والخطابة والتدريس في الحرمين الشريفينْ، فلبّيا الطلب، وانتقلا بأهلهما عام (١٣٤٧ هـ، ١٩٢٨ م). في المدينة المنورة. فقام بعمله الذي أوكل إليه في المدينة خير قيام، وكانت له جولات واسعة في الإصلاح الديني، ونظم دروساً صباحية ومسائية في الحرم النبوي في الحديث والتفسير والتوحيد، مما كان له الأثر الطِّب في نفوس الشباب المثقّف وخصوصاً في موسم الحج . الانتقال إلى مكة. لم تطل إقامة الشيخ محمد عبد الرزاق في المدينة المنورة، وفي غضون سنة (١٣٤٨ هـ. ١٩٢٩ م) انتقل إلى مكة المكرمة مساعداً للشيخ عبد الظاهر في الإمامة والخطابة في الحرم المكي الشريف. كما عُهِدَ إليه القيام بالتدريس في ((المعهد العلمي السعودي)) أكبر مؤسسة علمية يومئذٍ؛ ولم تقتصر دروسه في المعهد على المواد الدينية، بل تناولت العلوم المدينة كالرياضيات والحساب والهندسة والجبر والعلوم الطبيعية. ١٠٤ الدروس العامة . لقد أقبل على الدروس العامة في الحرم المكي بهمةٍ لا تعرف الكلل أو الملل؛ فقد خصَّص ما بين العشائين وبعد صلاة الفجر من كل يَوْمٍ لدروس التفسير والحديث متبعاً طريقة محبّة مما جعله محط أنظار المثقفين. الدروس الخاصة. ولقد اتخذ ((رحمه الله)) من حجرته التي كانت تُعرف بقُبَّةِ الساعات - بجوار باب عليٍّ في الحرم المكي - موئلاً لطُلَّب الدروس الخاصة في اللغة، والتفسير، والأصول، والعلوم المختلفة من جبرٍ وهندسة وفلك، مستخدماً في دروس الفلك الطرق العلمية: الحديثة . ولقد دفعه ولَعُه بعلم الفلك إلى فكرة إقامة مرصد فلكي على رأس جبل أبي قُبَيْس في مكة المكرّمة للاستعانة به في رؤية الهلال؛ فاستجابت له السّلطات المسؤولة، واستحضرت بعض الآلات اللازمة، إلا أن الفكرة لم يُكتبْ لها التمام. من ((دار الدعوة والإرشاد)) إلى (دار الحديث)). كان الاهتمام بالحديث وعلومه الشغل الشاغل للشيخين عبد الظاهر أبي السمح، ومحمد عبد الرزاق حمزة، فقاما بتأسيس دار الحديث بمكة المكرّمة بعد استئذان جلالة الملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله - وتشجيعه عام (١٣٥٠ هـ ١٩٣١ م). وقد ساعد على ذلك رجل الفضل الشيخ محمد نصيف. رحمه الله. فكان الشيخ عبد الظاهر مدير الدار، والشيخ محمد عبد الرزاق المدرّس الأول؛ كما استعانا بنخبَةٍ من العلماء أهل الإختصاص والكفاءة؛ ولقد أدت هذه الدار خدماتٍ جُلِّي للناشئة الإسلامية وطُلاب العلم. واستمر الشيخ عبد الظاهر في إدارتها حتى توفاه الله سبحانه وتعالى، فخلفه الشيخ عبد الرزاق حتى أقعدته الأمراض. ١٠٥ في الریاض. وفي عام (١٣٧٢ هـ ١٩٥٢ م) انتدبَ الشيخ محمد عبد الرزاق بأمرٍ من سماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن ابراهيم للتدريس في المعهد العلمي بالرياض؛ فبقي هناك سنة واحدة عاد بعدها إلى مكة المكرمة. إحالته على التقاعد. وعند بلوغه الرابعة والستين من عُمرُه أُحيل إلى التقاعد بأمْرٍ من سماحة رئيس القضاة بمكة المكرمة. ولكن هذا لم يمنعه من الاستمرار في أداء رسالته الدينية وخاصة في میدان التدریس العام، مما جعل حتى أقرب المقرّبين منه وخُلصاءه لا يعلمون من أمر التقاعد شيئاً. مرضه ووفاته. وفي أواخر عام (١٣٨٥ هـ ١٩٦٥ م) اشتدت عليه وطأة الأمراض، فأجبرته على العُزْلة، مكتفياً بقراءة القرآن ومطالعة الكتب. ثم زادت عليه الوطأة؛ فلازم الفراش منذ عام (١٣٩٠ هـ ١٩٧٠ م) واستمر كذلك حتى وافاه الأجل المحتوم من بعد ظهر يوم الخميس في الثاني والعشرين من شهر صفر الخير عام ١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م. وصُلِّيَّ عليه من بعد مغرب ذلك اليوم، ودُفن بالمُعَلَّ. آثاره العلمية. ١ - كتاب ((الصلاة)). ويعتبر دائرة معارف كاملة لموضوع الصلاة فقد جمع فيه كل ما يتعلَّق بالصلاة وأنواعها. ٢ - كتاب ((الشواهد والنصوص)). الَّفه رداً على آراء عبد الله القصيمي الضالة في كتابه: (هذه هي الأغلال). ١٠٦ ٣ - رسالة في الرد على بعض آراء الكوثري. لما قام هذا بنشر اعتراضاته وشتائمه على الصحابة