Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب الخنثى المشكل * باب الخوف
=
البغدادي يشرب، فأتي بكأس بعد ما ثمل قليلاً فقال: لا أطيق شربه، فقال الأستاذ
الرئيس: ولم ذاك؟ فقال: لما أقوله، قال: فقل، فقال:
يا خليليّ جنباني الرحيقا إننى لست للرحيق مطيقا.
فقال الأستاذ: ولم، وهي تجلب الفرح وتنفي الترح؟ فقال:
تلهب الجسم والمزاج الرقيقا
غير أني وجدت للكأس ناراً
حرقته بناره تحريقا
فإذا ما جمعتها ومزاجي
[٣٠/٣]
- عن أبي القاسم الأزهري قال: كان أبو عبيد الله يضع محبرته بين يديه، وقنينة
فيها نبيذ، فلا يزال يكتب ويشرب، قال: وسأله مرة عضد الدولة عن حاله، فقال:
كيف حال من هو بين قارورتين؟ يعني المحبرة، وقدح النبيذ.
[١٣٦/٣]
- عن أبي حنيفة قال: كان أبو الهذيل المعتزلي يجيء، فيشرب عند ابن لعثمان بن
عبد الوهاب، قال: فراود غلاماً في الكنيف، قال: فأخذ الغلام توراً (سفا ذَرَويه)
فضرب به رأسه، فدخل في رأسه، فصار طوقاً في عنقه، قال: فبعثوا إلى حداد ففك
عنه .
[٣٦٩/٣]
- عن يحيى بن معين قال: سمعت رجلاً سأل وكيعاً فقال: يا أبا سفيان شربت
البارحة نبيذاً فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلاً يقول: إنك شربت خمراً، فقال
وكيع: ذاك الشيطان.
[٥٠٢/١٣]
باب الخنثى المشكل
- روى علي بن عبد الله عن أبيه أن امرأة تقدمت إلى شريح فقالت: إن لي إحليلاً
ولي فرج، وساق الحديث، وفيه أنه أمر بِعَدِّ أضلاعها وقال: إن عدد أضلاع الرجل
من الجانب الأيمن ثمانية عشر ضلعاً، ومن الجانب الأيسر سبعة عشرة ضلعاً، فقال
ابن أبي حاتم الرازي في كتاب الجرح والتعديل: سمعت أبي يقول: كتبت هذا
الحديث لأسمعه من علي بن عبد الله، فلما تدبرته فإذا هو شبيه الموضوع، فلم
أسمعه على العمد.
[٤/١٢]
باب الخوف
- عن أحمد بن الجلاء قال: كنت بذي الحليفة، وأنا أريد الحج، والناس
يحرمون، فرأيت شاباً قد صب عليه الماء يريد الإحرام، وأنا أنظر إليه، فقال: يا
رب أريد أن أقول: لبيك اللهم لبيك، فأخشى أن تجيبني: لا لبيك ولا سعديك،

٢٦٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وبقي يردد هذا القول مراراً كثيرة، وأنا أتسمع عليه، فلما أكثر قلت له: ليس لك بد
من الإحرام، فقل، فقال: يا شيخ أخشى إن قلت: لبيك اللهم لبيك، أجابني: بلا
لبيك، ولا سعديك، فقلت له: أحسن ظنك، وقل معي: لبيك اللهم لبيك، فقال:
لبيك اللهم، وطوّلها، وخرجت نفسه مع قوله: اللهم، وسقط ميتاً.
[٢٦٧/٥]
- عن محمد السمين قال: كنت في طريق الكوفة بقرب الصحراء التي ببريقيا في
وقت الظهيرة، والطريق منقطع، فرأيت على الطريق جملاً قد سقط، ومات، ورأيت
عليه سبعة أو ثمانية من السباع تتناهش، وتحمل بعضها على بعض، فلما أن رأيتهم
كأن نفسي اضطربت وكانوا على قارعة الطريق، فحملتها على أن مشيت حتى وقفت
عليهم بالقرب منهم كأحدهم، ثم رجعت إلى نفسي لأنظر كيف هي، فإذا الروع معي
قائم، فأبيت أن أبرح، وهذه صفتي، فوضعت جنبي، فنمت مضطجعاً، فتغشاني
النوم، فنمت، وأنا على تلك الحالة، والسباع في المكان على ذلك الذي كانوا
عليه، فمضى بي وقت، وأنا نائم، ثم استيقظت، فإذا السباع قد تفرقت، ولم يبق
منها شيء، وإذا الذي كنت أجده قد زال عني، فقمت، وأنا على تلك الهيئة،
[٣٤٨/٥]
فمشیت .
- عن مؤمل المغازلي قال: كنت أصحب محمد السمين، فسافرت معه حتى بلغت
ما بين تكريت والموصل، فبينا نحن في برية نسير إذ زأر السبع من قريب، فجزعت
وتغيرت، وظهر ذلك على صفتي، وهممت أبادر، فضبطني وقال لي: يا مؤمل
[٣٤٨/٥]
التوكل ها هنا ليس في مسجد الجامع.
- عن عبيد الله بن فرقد - مولى المهدي - قال: هاجت ريح زمن المهدي،
فدخل المهدي بيتاً في جوف بيت فألزق خده بالتراب، ثم قال: اللهم إني بريء
من هذه الجناية كل هذا الخلق غيري، فإن كنت المطلوب من بين خلقك، فها
أنذا بين يديك، اللهم لا تشمت بي أهل الأديان، فلم يزل كذلك حتى انجلت
الريح.
[٤٠٠/٥]
- عن الفضيل بن عياض قال: إنما يهابك هذا الخلق على قدر هيبتك لله. [٣٧٤/٦]
- عن جعفر الخلدي قال: دخلت البرية وحدي، فلما دخلت الهبير
استوحشت، فإذا هاتف يهتف بي: يا جعفر قد نقضت العهد، لم تستوحش أليس
حبيبك معك؟ !.
- عن ابن عباس أنه دخل على عمر حين طعن فقال: أبشر يا أمير المؤمنين،
أسلمت مع رسول الله حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله - يعني
[٢٢٩/٧]

