Indexed OCR Text
Pages 41-60
ذكر الكوثري هذا (ص ٨٥) وهذه الكلمة (لو أدركني) لها تأويل قريب ذكرته في (التنكيل) ولم يقع / عليه الحنفية بل ذهبوا يتعسفون، فروى عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي : حدثني أبو طالب سعيد بن محمد بن أبان البردعي في مسجد أبي الحسن الكرخي ببغداد حدثني أبو جعفر .... الطحاوي أنبأنا بكار بن قتيبة أنبأنا هلال بن يحي الرأي البصري سمعت يوسف بن خالد السمتي)) فذكر قصة طويلة فيها عجائب، تراها في (مناقب أبي حنيفة) للموفق المكي (ج ٢ ص ١٠١ - ١٠٩)، وقد أشرت إلى بعضها في (التنكيل)، وهذه الحكاية لا يشك عارف في أنها مكذوبة على الطحاوي، فعبد الله بن محمد ترجمته في (لسان الميزان) (ج٣ ص ٣٤٨) وشيخه لا يعرف، وإِنما ذكره صاحب (الجواهر المضيئة) بما نضمنته هذه الحكاية، فلم يسمع به إلا فيها، ويغلب على الظن أنه لا يوجد منه إلا اسمه، ولو كان للقصة أثر عند الطحاوي لما فاتت ابن أبي العوام، ومن تدبر القصة لم يشك في اختلاقها، وفيها «لو أدركني البِتِيِّ ترك كثيراً من قوله)) مع أنه يعلم منها ومن غيرها أن البتي وهو عثمان إبن مسلم البصري الفقيه كان يومئذ حياً يرزق. وذكر الأستاذ (ص ١١٣) ماروي عن حماد بن زيد قال: / ذكر أبو حنيفة عند البتي فقال: ذاك رجل أخطأ عصم دينه كيف يكون حاله. ثم قال الكوثري: ((عثمان بن مسلم البتي توفي سنة ١٤٣ هـ وكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات، وكان يوسف بن خالد السمتي بعد أن تفقه أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يجابه البتي)) وفي تلك الأخلوقة أن أبا حنيفة قال: ((لو أدركني البتي)) أول ما اجتمع به يوسف بن خالد، فمن تدبر علم أن تلك الأخلوقة المنسوبة إلى يوسف بن خالد إنما اختلقت لما شاعت حكاية يوسف بن أسباط، فأراد المختلق علاجها فوقع فيما وقع فيه، ثم إن الكوثري لم يقتصر على ما قيل قبله من دعوى التصحف في ((النبي)) بل زاد أمرين: الأول: أنه على فرض أن أبا حنيفة قال تلك الكلمة بلفظ ((النبي)) فقوله: ((لأخذ)) المراد به («الأخذني». الثاني: أنه رأى أن من تقدمه لم يتعرضوا لما وقع في إحدى الروايات: ((وهل الدين إِلا الرأي الحسن)). ٤١ فقال الکوثري (ص ٨٨): (فلا شك أن ۔ الدین - مصحف من أری)) وذهب يوجه احتمال العادة لمثل ذلك. /وهذا موضع الاعتبار، بينما تری الکوثري يصنع ما تقدم في الأمثلة فيغض النظر عن التصحيف الواضح والخطأ المكشوف إِذا به يحاول دعوى التصحيف التي لا يشك في بطلانها، ولا عجب في ذلك إِذ مغزى الكوثري إنما هو الانتصار لهواه، وقد قدمت أن لتلك الكلمة المنقولة عن أبي حنيفة تأويلاً قريباً بدون دعوى التصحيف ولا التحريف، وستجده في (التنكيل) إِن شاء الله. : - ٤ - ومن غرائبه تحريف نصوص أئمة الجرح والتعديل، تجيء عن أحدهم الكلمة فيها غض من الرواي بما لا يضره، أو بما فيه تليين خفيف لا يعد جرحاً، فيحتاج الكوثري إلى الطعن فيمن قيلت فيه فيحكيها بلفظ آخر يفيد الجرح، فمن أمثلة ذلك: ١ - ابراهيم بن سعيد الجوهري، هو من شيوخ مسلم في (صحيحه) ومن كبار الحفاظ، قال فيه أحمد بن حنبل (کثیر الکتاب، کتب فأکثر) وقال الکوثري نفسه (ص ١٥١): ((كان إِبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم)) وتجد الحكاية / بتمامها في ترجمة إِبراهيم من (الميزان). وكان من عادة المكثرين أن يترددوا إلى كبار الشيوخ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخ قد سمع منه الكثير يرجو أن يسمع منه ما لم يسمعه من قبل، فيتفق أن يشرع الشيخ يحدث بجزء قد كان ذاك المكثر سمعه منه قبل ذلك فلا يعتني باستماعه ثانياً أو ثالثاً لأنه يرى ذلك تحصيل حاصل، فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعة من هذا القبيل، فحكى عبد الرحمن بن خراش قال: ((سمعت حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إِبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم،وأبو نعيم يقرأ وهو نائم، وكان الحجاج يقع فيه)). وسيأتي إيضاح الجواب في ترجمة إِبراهيم من (التنكيل). والمقصود هنا أن الكوثري ذكر تلك المقالة فحرفها تحريفاً قبيحاً. قال ( ص ٧٥): ٤٢ ((كان يتلقى وهو نائم، كما قال الحافظ حجاج بن الشاعر، فحجاج هذا ممن لا یندمل». وقال (ص ١١٩): ((رماه الحافظ حجاج بن الشاعر بأنه كان يتلقى وهو نائم)) فعبارة حجاج تحتمل ما قدمنا، ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديث / يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت كان إبراهيم فيه نائماً، وعبارة الكوثري تفيد هذا، وعبارة حجاج إنما تدل على مرة واحدة عند أبي نعيم، وعبارة