والتابعيين وكبار علماء الأمة. ٤ - كتاب ((ظُلُمات أبي رَيّة))، ولقد ذكر العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق - رحمه الله - أنه قد كتب هذا الرد وهو مريض في مستشفى الطائف؛ بعيداً عن مراجعه. ويعتبر ردّه هذا، من أمتن وأشهر ما كُتب، مدَعَّماً بالأدلة القواطع، والأقوال الفواصل. ٥ - ((عنوان المجد في تاريخ نجد)» لأبن بشر. طبعة مكة. ٦ - رسالة التوحيد، للإمام جعفر الصادق. ٧ - مورد الظمآن إلى زوائد ابن حِبّان. ٨- الباعث الحثيث إلى فن مصطلح الحديث. ٩ - تعليقات على الحموية الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية. ١٠ - تعليقات على رسالة الطلاق، لشيخ الإسلام ابن تيمية. ١١ - تعليقات على ((الكبائر)) للذهبي. ١٢ - ومن الرسائل التي ألّفها ولم تُطْبَع رسالة (الحمد لله رب العالمين في الفِطَرِ والعقول والأديان). رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته. ١٠٧ سم الله الرحمن الرحيم أطلع علينا ((الكوثري)) ترحيبه بنقد الشيخ عبد الرحمن اليماني لتأنيبه، فخرجنا من الاطلاع عليه بالعبر الآتية: (١) امتعض الكوثري امتعاضاً لم يستطع كتمانه من ظهور كتاب ((النقض)) على بشر المريسي للامام عثمان بن سعيد الدارمي!، وكتاب ((السنة)) لامام أهل السنة الامام أحمد بن محمد بن حنبل أبي عبد الله الشيباني، رواية ابنه عبد الله عنه، مغتاظاً مما فيهما من إثبات صفات الكمال لله تعالى، التي عدها سلفه الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم ومن اتبع خطواتهما، تجسيماً وتشبيهاً بزعمهم الفاسد، تعالى الله عما يقول الجعد وشيعته علواً كبيراً. ألا فليعلم الكوثري - إن كان يجب أن يعلم - أن كتاب ((السنة)) للامام أحمد، وكتاب ((الرد على المريسي)) للامام عثمان بن سعيد الدارمي وأمثالها، كلها تدور على روایات وصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ێے، وما جاء عن خيار الأمة وسلفها في ذلك، وإن شرق بما فيها الجهميون، والمريسيون، والجعدیون، ومخانیث المتفلسفة، في کل مصر وزمان، وعصر ومكان، وعلى من لا يصدق ان یأتینا بخبر في الكتابين لا يوجد في كتب الأئمة الأعلام حفاظ الاسلام، أصحاب الدواوين المشهورة: كمالك(١)، وأحمد (١)، والشافعي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، (١) هو الإمام الجليل مالك بن أنس امام اهل السنة وصاحب الموطأ في الحديث، وداعية إثبات الصفات عند بدء الضلالات. والقائل: من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر. والمثبت ان الرحمن على عرشه. وكانتوفاته بالمدينة سنة ١٧٩ هـ. عليه رحمة الله. (٢)! هو الامام العظيم الفقيه المجتهد ابو عبد الله أحمد بن حنبل الصابر المحتسب، ناصر السنة : = ١٠٨ والترمذي ومَنْ بعدَهم كابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وأبي عوانة الأسفرائني، والآجري، والبيهقي، وابن عبد البر، ومن لا يعد ولا يحصى من أئمة الاسلام وحفاظه؛ وعلى من تحشرجت نفسه وضاق صدره بما في كتب هؤلاء الأعلام من الايمان بالله وصفاته، والهدى الذي جاء به الاسلام ودين النبيين جميعاً من وصف الله بالكمال وتنزيهه عن النقص والمحال، وأنها كلها تدور على رواية السنة التي تبين كتاب الله تعالى وتفسره - أقول: من ضاق بذلك ذرعاً فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ، وليمت غيظاً وليتفصد حنقاً على الحق وأهله . إن الله تعالى وصف نفسه بما جاء في القرآن بأنه الرحمن الرحيم، الذي لم يلد ولم يولد، الأحد الصمد، لا تأخذه سِنَة ولا نوم يُطعِمُ ولا يطعَم كما قال: ﴿وجاءَ ربُّك والملكُ صَفًّا صفا﴾(١) وبقوله ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُلَلٍ من الغمام والملائكةُ وقُضِيَ الأمرُ﴾(٢) وبقوله: ﴿وأشرقتِ الأرضُ بنورِ رَبِّها﴾ (٢) ويقوله: ﴿يخافون ربهم من فوقِهم﴾(٤١) وبقوله: ﴿ورافعك إليَ﴾(٥) وبقوله: ﴿بل رفعه الله اليه﴾(٦) وبقوله: ﴿هل يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الملائكةُ أَوْ يَأْتِيَّ رَبّكَ أَوْ يَأْتِيَ بعضُ آيَاتٍ رَبّكَ﴾(٧) وبقوله: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ (٨) وقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾(٤) وقوله)﴿وناديناه من جانب الطّرِ الأيمنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾(١٠) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، بل هو أكثر آي القرآن وجمهرته، وأهم ما جاء فيه وأزكاه وأطيبه. فمن لم يؤمن بهذا وبما فسره من أحاديث رسول الله وَير، وكلام الأئمة من = وقد حفظ الله به الاسلام في رد عدوان المعتزلة والجهمية والمعطلة والمجسمة. ولد سنة ١٦٤ في بغداد، وكانت وفاته رحمه الله سنة ٢٤١ . (١) سورة الفجر: ٢٢ (٣) سورة الزُّمُر: ٦٩. (٢) سورة البقرة: ٢١٠ ٥٠. (٤) سورة النحل: (٥) سورة آل عمران: ٥٥. (٦) سورة النساء: ١٥٨. (٧) سورة الأنعام: ١٥٨. (٨) سورة ص: ٧٥. (٩) سورة المائدة: ٦٤. (١٠) سورة مريم: ٥٢. ١٠٩ الصحابة والتابعين وتابعيهم ومقتفي آثارهم إلى يوم القيامة، فليْكِ على نفسه وليندب حظه من الاسلام، ونعوذ بالله من مُضلات الفتن، ونسأل الله الذي عافانا مما ابتلى به هؤلاء، أن يديم علينا الهداية، آمين. ان الدفع في صدور هذه النصوص وردها بالتحريف والإبطال والتكذيب هو داء قديم، ومرض عضال، وسم زعاف، نفثه في هذه الأمة الجعد بن درهم(١) وتولى نشره قبل ذلك رأس الدهرية والزندقة فرعون رأس الكفر إذ يقول: ﴿ايا هامان ابن لي صرحاً لعلِّ أَبْلُغُ الأسبابَ. أسبابَ السماواتِ فَأَطَّلِعَ إلى إلَه موسى وإني لَأَظُنُّهُ كاذباً﴾(٢) فليس عند اللعين وشيعته إلَه فوق السماوات ولا رب استوى على العرش ولا خالق بائن من خلقه يتكلم ويفعل ما يشاء، وعند هؤلاء المخانيث فروخ المعطلة والجهمية أن وصف الله بما وصف به نفسه تشبيه وتجسيم وتجسيد، ويضربون لذلك الأمثال مخالفين قوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلمُ وأنتم لا تعلمون﴾(٢) وإذا سئلوا: هل تؤمنون أن رب العالمين وخالق الخلق موجود حي عليم قادر مريد سميع بصير؟ فيقول من لم يكابر منهم: نعم. فاذا سئل: عن المجيء لفصل الحساب، وإشراق الأرض بنور ربها وإتيانه في ظُلَلٍ من الغمام، ونزوله إلى سماء الدنيا، وندائه بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد، إلى آخر ما جاء في النصوص (٤) امتعض وانتفض وقال: هذه صفات المخلوقات وتدل على التجسيم، فيجب أن ننزه الخالق عنها بزعمهم. فاذا قيل له: وأي فرق بين الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر وبين هذه؟ أليست كلها موجودة في المخلوقات ونصف بها الخالق على وجه لا يشبه وصف المخلوقات؟ فنقول: حياته غير حياة المخلوقات، وكذلك علمه، وسمعه، وبصره. (١) هو الجعد بن درهم المبتدع، أول من قال: بخلق القرآن وإنكار القدر وحكم عليه العلماء بالزندقة، فقتله خالد القَسْريّ. وكان من الموالي، ويعتبر رأس أهل الرأي في كثير من القضايا. قتل يوم الأضحى سنة ١١٨. (٢) سورة غافر: ٣٧ . (٣) سورة النحل: ٧٤. (٤). رواه الإمام البخاري تعليقاً، وقواه شيخ الاسلام ابن تيمية وله شرح لطيف عليه. ١١٠ ٠ ,٠ وكذلك، مجيئه، ونزوله. فنصفه بالكمال، وننزهه عن مشابهة المخلوقات بها، فلماذا لا تقول فيما أنكرت من النصوص كما قلت فيما اعترفت به منها؟ والكل من وادٍ واحد، ومن مشكاةٍ واحدة، نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، كلها نور وإيمان، والتنزيه في الجميع حتم لا بد منه، والاقرار في الجميع واحد، ونفي مشابهة صفات المخلوقات بصفات الخالق إيمان واجب على كل مؤمن. وإذا طولب المفرقون بفرقان بَيْنّ، وسئلوا عن الفرق بين ما قبلوا وما رفضوا. لم يكن عندهم إلا تقليد الجعد والجهم وبشر المريسي الذي توجع الكوثري من نشر ((نقض)) الدارمي (١)له، وانتفخت أوداجه لطبعه، وطبع ((السنة)) للامام أحمد، ولم يخف غيظه من أئمة الاسلام: البيهقي(٢) وإمام الأئمة ابن خزيمة، والخلال، وأبي الشيخ، وأمثالهم من أئمة