Indexed OCR Text

Pages 781-800

٧٨١
باب المرض
خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل
ولا أن ما تخفي عليه يغيب
ولا تحسبن الله يغفل ما مضى
ذنوب على آثارهن ذنوب
لهونا عن الأيام حتى تتابعت
ويأذن في توباتنا فنتوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى
[٢٠٥/٥]
- عن صلة بن زفر قال: سرت مع حذيفة حتى إذا كنا بالصحراء دون ساباط،
فالتفت وراءه إلى الأفق، فقال: يا صلة أرأيت لو كان معك رغيف وعرق، أكنت
آكلاً وأنت تريد الصوم؟ قال: قلت: لا والله. ثم سار هنية فقلت: يا أبا عبد الله
الصلاة، فالتفت إلى الأفق، فقال: يا صلة أرأيت لو كان معك قدح من لبن، وأنت
تريد الصوم، أكنت شاربه؟ قال: قلت لا والله قد أصبحت، قال: لكني أنا وأيم الله
لو رميت بسهم ما خفي علي حيث يقع، قال صلة: فقلت في نفسي: إنما هذا شيء
يعلمنيه .
[٣٣٥/٩]
باب المرض
* موت الصحيح وحياة المريض:
- قال علي بن عاذل بن وهب القطان الحافظ لأبي العنبس:
بعد موت الطبيب والعوادٍ
كم مريض قد عاش من بعد يأسٍ
ويحل القضاء بالصياد
قد يصاد القطا فينجو سليماً
[٢٣٨/١]
زيارة المريض:
- عن ابن المطوعي قال: مرض سريج بن يونس، فجئنا نعوده فقيل: يا أبا
[٢٢٠/٩]
الحارث احتم، قال: أشره أصيب شيئاً آكله.
- دخلنا على بشر بن الحارث وهو مريض فقال له رجل: أوصني. قال: إذا
دخلت على مريض فلا تطل القعود عنده.
[٢٨٦/٢]
- قال محمد بن أبي سكينة: دخلت على عطاء بن مسلم أعوده، فما لبثت أن
قمت، فقال: جزاك الله خيراً من عائد، لكن عيسى بن صالح لا جزاه الله خيراً
عادني فما برح حتى بلت في ثيابي.
[٢٩٥/١٢]
- عن محمد بن يحيى الصولي قال: دخل أبو تمام على أحمد بن أبي دؤاد، وقد
شرب الدواء فأنشده:

٧٨٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ما هتف الهاتفات في الغصن
أعقبك الله صحة البدن
الله شفاء به مدى الزمن
كيف وجدت الدواء أوجدك
أبليتها من بلائك الحسن
لا نزع الله عنك صالحة
مجنّباً من معارض الفتن
لا زلت تزهي بكل عافية
أعناقنا منَّة من المنن
إن بقاء الجواد أحمد في
شاطره العمر سادة اليمن
لو أن أعمارنا تطاوعنا
[٤ / ١٤٤]
- عن أبي عمر الأنماطي قال: اعتل النوري فبعث إليه الجنيد بصرة فيها دراهم
وعاده، فرده النوري، ثم اعتل الجنيد بعد ذلك فدخل عليه النوري عائداً فقعد عند
رأسه ووضع يده على جبهته فعوفي من ساعته، فقال النوري للجنيد: إذا عدت
إخوانك فارفقهم بمثل هذا البر.
[١٣٢/٥]
- عن عيسى بن علي بن عيسى الوزير قال: أنشدني أبو بكر بن مجاهد وقد جئته
عائداً وأطال عنده قوم كانوا قد حضروا للعيادة، فقال لي: يا أبا القاسم عيادة ثم
ماذا؟ فصرف من حضر وهممت بالانصراف معهم، فأمرني بالرجوع إليه، ثم أنشدني
عن محمد بن الجهم:
إن العيادة يوم إثر يومين
لا تضجرن مريضاً جئت عائده
واقعد بقدر فواق بين حلبين
بل سله عن حاله وادع الإله له
وكان ذاك صلاحاً للخليلين
من زار غبّاً أخاً دامت مودته
[١٤٦/٥]
- عن أحمد بن محمد بن غزوان البرائي قال: آخر ما سمعت من كلام بشر بن
الحارث، أرجف الناس بموته بباب الطاق في يوم مطير، فجئت في المطر والطين
حتى بلغت بابه، فإذا على بابه ثلاثة نفر، شيخ منهم يقول: إنما جئنا نعودك يا أبا
نصر. فقال لهم وهو يبكي: لا حاجة لي في عيادتكم، اذهبوا عني قد آذيتموني وهو
يبكي، وقال: قال فضيل بن عياض: أشتهي أن أمرض بلا عواد.
[٧٩/٧]
* آثار المرض على الإنسان:
- عن يحيى بن معين قال: قال لنا وكيع: من تلزمون؟ قال: قلنا نلزم أبا معاوية،
قال: أما إنه كان يعد علينا في حياة الأعمش ألفاً وسبعمائة، فقلت لأبي معاوية: إن
وكيعاً قال: كذا وكذا. فقال: صدق ولكني مرضت مرة فأنسيت أربعمائة. أخبرنا

=
٧٨٣
باب المرض
محمد بن عبد الواحد، أخبرنا محمد بن العباس حدثنا أحمد بن سعيد السوسي،
حدثنا عباس بن محمد، قال: سمعت يحيى يقول: قال أبو معاوية الضرير: حفظت
من الأعمش ألفاً وستمائة فمرضت مرضة فذهب عني منها أربعمائة، فكان عند أبي
معاوية ألف ومائتين.
[٢٤٦/٥]
نعمة السلامة من المرض:
- عن محمد بن خلف التيمي قال: سمعت أبي يقول: دخلت مع محمد بن
السماك على مريض مدنف فسأله عن حاله ثم انصرف وهو يقول:
بنكبة ما موقع العافيه
ما يعرف المرء إذا لم يصب
ومستريح صاحب الواقية
والميت لا يألم ما مضه
[٣٧١/٥]
- روى أبو حمزة السكري عن إبراهيم الصائغ - وذكره بصلاح ـ كان إذا مرض
الرجل من جيرانه تصدق بمثل نفقة المريض لما صرف عنه من العلة.
. [٢٦٩/٣]
* مراسلة المريض وتذكيره:
- عن أبي اليسر قال: اعتل محمد بن الأصبغ في بعض الأيام وشرب دواء،
فكتبت إليه: كيف كنت يا سيدي أطال الله بقاءك من شربك للدواء جعل الله فيه
شفاءك :
أشد لما تشكوه منك تألما
فإني لما أظهرته من تألم
الذي بي لعمري منك أدهى وأعظما
أرى بي من الأوصاب ما بك بل أرى
معافى على رغم الحسود مسلما
فلا زلت طول الدهر في كل نعمة
شربت فأعطاك الشفاء متمما
وأعقبك الله السلامة إثر ما
أمانيك محبوّاً بذاك مكرما
ودمت على مر الليالي مبلَّغاً
فلو وقي أحد من صرف دهر، وعوفي من ألم وشر، لكرم طباعه وطيب نجاره
وشرف فعاله، وخيرية جملته، وكمال حريته، لكنت الموقى من ذلك. لكن الله
أحسن اختياراً منك لنفسك، فأثاب الله على ما أعل، وضاعف عليه الأجر والحمد،
وهو يقيني فيك ويحرسك ويكفيك، ويصرف عنك الأسواء، ويمنحك النعماء، فما
حق نفسك أن تعرم، ولا جسمك أن يألم، لولا ما أراد الله في ذلك من خير لك ثم
أقول:

٧٨٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
رباعك واحتلت رباع الألائم
ولو أنصفتك الحادثات لزايلت .
ذراك ولا تنحو سبيل الأكارم
وأصبحت الآلام لا تهتدي إلى
موقى على رغم العدا والمراغم
وما كنت إلا سائر الدهر سالماً
وقد كان ينبغي لك جعلني الله فداك مع علمك بتعلق قلبي بك وتطلعي إلى علم
خبرك، أن تكون قد مننت بتعريفي من ذلك ما أسكن إليه، وأكثر حمد الله عليه
والسلام.
[١٣/٦ - ١٤ ]
- عن أبي علي محرز قال: اعتل أبو علي الحسن بن وهب من حمى نافض
وصالب وطاولته، فكتب إليه أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
ويا خير من حبوت القريضا
يا حليف الندى ويا تؤم الجود
فلا تشتكي وكنتُ المريضا
ليت حُمَّاك فيَّ وكان لك الأجر
[٢٥٢/٨]
* الشكوى من المرض:
- عن إبراهيم الحربي قال: وقد دخل عليه قوم يعودونه، فقالوا: كيف تجدك يا
أبا إسحاق؟ قال: أجدني كما قال الشاعر:
وأجدني أذوب عضواً فعضوا
دبَّ فيَّ البلاء سفلاً وعلواً
فتذكرت طاعة الله نضوا
بليت جدتي بطاعة نفسي
[٣٩/٦]
* الحرص على علاج المرضى:
- عن يونس بن عبيد قال: لو أصبت درهماً حلالاً من تجارة لاشتريت به براً، ثم
صيرته سويقاً ثم سقيته المرضى.
[٢٧٩/٦]
* إعانة المرضى في قضاء ديونهم:
- عن محرز الكاتب قال: اعتل عبيد الله بن يحيى بن خاقان فأمر المتوكل الفتح
أن يعوده، فأتاه فقال: أمير المؤمنين يسألك عن علتك، فقال عبيد الله:
من الأسقام والدَّين
عليل من مكانين
وحسبي شغل هذين
وفي هذين لي شغل
فأمر له المتوكل بألف درهم.
[١٦٦/٧]

=
٧٨٥
باب المرض
* متفرقات:
- عن عيينة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي قال: لما اشتكى أبو بكرة عرض
عليه بنوه أن يأتوه بطبيب فأبى، فلما نزل به الموت وعرف الموت من نفسه وعرفوه
منه، قال: أين طبيبكم ليردها إن كان صادقاً؟ فقالوا: وما يغني الآن. قال: وقبل
الآن، فجاءته ابنته أمة الله فلما رأت ما به بكت، فقال: أي بنية لا تبكي، قالت: يا
أبت فإذا لم أبك عليك، فعلى من أبكي؟ فقال: لا تبكي فوالذي نفسي بيده ما على
الأرض نفس أحب إلي من أن تكون قد خرجت من نفسي هذه، ولا نفس هذا
الذباب الطائر، فأقبل على حمران بن أبان وهو عند رأسه، فقال: ألا أخبرك مم
ذاك؟ قال: خشيت والله أن يوشك أن يجيء أمر يحول بيني وبين الإسلام، ثم جاء
أنس بن مالك فقعد بين يديه وأخذ بيده، وقال: إن ابن أمك زياداً أرسلني إليك
يقرئك السلام، وقد بلغه الذي نزل بك من قضاء الله فأحب أن يحدث بك عهداً،
وأن يسلم عليك ويفارقك عن رضاء. فقال: أمبلغه أنت عني، قال: نعم. قال:
فإني أحرِّج عليه أن يدخل لي بيتاً ويحضر لي جنازة، قال: لِمَ يرحمك الله وقد كان
لك معظماً ولبنيك واصلاً؟ قال: في ذاك غضبت عليه، قال: ففي خاصة نفسك،
فما علمته إلا مجتهداً، قال: فأجلسوني فأجلس، قال: نشدتك بالله لما حدثتني عن
أهل النهر، أكانوا مجتهدين؟ قال: نعم. قال: فأصابوا أم أخطأوا؟ قال: بل
أخطأوا. ثم قال: هو ذاك. قال: فأضجعوني فرجع أنس إلى زياد فأبلغه، فركب من
مكانه متوجهاً إلى الكوفة فتوفي وهو بالجلحاء فقدم بنوه أبا برزة فصلَّ عليه. [٨/ ٤٧]
- عن عيسى بن محمد الطوماري قال: دخلنا على إبراهيم الحربي وهو مريض،
وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب وكان يجيء إليه فيعالجه، فجاءت الجارية وردت
الماء وقالت: مات الطبيب. فبكى ثم أنشأ يقول:
فيوشك للمعالَج أن يموت
إذا مات المعالج من سقام
[٣٩/٦]
- عن أحمد بن مرزوق قال: دخلت على أبي العتاهية في مرضه الذي مات فيه
وكان له صديقاً وكان أبو العتاهية قد أغمض عينيه، قال: فقالوا لي: كلِّمه، فقلت:
أبا إسحاق، فلما سمع صوتي فتح عينيه، فقلت له: اعزز على العلماء بمصرعك،
قال: فقال لي أبو العتاهية:
وتحدث أحداث تُنْسي المصائبا
ستمضي مع الأيام كل مصيبة
ثم أغمض عينيه فخفت.
[٢٥٩/٦]