الكوثري تدل أن التلقي في حال النوم كان من عادة إبراهيم عند أبي نعيم وغيره! فتدبر وتأمل. ٢ - مؤمل بن أهاب، قال الكوثري (ص ٦٥): ((ضعفه ابن معين ما حكاه الخطيب)). أقول: إنما حكى الخطيب (ج ١٣ ص ١٨١) عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال: ((سئل يحي بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن أهاب فكأنه ضعفه)) فتدبر، وقد قال أبو حاتم: (صدوق) وقال النسائي: (لا بأس) به وقال مرة: ثقة، وقال مسلمة ابن قاسم: ثقة صدوق. ٣ - أحمد بن سلمان النجاد، قال الكوثري (ص ٦٥): ((يقول عنه الدارقطني: يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله)). / أقول: إنما الدارقطني: ((حدث ... )) كما في (تاريخ بغداد) و (الميزان) و (اللسان)، وذاك يصدق بمرة واحدة كما حمله الخطيب وغيره كما يأتي في ترجمة النجاد من (التنكيل) وفيها بسط عذر النجاد؛ وعبارة الكوثري تفيد بأن ذاك كان من شأن النجاد تكرر إمراراً !. ٤ - أحمد بن كامل، قال الكوثري (ص ٤٣): ((فيه يقول الدارقطني .... ربما حدث بما ليس عنده كما رواه الخطيب)). أقول: عبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد) وغيره: (( .... بما ليس عنده في کتابه)) وهذا القید: «في کتابه» یدفع القدح، فإنه لا يلزم من عدم کون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه، وتأتي ترجمة أحمد في (التنكيل) .. ! ٤٣ ٥ - عبد الله بن علي المديني، قال الكوثري (ص ١٦٨): ((وهو لم يسمع من أبيه على ما يقال)). أقول: یرید الکوثري بهذا قول الدارقطني، وعبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد): ((أخذ كتبه وروى أخباره مناولة، قال: وما سمع كثيراً من أبيه)». فقوله: ((وما سمع كثيراً من أبيه)) واضح في أنه سمع / منه، إلا أنه لم يكثر، وأول عبارته يفيد أن ما لم يسمعه من كتب أبيه وأخباره أخذه منه مناولة، وهي من طرق التلقي، فعلى هذا تكون روايته عن أبيه متصلة صحيحة إن صرح بالسماع فسماع، وإلا احتمل أن يكون سماعاً وأن يكون مناولة، والرواية التي ذكرها الخطيب من طريقه ولأجلها تعرض له الكوثري قد بينّ فيها السماع: هذا والسماع أصله أن يملي الشيخ بلفظه والتلميذ يسمع، لكن قد يطلق السماع على ما هو أعم من ذلك، وهذا هو المتبادر من قولهم: فلان لم يسمع من فلان، فيفهم منه أن روايته عنه منقطعة حتى لو صرح بالاتصال يكون كذباً؟ وهذا هو مفهوم عبارة الكوثري لأنه قصد بها الطعن في رواية هذا الرجل التي بين فيها السماع، فانظر تحريفه لعبارة الدارقطني. ٦ - محمد بن أحمد الحكيمي، قال الكوثري (ص ١١٤): «قال البرقاني: في حديثه مناکیر)). أقول: لفظ البرقاني کما في (تاریخ بغداد)(ج١ ص ٢٦٩) و (لسان الميزان)(ج٥ ص ٤٥): ((ثقة إلا أنه يروي مناكير)) / وبين العبارتين فرق عظيم فإن ((يروي مناكير)) يقال في الذي يروي ما سمعه مما فيه نكارة ولا ذنب له في النكارة، بل الحمل فيها على من فوقه، فالمعنى أنه ليس من المبالغين في التنقي والتوقي الذين لا يحدثون مما سمعوا إلا بما لا نكارة فيه، ومعلوم أن هذا ليس بجرح، وقولهم: ((في حديثه مناکیر)» كثيراً ما تقال فيمن تكون النكارة من جهته جزماً أو احتمالاً فلا يكون ثقة. وهذا المعنى هو الذي أراد الكوثري إفهامه، ولذلك حذف كلمة ((ثقة))؛ وقد ٤٤ تعقب الخطيب كلمة البرقاني بقوله: ((وقد اختبرت أنا حديثه فقلما رأيت فيه منكراً)). فثبت أن هذا الرجل مع ثقته غير مقصر في التنقي والتوقي، وأن ما وقع في روايته مما بنكر قليل جداً؛ وقال ابن حجر في (لسان الميزان): ((ذكرته - يعني زيادة على (الميزان) - لأن المصنف ذكر عثمان بن أحمد الدقاق الصدوق الثقة بسبب كونه يروي المناكير)). أقول: لا عذر لابن حجر في هذا. أولاً: لأنه أنكر على الذهبي ذكره لعثمان، كما يأتي في ترجمته من (التنكيل). / ثانياً: لأن المناكير في مرويات عثمان كثيرة، والله المستعان. ء - ٥ - ومن فواقره تقطيع نصوص أئمة الجرح والتعديل، يختزل منها القطعة التي توافق غرضه، وقد یکون فیما یدعه من النص ما یبین أن معنی ما يقتطعه غیر المتبادر منه عند انفراده، فمن أمثلة ذلك: ١ - القاسم بن أبي صالح، راجع ما تقدم (٢:١) ٢و٣ جرير بن عبد الحميد وأبو عوانة الوضاح، راجع ما تقدم (٢ - ١و٢) ٤ - عبد الله بن علي بن المديني، راجع ما تقدم (٥:٤) ٥ - محمد بن أحمد الحكيمي، راجع ما تقدم (٦:٤) ٦ - محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال الكوثري (ص ١٦٦): ((قال عنه أبو حاتم: كان به غفلة حدث حديثاً موضوعاً عن ابن عيينة)). ١ أقول: عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه و (التهذيب) وغيرهما /: ((كان رجلاً صالحاً وكان به غفلة، رأيت عنده حديثاً موضوعاً قد حدَّث به عن ابن عيينة وكان صدوقاً) هذا وابن أبي عمر مکثر جداً عن ابن عيينة، فإذا اشتبه علیه حدیث واحد لم يضره، ٤٥ ولعل أبا حاتم نبهه عليه فترك روايته، وقد يكون أبو حاتم أخطأ في ظن الحديث موضوعاً، وسئل الإمام أحمد: عمن نكتب؟ فقال: أما بمكة فابن أبي عمر. وقد أكثر مسلم في (صحيحه) عن ابن أبي عمر، له عنده على ما حكي عن (الزهره) مائتا حديث وستة عشر حديثاً. ٧ - محبوب بن موسى، قال الكوثري (ص ١٧): ((يقول عنه أبو داود:إلا تقبل حكاياته إلا من كتاب)). أقول: عبارة أبو داود كما في (التهذيب) و (الميزان)((ثقة: لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب)) ويأتي تحقيق حال محبوب في ترجمته من (التنكيل) إن شاء الله تعالى. ٨ - سعيد بن عامر، قال الكوثري (ص ١٠٩): ((في حديثه بعض الغلط كما قال ابن أبي حاتم)). أقول: عبارة ابن أبي حاتم نقلها عن أبيه كما في كتابه وغيره: ((كان رجلاً صالحاً وكان في حديثه بعض الغلط وهو/ صدوق)) وتأتي ترجمة سعيد في (التنكيل). ٠ ٩ - سليمان بن حسان الحلبي. قال الكوثري (ص ١٠٩): ((قال أبو حاتم عنه(١) سألت ابن أبي غالب عنه فقال: لا أعرفه ولا أرى البغدادیین يروون عنه)). أقول: تتمة عبارة أبي حاتم كما في كتاب ابنه و(تاريخ بغداد)(ج٩ ص ٢١): ((وروى عنه من الرازيين أربعة أو خمسة)) قال ابن أبي حاتم: ((قلت (لأبي) ما تقول فيه؟ قال: هو صحيح الحديث)). ١٠ - محمد بن العباس أبو عمر بن حيويه، راجع ما تقدم ١٢:١ وتأتي ترجمة محمد في (التنكيل). ١١ - محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال الكوثري (ص: ١٣٣): «قال ابن عدي رأيت أبا يعلى يسيء القول فيه ويقول: شهد على خالي بالزور. وله (١) الكوثري يأتي بلفظ ((قال عنه)) بمعنى ((قال فيه)). ٤٦ عن أهل الموصل أفراد وغرائب اهـ. وأبو یعلی من أعرف الناس به وكلامه فيه قاض على كلام الآخرين)). / أقول: آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلى قوله: ((بالزور)) وعقب ذلك كما في (التهذيب) ((قال ابن عدي وابن عمار ثقة حسن الحديث عن أهل الموصل معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند یحیی القطان، ولم أر أحداً من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة)). فحذف الكوثري توثيق ابن عدي وجميع مشائخه لا بن عمار، وحذف الدليل على أن المراد بالأفراد والغرائب، الأفراد والغرائب الصحيحة التي يمدح صاحبها لدلالتها على إكثاره وعنايته ومهارته في الفن كما تقدم شيء من ذلك (٥:٢) وحذف الدليل على أن أبا يعلى كان عنده نفرة عن ابن عمار توجب أن لا يعتد بكلامه المذكور فيه، كما يأتي إيضاح ذلك في ترجمة ابن عمار في (التنكيل). والكوثري يتشبث بهذه القاعدة ويتوسع فيها جداً فيرد كثيراً من الروايات المحققة والجرح المفسر المحقق بدعوى انحراف الراوي أو الجارح عن المجروح، وإن كان الراوي أو الجارح جماعة من الأئمة، ولم يثبت ما يعارض قولهم، بل / مع ثبوت ما يوافق قولهم عمن كان موافقاً للمجروح مائلا إليه، كما يأتي بعض ذلك في ترجمة أحمد ابن محمد بن الصلت ابن المغلس من (التنكيل). ثم يتناقض الكوثري ههنا فيزعم أن تلك الكلمة المحتملة الصادرة من أبي يعلى مع تبين نفرته عن ابن عمار يرد بها توثيق الجمهور لابن عمار، وسيأتي في القسم الأول من (التنكيل) تحقيق هذه القاعدة، وفي القسم الثاني ترجمة ابن عمار وبيان إمامته وجلالته. ١٢ - محمد بن فضيل بن غزوان، قال الكوثري (ص ٣٩) في الكلام في القاسم التمار ((وقال ابن سعد عن (١) محمد بن فضيل الراوي عنه: بعضهم لا يحتج به)). (١) بمعنى في . ٤٧ أقول: عبارة ابن سعد كما في (طبقاته)(ج٦ ص ٢٧١) و (التهذيب) وغيرها: ((كان ثقة صدوقاً كثير الحديث متشيعاً، وبعضهم لا يحتج به)). فحذف الكوثري التوثيق الصريح، والدليل على أن / عدم احتجاج بعضهم بابن فضيل إنما هو لتشيعه، وقد وثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والعجلي وغيرهم، ولم يطعن أحد في روايته، وقال ابن شاهين: ((قال علي ابن المديني: كان ثقة ثبتاً في الحديث)) وقال الدارقطني: ((كان ثبتاً في الحديث، إلا أنه كان منحرفاً عن عثمان)) وقد جاء ما يدفع هذا.(١) قال أبو هشام الرفاعي: «سمعت ابن فضيل يقول: رحم الله عثمان ولا يرحم من لا يترحم عليه)» وذكر ابن حجر في (مقدمة الفتح) كلام ابن سعد ثم قال: «قلت إنما توقف فيه من توقف لتشيعه)). ثم ذكر كلام أبي هشام ثم قال: ((احتج به الجماعة)). يعني الشيخين في (صحيحهما) وبقية الستة، ولا أدري من هو الذي لم يحتج بابن فضيل أو توقف فيه؟ ولعل المراد بذلك بعض المتشددين في السنة لم يرو عن ابن فضيل لأنه يراه متشيعاً ويرى في الرواية عنه ترويجاً للتشيع فتوقف لذلك. لا لأن ابن فضيل ليس بحجة، ويأتي في القسم الأول من / (التنكيل) تحقيق حكم رواية المبتدع بما يعلم منه أن مثل ابن فضيل حجة على الإطلاق. - ٦ - ومن عواقره أنه يعمد إلى جرح لم يثبت فيحكيه بصيغة الجزم محتجاً به، فمن أمثلة ذلك: ١ - الحسن بن الربيع، قال الكوثري (ص ١٥١): ((يقول فيه ابن معين لو كان يتقي الله لم يكن يحدث بالمغازي، ما كان يحسن يقرؤها)». أقول: هذا الكلام إنما رواه بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الخالق بن منصور (١): أعني انحرافه عن عثمان [بن عفان رضي الله عنه]. ٤٨ عن ابن معين، وبكر بن سهل لم يوثقه أحد، بل ضعفه النسائي، ورماه الذهبي في (الميزان) بالوضع . ٢ - ثعلبة بن سهيل القاضي، قال الكوثري (ص ١١): ضعيف. أقول: هذا يصلح أن يعد من أمثلة النوع الثامن - ٨ - لكن أظن الكوثري اعتمد على ما حكاه أبو الفتح محمد /بن الحسن الأزدي عن ابن معين أنه قال في ثعلبة: ((ليس بشيء)) وهذه حكاية منقطعة كما قاله الذهبي في (الميزان)، لأن بين الأزدي وابن معين مفازة، ومع ذلك فالأزدي نفسه متهم! له ترجمة في (تاريخ بغداد) و (الميزان) و (اللسان)(١) ثم لو فرض صحة تلك الكلمة عن ابن معين، فابن معين مما يُطلق ((لیس بشيء)) لا يريد بها الجرح وإنما يريد أن الرجل قليل الحديث. وقد ذكر الكوثري ذلك (ص ١٢٩) ويأتي تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من (التنكيل) وحاصله أن ابن معين قد يقول: ((ليس بشيء)) على معنى قلة الحديث، فلا تكون جرحاً، وقد يقولها على وجه الجرح كما يقولها غيره فتكون جرحاً، فإذا وجدنا الراوي الذي قال فيه ابن معين: ((ليس بشيء)) قليل الحديث وقد وثق، وجب حمل كلمة ابن معين على معنى قلة الحديث لا الجرح، وإلا فالظاهر أنها جرح، فلما نظرنا/في حال ثعلبة وجدناه قليل الحديث، ووجدنا ابن معين نفسه قد ثبت عنه أنه قال في ثعلبة: لا بأس به؛ وقال مرة: ثقة، كما في (التهذيب). وممن قال ابن معين فيه: ((ليس بشيء)) أبو العطوف الجراح بن المنهال فنظرنا في حاله فإذا له أحاديث غير قليلة ولم يوثقه أحد بل جرحوه، قال ابن المديني: ((لا يكتب حديثه)) وقال البخاري ومسلم: ((منكر الحديث)) وقال النسائي والدارقطني: ((متروك)) وقال أبو حاتم والدولابي الحنفي: ((متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه)) وقال النسائي في (التمييز): ((ليس بثقة ولا يكتب حديثه)) وذكره البرقي فيمن اتهم بالكذب، وقال ابن حبان: ((كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر .... )) والكلام (١) انظر (اللسان) ج ٥ رقم ٤٦٤ و ٤٦٥ فإنهما ترجمة واحدة وقوله في سطر ١٥: ((فأما)) إلى قوله في سطر ١٨: ((كلام معترض)). ٤٩ فيه أكثر من هذا فعرفنا أن قول ابن معين فيه: ((ليس بشيء)) أراد بها الجرح كما هو المعروف عند غيره في معناها. فتدبر ما تقدم ثم انظر حال الكوثري إذ يبني على حكاية الأزدي عن ابن معين أنه قال في ثعلبة: ((ليس بشيء)) ويعلم حال الأزدي وأنه كان بعد ابن معين بمدة ويعرف أن ابن معين قد يطلق تلك الكلمة لا على سبيل الجرح، وأن الحجة قائمة على أن هذا من /ذاك، ومع ذلك كله يقول الكوثري في ثعلبة: ((ضعيف)) وفي أبي العطوف يرى الكوثري جرح الأئمة له وأن له أحاديث غير قليلة، وأن ذلك مبين أن قول ابن معين فيه: ((ليس بشيء)) إنما أراد بها الجرح، ولكن الكوثري يقول (ص ١٢٩): ((وقال ابن معين: ليس بشيء، وهو كثيراً ما يقول هذا فيمن قل حديثه))! وعذر الكوثري أنه بحاجة إلى رد رواية رواها ثعلبة وإلى تقوية أبي العطوف، هكذا تكون الأمانة عند الكوثري! ٣ - عبد الله بن جعفر بن درستويه. قال الكوثري (صفحة ٣٩): ((كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهماً يصطنع لك ما شئت من الأکاذیب». ذكر الكوثري هذه التهمة في عدة مواضع كلها بالجزم، بل نبز هذا العالم الفاضل الذي لا ذنب له إلا أنه روى كتاباً مشهوراً وهو (تاريخ يعقوب بن سفيان)، وقد ثبت سماعه له حتی أن الذي كان أنكر عليه رجع أخيراً فقصده فسمع منه، كما في ترجمته من (تاريخ بغداد)، نبزه الكوثري بلقب ((الدراهمي)) مع أنه لا مستند للكوثري / في ذلك، إلا ما حكاه الخطيب عن هبة الله الطبري أنه ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: ((بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثاً ونحن نعطيك درهماً، ففعل، ولم یکن سمع من عباس». ولا يخفى على عالم أن هذه الحكاية لا يصح الاستناد إليها لجهالة المبلغ للطبري، والكوثري من أعلم الناس بهذا، بل يجاوزه