الهدى، والحديث والسنة، تحت ستار الدفاع عن أبي حنيفة الذي أغناه الله عن دفاع محب جاهل. وأخيراً - وليس بآخر - نقول للكوثري: إنا آمنا بهذه النصوص على ظاهرها مع (١) هو الإمام الحافظ الحجة الثقة الفقيه، عثمان بن سعيد الدارمي الشافعي مؤلف كتاب ((الرد على الجهمية)) وغيره من الكتب. وكان واسع الرّحلة، سمع بدمشق من ابراهيم بن العلاء وهشام بن عمار وسمع في غيرها من الأمام أحمد بن حنبل ويحي بن معين واسحق بن راهويه وعلي بن المدني وغيرهم. وأخذ الفقه عن أبي يعقوب البويطي وهو الذي قام على ((محمد بن كرّام)) الذي تنسب إليه الكرّمية إحدى فرق المجسّمة وطرده من ((هراة)) توفي رحمه الله سنة ٢٨٠ هـ. وكتابه ((الرد على الجهمية)) من مطبوعات المكتب الإسلامي في دمشق. (٢) البيهقي: (٣٨٤ -٤٥٨) هو أحمد بن الحسين بن علي الشافعي ((أبو بكر))، من أئمة الحديث، رحل إلى بغداد ثم إلى الكوفة ومكة وغيرها ثم استقرّ في ((نيسابور))، كثير التصانيف في نصرة مذهبة وتأييده. وقال عنه الذهبي: لو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهباً يجتهد فيه لكان قادراً على لسعة علومه ومعرفته. ومن أعظم مؤلفاته ((السُنْنُ الكبرى)) و ((مناقب الشافعي)) وقد أورد فيه كثيراً من النقول التي انتقد فيها الإمام الشافعي الإمام أبا حنيفة، فكانت هذه كافية لأن يسلقه الكوثري بلسانه الحاد وأن يجعلها سبباً في افترائه عليه. ١١١ تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات وان اقشعر منها جلد الجعديين والجهميين والمريسيين، ونوالي عليها ونعادي على إنكارها، ولنا في ابراهيم والذين آمنوا معه أحسن قدوة، وأزكى أسوة ﴿إِذ قالوا لقومهم إِنَّا بُرَءَاءُ منكم ومما تَعْبُدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاءُ أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده﴾(١). ولا نهن ولا نخاف ولا يزعجنا تنبز الألقاب(٢)، كحشوية أو مجسمة، أو اختراع مخترع لقصة البعوضة التي اخترعها الكوثري ليطفى ء نور الله بفمه. طلب المباهلة: وإن شاء الكوثري أن نباهله: أن ذلك هو الصراط المستقيم، والسبيل السوي، ودين الله الذي جاءت به رسله من أولهم إلى آخرهم، وأن طريقة الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان(٣)، وبشر المريسي - الذي يتوجع له الكوثري ويغيظه طبع الرد عليه - هي طريقة النفاة المتفلسفة، وضعها لهم رأس الكفر فرعون، لعنة الله عليه إلى يوم الدين، واتبعه عليها كل متفلسف متحذلق مجانب الهدي النبوي، إن شاء أن نباهله على ذلك باهلناه، والا فَلْيَصِحْ ما طاب له الصياح، وليرتزق بهذه الأوراق التي يخرجها على الناس ما شاء له الارتزاق، وليموِّه ما شاء له التمويه؛ وليدجل ما شاء له التدجيل. وإن أجاب إلى المباهلة فليذهب إلى ما شاء من مسجد، أو مشهد، أو قبر. وأنا سأقف أمام باب بيت الله الحرام الكعبة المشرفة، وأدعوه الله أن ينزل لعنته على كل كذاب مفترٍ، معاد لسبيل الهدى، مبغض لسلف الأمة وأئمتها، مفترٍ عليهم، مشوِّه للحق الذي جاءوا به، محرف لنصوص الكتاب والسنة، صارف لها عن الهدى الذي جاءت به. (١) سورة الممتحنة: ٤ (٢) النَّبْزُ. الرَّمْي والاتهام بالباطل المفترى، وهذا كان دأب الكوثري طوال حياته، وهو الان منهج تلامذته واتباعه بل زادوا عليه بالنفاق الخفي والظاهر سعياً وراء كسب دنيوي. وانظر لذلك ((السيف الصقيل العبقري على اباطيل تلميذ الكوثري)) للشيخ الفاضل عبد العزيز الربيعان. (٣): هو الجهم بن صفوان السمرقندي، من موالي بني راسب، رأس (الجهمية)) ؛ الضالِّ المبتدع، قَبَضَ عليه ((نَصْرُ بن سيّارِ)) وأَمَر بقتله؛ وكان ذلك سنة ١٢٨ هـ. ١١٢ الحقيقة والمجاز (٢) كرر الكوثري وأعاد في الدال والمدلول، والحقيقة والمجاز، والحرف والصوت والمداد، وبهت بعض الأئمة كابن قدامة بما لا يصح أن يقوله عاقل، كل ذلك ليتحلل مما اشتهر عن أئمة السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ واليه يعود، وحاصل ما أبدأ وأعاد، أنه ليس لله تعالى