٧٨٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
نصائح للمرضى :
- عن سري بن مغلس السقطي قال: من أحب فراق فرش الضنى صبر على مرارة
الدواء ولم يخالف الأطباء.
[٦١/١٢]
- عن إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب قال: اعتل الفضل بن سهل ذو
الرياستين علة بخراسان، ثم برأ فجلس للناس فهنؤوه بالعافية، وتصرفوا في الكلام،
فلما فرغوا أقبل على الناس فقال: إن في العلل لنعماً ينبغي للعقلاء أن يعلموها:
تمحيص للذنب، وتعرض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وإدكار للنعمة في حال
الصحة، واستدعاء للتوبة، وحض على الصدقة، وفي قضاء الله وقدره بعد الخيار
قال: نسي الناس ما تكلموا له وانصرفوا بكلام الفضل.
[٣٤٢/١٢]
* التخفيف من معاناة المريض:
- عن أحمد بن محمد بن زياد قال: كنت معتكفاً في المسجد فبلغتني علة
محمد بن وهب، فصرت إليه عائداً. فرأيته بحال عظيمة من العلة، وإذا امرأته
أيضاً عليلة، فقال: ما تراني صانع على هذه الحالة. وهذه المرأة عليلة؟ فأقمت
عنده ذلك اليوم وكان به إسهال، فدخل عليه شيران الرماني برمان، فقال: أطعمني
منه فأطعمته منه، ثم جاء جنيد بن محمد فسلم عليه ووضع عنده درهمين صحاحاً
أو ثلاثة. فلما خرج جنيد قال لي محمد بن وهب: اشتر لي منها رغيفاً أو رغيفين
سميذاً وكبداً واشوه لي عند صاحب خبز أرز، واشتر زيتاً للسراج نسرجه الليلة،
واشتر لي صابوناً لغسل هذه الخِلق، ففعلت ذلك. وانصرفت من عنده على أني
أغدو عليه وألزمه، فلما أصبحنا جئت إليه، وأنا في بعض الطريق لقيني محمد
الحداد فقال لي: أين تريد؟ قلت: إلى أبي جعفر محمد بن وهب. قال: آجرك الله
فیه، مات البارحة.
[٣٣٣/٣ - ٣٣٤]
باب المروءة
- احتجم داود الطائي فدفع إلى الحجام ديناراً، فقيل له: هذا إسراف، فقال: لا
عبادة لمن لا مروءة له.
[٣٥٠/٨]
- عن ابن سمعون قال: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت
[٢٧٥/١]
دیانة .
- عن عمرو بن عثمان المكي قال: المروءة التغافل عن زلل الإخوان. [٢٢٤/١٢]

٧٨٧
باب المروءة
- كان القاضي أبو العباس الأبيوردي يصوم الدهر، وأن غالب إفطاره كان على
الخبز والملح، وكان فقيراً يظهر المروءة. قال: ومكث شتوة كاملة لا يملك جبة
يلبسها، وكان يقول لأصحابه بي علة تمنعني من لبس المحشو، فكانوا يظنونه يعني
المرض، وإنما كان يعني بذلك الفقر، ولا يظهره تصوناً ومروءة.
[٥١/٥]
- عن أبي محمد الثقفي قال: جالست أبا عبد الله المروزي أربع سنين، فلم
أسمعه في طول تلك المدة يتكلم في غير العلم، إلا أني حضرته يوماً وقيل له عن
ابنه إسماعيل، وما كان يتعاطاه لو وعظته أو زبرته؟ فرفع رأسه ثم قال: أنا لا أفسد
مروءتي بصلاحه.
[٣١٧/٣]
- عن ابن داب قال: إنه كان لا يأكل مع هارون، أو موسى أمير المؤمنين. قال:
فقيل لابن داب: يا أبا الوليد ما لك لا تتغدى مع أمير المؤمنين إذا أتى بالطعام؟
فقال: ما كنت لأتغدى عند رجل لا أغسل يدي عنده. قال: فكان موسى قد أمر به
من بينهم أن يغسل يده إذا تغدى. قال: فقيل لابن داب: يا أبا الوليد ربما حملت
الكتاب، وأنت رجل تجد في نفسك. قال: إن حمل الدفاتر من المروءة. [١٥١/١١]
- عن عبد الملك بن مروان أنه دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فسلم
وجلس، ثم لم يلبث أن نهض، فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى! فقال
عمرو: يا أمير المؤمنين إنه أخذ بأخلاق أربعة، وترك أخلاقاً ثلاثة، إنه أخذ بأحسن
البشر إذا لقي، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حُدث، وبأيسر
المؤونة إذا خولف، وترك مزاح من لا يوثق بعقله، ولا دينه، وترك مجالسة لئام
الناس، وترك من الكلام كل ما يعتذر منه.
[٣٨٨/١٠]
- عن مالك بن أنس قال: ليس لمضيق مروءة.
[٦٢/١٣]
- عن ابن عائشة قال: سمعت أبي يقول: قيل لعبد الملك بن مروان، وهو
يحارب مصعباً إن مصعباً قد شرب الشراب، فقال عبد الملك: مصعب يشرب
[١٠٦/١٣]
الشراب والله لو علم مصعب أن الماء ينقص من مروءته ما رَوی منه.
- عن شبيب بن شيبة قال: اطلبوا العلم بالأدب، فإنه دليل على المروءة، وزيادة
في العقل، وصاحب في الغربة.
[٢٧٦/٩]
- قال عبيد الله بن محمد التميمي: سمعت ذا النون يقول بمصر: من أراد أن
يتعلم المروءة والظرف فعليه بسقاة الماء ببغداد قيل له وكيف ذاك؟ فقال: لما حملت
إلى بغداد رمي بي على باب السلطان مقيداً، فمر بي رجل متزر بمنديل مصري معتم

=
٧٨٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بمنديل ديبقي، بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط. فسألت: هذا ساقي
السلطان؟ فقيل لي: لا هذا ساقي العامة، فأومأت إليه اسقني فتقدم وسقاني فشممت
من الكوز رائحة مسك، فقلت لمن معي ادفع إليه ديناراً فأعطاه الدينار فأبى. وقال:
ليس آخذ شيئاً، فقلت له ولم؟ فقال أنت أسير وليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً.
فقلت: كمل الظرف في هذا.
[٥٠/١]
باب المزاح
6
* لا تمازح من لا تثق بدينه:
- عن عبد الملك بن مروان أنه دخل على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فسلم
وجلس، ثم لم يلبث أن نهض، فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى! فقال
عمرو: يا أمير المؤمنين إنه أخذ بأخلاق أربعة، وترك أخلاق ثلاثة، إنه أخذ بأحسن
البشر إذا لقي، وبأحسن الحديث إذا حدث، وبأحسن الاستماع إذا حُدث، وبأيسر
المؤونة إذا خولف، وترك مزاح من لا يوثق بعقله، ولا دينه، وترك مجالسة لئام
الناس، وترك من الكلام كل ما يعتذر منه.
[٣٨٨/١٠]
* عواقب المزاح الذي زاد عن حده:
- عن أبي المنذر الكوفي قال: كنا بمكة، فقدم عطاء بن عجلان البصري، فأخذ
في الطواف، فجاء غياث بن إبراهيم، وكدام بن مسعر بن كدام، وآخر قد سماه،
فجعلوا يكتبون حديث عطاء، فإذا مروا بعشرة أحاديث أدخلوا حديثاً من غير حديثه
حتى كتبوا أحاديث، وهو يطوف. قال: فقال لهم حفص بن غياث: ويلكم اتقوا الله،
فإني أراكم ستصيرون آية للعالمين، تريدون أن تهتكوا حرمة الشهر، وحرمة البلدة،
وحرمة الإسلام، قال: فانتهروه، وصاحوا به، وقالوا: أنت أحمق، قال: فقام من
عندهم وتركهم، فلما فرغ كلموه أن يحدثهم، ورققوه، فأخذ الكتاب، فجعل يقرأ
حتى انتهى إلى حديث، فمر فيه، فقرأه، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قرأ آخر
حتى انتهى إلى الثالث، فانتبه الشيخ، واستضحكوا، قال: فقال لهم: إن كنتم أردتم
شيني فعل الله بكم وفعل.
قال أبو المنذر: فوثبت خشية أن تصيبني، فأما كدام، فاختلط، ووسوس، وکوی
رأسه أربع كيات، وأما غياث فبطل حديثه، ولم يصدق حتى لو حدث بالصدق لم
یصدَّق.
[٣٢٤/١٢]