كثيراً فيقول راداً لروايات الثقات الأثبات عمن يصرحون باسمه، وقد ثبتت صحبتهم له وهم مع ذلك أبرياء من التدليس، فيقول الكوثري: اللفظ لفظ انقطاع! حتى أحوجني ذلك إلى أن بينت في القسم الأول ٥٠ من (التنكيل) شرح قاعدة الاتصال والانقطاع، وتحقيق الحكم فيما يشتبه منها، ومع هذا فقد قال الخطيب: ((هذه الحكاية باطلة .... )) هكذا تكون الأمانة عند الكوثري! ويأتي بقية الكلام في ترجمة عبد الله بن جعفر من (النتكيل). ٤ - الأصمعي عبد الملك بن قريب. قال الكوثري (ص ٥٤): ((كذبه أبو زيد الأنصاري)». أقول: حاکی ذلك عن أبي زيد هو أحمد بن عبيد بن / ناصح وهو مطعون فيه، وفي (الميزان) في ترجمة الأصمعي: ((أحمد بن عبيد ليس بعمدة)) ونقل الكوثري نفسه هذا (ص ٤٢) حين احتاج إلى رد رواية لأحمد بن عبيد قال الكوثري: ((فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من (الميزان)) يجزم الأستاذ هنا بأنه ليس بعمدة، ثم يعتده فيقول في الأصمعي: كذبه أبو زيد الأنصاري. هكذا تكون الأمانة عند الكوثري! ٥ - جرير بن عبد الحميد. قال الكوثري (ص ١١٠): ((تفرد برواية حديث الأخرس الموضوع)). أقول: مستند الكوثري حكاية حكاها سليمان الشاذكوني، والشاذكوني هالك ويأتي شرح الحال في ترجمة جرير من (التنكيل)(١). ٦ - سليم بن عيسى القاري. قال الكوثري (ص ٦٠): ((كان ضعيفاً في الحديث .... وقد روى عن الثوري خبراً منكراً ساقه العقيلي)). أقول: لا مستند الكوثري في قوله: ((كان ضعيفاً في الحديث))/ إِلا ذكر العقيلي ومن تبعه سليم بن عيسى في كتب الضعفاء مع رواية ذاك الحديث من طريق سليم بن عيسى. (١) ج ١ ص ٤٢٤١، رقم ٦٣. ٥١ فأما ذكر الراوي في بعض كتب الضعفاء فلا يضره ما لم يكن فيما ذكر به ما يوجب ضعفه، وذلك أنهم كثيراً ما يذكرون الرجل لكلام فيه لا يثبت أو لا يقدح أو نحو ذلك. وأما ذاك الحديث فرواه العقيلي عن يحي بن صالح (١) عن أبي صالح كاتب الليث عن سليم بن عيسى أبي يحي عن سفيان الثوري، ويحي بن صالح(١) متكلم فيه، وأبو صالح كاتب الليث ليس بعمدة، تأتي ترجمته في (التنكيل)(٢)، فعلى هذا لا يثبت أن سليماً روى ذاك الحديث ومع هذا فسليم / الذي ذكره العقيلي وروى عنه ذاك الحديث ليس هو بالقارىء صاحب حمزة الواقع في سند الخطيب، وإيضاح ذلك أن العقيلي قال: ((سليم بن عيسى مجهول في النقل حديثه منكر غير محفوظ. حدثنا يحي ... )) كما مر، فقول العقيلي: ((مجهول في النقل حديثه منكر)) واضح في أنه عنده غير القارىء، فإِن القارىء معروف مشهور، وهذا مجهول لا يعرف إلا بذاك الحديث كما تقتضيه عباره العقيلي، ويؤكد هذا أن الذي ذكره العقيلي وروى عنه ذاك الحدیث، کنیته «أبو يجي)) كما في السند، هكذا هو في كتاب العقيلي في النسخة المحفوظة بالمكتبة الآصفية في حيدر أباد الدكن(٣) وهكذا هو في (الميزان) وليست هذه كنية القارىء، أما القارىء فقال ابن الجزري في ترجمته من (طبقات القراء) (ج ١ ص ٣١٨) ((كنيته أبو عيسى ويقال: أبو محمد)). والذهبي وإِن بدأ في الميزان فزعم أنه القارىء فإنه رجع بعد ذلك ولفظه ((سليم ابن عيسى الكوفي القارىء، إِمام في القراءة، وروى عن الثوري خبراً منكراً ساقه العقيلي، ولعل هذا الرجل غير القارىء ... )) فقد اتضح أن سليم بن عيسى القارىء الواقع في سند الخطيب لا يناله وهن مما ذكر العقيلي ثم الذهبي، لأنه إن لم يكن هو الذي روى العقيلي عن يحي بن عثمان (١) كذا في النسختين، والصواب ((ابن عثمان)) كما في ((الضعفاء)) للعقيلي (ص ١٧٢) و ((الميزان)) للذهبي، ويأتي قريباً في الكتاب على الصواب. ن (٢) ج ٢ / ٥٢٤ / ١٢٤. (٣) قلت: وكذلك هو في النسخة المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق. ن ٥٢ عن كاتب الليث عنه ذاك الحديث فواضح، وإِن كان إِياه فلا يثبت عنه رواية ذاك الحديث للكلام في كاتب الليث وفي الراوي عنه . ولنكتف بهذه الأمثلة هنا، ويأتي لها في قسم التراجم / من (التنكيل) نظائر منها في ترجمة حماد بن سلمة، ومنها في ترجمة محمد بن حسين بن حميد بن الربيع. اعتبار کما رأيت الكوثري حیث یکون له غرض في الطعن في الراوي قد يعمد إلى جرح یعلم أنه لا يثبت فيجزم به، فكذلك حیث یکون له غرض في تقوية الراوي قد يعمد إلى ثناء عليه يعلم أنه لا يثبت فيجزم به، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت ابن المغلس الحِمَّاني من (التنكيل)(١) والله المستعان. - ٧ - ومن تجاهله ومجازفاته قوله في المعروف الموثق: ((مجهول)) أو ((مجهول الصفة)) أو ((لم يوثق)) أو نحو ذلك، فمن الأمثلة: ١ - عبد الله بن محمود. روي الخطيب (جزء ١٣ ص ٣٨٤) من طريق عبد الله ابنامحمود المروزي قال سمعت محمد بن عبد الله