كلام يتلى بيننا! وأن ما بين دفتي المصحف ليس كلام الله، فخالف النصوص، والاجماع، وسلف الأمة وأئمتها، فما أدري ما يقول في قوله تعالى ﴿وإنْ أحدٌ من المشركينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حتى يسمعَ كلام الله﴾(١) ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يُحَرِّفُونَهُ من بعد ما عَقَلوه وهم يعلمون﴾(٢). بلى أدري أنه سيقول، بل قد قال فعلاً: حتى يسمع مدلول، أو دال كلام الله، لا أن يسمع كلام الله حقاً، وهذا هو تحريف كلام الله بعد سماعه وعقله تقليداً لمتفلسفة اليونان . وإذ قيل له: هل نادى الله موسى وناجاه وقربه نجياً وهل سمع موسى كلام الله؟ فسيقول: بل قال: إنما سمع مدلول، أو دال كلام الله! وهكذا من أنواع هذه القرمطة التي تفسد العقول والفِطر، وتشكك في كتب الله وشرائعه. ونسأله عما تُقر به العقول وتعترف به الفِطَر، أن الكلام هو كلام من قاله ابتداءً وانشاءً وتأليفاً؛ فهذا القرآن الذي نسمعه من القارىء ونسمع صوته به: من الذي (١) سورة التوبة: ٦. (٢) سورة البقرة: ٧٥. ١١٣ قاله ابتداء، ومن أول من قال ﴿ألم﴾ ﴿أَصَ﴾ ﴿أَرَ﴾ ﴿كَهَيَعَصَ﴾ ﴿طسم﴾ ﴿صَ﴾ ن﴾ أهو الله الذي تكلم بذلك أولاً، ونزل به الروح الأمين جبريل على قلب النبي الأمي محمد نَّه وقرأه النبي على أصحابه؟. إن قلت: ذلك، فهذا هو المطلوب، القرآن كلام الله تكلم به أولاً وهو كلامه حقاً، وما نسمعه من القارىء هو كلام الله نسمعه من صوت القارىء، وليس هو كلام القارىء، فالكلام كلام الله حروفه ومعانيه، والصوت صوت القارىء رخيماً أو غليظاً، ففرق في الفطر السليمة بين الكلام المؤلف من كلمات وحروف، وبين الصوت الذي هو اهتزاز الهواء في الحنجرة، والفم، وطبقات الهواء، وكل ذي فطرة سليمة يعلم أن: ﴿الحمدُ للهِ ربِ العالمين﴾(١) كلام الله، وصوت القارىء بها هو صوت القارىء، ومداد الكاتب لها مداده، وللكلام وجود في الأعيان، وفي الأذهان، وفي الكتابة. فإن قلت: إن الذي نسمعه من القرّاء، ونكتبه في المصاحف، ليس كلام الله، فقل لي بربك: من أولَ من تكلم به، بكلماته، وحروفه، واعفنا بربك من دالٌ ومدلولٍ ، وحكاية وعبارة، التي تؤول إلى أن القرآن بكلماته وحروفه ليس كلام الله، فتشبه فيلسوف قريش إذ يقول في القرآن: ﴿إن هذا الا سحر يُؤْثَر. إن هذا إلا قولُ البشر﴾(٢) وقولهم ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتبها فهي تُمْلى عليه بُكْرة وأصيلا﴾ (٣). وبعد: فإنا نؤمن أن القرآن كلام الله؛ ألفاظه، وحروفه، ومعانيه، ليس من تأليف مخلوق، لا جبريل، ولا محمد، ولا اللوح المحفوظ، ولا من نظم أي مخلوق - غير الله تعالى - قرأه القارىء فالكلام كلام الله والصوت صوت القارىء، أو كتبه الكاتب، فالكلام المكتوب كلام الله، والكتابة والمداد وحركة اليد فعل الكاتب، والورق صنع الوراقين. والحديث يقول: ((إن الله ينادي بصوت - أي يوم القيامة - يسمعه مِن قَرُبَ كما يسمعه من بَعُدَ))(٤) ونقول: إن الله كلم موسى وأسمعه كلام الله (١) الفاتحة: ١. (٣) سورة الفرقان: ٥. (٢) سورة المدَثِّر: ٢٤. (٤) رواه البخاري تعليقاً وقوّاه ابن تيمية. وشرحه برسالة صغيرة مفيدة. وإنا لنجد من المخترعات الحديثة ما جعل كلام البشر يسمع في هذه الدنيا من بعد كما يسمع من قرب. والذين حكموا= ١١٤ في الجنة، فلا يكون شيء ألذ ولا أجمل من سماع كلام الله من الله، وليحرم الجهمية والجعدية، والمريسية، أنفسهم من الايمان بسماع كلام الله تعالى، وران على قلوبهم ما اخترعته لهم الفلسفة من دال ومدلول وعبارة وحكاية ومحال، حتى حرمتهم لذة كلام الله تعالى، والإيمان به عند تلاوته، وأسقطت حرمته من قلوبهم. اللهم ايماناً كايمان العجائز، ونحمدك على العافية من فلسفة الرازي والآمدي، والتفتازاني، ونفي الجعد، والجهم، والمريسي وأذنابهم إلى عصر الكوثري، ولك الحمد والمنة على ما هديتنا ووفقتنا من الايمان بكتابك الكريم، وسنة نبيك الهادي إلى صراطك المستقيم، واتباع سلف الأمة وأئمتها، واقتفاء خُطاهم، وسلوك