٧٨٩
باب المزاح
: مواقف من مزاح السابقين:
- عن أبي محمد عبد الله بن حمدون قال: قال لي المعتضد ليلة وقدم له عشاء
لقِّمني، قال: وكان الذي قدم فراريج ودراريج فلقمته من صدر فروج، فقال: لا؛
لقمني من فخذه، فلقمته لقماً. ثم قال: هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها،
فقال: ويلك هو ذا تتنادر علي؟ هات من صدورها، فقلت: يا مولاي ركبت القياس
فضحك، فقلت له: إلى كم أضحك ولا تضحكني. قال: شل المطرح وخذ ما
تحته، قال: فشلته فإذا ديناراً واحداً، فقلت: آخذ هذا؟ فقال: نعم. فقلت له: بالله
هو ذا تتنادر أنت الساعة علي، خليفة يجيز نديمه بدينار، فقال: ويلك لا أجد لك
في بيت المال حقاً أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئاً، ولكن
هو ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبَّلت يده. فقال: إذا كان غد
وجاءني القاسم يعني - ابن عبيد الله - فهو ذا أسارك حين يقع نظري عليه سراراً
طويلاً التفت فيه إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي، نظر
المترثي له، فإذا انقطع السرار فيخرج ولا يبرح الدهليز أو تخرج فإذا خرجت
خاطبك بجميل، وأخذك إلى دعوته وسألك عن حالك، فاشك الفقر والخلة وقلة
حظك مني، وثقل ظهرك بالدين والعيال وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عينك
عليه، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما
جرى بيننا، فاصدقة وإياك أن تكذبه؛ وعرِّفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك
هذا، وحدثه بالحديث كله على شرحه، وليكن إخبارك إياه بذلك بعد امتناع شديد
وأحلاف منه لك بالطلاق والعتاق أن تصدقه، وبعد أن تخرج من داره تأخذ كل ما
يعطيك إياه، وتحصله في بيتك.
فلما كان من غد حضر القاسم حين رآه بدا يسارني وجرت القصة على ما واضعته
عليه فخرجت، فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني، فقال: يا أبا محمد، ما هذا
الجفاء؟ لا تجئني ولا تزورني ولا تسألني حاجة، فاعتذرت إليه باتصال الخدمة
علي، فقال: ما يقنعني إلا أن تزورني اليوم ونتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير.
فأخذني إلى طيارة وجعل يسألني عن حالي وأخباري، وأشكو إليه الخلة والإضافة
والدين والبنات، وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيتوجع ويقول: يا هذا مالي لك ولن
يضيق عليك ما يتسع علي، أو تتجاوزك نعمة تحصلت لي، أو يتخطاك حظ، فإنك
في فنائي ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله عنك، فشكرته وبلغنا داره، فصعد
ولم ينظر في شيء. وقال: هذا اليوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد، فلا

٧٩٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يقطعني أحد عنه وأمر كتباه بالتشاغل بالأعمال وخلا بي في دار الخلوة وجعل
يحادثني ويبسطني وقدمت الفاكهة فجعل يلقمني بيده، وجاء الطعام فكانت هذه سبيله
وهو يستزيدني، فلما جلس للشرب وقع لي بثلاثة آلاف دينار، وأخذتها للوقت
وأحضر ثياباً وطيباً ومركوباً، وأخذت ذلك وكان بين يدي صينية فضة فيها مغسل
فضة، وخرداذي بلور، وكوز وقدح بللور، وأمر بحمله إلى طيارتي، وأقبلت كلما
رأيت شيئاً حسناً له قيمة وافرة طلبته، وحمل إلي فرشاً نفيساً وقال: هذا للبنات،
فلما تقوض أهل المجلس، خلا بي وقال: يا أبا محمد، أنت عالم بحقوق أبي
عليك ومودتي لك، فقلت: أنا خادم الوزير فقال: أريد أن أسألك عن شيء،
وتحلف لي أنك تصدقني عنه، فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله وبالطلاق
والعتاق على الصدق، ثم قال لي: بأي شيء سارك الخليفة اليوم في أمري؟ فصدقته
عن كل ما جرى حرفاً بحرف. فقال: فرجت عني ولكون هذا هكذا مع سلامة نيته
لي أسهل علي، فشكرته وودعته وانصرفت إلى بيتي، فلما كان من غد باكرت
المعتضد، فقال: هات حديثك فنسقته عليه، فقال: احفظ الدنانير ولا يقع لك أني
أعمل مثلها معك بسرعة.
[٤ /٤٠٥ - ٤٠٦]
- عن أبي الحسن علي بن نصر بن الصباح قال: كنا يوماً بين يدي أبي سهل بن
زياد، فأخذ بعض أصحاب الحديث سكيناً كانت بين يديه، فجعل ينظر إليها فقال:
ما لك ولها، أتريد أن تسرقها كما سرقتها أنا؟ هذه سكين البغوي سرقتها منه. أو
كما قال.
[٤٦/٥]
- عن مالك قال: كان يحيى بن سعيد أعرف شيء بحق ربيعة، قال: وكان ربيعة
يقول له وهو يمازحه في شيء من القضاء يسمع ذلك يحيى: هذا خير لكم مما
[٤٢٣/٨]
تحوزون من الدنيا .
- عن أبي العباس قال: لما ماتت حمادة بنت عيسى امرأة المنصور، وقف
المنصور والناس معه على حفرتها ينتظرون مجيء الجنازة وأبو دلامة فيهم، فأقبل
عليه المنصور فقال: يا أبا دلامة ما أعددت لهذا المصرع، قال: حمادة بنت عيسى
يا أمير المؤمنين، قال: فأضحك القوم.
[٤٨٩/٨]
- عن الأصمعي قال: أمر المنصور أبا دلامة بالخروج نحو عبد الله بن علي،
فقال له: أبو دلامة نشدتك بالله يا أمير المؤمنين أن تحضرني شيئاً من عساكرك،
فإني شهدت تسعة عساكر انهزمت كلها وأخاف أن يكون عسكرك العاشر فضحك منه
وأعفاه.
[٤٩٠/٨]