بن قهزاذ .. )) فقال الأستاذ: (ص ٧٠): ((وعبد الله بن محمود مجهول الصفة)). / أقول: في ترجمة محمد بن عبد الله بن قهزاذ من ((تهذيب التهذيب)) (جزء ٩ ص ٢٧١) . (روى عنه ... وعبد الله بن محمود السعدي)). ولعبد الله بن محمود السعدي المروزي ترجمة في كتاب ابن أبي حاتم وقال:، ((کتب إلى أبي بمسائل ابن المبارك من تأليفه)) وله ترجمة في (تذكرة الحفاظ) (جزء ٢ ص (١) ج ١ ص١٣٧٤٠ رقم ٣٤. ٥٣ ٢٥٧). قال الذهبي: ((الحافظ الثقة محدث مرو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن عبد الله السعدي .. قال الحاكم: ثقة مأمون))(١). ٢ - محمد بن مسلمة. روى الخطيب (ج ١٣ ص ٣٩٥) من طريق البخاري: ((حدثنا صاحب لنا قال: قلت لمحمد بن مسلمة ... )) فقال الكوثري (صفحة ١٠٣) في الحاشية : ((مجهول وليس هو بكاتب الحارث بن مسكين فإنه محمد بن سلمة ... )) أقول: قد قرأ الكوثري ترجمته في (الانتقاء) لابن عبد البر الذي بث الكوثري عقاربه في تعليقاته عليه (ص ٥٦) وفي (تاريخ البخاري) (جزء ١ ق ١ ص ٢٤٠) ((محمد بن مسلمة أبو هشام المخزومي المدني ... سمع مالكاً ... وقيل لمحمد / بن مسلمة ما لرأي فلان .. )) فذكر الحكاية التي ذكرها الخطيب. وقال ابن حبان في (الثقات): ((محمد بن هشام بن إسماعيل أبو هشام المخزومي .. يروي عنه هارون بن عبد الله الحمال والناس، وكان ممن يتفقه على مذهب مالك ويفرّع على أصوله، ممن صنف وجمع)) وذكره ابن أبي حاتم في كتابه وقال: (( .. روى عنه عبد الرحمن بن عبد الملك ابن شيبة وأبي .. سألت أبي عنه فقال: كان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك، وكان من أفقههم .. سئل أبي عنه فقال: مدیني ثقة))، وفي (الديباج المذهب) (صفحة ٢٢٧): ((محمد بن مسلمة .. روى محمد هذا عن مالك وتفقه عنده، وكان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وكان أفقههم وهو ثقة، وله كتب فقه أخذت عنه، وهو ثقة مأمون حجة، جمع العلم والورع توفي سنة ٢٠٦)). (١) وهو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في ثقاته مع روايته عنه في صحيحه، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق، فأنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن. بغيرهم. "قلت: وراجع ((التنكيل)) ٥٣٥/٢ رقم ١٣٥ من أجل ابن محمود، و٢ / ٦٦٥ رقم ٢٠٠ من أجل توثيق ابن حبان. فهناك تفصيل دقيق عنه. ٥٤ / ويبعد جداً أن يكون هذا كله خفي على الكوثري مع ما عرفناه منه من النشاط في التفتيش عن التراجم، بل في سياق كلامه ما يشعر بأنه عرف هذا الرجل، فإنه قال (صفحة ١٠٤): ((ونهمس في أذن هذا المتعصب الهاذي: إِن كنت .. فما رأيك في مذهب إمامك .. )) يعني مالكاً، والله المستعان. ٣ - طاهر بن محمد، ذكر الخطيب (جزء ١٣ ص ٣٧٣) حكاية من طريق ((طاهر ابن محمد حدثنا وكيع .. )) فقال الكوثري (ص ٤٣) ((طاهر بن محمد مجهول)). أقول: بل معروف موثق، هو طاهر بن أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري، ذكره المزي في (تهذيبه) في الرواة عن وکیع، وذكره ابن أبي حاتم في کتابه وقال: «روى عنه محمد بن عبد الله الحضرمي وموسى بن إسحاق القاضي)) وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: ((يروي عن وكيع وأبي أسامة حدثنا عنه محمد بن إدريس الشامي، مستقيم الحديث)) وهذا من توثيق ابن حبان الذي لا مغمز فيه، كما يأتي شرحه في ترجمة ابن حبان من (التنكيل)(١). / ٤ - إسماعيل بن حمدويه. ذكر الخطيب (ج ١٣ ص ٤١٤) أثراً من طريق «سلامة ابن محمود القيسي، حدثنا إسماعيل بن حمدوية البيكندي قال: سمعت الحميدي ... )) فقال الكوثري (ص ١٥٠): ((اسماعيل بن حمدوية مجهول)). أقول: ذكره ابن حبان في (الثقات) - ووقع في النسخة ((السكندري))(٢) وقال: ((يروى عن أبي نعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه محمد بن المنذر شكر، كان مقيماً بالرملة زماناً وکتب عنه شکر)»، أقول: فقد عرفه ابن حبان وعرف حديثه، وتوثيقه لمن عرفه وعرف حديثه مقبول، (١) ج ٢ / ٦٦٥ رقم ١٢٠٠. (٢) ثم رأيته في نسخة أخرى جيدة (البيكندي). المؤلف، قلت: وهو الصواب كما أفاده المصنف في ((التنكيل)) الصفحات (١ / ٤١٦/ ٥٠). ن ٥٥ كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي شرح ذلك في ترجمة ابن حبان من (التنكيل). ٥ - عبد الرحمن بن داود بن منصور. ذکر الکوثري (ص ١٨٤) رواية لأبي نعيم الأصبهاني عن أبي الشيخ عن عبد الرحمن بن داود بن منصور. فقال الكوثري: ((عبد الرحمن بن داود مجهول)). أقول: ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم أنفسهما في كتابيهما، فقال أبو الشيخ: ((عنده حديث الشام ومصر، أكثر