سبيلهم، ومجانبة طرق الغواية والضلال والغضب من أمثال جعد وجهم وَبِشْر ومن ينصرهم، ويغضب لهم، ويحمى حمية الجاهلية للرد عليهم وبيان زيغهم وزيفهم وممن يحذر من شرورهم، وينصح للمسلمين وأئمتهم وعامتهم، ولكتاب الله تعالى وسنة نبيه ولا ويحتمل الأذى في بيانها وتعليمها ونشرها والصبر عليها، والدعوة عليها وإن كرهها الكارهون، وغضب لتبيانها ونشرها، وطبع الكتب الهادمة لضلال جعد وجهم وبشر وأمثالهم(١)، ومن غص بنصوص القرآن والسنة وطريق سلف الأمة وأئمتها، ونسأله تعالى بحقه وكرمه ولطفه كما هدانا لهذا أن يديمه علينا إلى الممات، وأن يحشرنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. الإيمان قول وعمل (٣) يرمي الكوثري خيار الأمة الذين قالوا: إن الإيمان، قول، وعمل، واتعقاد؛ ويزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي قالوا ذلك اتباعاً للنصوص الصريحة المستفيضة من القرآن والسنة: بأنهم - في سبيل الانحياز الى المعتزلة أو الخوارج متهماً لهم أنهم - = عقولهم القاهرة في صفات الله جل وعلا فجعلوا هذا الحديث مما يُستَعْبِد عقلًا أخزاهم الله، فإنهم أجهل البشر، وتعالى الله عن كل تشبيه وتمثيل وله المثل الاعلى. (١) وقد يسر الله طبع الكثير من هذه الكتب على نفقة بعض المحسنين الذين غايتهم وجه الله. كما يقوم اعداء السنة بطبع الكثير من كتبهم وستكون عليهم حسرات في الدنيا والآخرة. ١١٥ يقولون: إن من أخل بشيء من العمل يكون أخل بالايمان، (١) فبئس ما افتراه عليهم، كبرت كلمة تخرج من فيك يا كوثري، أن يكون خيار الامة وأكابر الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي ومن قبلهم من التابعين، والصحابة، ومن بعدهم ممن هو على آثارهم، منحازين إلى المعتزلة والخوارج، شاعرين بزعمك - أو غير شاعرين - وهم أعرف الناس بشرور المعتزلة والخوارج وضلالهم، وأنصح الأمة للأمة، بالبعد عن الانحراف عن طريق أهل السنة والجماعة، تشهد بذلك أقولهم وآثارهم وتعاليمهم، وكتبهم ومجالسهم وتلاميذهم، في كل بلد وفي كل عصر ومصر إلى يوم القيامة. لقد قالوا: يتفاوت الايمان من أدنى درجاته في آخر من يخرج من النار، إلى أعلى درجاته في أعلى عِلَّيين من أهل الغرف الذين يتراءون كالكوكب الدري الغابر في الافق. ولم يقولوا: إن إيمان السكير العربيد الذي لا يدري عن نفسه - لسكره وعربدته - كايمان جبريل، وميكائيل، ومحمد رسول الله وَلخير، وصديق الأمة أبي بكر، وفاروقها عمر وغيرهم. لم يقولوا بهذه المخزيات، وإنما قالوا بما قال الله ورسوله: من تفاوت أهل الايمان في الايمان والاعمال، وتدرجهم ممن في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من الايمان، إلى سكان الفردوس أعلى الجنة وصاحب الدرجة الرفيعة والوسيلة والمقام المحمود، ولا يقولون: إن من أخل بشيء من الاعمال يكون قد أخل بالايمان، كما بَهَتَهُمْ به هذا البهات، وافتراه عليهم، فأقوالهم وكتبهم وتعاليمهم ومتواتر مذاهبهم: أن المؤمن يكون فيه خير وشر؛ وله حسنات وسيئات ولا يخلو من الخير إلا الشيطان الرجيم، ولا يسلم من الشر الا الملائكة والنبيون صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا هو السبب في تصريحهم بالاستثناء في الايمان، فيقول أحدهم: أنا مؤمن ان شاء تعالى اعترافاً بالخطأ (١) أنظر كلام الكوثري والرّد عليه في ((التنكيل)) (٣٦٣/٢ - ٣٧٨) وقد طبعه رجل العلم والفضل في بلاد الحجاز الشيخ محمد نصيف عليه رحمة الله. وقد حققه المحدث الشيخ ناصر الدين الالباني وكان هذا مما أثار حفيظة اهل التخريف على الشيخ نصيف والمحدث الالباني ولهما الاجر ان شاء الله. ١١٦ والنقص وتقريراً للتقصير والتواني؛ وايماناً منهم بأن هذا الدين لن يشاده أحد الا غلبه، فيسددون ويقاربون، ويستغفرون الله لتقصيرهم وعدم اللحاق بأول القافلة، فيستثنون في الايمان. لهذه المقاصد الصحيحة لا شكاً في دينهم كما تجناه عليهم هذا المتجني وأضرابه، الذين قالوا؛ سؤال: هل يجوز التزوج بالشافعية التي تقول: أنا مؤمنة ان شاء الله، فتشك في دينها؟ والجواب: يجوز قياساً على الذمية اليهودية والنصرانية(١)، يا للعجب العجاب وضياع العقل والصواب! مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر تعترف أن الايمان يزيد وينقص، بنص القرآن والحديث ولا تعرف کم عندها من درجات الايمان، وکم حصلت من شعبه وأغصانه، أو بتعبير حسابي عصري كم النسبة المئوية أو الألفية عندها من الايمان، فتكل الأمر إلى علام الغيوب وتقول: أنا مؤمنة إن شاء الله تعالى، فيأتي قوم يقولون: إن إيمان السكير العربید کایمان جبريل، وميكائيل، ومحمد ◌َله، وأبي بكر، يقولون بكفرها، ويشككون في جواز نكاحها، ثم يستحي منهم من بقي للحياء فيه بقية، فيقيسها على اليهودية والنصرانية! مسلمة تقاس في جواز نكاحها بجواز نكاح اليهودية والنصرانية!؟ وأنا بدوري على قلة عنايتي بأصولهم، أتعجب من هذا القياس الذي تأباه أصولهم وأوضاعهم، فهذه المسلمة التقية التي استثنت في إيمانها خوفاً من الله تعالى أن تتألى عليه بشيء لا تحيط بمداه وجوانبه، تحكم عليها قواعدهم أنها شاكة، فهي بزعمهم مرتدة، فكيف جاز قياسها على اليهودية والنصرانية في حل النكاح؟ فالقياس المتجه شكلاً على أصولهم، الباطل موضوعاً بنص كتاب الله وسنة رسوله صل *: أن هذه الشَّاكَّة المرتدة تقتل بعد أن تستتاب؛ لا أن يحل زواجها قياساً على اليهودية والنصرانية - بزعمهم - التي لا تقتل ولا تستتاب، والقوم أهل القياس، فكيف غاب عنهم الفرق بين المرتدة والذمية؟ إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بُشر بقصر في الجنة، رآه رسول الله وَليه، فبكى (١) أنظر النص المثبت في مقدمة ((شرح العقيدة الطحاوية)) (ص - ٥٩) الطبعة الثامنة - المكتب الاسلامي. ١١٧ للبشارة(١)، وإن عائشة أم المؤمنين تقول في قول الله تعالى: ﴿والذين يُؤْتُونَ ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ (٢) فتقول: هم الذين يزنون ويسرقون ويخافون؟ فيقول لها النبي 9: لا يا ابنة الصديق، بل هم الذين يصلون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل منهم؛ أو كما قال ◌َقر على ما جاء الحديث في ذلك، في مسند الامام أحمد رضي الله عنه(٣) وأرضاه، وأسكننا الجنة معه بمنه وكرمه. أفما يكفي هذا وأمثاله وأمثال أمثاله لزجر العاقل المؤمن عن أن يجزم بشيء لا يحيط علمه بحدوده؟ ويدعي اجتماع شعب شجرة الايمان فيه؟ وهو لا يدرك معرفة عُشْر عشر معشارها، فضلاً عن العمل به، فيستحي أن يقول: أنا مؤمن حقاً، وأن ايمان السكير العربيد وآكل مال اليتامى، وقاطع الطريق، وربما قاتل الأنبياء والصديقين، هو كايمان جبريل، وميكائيل، ومحمد، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؟ إحراج الكوثري لنا أن نسأل الکوثري سؤالاً، ليخرج لنا جواباً يُتجر به ویأکل به طعامه ویرتزق به (وطالب القوت ما تعدی) نسأله سؤالاً لعله يستجدي أهل الجدوی بسببه في نفقات طبع جوابه ونشره، ونكون قد أحسنا إليه ولو بطريق غير مباشر، وهذا هو السؤال: إذا كان الايمان هو المعرفة والتصديق فقط ليس معه شيء من عمل القلب: خوفه، ورجائه، وخشيته، وتقواه. وليس معه شيء من عمل الجوارح: لا نطق اللسان، ولا عبادة الله، ولا الركوع، ولا السجود. بل وقد يكون معه: قتل الأنبياء، وتكذيبهم، والسجود للأصنام والذبح لهم - إذا كان الايمان يكون هكذا، فلماذا كفر اليهود وهم الذين يعرفون الرسولَ والحقَّ كما يعرفون أبناءهم؟ ولماذا كان فرعون رأس الكفرْ وهو یعلم أن آیات موسی أنزلها رب السموات والأرض، بصائر وتأييداً لموسى؟ ولماذا كان هو (١) أخرجه الشيخان انظر ((مختصر صحيح مسلم)) ١٦٣٢. (٢) سورة المؤمنون: ٦٠. (٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة ١٦٢ . ١١٨ وقومه أكفر خلق الله، وهم الذين أيقنوا بآيات الله ﴿واستيقنتها أَنفُسُهُمْ﴾(١) ولماذا كفر كفار قريش وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فإنهم لا یکذبونك﴾(٢) ولماذا کان إبليس رافع راية الكفران، وهو يعلم أن الله رب العالمين وهو يعترف بعزه الله، وهدايته، وربوبيته؟ . نريد جواباً إرجائياً أن الايمان معرفة فحسب، حتى يكون كل هؤلاء مؤمنين حقاً كايمان جبريل، وميكائيل، ومحمد ◌َليه وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والعشرة المبشرة بالجنة، والصحابة أجمعين، وإلا فليستح المجادل في الحق بعد ما تبين، والرزق على الله تعالى، لا على الاشتراء بآيات الله ثمناً قليلاً، والتعيش بالدجل والتغرير بالاغنام، والاتجار بدين الله تجارة باطلة مغشوشة سخيفة ولنتوجه جميعاً إلى الاهتمام بالمسلمين اليوم، والفتن التي تحيط بهم، وتحل قريباً من دارهم، وأعداء الله ورسوله وأعداء الديانات جميعاً يتسابقون جميعاً إلى اختراع المهلكات والمدمرات من قنابل ذرية جهنمية، وإيدروجينية، وجهنميات الجو والبر والبحر والسماء والارض. فلنستح جميعاً من هذا الجدل الباطل، والتشكيك في دين الله تعالى، لدى العامة وأشباه العامة، وإضحاك العقلاء علينا، لأننا نعيش في غير عصرنا ونخالط من لا يعرفنا ولا نعرفه، إن كان بقي عندنا للحياء بقية. اللامذهبية (٤) يرمي الكوثري المؤمنين بكتاب ربهم والمتبعين لسنة نبيهم، والمقتفين لآثار السلف الصالح من الصحابة، والتابعين المقتدين بأئمة الهدى، في العمل بالكتاب والسنة، المؤمنین بأن كتاب الله وسنة نبيه حق وهدى ونور، في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر، وليست ألغازاً ولا أحاجي، ولم يتولَّ الله بنفسه حفظ كتابه وسنة نبيه إلى اليوم، وإلى ما شاء الله تعالى إلا للعمل بهما والاهتداء بهديهما، لا لكتابة حُجُبٍ بهما، وأكل عيش بالتغني بها في مجالس الأفراح والمناحات، وأذية الأموات عند (١) سورة النَّعْل: ١٤. (٢) سورة الأنعام: ٣٣. ١١٩ القبور، وعدم حصر دين الله الكامل الشامل العام الرحمة المهداة إلى العالم أجمع، في نفر يقل عددهم عن أصابع اليد الواحدة، والزام الناس بآصار وأغلال ونحاتات افكار سقيمة عقيمة، وتقييد الناس وتغليلهم بقيود المتهوكين(١) وأغلال من يشبه الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالاثم، الصادين عن سبيل الله البيضاء النيرة، التي تركنا عليها رسول الله وير حتى اضطروا الناس إلى الحشر في جحر الضب، من قيود التقاليد وأغلاها؛ واضطروهم إلى الخروج عن هذا الدين الحنيف الذي عسروه بضيق عقولهم، ودنسوه بسخفهم - إلى الخروج إلى حرية عصرية ومدنية فاسقة خليعة، بسوء عمل هؤلاء المسیئین إلى ربهم، وکتابه، ودينه، ورسوله - يسمي الكوثري هؤلاء المهتدين نبزاً لهم باللامذهبية، زاعماً: أنهم قنطرة اللادينية، (٢) وهذا ليس وراءه وراء، في قلب الحقيقة، وليس الحق بالباطل، وليس ذلك بأول عجائبه ولا بآخر لجاجه، فان متبعي الكتاب والسنة في كل زمان ومكان، هم حجج الله في أرضه، وهم نجوم الهداية لخلقه، وهم ورثة الانبياء الذين لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم والهدى والبصيرة في الدين. فهل لنا أن نسأل الكوثري عن البلاد التي نبذته مع أضرابه الذين لبسوا الدين مقلوباً، وجعلوا منه حجباً وتمائم، ومحللات نكاح بتیس مستعار. نسأله: کم کان فيها مهتدون بالكتاب والسنة ممن يسميهم: لا مذهبية سببوا لها استبدال قوانين أوروبا، ومدنيتها وكفرها بدين الله حقه وباطله؟ فليسمِّ لنا واحداً ممن سألناه عنه، فإذا لم يقدر أن يسمي واحداً في تلك البلاد - وهو ما نسجله عليه من الآن إلا إذا كان (١) المتهوِّكين: المتهوك - بالفتح - المتحير، والساقط في هوة الردى. والوقوع في الشيء من غير مبالاة تهوراً. (٢) لو صدقت هذه الكلمة الظالمة - ومعاذ الله أن تصدُق - لكانت بالصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد وعصور الخير أَلْصَق لأنهم كانوا أبعد الناس عن المذهبية. ولكن الله تعالى جعلهم قنطرة الهداية والايمان، وكذلك كل من دعا إلى كتاب الله وسُنّة رسوله أَبَد الدَّهر، وإن تفشي اللادينية بين الناس لم يكن بسبب اتباع الكتاب والسنة، بل لأسباب أخری لا حاجةالذکرها هنا. ١٢٠