٧٩١
باب المزاح
- عن أبي عكرمة عن بعض أصحابه قال: خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى
الصيد ومعهما أبو دلامة، فرمى المهدي ظبياً فشكه ورمى علي بن سليمان وهو يريد
ظبياً، فأصاب كلباً، فشكه فضحك المهدي وقال: يا أبا دلامة قل في هذا فقال:
شك بالسهم فؤاده
قد رمى المهديُّ ظبياً
رمى كلباً فصاده
وعلي بن سليمان
كل امرئ يأكل زاده
فهنيئاً لكما
[٤٩١/٨ - ٤٩٢]
فأمر له بثلاثين ألف درهم.
- عن مصعب بن عبد الله قال: وفد سعيد بن سليمان على أمير المؤمنين الرشيد،
وكان انقطاعه إلى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، فنزل عليه
فجعل ينقلب إلى المدينة، ويتطرب إلى مال له بناحية ضرية، يقال له: الجفر،
واشتكى عند العباس فجعل العباس يمازحه ويدفعه عن الخروج إلى الجفر، فكتب
العباس إلى أبي ببيت مازَحَ به سعيد بن سليمان وقال له: زدنا عليه والبيت الذي
مازحه به العباس قوله:
إلى الحول إن حم الإياب سبيل
وليس إلى نجد وبرد مياهه
فزاد فيه أبي فقال:
بباب أمير المؤمنين قليل
إن مقام الحول في طلب الغنى
فمات سعيد بن سليمان عند العباس بن محمد قال: وكان من رجال قريش جلداً
وحمالاً وشعراً .
[٦٦/٩]
- عن محمد بن سلام قال: أتى رجل عبيد الله بن الحسن فقال: كنا عند الأمير
محمد بن سليمان، فجرى ذكرك فذكرت بكل جميل فما استطاع يقبح أمرك، يذكرك
بشيء يعيبك به إلا المزاح، فقال: ويحك والله إني لأمزح وما أقول إلا حقاً، فلو
قلت الساعة في داري عيسى ابن مريم، أكنت تصدقني؟ قلت: هذا من ذاك، فقال
لجصاص في داره: يا جصاص قال: لبيك، قال: ما اسمك؟ قال: عيسى، قال: ما
اسم أمك؟ قال: مريم، قال: ويحك، فإذا اتفق لي مثل هذا فما أصنع؟. [٣٠٧/١٠]
- عن أبي نعيم، قال: قال لي سفيان مرة وسألته عن شيء فقال لي: أنت لا
تبصر النجوم بالنهار، فقلت له: وأنت لا تبصرها كلها باللیل فضحك.
[٣٤٧/١٢]
- عن عمر بن دينار قال: قدم عبد الله بن الحارث حاجاً، فأتى ابن عمر فسلم
والقوم جلوس، فلم يره بش به كما كان يفعل. فقال: يا أبا عبد الرحمن أما
تعرفني؟ قال: بلى! ألست ببه؟ قال: فشق ذلك عليه وتضاحك القوم، ففطن

٧٩٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
عبد الله بن عمر. فقال: إن الذي قلت لا بأس به، ليس يعيب الرجل: إنما كان
غلاماً خادراً، وكانت أمه تنزيه أو تنبزه تقول:
جارية خدبَّـه
لأنكحن بيه
تحب أهل الكعبة]
[مكرمة محبه
[١/ ٢١٢]
- عن أبي يوسف عبد الرحمن بن محمد الكاتب قال: كان الجاحظ يتقلد في
خلافة إبراهيم بن العباس على ديوان الرسائل، فلما جاء إلى الديوان جاءه أبو
العيناء، فلما أراد أن يخرج من عنده تقدم إلى من يحجبه أن لا يدعه يخرج ولا
يدعه يرجع إليه إن أراد الرجوع، فخرج أبو العيناء يريد الانصراف، فمنع من
الخروج ومن الرجوع إلى الجاحظ، فنادى أبو العيناء بأعلى صوته: يا أبا عثمان قد
أريتنا قدرتك فأرنا عفوك.
[١٧٦/٣]
باب المساجد
- عن عطاء قال: المعتكف كأنه محرم بين يدي الرحمن تعالى، يقول لا أبرح
حتى تغفر لي.
[١٧٥/٥]
- عن مصعب بن عبد الله، قال: سمعت أبي يقول: قال لي أمير المؤمنين هارون
الرشيد: دلني على رجل من أهل المدينة من قريش له فضل منقطع: قال: قلت له:
عمارة بن حمزة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: فأين أنت عن
ابن عمك الزبير بن خبيب؟ قال: قلت له: إنما سألتني عن الناس، ولو سألتني عن
أسطوان من أساطين المسجد، قلت لك: الزبير بن خبيب، وقال: أخبرني عمي
مصعب بن عبد الله أن الزبير بن خبيب أقام في مسجد في ضيعته بالمريسيع سنين لا
يخرج منه إلا للوضوء.
[٤٦٦/٨]
- عن محمد بن منصور قال: كنا في مجلس أبي عبد الله محمد بن إسماعيل - أي
البخاري - فرفع إنسان من لحيته قذاة فطرحها على الأرض، قال: فرأيت محمد بن
إسماعيل ينظر إليها وإلى الناس، فلما غفل الناس رأيته مد يده فرفع القذاة من
الأرض فأدخلها في كمه، فلما خرج من المسجد رأيته أخرجها فطرحها على
الأرض.
[١٣/٢]
باب المعاتبة
- عن الناشئ قال: كتب علي بن هشام إلى إسحاق الموصلي يتشوقه، فكتب إليه

٧٩٣
باب المعاتبة
إسحاق: وصل إلي منك كتاب يرتفع عن قدري، ويقصر عنه شكري، ولولا ما قد
عرفت من معانيه لظننت أن الرسول غلط، وأراد غيري فقصدني، وأما ما ذكرت من
التشوق واللوعة والتحرق، فلولا ما حلفت عليه وصرفت الآلية إليه لقلت:
فعل المشوق وليس بالمشتاق
يا من شكا عبثاً إلينا شوقه
ما طبت نفساً ساعة بفراق
لو كنت مشتاقاً إلي تريدني
ووفيت لي بالعهد والميثاق
وحفظتني حفظ الخليل خليله
وشغلت باللذات عن إسحاق
هیهات قد حدثت أمور بعدنا
[١٢/٤]
- عن سعيد بن حميد قال: دخل أبو تمام الطائي على أحمد بن أبي دؤاد، فقال
له: أحسبك عاتباً يا أبا تمام قال: إنما يعتب علي واحد، وأنت الناس جميعاً،
فكيف يعتب عليك؟ فقال: من أين هذه يا أبا تمام؟ قال: من قول الحاذق - يعني
أبا نواس - في الفضل بن الربيع:
أن يجمع العالم في واحد
وليس على الله بمستنكر
[٤/ ١٤٤]
- عن الربيع بن سليمان قال: كان للشافعي صديق فبلغه عنه شيء فعاتبه بأبيات
أرسلها إليه:
لا طالق مني طلاق البيْنِ
اذهب فإنك من ودادي طالق
ويقيم ودك لي على ثنتيْنٍ
فإن ارعويت فإنها تطليقة
فيكون تطليقين في قرئيْنِ
وإن اعوججت شفعتها بمثالها
لم يغن عنك شفاعة الثقليْنِ
وإن الثلاث أتتك مني بتةً
[٤٣٨/٤ - ٤٣٩]
- عن الحسين بن القاسم قال: كان محمد بن دؤاد يميل إلى محمد بن جامع
الصيدلاني، وبسببه عمل كتاب الزهرة، وقال في أوله: وما ننكر من تغير الزمان،
وأنت أحد مغيريه، ومن جفاء الإخوان، وأنت المقدم فيه، من عجيب ما يأتي به
الزمان، ظالم يتظلم، وغابن يتندم، ومطاع يستظهر، وغالب يستنصر.
[٢٦٠/٥]
- عن علي بن يحيى المنجم قال: خرجنا مع المتوكل إلى دمشق، فلحقنا ضيقة
بسبب المؤن والنفقات التي كانت تلزمنا، قال: فبعثت إلى بختيشوع، وكان لي
صديقاً أسأله أن يقرضني عشرين ألف درهم، قال: فأقرضنيها. فلما كان بعد يوم أو
يومين دخلت مع الجلساء إلى المتوكل، فلما جلسنا بين يديه قال: يا علي لك عندي