الناس / حديثاً عنهم، كان من الفقهاء صاحب أصول ثقة مأمون)) . وذكر أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) نحو ذلك، وهذان الكتابان قد وقف عليهما الحوثري، فإنه قال (ص ٥٩) عند ذکر عمر بن قيس الماصر: ((له ولذويه ذکر واسع في (تاريخ أصبهان) لأبي الشيخ)) وقال (ص ١٥١) في أحمد بن عبد الله الأصبهاني: ((مترجم في (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم)) وفي كلا النقلين نظر، لكن المقصود هنا بيان وقوف الكوثري على الكتابين، وقد دل على ذلك كلامه في سالم بن عصام كما مر (٢ : ٥)، (١) ولا يخفى على الكوثري أن عبد الرحمن هذا أصبهاني، فالظن به أنه راجع ترجمته في الكتابين المذكورين. ٦ - أحمد بن الفضل بن خزيمة. قال الكوثري (ص ١١١): ((لم يوثق)). أقول: هو أحمد بن الفضل بن العباس بن خزيمة ترجمته في (تاريخ بغداد) (ج ٤ ص ٣٤٧) وفيها: وكان ثقة. ٧ - جعفر بن محمد الصندلي. قال الكوثري (صفحة ١٤١): (([الذي] أثنى ابن حيويه عليه وحده، لا يكون إلا من هذا الصنف)). أقول: ابن حيوية هو محمد بن العباس أبو عمر بن / حیویه اخراز ستأتي ترجمته في (التنكيل)، وهو أحد الثقات الأثبات العارفين، ومع ذلك ففي ترجمة جعفر هذا من (تاريخ بغداد) ((وكان ثقة صالحاً ديناً سكن باب الشعير، أخبرنا أحمد بن أبي جعفر حدثنا يوسف بن عمر القواس حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي الأطروش سنة سبع عشرة وثلاثمائة ومات فيها، وكان يقال: إنه من الأبدال)). ثم ذكر الخطيب (١) يعني النوع الثاني الترجمة الخامسة. (ص ٣٣). ٥٦ أن الصحيح أنه مات سنة ٣١٨، وقال ابن الجوزي في (المنتظم) (جزء ٦ ص ٢٣٤) في ترجمة جعفر هذا: ((وكان ثقة صالحاً ديناً ... وكان يقال: إنه من الأبدال)). اعتبار كما أن الكوثري يتجاهل المعروفين الثقات حين يكون هواه رد روايتهم، فكذلك يتعارف المجاهيل ويحتج بروايتهم إذا كانت روايتهم توافق هواه، وسيأتي في (التنكيل) أمثلة لذلك. منها: في ترجمة أحمد بن عبد الله الأصفهاني، ذكر الخطيب أثراً من طريق علي بن حمشاذ عنه واستنكره، فقال الكوثري صفحة (١٥١): ((سعى الخطيب ... بأن يقول: إِن / أحمد بن عبد الله الأصفهاني مجهول، كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ مترجم في (تاريخ أصفهان) لأبي نعيم)). كذا قال: وقد فتشت (تاريخ أبي نعيم) فوجدت فيه ممن يقال له (أحمد بن عبدالله) جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يشعر بأنه هذا، وفوق ذلك فجميعهم غير موثقين!(١). ومنها في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحمّاني، ذكر الخطيب بسنده حكاية عن أبن أبي خيثمة وردها بنكارتها بأن في السند مجاهيل. فاحتج الكوثري بتلك الحكاية جازماً بها ودفع كلام الخطيب بقوله: ((وهذا مما يغيظ الخطيب جداً ويحمله على ركوب على مركب للتخلص منه بدون جدوى. كذا قال، ثم لم يبين ما يعرف به أولئك الذين جهلهم الخطيب(٢). ومنها في ترجمة الإمام الشافعي فيما يتعلق / بكتاب (التعليم) المنسوب لمسعود بن شيبة، هذا الكتيب فيه جهالات في الطعن في مالك والشافعي، وذكر ابن حجر في (لسان الميزان) مسعود بن شيبة وقال: ((مجهول لا يعرف عمن أخذ العلم ولا من أخذ (١) وادعى الكوثري أن علي بن حمشاذ لا يروي إلا عن الثقات فبينت هناك کذب هذه الدعوى وسقت عدة من الروايات التي فيها رواية علي بن حمشاذ عن الضعفاء والمتهمين. ن (٢) وقد عرف غيره بعضهم بالضعف الشديد كما ستراه في ((التنكيل)). ٥٧ عنه، له مختصر سماه (التعليم) .. )) فزعم الكوثري في حاشية صفحة ٣ ((أنه معروف عند الحافظ عبد القادر القرشي و ... وغيرهم، فنعد صنيع ابن حجر هذا من .تجاهلاته المعروفة لحاجة في النفس، وقانا الله اتباع الهوى)). كذا قال، والقرشي وغيره لم يعرفوا من حال مسعود بن شيبة إلا بما أخذوه من كتاب (التعليم) ألفه حنفي مجهول متعصب وكتب على ظاهره ذاك الإسم المستعار (مسعود ابن شيبة) ولكن الكوثري مع معرفته بالحقيقة يلدغ ويصيء ويرمي الأثمة بدائه ثم يقول: وقانا الله اتباع الهوى! ومما يدخل في هذا الضرب قول الكوثري (ص ١٦) عند نقله ما ذكره الخطيب في موضع قبر أبي حنيفة: «کان/ من المناسب أن یذکر الخطيب هنا ما ذکرہ في (ج ١ ص ١٢٣) من تبرك الشافعي بأبي حنيفة حيث قال: أخبرنا القاضي أبو عبد الله الحسين ابن علي الصيمري قال: أنبأنا عمر بن إبراهيم المقرىء قال أنبأنا مكرم بن أحمد قال أنبأنا عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا علي بن ميمون قال سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً - فإِذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده فما تبعد عني حتى تقضى اهـ. ورجال هذا السند كلهم موثقون عند الخطيب)). أقول: أما الصيمري وشيخه فموثقان عند الخطيب أي في (تاريخه) كما هو الظاهر - ومع هذا فالظاهر أن هذه الحكاية من كتاب (مناقب أبي حنيفة) الذي جمعه مكرم بن أحمد، وكان كتاباً معروفاً، ولعله كان عند الخطيب نسخة منه وكان سماعه له من الصيمري، ومعظم الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة، ولم يكن الخطيب ليعتمد عليها إِلا وهي صحيحة، فالصيمري وشيخه من الوسائط السندية - فلا يضر تلك الرواية أن تكون فيهما أو في أحدهما كلام -/ على أنه لا كلام فيها فيما أعلم، وأما مكرم فقد قال الخطيب في ترجمته: ((وكان ثقة)) ولم أر ما يخالف ذلك سوى ما ذكره الخطيب (ج ٤ ص ٢٠٩) في ترجمة أحمد بن الصلت بن المغلس الحماني قال: ((حدثني أبو القاسم الأزهري قال: سئل أبو الحسن علي بن عمر الدار قطني وأنا أسمع عن جمع ٥٨ مكرم بن أحمد (فضائل أبي حنيفة)؟ فقال: موضوع، كله كذب، وضعه أحمد بن المغلس الحماني ... )). فهذه العبارة تحتمل أوجهاً: الأول: أن يكون الدارقطني تجوز في قوله: (كله) وإنما أراد أن الموضوع بعض ما تضمنه ذاك المجموع، وهو ما فيه رواية عن أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس. الثاني: أن تكون عبارة الدارقطني على ظاهرها، ويكون ما في ذلك المجموع من غير الحماني أصله من وضع الحماني، ولكن كان لمكرم إِجازات من أولئك الشيوخ فأسقط اسم الحماني من تلك الروايات ورواها عن أولئك المشايخ بحق الإِجازة، كما قيل إِن الحافظ أبا نعيم الأصبهاني ربما صنع مثل ذلك كما يأتي في ترجمته من (التنكيل). / الثالث: أن يكون مكرم واطأ الحماني، فوضع له الحماني تلك الحكايات عن شيوخ الذين أدركهم مكرم، فرواها مكرم عنهم، وهذا الوجه الثالث هو الموافق لظاهر سؤال الأزهري للدارقطني وجواب الدارقطني، ولكن يدفعه توثيق الخطيب المكرم، وأنه لم يذكره أحد في (الضعفاء)، والوجه الثاني أيضاً موافق لظاهر سؤال الأزهري وجواب الدارقطني، وهو أدنى أن لا يدفعه ما يدفع الثالث. وعلى كل حال فلم ينحل الاشكال، فدعه وافرض أن الراجح هو الوجه الأول، وأن هذه الرواية صحيحة عن عمر بن إسحاق بن إبراهيم، فمن عمر هذا؟ ومن شيخه أموثقان هما عند الخطيب كما زعم الكوثري؟(١). أما أنا فقد فتشت (تاریخ بغداد) فلم أجدهما فيه، لا موثقین ولا غير موثقین، بل ولا وجدتهما في غيره، نعم في غيره علي بن ميمون الرقي يروي عن بعض مشايخ (١) أقول: لقد زعم الكوثري في كتاب آخر أكثر من هذا: أنه سند صحيح! وقد كنت رددت عليه وبينت بطلان القصة في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) طبع المكتب الإسلامي، فراجع ذلك تحت الحديث (٢٢)، وراجع الحديث الذي بعده، ففيه بيان شيء آخر من مغالطات الكوثري واتباعه لهواه. ن ٥٩ الشافعي ونحوهم، وهو موثق لكن لا نعرف له رواية عن الشافعي، وقد راجعت (توالي التأسيس) لابن حجر لأنه حاول فيها استيعاب الرواة عن الشافعي فلم أجد فيهم علي / بن ميمون لا الرقي ولا غيره، انظر (توالي التأسيس) (ص ٨١). هذا حال السند، ولا يخفي على ذي معرفة أنه لا يثبت بمثله شيء، ويؤكد ذلك حال القصة، فإِن زيارته قبر أبي حنيفة كل يوم بعيد في العادة، وتحريه قصده للدعاء عنده بعيد أيضاً، إنما يعرف تحري القبور لسؤال الحوائج عندها بعد عصر الشافعي بمدة، فأما تحري الصلاة عنده فأبعد وأبعد. والمقصود إِنما هو المقابلة بين قول الكوثري: ((ورجال هذا السند كلهم موثقون عند الخطيب)) مع الأمثلة السابقة، وبين الأمثلة المتقدمة في النوع(١) (٧). وبيان أن الكوثري إن تجاهل المعروفين الموثقين من رواة ما يخالف هواه، فإِنه يتعارف المجهولين من رواة ما يوافقه، والله المستعان. - ٨ - ومن أعاجيبه أنه يطلق صيغ الجرح مفسرة وغير مفسرة بما لا يوجد في كلام الأئمة، ولا له عليه بينة، فمن أمثلة ذلك: ١ - أنس بن مالك صاحب رسول الله وَالفجر. قال الكوثري (صفحة ٨٠): ((وأما حديث الرضخ فمروي عن أنس / بطريق هشام بن زيد، وأبي قلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بينة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إِقرار القاتل لكن عنعنة قتادة متكلم فيها، وقد انفرد برواية الرضخ أنس رضي الله عنه في عهد هرمه، كانفراده برواية شرب أبوال الإِبل في رواية قتادة (زاد في الحاشية - كما في (الكفاية) للخطيب (ص ٧٤) برغم حملات البدر العيني على الإِتقاني وصاحب (العناية) في ذلك ... ) وبحكاية معاقبة العرنيين تلك العقوبة للحجاج الظالم المشهور، حينما سأله عن أشد عقوبة عاقب بها النبي ول﴿ حتى استاء الحسن (١) الأصل ((الفرع)). ٦٠