Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ باب الصمت الري بعد موته، فرأيته في النوم يصلي في سماء الدنيا بالملائكة، فقلت: عبيد الله بن عبد الكريم؟ قال: نعم. قلت: بم نلت هذا؟ قال: كتبت بيدي ألف ألف حديث أقول فيها عن النبي ◌َّ، وقد قال النبي وَلّ: ((من صلى عليَّ صلَّى الله عليه عشراً)). [٣٣٦/١٠] باب الصمت - عن طاهر بن أبي أحمد الزبيري قال: كان رجل يجلس إلى أبي يوسف فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: ألا تتكلم؟ فقال: بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس. قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ قال: فضحك أبو يوسف، وقال: أصبت في صمتك، وأخطأت أنا في استدعاء نطقك، ثم تمثل: وصمت الذي قد كان للقول أعلما عجبت لإزراء العيي بنفسه صحيفة لب المرء أن يتكلما وفي الصمت ستر للعيي وإنما [٢٤٨/١٤] - عن أبي الحسن المزين قال: كلام من غير ضرورة مقت من الله للعبد. [٧٣/١٢] - عن أبي عبد الرحمن الأموي قال: ذُكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد الملك، فذمه أهل المجلس فقال سليمان: كلا إن من تكلم فأحسن قدر على أن يسكت فيحسن، وليس كل من سكت فأحسن قدر على أن يتكلم فيحسن. [٢٤٨/٨] - عن حبيب بن أوس قال: تُذوكر الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز التنوخي وحسنْه، والصمت ونبْله، فقال: ليس النجم كالقمر، إنك إنما تمدح السكوت بالكلام، ولن تمدح الكلام بالسكوت، وما نبأ عن شيء فهو أكبر منه. [٢٤٨/٨] - عن أبي زكريا بن إياس الأزدي قال في الطبقة الرابعة من علماء أهل الموصل: ومنهم الخليل بن أبي نافع المزني كان من العباد، وكتب الحديث، واختار الصمت، والعزلة، وكان قد اتخذ لوحاً يكتب فيه كل ما يتكلم به، ويحصيه آخر النهار، فيجده بضع عشرة كلمة. [٣٣٥/٨] - عن طلحة بن عبيد الله البغدادي - وكان يسكن مصر - قال: وافق ركوبي ركوب أحمد بن حنبل في السفينة من غير تعبية، فكان يطيل السكوت، فإذا تكلم قال: اللهم أمتنا على الإسلام والسنة. [٣٤٩/٩] - عن أبي محمد الثقفي قال: جالست أبا عبد الله المروزي أربع سنين، فلم أسمعه في طول تلك المدة يتكلم في غير العلم، إلا أني حضرته يوماً وقيل له عن ٤٢٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد ابنه إسماعيل، وما كان يتعاطاه لو وعظته أو زبرته؟ فرفع رأسه ثم قال: أنا لا أفسد [٣١٧/٣] مروءتي بصلاحه. = باب الصوم - دخل موسى بن عبد الله يوماً على الرشيد، ثم خرج من عنده فعثر بالبساط، فسقط فضحك الخدم وضحك الجند، فلما قام التفت إلى هارون، فقال: يا أمير [٢٦/١٣ - ٢٧] المؤمنين إنه ضعف صوم لا ضعف سكر. - كان محمد بن عبد الله الأسدي يصوم الدهر، وكان إذا تسحر برغيف لم يصدع، فإذا تسحر بنصف رغيف صدع من نصف النهار إلى آخره، فإن لم يتسحر صدع يومه أجمع. [٤٠٤/٥] - صام داود الطائي أربعين سنة ما علم به أهله، وكان خرازاً، وكان يحمل غداءه معه، ويتصدق به في الطريق، ويرجع إلى أهله يفطر عشاء لا يعلمون أنه صائم. [٣٥٠/٨] - عن زر بن حبيش قال: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين مضين وثلاث بقين. [١٠٣/٩] - كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة، فإذا كان شهر رمضان ختم في كل ليلة منه، وفي كل يوم ختمة، فكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة. [٦٣/٢] - دخل رجل على معروف في مرضه الذي مات فيه، فقال له: يا أبا محفوظ أخبرني عن صومك. قال: كان عيسى ظلَّلا يصوم كذا. قال: أخبرني عن صومك. قال: كان داود ظلّ* يصوم كذا. قال: أخبرني عن صومك. قال: كان النبي يصوم كذا. قال: أخبرني عن صومك. قال: أما أنا فكنت أصبح دهري كله صائماً، فإن دعيت إلى طعام أكلت، ولم أقل إني صائم. [٢٠٢/١٣] - عن محمد بن صبيح قال: مر معروف على سقَّاء يسقي الماء، وهو يقول: رحم الله من شرب فشرب، وكان صائماً. وقال: لعل الله أن يستجيب له. [٢٠٨/١٣] - عن أبي عبد الرحمن سفيان بن وكيع بن الجراح قال: حدثني أبي قال: كان أبي وكيع يصوم الدهر، فكان يبكر، فيجلس لأصحاب الحديث إلى ارتفاع النهار، ثم ينصرف، فيقيل إلى وقت صلاة الظهر، ثم يخرج، فيصلي الظهر، ويقصد طريق المشرعة التي كان يصعد منها أصحاب الروايا، فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما يؤدون به الفرض إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس فيدرس القرآن، ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل إلى منزله فيقدم إليه ٤٢٣ باب صفات المؤمنين * باب صلة الرحم إفطاره، وكان يفطر على نحو عشرة أرطال من الطعام، ثم يقدم له قربة فيها نحو من عشرة أرطال نبيذ فيشرب منها ما طاب له على طعامه، ثم يجعلها بين يديه، ويقوم فيصلي ورده من الليل، وكلما صلى ركعتين أو أكثر من شفع أو وتر شرب منها حتى [٤٧١/١٣] ينفذها، ثم ينام. - قال ابن عمار: كان وكيع يصوم الدهر، وكان يفطر يوم الشك والعيد. قال: فأخبرت أنه كان يشتكي إذا أفطر في هذه الأيام. قال: وولد - إما قال: لوكيع، وإما قال لابن وكيع ـ ولد. قال: فأطعم وكيع الناس الخبيص. قال: وأخرج ثمان جفان خبيص في المسجد، وأراه قال: في البيت. قال: فجعل يدخل يده فيه، ويسويه كما يسوي اللقمة، ويقول: كل يا موصلي، ولا يذوق منه شيئاً لأنه كان صائماً، وكان يصوم الدهر. [٤٧٢/١٣] باب صفات المؤمنين - عن محمد بن إسحاق قال: قال بعض الحكماء: المؤمن الكيّس شديد الحذر على نفسه، يخاف على عقله الآفات من الغضب، والهوى، والشهوة، والحرص، والكبر، والغفلة، وذلك أن العقل واحدة من هذه الأخلاق أورثته المهالك، وأحلت به النقمة، وعدم من الله حسن المعرفة. [١/ ٢٥٠] - عن أبي الحسن علي بن محمد المصري قال: ليس من طبع المؤمن أن يقول لا، وذلك أنه إذا نظر فيما بينه وبين ربه من أحكام الكرم يستحي أن يقول لا . [٧٥/١٢] - عن الفضل بن عياض قال: المؤمن يحاسب نفسه، ويعلم أن له موقفاً بين يدي الله تعالى، والمنافق يغفل عن نفسه فرحم الله عبداً نظر لنفسه قبل نزول ملك [٤/ ١٨٤ ] الموت به. - عن يحيى بن معاذ قال: الكيّس من فيه ثلاث خصال: من بادر بعمله، وسوّف بأمله، واستعد لأجله. [٢١٠/١٤] = باب صلة الرحم - عن المدائني قال: دخل على المهدي رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن المنصور شتمني، وقذف أبي، فإما أمرتني أن أحلله، وإما عوَّضتني، فاستغفرت له. قال: ولم شتمك؟ قال: شتمت عدوه بحضرته، فغضب. قال: ومن عدوه الذي غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن حسن. قال: إن إبراهيم أمس به رحماً، ٤٢٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد وأوجب عليه حقاً، فإن كان شتمك كما زعمت، فعن رحمه ذب، وعن عرضه دفع، وما أساء من انتصر لابن عمه. قال: إنه كان عدواً له. قال: فلم ينتصر للعداوة، إنما انتصر للرحم، فأسكت الرجل، فلما ذهب ليولي. قال: لعلك أردت أمراً فلم تجد له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى؟ قال: نعم. فتبسم، ثم أمر له بخمسة آلاف درهم. [٣٩٤/٥] - عن أبي سليمان قال: ما وجدنا شيئاً أعجل ثواباً من بر القرابة. كنت ربما نويت أن أخرج إلى أخ لي بالعراق فأجد ثواب ذلك قبل أن أكتري، وقبل أن أتجهز، وأي شيء صلتي له ليس عندي شيء أعطيه، ولكن أرجو إذا رأوني [٣٦٦/٨] وصلوه. - أخذ أبو جعفر أمير المؤمنين عبد الله بن حسن بن حسن فقيّده وحبسه في داره، فلما أراد أبو جعفر الخروج إلى الحج جلست له ابنة لعبد الله بن حسن يقال لها فاطمة، فلما أن مر بها أنشأت تقول: في السجن بين سلاسل وقيود ارحم كبيراً سنه متهدم يتموا لفقدك لا لفقد يزيد وارحم صغار بني يزيد إنهم ما جدّنا من جدّكم ببعيد إن جدت بالرحم القريبة بيننا فقال أبو جعفر: أذكرتنيه، ثم أمر به، فحدر إلى المطبق، وكان آخر العهد [٤٣٣/٩] به . - عن سفيان قال: قيل لأبي حازم: ما القرابة؟ قال: المودة. قيل: فما الراحة؟ قال: دخول الجنة، وقال: المودة لا تحتاج إلى القرابة، والقرابة تحتاج إلى المودة. [٩١/١١] - عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد قال: أرسل إليّ أمير المؤمنين المنصور بكرة واستعجلني الرسول، فظننت ذلك لأمر حادث، فركبت إذ سمعت وَقْعَ الحافر فقلت للغلام: انظر من هذا؟ قال: أخوك عبد الوهاب، فرفقت في السير فلحقني فسلم عليَّ فقال: أتاك رسول هذا؟ فقلت: نعم! فهل أتاك؟ قال: نعم! فقلت: فيم ذاك ترى؟ قال تجده اشتهى خلّاً وزيتاً [يريد] الغداء فأحب أن نأكل معه، فقلت: ما أرى ذلك وما أظن هذا إلا لأمر. قال: فانتهينا إليه فدخلنا، فإذا الربيع واقف عند الستر، فإذا المهدي ولي العهد هو في الدهليز جالس، وإذا عبد الصمد بن علي، وداود بن علي، وإسماعيل بن علي، وسليمان بن علي، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن ٤٢٥ باب صلة الرحم حسن بن حسن، والعباس بن محمد. فقال الربيع: اجلسوا مع بني عمكم. قال: [فدخلنا] فجلسنا، ثم دخل الربيع، وخرج وقال للمهدي: ادخل أصلحك الله، ثم خرج، فقال: ادخلوا جميعاً، فدخلنا فسلمنا وأخذنا مجالسنا، فقال الربيع: هات دوى وما يكتبون فيه، فوضع بين يدي كل واحد منا دواة وورق، ثم التفت إلى عبد الصمد بن علي، فقال: يا عم حدث ولدك، وإخوتك وبني أخيك بحديث البر والصلة، فقال عبد الصمد بن علي: حدثني أبي عن جدي عبد الله بن العباس عن النبي ◌ّلهم أنه قال: ((إن البر والصلة ليطيلان الأعمار، ويعمران الديار، ويثريان الأموال، ولو كان القوم فجاراً)). ثم قال: يا عم الحديث الآخر، فقال عبد الصمد بن علي حدثني أبي عن جدي عبد الله بن العباس قال: قال النبي وَّ ه: ((إن البر والصلة ليخففان سوء الحساب يوم القيامة، ثم تلا رسول الله وَله: ﴿وَلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَتَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١] فقال المنصور: يا عم الحديث عن الآخر، فقال عبد الصمد بن علي حدثني أبي عن جدي. عن النبي ◌ِّير: ((أنه كان في بني إسرائيل ملكان أخوان على مدينتين، وكان أحدهما باراً برحمه، عادلاً على رعيته وكان الآخر عاقاً برحمه، جائراً على رعيته، وكان في عصرهما نبي فأوحى الله تعالى إلى ذلك النبي: أنه قد بقي من عمر هذا البار ثلاث سنين، وبقي من عمر هذا العاق ثلاثون سنة قال: فأخبر النبي رعية هذا، ورعية هذا، فأحزن ذلك رعية العادل، وأحزن ذلك رعية الجائر. قال: ففرقوا بين الأطفال والأمهات، وتركوا الطعام والشراب، وخرجوا إلى الصحراء يدعون الله أن يمتعهم بالعادل، وأن يزيل عنهم أمر الجائر، فأقاموا ثلاثاً، فأوحى الله إلى ذلك النبي: أن أخبر عبادي أني قد رحمتهم وأجبت دعاءهم، فجعلت ما بقي من عمر هذا البار لذلك الجائر، وما بقي من عمر الجائر لهذا البار. قال: فرجعوا إلى بيوتهم، ومات العاق لتمام ثلاث سنين، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة، ثم تلا رسول الله وَله: ﴿وَمَا يُعَمِّرُ مِن ◌ُعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِةٍ إِلَّا فِى كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ﴾ [فاطر: ١١]، ثم التفت المنصور إلى جعفر بن محمد فقال: يا أبا عبد الله حدث وبني عمك بحديث أمير المؤمنين علي عن النبي ◌َّليه في البر. فقال جعفر بن محمد حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن علي بن أبي طالب. قال: قال رسول الله وَا﴾: ((ما من ملك يصل رحمه وذا قرابته، ويعدل على رعيته، إلا شدّ الله له ملكه، وأجزل له ثوابه، وأكرم مآبه، وخفف حسابه)). [٣٨٥/١، ٣٨٦] ٤٢٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد - عن داود بن المبارك قال: توفي محمد بن جعفر بخراسان مع المأمون، فركب المأمون لشهوده، فلقيهم خرجوا به، فلما نظر إلى السرير نزل فترجل ورفع عن تراقيه، ثم دخل بين العمودين، فلم يزل بينهما حتى وضع، وتقدم فصلى عليه، ثم حمله حتى بلغ به القبر، ثم دخل قبره، فلم يزل فيه حتى بني عليه، ثم خرج فقام على القبر، وهو يدق، فقال له عبد الله بن الحسن : - ودعا له - يا أمير المؤمنين إنك قد تعبت، فلو ركبت فقال له المأمون: إن هذه رحم قطعت من مائتي سنة . [١١٥/٢] باب صنائع المعروف - عن أبي خليفة الفضل بن حباب قال: كان في جوارنا رجل حداد، فاحتاج في أمر له أن يتظلم أيام الواثق، فشخص إلى سرّ مَنْ رأى، ثم عاد فحدثنا أنه رفع قصته إلى الواثق فأمر برد أمره إلى ابن أبي دؤاد، وأمر جماعة المتظلمين. قال: فحضرت فنظر في أمور الناس، وتشوفت لينظر في أمري، ورقعتي بين يديه فأومأ إليَّ بالانتظار، فانتظرت حتى لم يبق أحد فدعاني، فقال: أتعرفني؟ قلت: ولا أذكر القاضي أعزه الله. فقال: ولكني أعرفك، مضيت يوماً في الكلأ، فانقطعت نعلي، وأعطيتني شسعاً لها. فقلت لك: إني أحبوك بثواب ذلك، فتكرهت قولي، وقلت: وما مقدار ما فعلت امض في حفظ الله؟ ثم قال لي: والله لأصلحن زمانك كما أصحلت نعلي، ثم وقع لي في ظلامتي، ووهب لي خمسمائة دينار، وقال: زرني في [٤ /١٤٦ ] كل وقت. قال: فرأيناه متسع الحال بعد أن رأيناه مضيقاً . - عن إبراهيم الخواص قال: كان لي وقتاً فترة، فكنت أخرج كل يوم إلى شط نهر كبير كان حواليه الخوص، فكنت أقطع شيئاً من ذلك وأسفه قفافاً فأطرحه في ذلك النهر، وأتسلى بذلك، وكأني كنت مطالباً به، فجرى وقتي على ذلك أياماً كثيرة، فتفكرت يوماً، وقلت: أمضي خلف ما أطرحه في الماء من القفاف لأنظر أين يذهب، فكنت أمضي على شط النهر ساعات، ولم أعمل ذلك اليوم حتى أتيت في الشط موضعاً، وإذا عجوز قاعدة على شط النهر، وهي تبكي فقلت لها: ما لك تبكين؟ فقالت: اعلم أن لي خمسة من الأيتام مات أبوهم، فأصابني الفقر، والشدة، فأتيت يوماً هذا الموضع، فجاء على رأس الماء قفاف من الخوص، فأخذتها وبعتها، وأنفقت عليهم، فأتيت اليوم الثاني، والثالث، والقفاف تجيء على رأس الماء، فكنت آخذها، وأبيعها حتى اليوم، فاليوم جئت في الوقت، وأنا منتظرة، وما = ٤٢٧ باب صنائع المعروف جاءت. قال إبراهيم الخواص: فرفعت يدي إلى السماء وقلت: إلهي لو علمت أن لها خمسة من العيال لزدت في العمل، فقلت للعجوز: لا تغتمي فإني الذي كنت أعمل ذلك فمضيت معها، ورأيت موضعها، فكانت فقيرة كما قالت، فأقمت بأمرها، وأمر عيالها سنين. [٩/٦] - عن مهدي بن أبي مهدي قال: كان في خلق - مروان بن معاوية - الفزاري شراسة، وكان له حفاظ، وكان معيلاً شديد الحاجة، وكان الناس يبرُّونه، فإذا بره الإنسان كان ما دام ذلك البر عنده في منزله يعرف فيه البر والانبساط إلى الرجل، قال: فنظرت فلم أجد شيئاً أبقى الرجل من الخل ولا أرخص بمكة منه، قال: فكنت أشتري الجرة من خل فأهدي له فأرى موقع ذلك منه، فإذا فني أرى منه، فأسأل جاريته أفني خلكم؟ فتقول: نعم، فأشتري جرة فأهديها إليه فيعود إلى ما كان [١٥١/١٣ _ ١٥٢] عليه . - عن عون بن محمد الكندي قال: لعهدي بالكرخ ببغداد، وأن رجلاً لو قال ابن أبي دؤاد مسلم لقتل في مكانه، ثم وقع الحريق في الكرخ، وهو الذي ما كان مثله قط كان الرجل يقوم في صينية شارع الكرخ، فيرى السفن في دجلة، فكلم ابن أبي دؤاد المعتصم في الناس، وقال: يا أمير المؤمنين رعيتك في بلد آبائك، ودار ملكهم نزل بهم هذا الأمر، فاعطف عليهم بشيء يفرق فيهم يمسك أرماقهم، ويبنون به ما انهدم عليهم، ويصلحون به أحوالهم فلم يزل ينازله حتى أطلق لهم خمسة آلاف ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين إن فرقها عليهم غيري خفت أن لا يقسم بالسوية، فائذن لي في تولي أمرها ليكون الأجر أوفر، والثناء أكثر، قال: ذلك إليك. فقسمها على مقادير الناس، وما ذهب منهم بنهاية ما يقدر عليه من الاحتياط، واحتاج إلى زايدة، فازدادها من المعتصم، وغرم من ماله في ذلك غرماً كثيراً، فكانت هذه من فضائله التي لم يكن لأحد مثلها. قال عون: فلعهدي بالكرخ بعد ذلك، وإن إنساناً لو قال: زر ابن أبي دؤاد وسخ لقتل. [١٤٩/٤] - عن أبي عبد الله بن أبي عوف قال: كان سبب اختصاصي بعبيد الله بن سليمان أني اجتزت يوماً في الجامع بالمدينة، فوجدته وهو ملازم بثلثمائة دينار في يد غريم له، وهو عقب النكبة، وكنت أعرفه محلة عن مودة بيننا، فقلت له: لأي شيء أنت أعز الله ها هنا جالس، وقد مضت الصلاة؟ فقال: ملازم في يد هذا الرجل بثلثمائة دينار له علي، فسألت الغريم إنظاره، فقال: لا أفعل. فقلت: فالمال لك علي تصبر إلى بعد أسبوع حتى أعطيك إياه. فقال: تعطيني خطك بذلك فاستدعيت دواة ٤٢٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد وورقة، وكتبت له ضماناً بذلك إلى شهر، فرضي وانصرف، وقام عبيد الله، وأخذ يشكرني، فقلت: تتم أيدك الله سروري أن تصير معي إلى منزلي فحملته، وأركبته حماري، ومشيت خلفه إلى أن دخل داري، فأكلنا ما كان أصلح لي في يوم الجمعة كما تفعل التجار، ونام فلما انتبه أحضرته كيساً، وقلت: لعلك على إضاقة، فأسألك بالله إلا أخذت منه ما شئت. قال: فأخذ منه دنانير، وقام فخرج، فأقبلت امرأتى تلومني، وتوبخني، وقالت: ضمنت عنه ما لا تفي به حالك، ولم تقنع إلا بأن أعطيته شيئاً آخر. فقلت: يا هذه فعلت جميلاً، وأسديت يداً جليلة إلى رجل حر كريم جليل من بيت واصل فإن نفعني الله بذلك، فله قصدت، وإن تكن الأخرى لم يضع عند الله، ومضى على الحديث مدة، وحل الدين، وجاء الغريم يطالبني، فأشرفت على بيع عقارٍ لي، ودفع ثمنه إليه ولم أستحسن مطالبة عبيد الله، ودفعت الرجل بوعد وعدته إلى أيام، فلما كان بعد يومين من هذا الحديث جاءتني رقعة عبيد الله يستدعيني فجئته، فقال: قد وردت علي غلة من ضيعة لي أفلتت من البيع النكبة، ومقدار ثمنها مقدار ما ضمنته عني، فتأخذها، وتبيعها، وتصحح ذلك للغريم، فقلت: أفعل فحمل الغلة إلي فبعتها، وحملت الثمن بأسره إليه وقلت: أنت مضيق، وأنا أدفع للغريم، وأعطيه البعض من عندي، فاتسع أنت بهذا، فجهد إن آخذ منه شيئاً، فحلفت أن لا أفعل، ووفرت الثمن عليه، وجاء الغريم فألح فأعطيته من عندي البعض، ودفعت به مُديدة، ولم يمض على ذلك إلا شيء يسير حتى وُلِّيَ عبيد الله الوزارة، فأحضرني من يومه، وقام إليَّ في مجلسه، وجعلني في السماء، [٢٤٧/٤ - ٢٤٨ ] فكسبت به من الأموال هذه النعمة التي أنا فيها . - عن فائقة بنت عبد الله قالت: أنا يوماً عند المهدي أمير المؤمنين، وكان قد خرج متنزهاً إلى الأنبار إذ دخل عليه الربيع، ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد، وخاتم من طين قد عجن بالرماد، وهو مطبوع بخاتم الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أعجب من هذه الرقعة جاءني بها رجل أعرابي، وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين المهدي دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه وهذه الرقعة، فأخذها المهدي وضحك وقال: صدق، هذا خطي، وهذا خاتمي أفلا أخبركم بالقصة كيف كانت؟ قلنا: أمير المؤمنين أعلى عيناً في ذلك. قال: خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء، فلما أصْحَت هاج علينا ضباب شديد، وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحداً، وأصابني من البرد، والجوع، ٤٢٩ باب صنائع المعروف والعطش ما الله به أعلم، وتحيرت عند ذلك، فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس رفعه قال: ((من قال إذا أصبح، وإذا أمسى: بسم الله، وبالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اعتصمت بالله، وتوكلت على الله، حسبي الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وفى، وكفى، وشفى من الحرق، والغرق، والهدم، وميتة السوء))، فلما قلتها رفع لي ضوء نار، فقصدتها فإذا بها الأعرابي في خيمة له، وإذا هو يوقد ناراً بين يديه، فقلت: أيها الأعرابي هل من ضيافة؟ قال: انزل. فنزلت فقال لزوجته: هاتي ذاك الشعير، فأتت به، فقال: اطحنيه فابتدأت تطحنه، فقلت له: اسقني ماء، فأتاني بسقاء فيه مذقة من لبن أكثرها ماء، فشربت منها شربة ما شربت شيئاً قط إلا هي أطيب منه. قال: وأعطاني حلساً، فوضعت رأسي عليه، فنمت نومة ما نمت نومة أطيب منها وألذ، ثم انتبهت فإذا هو قد وثب إلى شويهة، فذبحها وإذا امرأته تقول: ويحك قتلت نفسك وصبيتك، إنما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها فبأي شيء نعيش؟ قال: فقلت: لا عليك هذه الشاة، فشققت جوفها، واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي، فشرحتها، ثم طرحتها على النار، فأكلتها، ثم قلت: هل عندك شيء أكتب لك فيه، فجاءني بهذه القطعة الجراب فأخذت عوداً من الزناد الذي كان بين يديه، فكتبت له هذا الكتاب، وختمته بهذا الخاتم، وأمرته أن يجيء، ويسأل على الربيع، فيدفعها إليه، فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم، فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم لا أنقص والله منها درهماً واحداً، ولو لم يكن في بيت المال غيرها، احملوها معه فما كان إلا قليلاً حتى كثرت إبله، وشاؤه، وصار منزلاً من المنازل ينزله الناس ممن أراد الحج من الأنبار إلى مكة، وسمي منزل مضيف أمير [٣٩٧/٥] المؤمنين المهدي. - عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي. قال: وكنت معهم فلما صرنا إلى مدينة الرسول. قال لي جعفر بن يحيى: أحب أن تنظر لي جارية ولا تبقى غاية في حذاقتها بالغناء، والضرب، والكمال في الظرف، والأدب، وجنبني قولهم صفراء. قال: فوضعتها على يد من يعرف. قال: فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه، فرأيت رسوم النعمة، وأخرجها إلي، فلم أر أجمل منها، ولا أصبح، ولا آدب. قال: ثم تغنت إلي أصواتاً، وأجادتها. قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت. قال: أقول لك قولاً لا أنقص منه درهماً. قال: قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قال: قلت: قد أخذتها، واشترطت عليك ٤٣٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد نظرة. قال: ذاك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى، فقلت: قد أصبت حاجتك على غاية الكمال، والظرف، والأدب، والجمال، ونقاء اللون، وجودة الضرب، والغناء، وقد اشترطت نظرة، فاحمل المال، ومر بنا. قال: فحملنا المال على حمالين وجاء جعفر مستخفياً، فدخلنا على الرجل فأخرجها، فلما رآها جعفر عجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنته، فازداد بها عجباً، فقال لي: اقطع أمرها. قال: قلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزناه، فإن قنعت وإلا فوجه إلى من شئت لينقد. فقال: لا بل أقنع بما قلتم. قال: فقالت الجارية: يا مولاي في أي شيء أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنا فيه من النعمة، وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان علينا، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك فتنبسطي في شهواتك، وإرادتك. فقالت الجارية: والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد، وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمناً. قال: فتغرغرت عين المولى، وقال: اشهدوا أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها، وأمهرتها داري، فقال لي جعفر: انهض بنا. قال: فدعوت الحمالين ليحملوا المال. قال: فقال جعفر: لا والله لا يصحبنا منه درهم. قال: ثم أقبل على مولاها، فقال: هو لك، مبارك لك فيه أنفقه عليها وعليك. قال: وقمنا فخرجنا. [١٥٥/٧] - عن الرقاشي قال: وعين للخليفة لا تنام أما والله لولا خوف واش كما للناس بالحجر استلام لطفنا حول جذعك واستلمنا حساماً فله السيف الحسام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى لدولة آل برمك السلام على اللذات والدنيا جميعاً فقيل للرشيد، فأمر به فأحضر، فقال له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: تحركت نعمته في قلبي، فلم أصبر. قال: كم كان عطاؤك؟ قال: كان يعطيني في كل سنة ألف دينار، فأمر له بألفي دينار. [١٥٨/٧] - بلغ الحسن بن عمارة أن الأعمش يقع فيه، فبعث إليه بكسوة، فلما كان بعد ذلك مدحه الأعمش، فقيل له: كنت تذمه ثم مدحته، فقال: إن خيثمة حدثني عن عبد الله عن رسول الله وَ الر قال: ((إن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، [٣٤٦/٧] وبغض من أساء إليها)). - عن ابن فضلان الرازي قال: كان أبي أحد الباعة ببغداد، وكنت على سرير = ٤٣١ باب صنائع المعروف حانوته جالساً، فمر إنسان ظننت أنه من فقراء البغداديين، وأنا حينئذ لم أبلغ الحلم، فجذب قلبي، وقمت إليه فسلمت عليه، ومعي دينار فدفعته إليه، فتناوله، ومضى، ولم يقبل علي. فقلت في نفسي: ضيعت الدينار، فتبعته حتى انتهى إلى مسجد الشونيزية، فرأى فيه ثلاثة فقراء، فدفع الدينار إلى أحدهم، واستقبل هو القبلة يصلي، فخرج الذي أخذ الدينار، وأنا أتبعه وراءه أراقبه، فاشترى طعاماً، فحمله فأكله الثلاثة، والشيخ مقبل على صلاته يصلي، فلما فرغوا أقبل عليهم الشيخ فقال: تدرون ما حبسني عنكم؟ قالوا: لا يا أستاذ. قال: شاب ناولني الدينار، فكنت أسأل الله أن يعتقه من رق الدنيا، وقد فعل فلم أتمالك أن قعدت بين يديه، وقلت: صدقت يا أستاذ، فلم أرجع إلى والدي إلا بعد حجتين. قال جعفر: وكان هذا [٣٤٤/٨ _ ٣٤٥] الشیخ خاقان. - عن حماد بن أبي حنيفة قال: أن مولاة لداود كانت تخدمه، فقالت: لو طبخت لك دسماً تأكله. قال: وددت. قالت: فطبخت له دسماً، ثم أتيته به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت: على حالهم. قال: اذهبي بهذا إليهم، فقالت: أنت لم تأكل آدماً منذ كذا وكذا، فقال: إن هذا إذا أكلوه كان عند الله مذخوراً، وإذا أكلته كان في الحش. [٣٥٣/٨] - كان اسم أبي دلامة الزند بن جون، وكان أعرابياً، وكان عبداً لرجل من أهل الرقة من بني أسد، ثم من بني نصر بن قعين يقال له: قصاقص بن لاحق، فأعتقه، فلما صار أبو دلامة مع أبي جعفر، واستملحه، وحظي عنده كلمه في مولاه، فأجابه إلى أن صيره في الصحابة، وقال: إن عدت ثانية إلى أن تكلمني في إنسان، أو تعيده علي شيئاً من هذا لأقتلنك. [٤٨٩/٨] - عن صالح بن عبد الكريم قال: رأيت غلاماً أسود في طريق مكة عند ميل يصلي. قلت له: أعبد أنت؟ قال: نعم. قلت: فعليك ضريبة؟ قال: نعم. قلت: أفلا أكلم مولاك أن يضع عنك؟ قال: وما الدنيا كلها فأجزع من ذلها. قال: فاشتريته، وأعتقته. قال: فقعد يبكي، وقال: أعتقتني؟ قلت: نعم. قال: أعتقك الله يوم القيامة، وقعد يبكي، ويقول: اشتد علي الأمر. قال: فناولته دنانير فأبى أن يأخذها. قال: فحججت بعد ذلك بأربع سنين، فسألت عنه، فقالوا: غاب عنا فمذ [٣١٢/٩] غاب عنا قحطنا، وصار إلى جدة. - بعث عبد الله بن طاهر إلى عبد الله بن السمط بن مروان بن أبي حفصة، وهو بالجزيرة، وعبد الله ببغداد بكسوة، وعشرين ألف درهم. فقال عبد الله بن السمط: ٤٣٢ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد من أرض الجزيرة وابله لعمري لنعم الغيث غیث أصابنا ببغداد بعشرين ألفاً صبَّحتنا رسائله ونعم الفتى والبيد دون مزاره ولم ينتجع إطعامه وحمائله فكنا كحي صبح الغيث أهله رواحلنا سير الفلاة رواحله أتى جود عبد الله حتى كفت به [٤٨٥/٩] - عن أبي عبد الله محمد بن عبيد الله بن رشيد الكاتب قال: حملني أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات في وقت من الأوقات براً واسعاً إلى أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وأوصلته إليه، ووجدته على فاقة شديدة فقبله، وكتب إليه: أياديك عندي معظمات جلائل طوال المدى، شكري لهن قصير فإن كنت عن شكري غنياً فإنني إلى شكر ما أوليتني الفقير قال: فقلت: هذا أعز الله الأمير حسن. قال: أحسن منه ما سرقته منه، فقلت: وما هو؟ قال: حديثان. قال: حدثني بهما أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضي عن آبائه قال: قال رسول الله وَالر: ((أسرع الذنوب عقوبة كفران النعم))، وبهذا الإسناد عن رسول الله وَالر أنه قال: ((يؤتى بعبد فيوقف بين يدي، فيأمر به إلى النار، فيقول: أي رب لم أمرت بي إلى النار؟ فيقول: لأنك لم تشكر نعمتي، فيقول: أي رب أنعمت عليَّ بكذا فشكرت، وكذا، فلا يزال يحصي النعم، ويعدد الشكر، فيقول: صدقت عبدي إلا أنك لم تشكر من أنعمت عليك بها على يديه، وقد آليت على نفسي ألا أقبل شكر عبد على نعمة أنعمتها عليه، أو يشكر من أنعمت بها على يديه)). قال: فانصرفت بالخبر إلى أبي الحسن، وهو في مجلس أخيه أبي العباس أحمد بن محمد، وذكرت ما جرى فاستحسن أبو العباس ما ذكرته، وردني إلى عبيد الله ببر واسع أوسع من بر أخيه، فأوصلته إليه فقبله، وكتب إليه: شكرك معقود بإيماني حكم في سري، وإعلاني وفعل أعضاء، وأركان عقد ضمير، وفم ناطق قال: فقلت: هذا أعز الله الأمير أحسن من الأول، فقال: أحسن منه ما سرقته منه. قلت: وما هو؟ قال: حدثني أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن علي بن موسى الرضي عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عن الصادق عن الباقر عن السجاد عن السبط عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله وَله: ((الإيمان عقد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان))، قال: = ٤٣٣ باب صنائع المعروف فعدت إلى أبي العباس، فحدثته بالحديث، وكان في مجلسه ابن راهويه المتفقه، فقال: ما هذا الإسناد؟ قال ابن رشيد: فقلت له: سعوط الشيلشا الذي إذا سعط به المجنون برأ وصح !. [٣٤٣/١٠] - مر أبو تراب النخشبي بمزين، فقال له: تحلق رأسي لله، فقال له: اجلس فجلس، ففيما هو يحلق رأسه مر به أمير أهل بلده، فسأل حاشيته، فقال لهم: أليس هذا أبو تراب؟ فقالوا: نعم، فقال: أيش معكم من الدنانير؟ فقال له رجل من خاصته: معي خريطة فيها ألف دينار. فقال: إذا قام، فأعطه، واعتذر إليه، وقل له لم يكن معنا غير هذه الدنانير، فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام، وقال لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير، فقال له: ادفعها إلى المزين، فقال له المزين: أيش أعمل بها؟ فقال: خذها. فقال: لا والله، ولو أنها ألفي دينار ما أخذتها، فقال له أبو تراب: مر إليه، فقل له: إن المزين ما أخذها خذها أنت، [٣١٦/١٢] فاصرفها في مهماتك. - كان ابن ماسي من دار كعب ينفذ إلى عمر غلام ثعلب وقتاً بعد وقت كفايته لما ينفق على نفسه، فقطع ذلك عنه مدة لعذر، ثم أنفذ إليه بعد ذلك جملة ما كان في رسمه، وكتب إليه رقعة يعتذر إليه من تأخير ذلك عنه، فرده وأمر من بين يديه أن [٣٥٦/٢] يكتب على ظهر رقعته: أكرمتنا فملكتنا، ثم أعرضت عنا فأرحتنا. - عن محمد بن زكريا الغلابي قال: قيل للعتبي: مات محمد بن عباد المهلبي بالبصرة. فقال: نحن متنا بفقده، وهو حي بمجده. [٣٧٣/٢] - عن الواقدي قال: كنت حناطاً بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم، فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد فجلست في دهليزه، وآنست الخدم والحجاب، وسألتهم أن يوصلوني إليه، فقالوا: إذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد، ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت، فلما حضر طعامه أدخلوني، فأجلسوني معه على المائدة فسألني من أنت؟ وما قصتك؟ فأخبرته، فلما رفع الطعام، وغسلنا أيدينا دنوت منه لأقبل رأسه، فاشمأز من ذلك، فلما صرت إلى الموضع الذى يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار، فقال: الوزير يقرأ عليك السلام، ويقول لك: استعن بها على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت، وعدت في اليوم الثاني، فجلست معه على المائدة، وأنشأ يسألني كما سألني في اليوم الأول، فلما رفع الطعام دنوت منه لأقبل رأسه فاشمأز منه، فلما صرت إلى الموضع الذى يركب منه لحقني خادم معه كيس فيه ألف دينار فقال: ٤٣٤ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد الوزير يقرأ عليك السلام، ويقول استعن بهذا على أمرك وعد إلينا في غد، فأخذته وانصرفت وعدت في اليوم الثالث، فأعطيت مثلما أعطيت في اليوم الأول والثاني، فلما كان في اليوم الرابع أعطيت الكيس كما أعطيت قبل ذلك، وتركني بعد ذلك أقبل رأسه، وقال: إنما منعتك ذلك لأنه لم يكن وصل إليك من معروفي ما يوجب هذا، فالآن قد لحقك بعض النفع مني، يا غلام أعطه الدار الفلانية، يا غلام افرشها الفرش الفلاني، يا غلام أعطه مائتي ألف درهم، يقضي دينه بمائة ألف، ويصلح شأنه بمائة ألف، ثم قال لي: الزمني، وكن في داري. فقلت: أعود إلى حضرتك كان ذلك أرفق بي، فقال: قد فعلت، وأمر بتجهيزي فشخصت إلى المدينة، فقضيت ديني، ثم رجعت إليه، فلم أزل في ناحيته. [٤/٣ - ٥] - عن الحارث بن مسكين قال: اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرة، فاستغلوها، فاستقالوه، فأقالهم، ثم دعا بخريطة فيها أكياس، فأمر لهم بخمسين ديناراً، فقال له الحارث ابنه في ذلك، فقال: اللهم غفراً، إنهم قد كانوا أملوا فيه أملاً، فأحببت أن أعوضهم من أملهم بهذا . [٩/١٣] - عن يحيى بن الحسن قال: أن رجلاً من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذيه، ويشتم علياً. قال: وكان قد قال له بعض حاشيته: دعنا نقتله، فنهاهم عن ذلك أشد النهي، وزجرهم أشد الزجر، وسأل عن العمري فذكر له أنه يزدرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه في مزرعته، فوجده فيها، فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري: لا تطأ زرعنا، فوطئه بالحمار حتى وصل إليه، فنزل، فجلس عنده، وضاحكه، وقال له: كم غرمت في زرعك هذا؟ قال له: مائة دينار. قال فكم ترجو أن يصيب؟ قال: أنا لا أعلم الغيب. قال: إنما قلت لك: كم ترجو أن يجيئك فيه؟ قال: أرجو أن يجيئني مائتا دينار. قال: فأعطاه ثلاثمائة دينار، وقال: هذا زرعك على حاله. قال: فقام العمري فقبل رأسه، وانصرف. قال: فراح إلى المسجد، فوجد العمري جالساً، فلما نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالته. قال: فوثب أصحابه فقالوا له: ما قصتك؟ قد كنت تقول خلاف هذا. قال: فخاصمهم وشاتمهم. قال: وجعل يدعو لأبي الحسن موسى كلما دخل، وخرج. قال: فقال أبو الحسن موسى لحاشيته الذين أرادوا قتل العمري: أيما كان خير ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار؟ !. [٢٨/١٣] - قال عيسى بن محمد بن مغيث القرظي: زرعت بطيخاً وقثاء وقرعاً في موضع بالجوَّانية على بئر يقال لها: أم عظام، فلما قرب الخير، واستوى الزرع، بغتني ٤٣٥ باب صنائع المعروف الجراد، فأتى على الزرع كله، وكنت غرمت على الزرع وفي ثمن جملين مائة وعشرين ديناراً، فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر بن محمد فسلم ثم قال: أيش حالك؟ فقلت: أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل زرعي، قال: وكم غرمت فيه؟ قلت: مائة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين، فقال: يا عرفة زن لأبي المغيث مائة وخمسين ديناراً، فربحك ثلاثين ديناراً والجملين، فقلت: يا مبارك ادخل وادع لي فيها، فدخل ودعا وحدثني عن رسول الله وَالفر أنه قال: ((تمسكوا ببقايا المصائب))، ثم علقت عليه الجملين وسقيته، فجعل الله فيها البركة زكت [٢٩/١٣] فبعت منها بعشرة آلاف. - عن محمد بن موسى قال: خرجت مع أبي إلى ضياعه بساية فأصبحنا في غداة باردة، وقد دنونا منها، وأصبحنا على عين من عيون بساية، فخرج إلينا من تلك الضياع عبد زنجي فصيح، مستذفر بخرقة على رأسه قدر فخار يفور، فوقف على الغلمان، فقال: أين سيدكم؟ قالوا: هو ذاك. قال: أبو من يكنى؟ قالوا له: أبو الحسن. قال: فوقف عليه، فقال: يا سيدي يا أبا الحسن هذه عصيدة أهديتها إليك. قال: ضعها عند الغلمان فأكلوا منها. قال: ثم ذهب فلم نقل بلغ حتى خرج وعلى رأسه حزمة حطب حتى وقف، فقال له: يا سيدي هذا حطب أهديته إليك. قال: ضعه عند الغلمان وهب لنا ناراً، فذهب، فجاء بنار. قال: وكتب أبو الحسن اسمه واسم مولاه، فدفعه إلي، وقال: يا بني احتفظ بهذه الرقعة حتى أسألك عنها. قال: فوردنا إلى ضياعه، وأقام بها ما طاب له، ثم قال: امضوا بنا إلى زيارة البيت. قال: فخرجنا حتى وردنا مكة، فلما قضى أبو الحسن عمرته دعا صاعداً، فقال: اذهب فاطلب لي هذا الرجل فإذا علمت بموضعه، فأعلمني حتى أمشي اليه، فإني أكره أن أدعوه والحاجة لي. قال لي صاعد: فذهبت حتى وقفت على الرجل فلما رآني عرفني، وكنت أعرفه، وكان يتشيع، فلما رآني سلم علي، وقال: أبو الحسن قدم؟ قلت: لا. فقال: فأيش أقدمك؟ قلت: حوائج، وقد كان علم بمكانه بساية، فتتبعني، وجعلت أتقصى منه، ويلحقني بنفسه، فلما رأيت أني لا أنفلت منه مضيت إلى مولاي، ومضى معي حتى أتيته، فقال: ألم أقل لك لا تعلمه؟ فقلت: جعلت فداك لم أعلمه، فسلم عليه. فقال له أبو الحسن: غلامك فلان تبيعه؟ قال له: جُعلت فداك الغلام لك، والضيعة، وجميع ما أملك. قال: أما الضيعة، فلا أحب أن أسلبكها، وقد حدثني أبي عن جدي: ((أن بائع الضيعة ممحوق، ومشتريها مرزوق))، قال: فجعل الرجل يعرضها عليه مدلاً بها، فاشترى أبو الحسن الضيعة، = ٤٣٦ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد والرقيق منه بألف دينار، وأعتق العبد، ووهب له الضيعة. قال إدريس بن أبي رافع: فهو ذا ولده في الصرافين بمكة. [٢٩/١٣ - ٣٠] - عن أبي هشام قال: مرت جارية معها سلة فيها رطب بمندل بن علي العنزي، وأصحاب الحديث حوله، فوقفت تنظر، وتسمع، فنظر إليها مندل، فظن أن السلة قد أهديت له، فقال: قدميها قدميها، وقال لمن حوله: كلوا، فأكلوا ما فيها، وانصرفت الجارية إلى سيدها، وقد احتبست، فقال لها: ما أسرع ما جئت؟ فقالت: وقفت أسمع من هذا الشيخ، فقال: قدمي السلة، ففعلت، فأكل الذين حوله ما فيها، وكان [٢٤٧/١٣] سيدها رجل من العرب، فقال: ها، أنت حرة لوجه الله رحمت. - عن يحيى بن خالد قال: إذا أقبلت الدنيا، فأنفق فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت فأنفق فإنها لا تبقى. [١٣١/١٤] باب الضحك - عن ابن عمرو بن زرارة قال: صحبت ابن علية أربع عشرة سنة فما رأيته ضحك فيها، وصحبته سبع سنين فما رأيته تبسم فيها . [٢٣٥/٦] - عن الحارث الغنوي قال: آلى الربيع بن حراش أن لا يفتر أسنانه ضاحكاً حتى يعلم أين مصيره، فما ضحك إلا بعد موته، وآلى أخوه ربعي بعده أن لا يضحك حتى يعلم أفي الجنة هو أو في النار؟ قال الحارث الغنوي: فلقد أخبرني غاسله أنه لم يزل متبسماً على سريره، ونحن نغسله حتى فرغنا منه. [٤٣٣/٨] - عن علي بن عبد الواحد بن مهدي قال: اختلفت إلى أبي أحمد الفرضي ثلاث عشرة سنة لم أره ضحك فيها غير أنه قرأ علينا يوماً كتاب الانبساط، فأراد أن [٣٨٠/١٠] یضحك فغطی فمه. - عن أبي بكر الحسن بن عبد الوهاب الوراق قال: ما رأيت أبي ضاحكاً قط إلا تبسماً. قال: وما رأيته مازحاً قط، ولقد رآني مرة، وأنا أضحك مع أمي، فجعل يقول لي: صاحب قرآن يضحك هذا الضحك وإنما كنت مع أمي. [٢٦/١١] باب الضيافة - عن أحمد بن مسروق قال: دخلت إلى الري، فقصدت أبا موسى الدولابي، وكان في ذلك الوقت من أشرف من يذكر، فلقيته فسلمت عليه، وأقمت عنده في منزله ثلاثة أيام، وكان له تلامذة يتكلم عليهم، فأردت الخروج، فوقفت عليه لأودعه، فابتدأني وقال: يا غلام الضيافة ثلاثة أيام، وما كان فوق ذلك فهو صدقة منك علي. [١٠٠/٥] ٤٣٧ باب الضيافة - عن الجريري قال: دعانا أبو العباس بن مسروق ليلة إلى بيته، فاستقبلنا صديق لنا فقلنا: ارجع معنا فنحن في ضيافة الشيخ، فقال: إنه لم يدعني. فقلت: نحن نستثني كما استثنى رسول الله بعائشة، فرددناه فلما بلغ باب الشيخ أخبرناه بما قال، وقلنا له، فقال: جعلت موضعي من قبلك أن تجيء إلى منزلي من غير دعوة عليَّ كذا وكذا إن مشيت إلى الموضع الذي تقعد فيه إلا على خدي، وألح ووضع خده على الأرض، وحمل الرجل، ووضع قدمه على خده من غير أن يوجعه، وسحب الشيخ وجهه على الأرض إلى أن بلغ موضع جلوسه. [١٠١/٥] - عن السري قال: قلت لمعروف الكرخي: كل من دعاك أجبته؟ قال: إنما أنا ضيف حيث أنزلني نزلت. [٣١٠/٥] - عن فائقة بنت عبد الله قالت: أنا يوماً عند المهدي أمير المؤمنين، وكان قد خرج متنزهاً إلى الأنبار إذ دخل عليه الربيع، ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد، وخاتم من طين قد عجن بالرماد، وهو مطبوع بخاتم الخلافة، فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أعجب من هذه الرقعة جاءني بها رجل أعرابي، وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين المهدي دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه، وهذه الرقعة، فأخذها المهدي، وضحك وقال: صدق، هذا خطي، وهذا خاتمي، أفلا أخبركم بالقصة كيف كانت؟ قلنا: أمير المؤمنين أعلى عيناً في ذلك. قال: خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء، فلما أصحت هاج علينا ضباب شديد، وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحداً، وأصابني من البرد والجوع والعطش ما الله به أعلم، وتحيرت عند ذلك فذكرت دعاء سمعته من أبي يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس رفعه قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: ((بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اعتصمت بالله، وتوكلت على الله، حسبي الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفى، وكفى، وشفى من الحرق، والغرق، والهدم، وميتة السوء))، فلما قلتها رُفع لي ضوء نار فقصدتها فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له، وإذا هو يوقد ناراً بين يديه، فقلت: أيها الأعرابي هل من ضيافة؟ قال: انزل فنزلت، فقال لزوجته: هاتي ذاك الشعير، فأتت به فقال: اطحنيه. فابتدأت تطحنه. فقلت له: اسقني ماء فأتاني بسقاء فيه مذقة من لبن أكثرها ماء، فشربت منها شربة ما شربت شيئاً قط إلا هي أطيب منه. قال: وأعطاني حلساً(١)، فوضعت رأسي (١) الحلس: بكسر الحاء، كساء يبسط تحت حُرّ الثياب، الصحاح للجوهري (حلس). = ٤٣٨ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد عليه، فنمت نومة ما نمت نومة أطيب منها وألذ، ثم انتبهت، فإذا هو قد وثب إلى شويهة فذبحها وإذا امرأته تقول: ويحك قتلت نفسك وصبيتك، إنما كان معاشكم من هذه الشاة فذبحتها، فبأي شيء نعيش؟ قال: فقلت: لا عليك هذه الشاة فشققت جوفها، واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي، فشرحتها، ثم طرحتها على النار، فأكلتها، ثم قلت: هل عندك شيء أكتب لك فيه؟ فجاءني بهذه القطعة الجراب، فأخذت عوداً من الزناد الذي كان بين يديه، فكتبت له هذا الكتاب، وختمته بهذا الخاتم، وأمرته أن يجيء، ويسأل على الربيع فيدفعها إليه، فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم، فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم لا أنقص والله منها درهماً واحداً، ولو لم يكن في بيت المال غيرها. احملوها معه فما کان إلا قليلاً حتی کثرت إبله، وشاؤه، وصار منزلاً من المنازل ينزله الناس ممن أراد الحج من الأنبار إلى مكة، وسمي منزل مُضيف [٣٩٧/٥ - ٣٩٨] أمير المؤمنين المهدي. - عن حمزة بن جابر قال: قدمت البصرة، فأتاني شعبة بن الحجاج، فسألني، فحدثته بحديث قيس بن طلق في مس الذكر، فقال: أسألك بالله لا تحدث بهذا الحديث ما كنت بالبصرة. قال أبو يعقوب إسحاق بن أبي إسرائيل: لما انصرفت من اليمامة من عند هذا الشيخ - يعني محمد بن جابر - دخلت البصرة ليلاً، فسألت عن منزل أبي عوانة، فقيل لي: أمس دفناه، فغمني ذلك، وجزعت عليه، ثم أتيت حماد بن زيد، فلما رآني وأنا قشف الهيئة عليّ أثر السفر قال لي: أحسبك غريباً، قلت: نعم، قال: من أين قدمت؟ قلت: من اليمامة. قال: وما صنعت باليمامة؟ قلت: سمعت من شيخ بها يقال له محمد بن جابر. قال: قد سمعت منه حديث قيس في مس الذكر؟ ثم قال لي: حدثني عنه بما سمعت، فاستحييت، وهبت الشيخ، فلم أذكر شيئاً، ولم يجر على لساني. فقال لي: يا بني إن المستقفين(١) عندنا كثير فاتق لا تؤخذ ثيابك، وكنت أنام في المسجد فقال: يا جلوة خذي ثياب الرجل إليك فأودعته ثيابي، ثم دعاني بعد ذلك حماد بن زيد، وجماعة من الغرباء، فغداني عنده، وهو قائم على رجليه يتعاهدنا يقول: يا جلوة جيئيهم برطب، يا جلوة هاتي موزاً، هاتي ماءً بارداً، فلم يزل قائماً علينا حتى فرغنا. شكر الله ذلك لأبي إسماعيل ورضي عنه. [٣٥٧/٦] (١) القُفّ من الناس: الأوباش والأخلاط. القاموس (قفف). ٤٣٩ باب الطاعة - عن يحيى بن أكثم قال: بت ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل فقمت لأشرب ماء فرآني المأمون، فقال: ما لك ليس تنام يا يحيى؟ قلت: يا أمير المؤمنين أنا والله عطشان. قال: ارجع إلى موضعك، فقام والله إلى البرادة، فجاءني بكوز ماء، وقام على رأسي، فقال: اشرب يا يحيى. فقلت: يا أمير المؤمنين، فهلا وصيف، أو وصيفة. فقال: إنهم نيام. قلت: فأنا كنت أقوم للشرب. فقال لي: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه، ثم قال: يا يحيى، فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ألا أحدثك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: حدثني الرشيد قال: حدثني المهدي قال: حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدثني جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله وَليقول يقول: ((سيد القوم خادمهم)). [١٠ /١٨٧] - عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فعطش، وقد نمنا فكره أن يصيح بالغلمان، فانتبه، وكنت منتبهاً فرأيته قد قام يمشي قليلاً قليلاً إلى البرادة، وبينه وبينها بعید حتی شرب، ورجع. قال یحیی: ثم بت عنده، ونحن بالشام، وما معي أحد فلم يحملني النوم، فأخذ المأمون سعال، فرأيته يسد فاه بكم قميصه كي لا أنتبه، ثم حملني آخر الليل النوم، وكان له وقت يقوم فيه يستاك، فكره أن ينبهني فلما ضاق الوقت عليه تحركت، فقال: الله أكبر، يا غلمان نعل أبي محمد. [١٨٧/١٠] - عن الحسن قال: أقام عندي أبو حفص سنة مع ثمانية أنفس، فكنت في كل يوم أقدم لهم طعاماً جديداً، وطيباً جديداً، وذكر أشياء من الثياب وغيره، فلما أراد أن يمر كسوته، وكسوت جميع أصحابه، فلما أراد أن يفارقني قال: لو جئت إلى نيسابور علمناك الفتوة، والسخاء. قال: ثم قال: هذا الذي عملت كان فيه تكلف إذا جاءك الفقراء فكن معهم بلا تكلف حتى إن جعت جاعوا، وإن شبعت شبعوا حتى يكون مقامهم، وخروجهم من عندك شيئاً واحداً. [٢٢٢/١٢] - عن أبي حمزة السكري قال: ما شبعت منذ ثلاثين سنة إلا أن يكون لي ضيف . [٢٦٨/٣] باب الطاعة - عن محمد بن المنصور قال: كان بالكوفة رجل متعبد يأكل في كل يوم نصف رغيف، وكان قاعداً لا ينضجع(١)، ويضع جبهته على ركبته من صلاة إلى صلاة لا (١) كذا في المطبوع ولعل الصواب: يضطجع. ٤٤٠ التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد يتطوع بشيء غير الفرائض، ولا يتكلم البتة، فقلت له: لو تطوعت. فقال: افهم ما ألقيه إليك إني لست أعصيه. [٥/ ٤٤٤] - عن أبي إسحاق المارستاني قال: رأيت الخضرعليّا فعلمني عشر كلمات، وأحصاها بيده: اللهم إني أسألك الإقبال عليك، والإصغاء إليك، والفهم عنك، والبصيرة في أمرك، والنفاذ في طاعتك، والمواظبة على إرادتك، والمبادرة في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك، والتسليم والتفويض إليك. [٧/٦] - عن ابن أبي ليلى قال: كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري أما بعد: فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله، وإذا أحبه الله حببه إلى خلقه، وإذا عمل بمعصية الله أبغضه الله، وإذا أبغضه الله بغضه إلى خلقه. [١٥٣/٦] - عن فضيل بن عياض قال: إنما يطيع الله كل إنسان على قدر منزلته منه. [٣٧٤/٦] - عن جعفر الخلدي قال: رأيت شاباً دخل على الجنيد، وهو في مرضه الذي مات فيه، ووجهه قد تورم، وبين يديه مخدة يصلي إليها، فقال له الشاب: وفي هذه الساعة أيضاً لا تترك الصلاة! فلما سلم دعاه، وقال: هذا شيء وصلت به إلى الله، [٢٤٧/٧] ولا أحب أن أتركه، فمات بعد ساعة. - عن أبي سليمان قال: كنت بالعراق أعمل، وأنا بالشام أعرف. قال أحمد: فحدثت به سليمان ابنه، فقال: إنما معرفة أبي لله تعالى بالشام لطاعته بالعراق، ولو ازداد بالشام طاعة لازداد بالله معرفة. قال صالح لسليمان: بأي شيء تنال معرفته؟ قال: بطاعته، قال: فبأي شيء تنال طاعته؟ قال: به. [٢٤٩/١٠] - عن حذيفة قال: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صل* أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله وسيلة. [١٤٩/١] - عن أبي الحسن بن أنس العطار قال: سمعت الشبلي قيل له: من أقرب أصحابك إليك؟ قال مسرعاً: ألهجهم بذكر الله، وأقومهم بحق الله، وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله ريك . [٤٢٩/١٤] باب الطب - عن الحسن بن فهم قال: قدم علينا محمد بن سلام سنة اثنتين وعشرين ومائتين فاعتل علة شديدة، فما تخلف عنه أحد وأهدى إليه الأجلاء أطباءهم، وكان ابن ماسويه ممن أهدى إليه، فلما جسه ونظر إليه قال له: ما أرى من العلة كما أرى من الجزع. فقال: والله ما ذاك لحرص على الدنيا مع اثنتين وثمانين سنة، ولكن الإنسان