٧٩٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ذنب وهو عظيم، قلت: يا سيدي فما هو؟ فإني لا أعرف لي ذنباً ولا خيانة! قال:
بلى. أضقت فاستقرضت من بختيشوع عشرين ألف درهم، أفلا أعلمتني، قال: قلت
يا مولاي صلات أمير المؤمنين عندي متواترة وأرزاقه وأنزاله علي دارة، واستحيت
نعماً قد أنعم الله علينا به من هذا التفضل أن أسأله. قال: ولم؟ إياك أن تستحي من
مسألتي أو الطلب مني، وأن تعاود مثل ما كان منك، ثم قال: مائة ألف درهم - بغير
صروف - فأحضرت عشر بدر، فقال: خذها واتسع بها .
[١٦٨/٧]
- عن أبي عثمان يقول: سمعت أبي يقول: طول العتاب فرقة وترك العتاب
[١٠١/٩]
حشمة .
- عن جعفر بن ورقاء قال: عدت من الحج أنا وأخي، فتأخر عن تهنئتنا القاضي
أبو عمر محمد بن يوسف وابنه أبو الحسين عمر فكتبت إليهما :
أو أستجفي فتاه أبا الحسين
أأستجفي أبا عمر وأشكو
إلحافي قطيعة واصلين
بأي قضية وبأي حكم
[٢٣٠/١١]
- عن محمد بن يحيى الصولي قال: كنت أقرأ على أبي خليفة في منزله لهاشمي
البصرة - خصوصاً - كتاب طبقات الشعراء وغيره، فواعدنا يوماً وقال: لا تخلفوني
فإني أتخذ لكم خبيصة كافية، فتأخرت لشغل عرض لي. ثم جئت والهاشميون
عنده، فلم يعرفني الغلام وحجبني، فكتبت إليه :
وتُؤثر الغرَّ من أبناء عباس
أبا خليفة تجفو من له أدب
في العلوم، وما الأذناب كالرّاس
وأنت رأس الورى في كل مكرمة
فيه، لتختلط الأشراف بالناس
ما كان قدر خبيص لو أذنت لنا
فما قرأ الرقعة صاح على الغلام ودخلت إليه، فلما رآني قال: اسأت إلينا بتغيبك،
[٤٢٩/٣]
وظلمتنا في تعتبك. وإنما عقد المجلس بك، ونحن فيما فاتنا بتأخرك.
باب معرفة الله تعالى
- عن عطاء بن المبارك قال لي بعض العباد: لما علمت أن ربي يحاسبني زال
[٤٨/٤]
عني حزني لأن الكريم إذا حاسب عبده تفضل.
- عن عبد الله بن سهل الرازي قال: قال رجل لحاتم الأصم: بلغني أنك
تجوز المفاوز من غير زاد، فقال: بل أجوزها بالزاد. إنما زادي فيها أربعة
أشياء، قال: ما هي؟ قال: أرى الدنيا كلها ملكاً لله، وأرى الخلق كلهم عباد الله

٧٩٥
باب المعلم
وعياله، وأرى الأسباب والأرزاق كلها بيد الله، وأرى قضاء الله نافذاً في كل
أرض الله. فقال له الرجل: نعم الزاد زادك يا حاتم، أنت تجوز به مفاوز الآخرة
[٢٤٣/٨]
فكيف مفاوز الدنيا .
- عن محمد بن نصر الصائغ قال: نظر إلي سعدان بن يزيد البزاز، فقال لي: يا
محمد بن نصر أحدثك بشيء لا تحدث به عني حتى أموت. فقلت: نعم. فقال لي:
كنت في بعض أسفاري فنزلت بعض الخانات فكانت ليلة مطيرة ورعد وبرق، فنام
أهل الخان وجلست أفكر في عظمة الله - يعني فنمت - فإذا ابن لي قد كنت أقصيته
وأبعدته، وإذا هو يخضع لي ويقرب مني وأنا أقصيه وأبعده، ثم انتبهت. فصاح بي
صائح من جانب الخان يا سعدان بن يزيد قد رأيت عظمته فافهم، كذا يغضب عليك
إذا عصيته، ويتحنن عليك إذا أرضيته.
[٢٠٤/٩]
- عن محمد بن محمد بن أبي الورد قال: إن لله عباداً لم يكونوا عرفوه، فلما
عرفوه جدُّوا؛ فلما جدُّوا كدُّوا، فلما كدُّوا كلفوا، فلما كلفوا دنفوا، فلما دنفوا
تلفوا .
[٢٠٢/٣]
= باب المعلم
فيّ أنهما كانا يرزقان المؤذنين والأئمة
- عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
والمعلمين والقضاة.
[٨١/٢]
- عن الفضيل بن عياض قال: قال ثابت عن الحسن، في المعلم يستوفي الأجر،
ولا يعدل بين الصبيان قال: يكتب من الظلمة.
[٣١٦/١١]
- عن أبي الحسن علي بن سعيد النيسابوري قال: سألت مالك بن أنس عن كسب
المعلم، فقال: لا بأس به. قلت: وأطلب ولا يعطوني. قال: لا بأس، قلت:
وألح. قال: لا بأس، وضحك.
[٤٠٤/١٤]
- عن الزجاج قال: كنت أخرط الزجاج، فاشتهيت النحو فلزمت المبرد لتعلمه،
وكان لا يعلم مجاناً، ولا يعلم بأجرة إلا على قدرها فقال لي: أي شيء صناعتك؟
قلت: أخرط الزجاج وكسبي في كل يوم درهم، ودانقان، أو درهم ونصف، وأريد
أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك كل يوم، وأشرط لك أني أعطيك إياه أبداً إلى أن
يفرق الموت بيننا استغنيت عن التعليم، أو احتجت إليه. قال: فلزمته، وكنت أخدمه
في أموره مع ذلك، وأعطيه الدرهم فينصحني في العلم حتى استقللت، فجاءه كتاب
بعض بني مارمة من الصراة يلتمسون معلماً نحوياً لأولادهم فقلت له: أسمني لهم،

٧٩٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فأسماني فخرجت، فكنت أعلمهم، وأنفذ إليه كل شهر ثلاثين درهماً، وأتفقده بعد
ذلك بما أقدر عليه، ومضت مدة على ذلك، فطلب منه عبيد الله بن سليمان مؤدباً
لابنه القاسم، فقال له: لا أعرف لك إلا رجلاً زجاجاً بالصراة مع بني مارمة. قال:
فكتب إليهم عبيد الله، فاستنزلهم عني، فتركوني له، فأحضرني، وأسلم القاسم إلي،
فكان ذلك سبب غناي، وكنت أعطي المبرد ذلك الدرهم في كل يوم إلى أن مات،
ولا أخليه من التفقد معه بحسب طاقتي.
[٩٠/٦]
= باب المكر
- عن غيث قال: دخل أبو دلامة على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين ماتت أم
دلامة، وبقيت ليس لي أحد يعاطيني، فقال: إنا لله أعطوه ألف درهم اشتر بها أمة
تعاطيك: قال: ودس أم دلامة إلى الخيزران، فقالت: يا سيدتي مات أبو دلامة
وبقيت ضائعة فأمرت لها الخيزران بألف درهم، ودخل المهدي على الخيزران وهو
حزين فقالت: يا أمير المؤمنين مات أبو دلامة، فقال: إنما ماتت أم دلامة، قالت:
لا والله إلا أبو دلامة. فقال المهدي: خدعانا والله.
[٤٩٣/٨]
- عن أبي الحسن يعقوب بن موسى الفقيه قال: لقيت جماعة يحدثون عن
محمد بن عبد السمرقندي أحاديث موضوعة قد حدث بها في بلدان شتى، فسألت
جعفر بن محمد بن الحجاج المعروف ببكار الموصلي عنه، قال: قدم علينا الموصل
وحدث بأحاديث مناكير، فاجتمع جماعة من الشيوخ وصرنا لننكر عليه، فإذا هو
جالس في مسجد يعرف بمسجد النبي و 8* وله مجلس، وعنده خلق من كتبة الحديث
ومن العامة. قال: فلما بصر بنا من بعيد علم أنا قد اجتمعنا للإنكار عليه. فقال:
قبل أن نصل إليه: حدثنا قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة عن جابر بن عبد الله: أن
رسول الله وَ لثم قال: ((القرآن كلام الله غير مخلوق))، قال: فوقفنا ولم نجسر أن نقدم
عليه خوفاً من العامة، قال: فرجعنا ولم نجسر أن نكلمه.
[٣٨٩/٢]
- عن أبي العباس المنصوري قال: لما قتل المنصور أبا مسلم، قال: رحمك الله
أبا مسلم فإنك بايعتنا وبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووفيت لنا ووفينا لك، وإنك
بايعتنا على أنه من خرج علينا قتلناه وإنك خرجت علينا فقتلناك، وحكمنا عليك
حكمك لنا على نفسك.
قال: ولما أراد المنصور قتله، دس له رجالاً من القواد، منهم شبيب بن داج؛
وتقدم إليهم فقال: إذا سمعتم تصفيقي فاخرجوا إليه فاضربوه، فلما حضر حاوره

٧٩٧
باب المناصحة
طويلاً حتى قال له في بعض قوله: وقتلت وجوه شيعتنا فلاناً وفلاناً، وقتلت
سليمان بن كثير، وهو من رؤوساء أنصارنا ودولتنا، وقتلت لاهزاً قال: إنهم عصوني
فقتلتهم، وقد كان قبل ذلك.
قال المنصور له: ما فعل سَيْفان بلغني أنك أخذتهما من عبد الله بن علي، قال:
هذا أحدهما يا أمير المؤمنين يعني السيف الذي هو متقلد به. قال: أرنيه فدفعه إليه
فوضعه المنصور تحت مصلاه وسکنت نفسه، فلما قال ما قال، قال المنصور: يا
للعجب، أتقتلهم حين عصوك وتعصيني أنت فلا أقتلك! ثم صفق فخرج القوم،
وبدرهم إليه شبيب وضربه، فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه، فقال له المنصور:
اضربه قطع الله يدك، فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك، قال: وأي
عدو أعدى لي منك، اضربوه، فضربوه بأسيافهم حتى قطعوه إرباً إرباً. فقال
المنصور: الحمد لله الذي أراني يومك يا عدو الله، واستؤذن لعيسى بن موسى، فلما
دخل ورأى أبا مسلم على تلك الحال وقد كان كلم المنصور في أمره لعناية كانت
منه به استرجع. فقال المنصور: أحمد الله فإنك إنما هجمت على نعمة ولم تهجم
على مصيبة، وفي ذلك يقول أبو دلامة:
على عبده حتى يغيرها العبد
أبا مجرم ما غيَّر الله نعمة
عليك بما خوفتني الأسد الورد
أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى
[٢٠٩/١٠]
=
باب المناصحة
- عن سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: قال رجل لابن المبارك هل بقي من
[١٨١/٧]
ينصح؟ قال: فقال وهل تعرف من يقبل.
- عن هارون بن عبد الله الحمال قال: جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق الباب
علي، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت أن خرجت إليه فمساني ومسيته.
قلت: حاجة يا أبا عبد الله؟ قال: شغلت اليوم قلبي. قلت: بماذا يا أبا عبد الله؟
قال: جزت عليك اليوم، وأنت قاعد تحدث الناس في الفيء، والناس في الشمس
بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرة أخرى إذا قعدت، فاقعد مع الناس. [٢٢/١٤]
- دخل سفيان على المهدي، فقال: السلام عليكم، كيف أنتم أبا عبد الله؟ ثم
جلس، فقال: حج عمر بن الخطاب، فأنفق في حجته ستة عشر ديناراً، وأنت
حججت، فأنفقت في حجتك بيوت الأموال، فقال: أي شيء تريد أكون مثلك؟
قال: فوق ما أنا فيه، ودون ما أنت فيه.
[١٦٠/٩]

٧٩٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن أبي الحسن الدارقطني أنه حضر أبا بكر المستملي في المجلس، أملاه
يوم الجمعة، فصحف اسماً أورده في إسناد حديث، إما كان حبان، فقال حيان،
أو حيان فقال حبان: قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله،
وجلالته، وهم، وهبته أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى
المستملي، وذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت، ثم حضرت
الجمعة الثانية مجلسه، فقال أبو بكر للمستملي: عرف جماعة الحاضرين أنا
صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك
الشاب على الصواب؛ وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب، أنا رجعنا إلى الأصل
[١٨٣/٣]
فوجدناه كما قال.
- عن أبي بكر الأعين قال: أتيت آدم العسقلاني فقلت له: عبد الله بن صالح
كاتب الليث يقرئك السلام، قال: لا تقريه مني السلام، فقلت له: لم؟ قال: لأنه
قال: القرآن مخلوق، قال فأخبرته بعذره، وأنه أظهر الندامة، وأخبر الناس
بالرجوع، قال: فأقرئه السلام، فقلت له بعد: إني أريد أن أخرج إلى بغداد فلك
حاجة؟ قال: نعم إذا أتيت بغداد فائت أحمد بن حنبل، فأقرئه مني السلام، وقل له:
يا هذا اتق الله، وتقرب إلى الله بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك إن شاء الله
مشرف على الجنة، وقل له: حدثنا الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن أبي
الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((من أرادكم على
معصية الله فلا تطيعوه))، فأتيت أحمد بن حنبل في السجن، فدخلت عليه، فسلمت
عليه، وأقرأته السلام، وقلت له هذا الكلام، والحديث، فأطرق أحمد إطراقة، ثم
رفع رأسه، فقال: حياً وميتاً، فلقد أحسن النصيحة.
[٢٨/٧ - ٢٩]
- عن عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد عن أبيه قال: لما أحضر المأمون
أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض المأمون لبعض حاجته ثم
خرج، فقام كل من كان في المجلس إلا ابن الجعد فإنه لم يقم، قال: فنظر إليه
المأمون كهيئة المغضب ثم استخلاه فقال له: يا شيخ ما منعك أن تقوم لي كما قام
أصحابك؟ قال أجللت أمير المؤمنين للحديث الذي نؤثره عن النبي وَّر، قال: وما
هو؟ قال علي بن الجعد: سمعت المبارك بن فضالة يقول: سمعت الحسن يقول:
قال النبي قال: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار))، قال:
فأطرق المأمون متفكراً في الحديث، ثم رفع رأسه فقال: لا يشترى إلا من هذا
الشیخ، قال: فاشترى منه ذلك اليوم بقيمة ثلاثين ألف دينار.
[٣٦١/١١]

٧٩٩
باب المناصحة
- عن المدائني قال: مر المنصور بفرج بن فضالة فلم يقم له، فقيل له في ذلك،
فقال: خشيت أن يسألني لم قمت؟ ويسأله لم رضيت؟.
[٣٩٤/١٢]
- وفي رواية: أنه أقبل المنصور يوماً راكباً - والفرج بن فضالة جالس عند باب
الذهب - فقام الناس، فدخل من الباب ولم يقم له الفرج، واستشاط غضباً ودعا به،
فقال له: ما منعك من القيام حين رأيتني؟ قال: خفت أن يسألني الله عنه لم فعلت؟
ويسألك لم رضيت؟ وقد كرهه رسول الله وَ لقر، قال: فبكى المنصور وقربه وقضى
حوائجه .
[٣٩٤/١٢]
- عن مبارك بن فضالة قال: وفد ابن سوار في وفد من أهل البصرة إلى أبي
جعفر، فإنا لعنده ذات يوم، إذ أتي برجل فأمر بقتله، فقلت في نفسي: يقتل رجل
من المسلمين وأنا حاضر، فقلت: يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثاً سمعته من
الحسن؟ قال: وما هو؟ قلت: حدثنا الحسن قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا كان يوم
القيامة جمع الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم
مناد من عند الله فيقول: ليقومن من له على الله يد فلا يقومن إلا من عفا»، فأقبل
عليَّ فقال: آلله لسمعته من الحسن؟ قال قلت: آلله لسمعته من الحسن، قال: خليا
عنه .
[٢١٢/١٣]
- عن ابن عباس قال: قال لي عمر: ما حبسك عن الصلاة؟ قلت: لما أن
سمعت الأذان توضأت ثم أقبلت، قال عمر: الوضوء أيضاً! ما بهذا أُمرنا. قال:
[٢٤٩/١]
فما تركت الغسل يوم الجمعة بعد.
- عن صالح المري دخلت على المهدي ها هنا بالرصافة، فلما مثلت بين يديه
قلت: يا أمير المؤمنين أحمل لله ما أكلمك به اليوم، فإن أولى الناس بالله، أحملهم
الغلظة النصيحة فيه. وجدير بمن له قرابة برسول الله أن يرث أخلاقه، ويأتم بهديه،
وقد ورثك الله من فهم العلم، وإنارة الحجة، ميراثاً قطع به عذرك، فمهما ادعيت
من حجة؛ أو ركبت من شبهة، لم يصح لك بها برهان من الله؛ حل بك من
سخط الله بقدر ما تجاهلته من العلم، أو أقدمت عليه من شبهة الباطل، واعلم أن
رسول الله خصم من خالفه في أمته يبتزها أحكامها. ومن كان محمد خصمه كان الله
خصمه، فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسول الله حججاً تضمن لك النجاة، أو
استسلم للهلكة، واعلم أن أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى يدعيه إلى الله قربه، وإن
أثبت الناس قدماً يوم القيامة، آخذهم بكتاب الله وسنة نبيه. فمثلك لا يكابر بتجريد
المعصية، ولكن تمثل له الإساءة إحساناً، ويشهد له عليها خونة العلماء، وبهذه

٨٠٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الحبالة تصيدت الدنيا نظراءك، فأحسن الحمل فقد أحسنت إليك الأداء، قال: فبكى
المهدي .
[٣٠٦/٩]
- عن العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب قال:
اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم، وإن مالك لا يغني الناس كلهم
فخص به أهل الحق، وإن كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضل، وأن ليلك
ونهارك لا يستوعبان حاجتك وإن دأبت فيهما، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك
من ذلك. فإن ما شغلك من رأيك في غير المهم إزراء بالمهم، وما صرفت من
مالك في الباطل فقدته حين تريده للحق، وما عمدت من كرامتك إلى أهل النقص،
أضر بك في الحاجة.
[١٢٦/١٢]
- عن عروة بن الزبير قال: إن المسور بن مخرمة أخبره أنه قدم وافداً على
معاوية بن أبي سفيان فقضى حاجته، ثم دعاه فأخلاه فقال: يا مسور ما فعل طعنك
على الأئمة؟ فقال المسور: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له. قال معاوية: لا
والله لتكلمنّ بذات نفسك، والذي تعيب عليّ، قال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه
عليه إلا بينته له، قال معاوية: لا بريء من الذنب، فهل تعد يا مسور ما لي من
الإصلاح في أمر العامة، فإن الحسنة بعشر أمثالها؟ أم تعد الذنوب، وتترك
الحسنات، قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما ترى من هذه الذنوب. قال معاوية:
فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن
تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم! قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو
المغفرة مني؟ فوالله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أخير بين
أمرين، بين الله وبين غيره إلا اخترت الله تعالى على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله
فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن يشاء،
فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وأوازي أموراً عظاماً لا أحصيها ولا
تحصيها، من عمل الله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله ربك،
والحكم بما أنزل الله تعالى، والأمور التي لست تحصيها وإن عددتها لك، فتفكر في
ذلك. قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر، قال عروة:
فلم يسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا استغفر له.
[٢٠٨/١]
- كنا مع محمد بن الحسن، إذ أقبل الرشيد فقام إليه الناس كلهم إلا محمد بن
الحسن فإنه لم يقم، وكان الحسن بن زياد ثقيل القلب [ممتليء البطن] على محمد بن
الحسن، فقام محمد بن الحسن. فجزع أصحابه له فأدخل فأمهل ثم خرج طيب