٢٦٣
باب الخوف
الناس -، وتوفي رسول الله وهو عنك راض، ولم يختلف في خلافتك رجلان، فقال
عمر: أعد، فأعدت فقال عمر: المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على ظهرها من
بيضاء وصفراء لافتديت به من هول المطلع.
.[٣٢٥/٧]
- عن علي بن الموفق قال: لما تم لي ستون حجة خرجت من الطواف، وجلست
بحذاء الميزان، وجعلت أتفكر، لا أدري أيش حالي عند الله، وقد كثر ترددي إلى
هذا المكان، قال: فغلبتني عيناي، فكأن قائلاً يقول: يا علي أتدعو إلى بيتك إلا
امرءاً تحبه؟! قال: فانتبهت، وقد سُري عني ما كنت فيه.
[١١١/١٢]
- كان محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب يصوم يوماً، ويفطر يوماً، قال أخوه:
فوقعت الرجفة بالشام، فقدم رجل من أهل الشام يسأله عن الرجفة، فأقبل يحدثه،
وهو يستمع لقوله، فلما قضى حديثه، فكان ذلك اليوم إفطاره، قلت له: قم تغد،
قال: دعه اليوم، قال: فسرد من ذلك اليوم إلى أن مات، وكان شديد الحال يتعشى
بالخبز والزيت؟ وكان له طيلسان وقميص، فكان يشتي فيه ويصيف، وكان من
رجال(١) الناس صرامة وقولاً بالحق، وكان ينسب في حداثته حتى كبر وطلب
الحديث، وقال: لو طلبته وأنا صغير كنت أدركت مشايخ فرطت فيهم، وكنت أتهاون
بهذا الأمر حتى كبرت وعقلت، وكان يحفظ حديثه لم يكن له كتاب، ولا شيء ينظر
[٣٠١/٢ - ٣٠٢]
فيه، ولا له حديث مثبت في شيء.
- عن المعتصم بالله قال: اللهم إنك تعلم أني أخافك من قِبلي، ولا أخافك من
قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قِيلي.
[٣٤٦/٣]
- عن ضرار بن صرد قال: سمعت يزيد بن الكميت يقول : - وكان من خيار
الناس - كان أبو حنيفة شديد الخوف من الله، فقرأ بنا علي بن الحسين المؤذن ليلة
في عشاء الآخرة إذا زلزلت، وأبو حنيفة خلفه، فلما قضى الصلاة، وخرج الناس
نظرت إلى أبي حنيفة، وهو جالس يفكر ويتنفس، فقلت: أقول: لا يشتغل قلبه بي،
فلما خرجت تركت القنديل، ولم يكن فيه إلا زيت قليل، فجئت، وقد طلع الفجر،
وهو قائم قد أخذ بلحية نفسه، وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيراً، ويا
من يجزي بمثقال ذرة شر شراً، أجر النعمان عبدك من النار، وما يقرب منها من
السوء، وأدخله في سعة رحمتك، قال: فأذنت فإذا القنديل يزهر، وهو قائم، فلما
دخلت، قال: تريد أن تأخذ القنديل؟ قال: قلت: قد أذنت لصلاة الغداة، قال:
(١) كذا في المطبوع ولعلها: أشد.

٢٦٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
اكتم عليَّ ما رأيت، وركع ركعتي الفجر، وجلس حتى أقمت الصلاة، وصلى معنا
الغداة على وضوء أول الليل.
[٣٥٧/١٣]
- عن القاسم بن معين أن أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ
أَدْهَى وَأَمَرُ﴾ [القمر: ٤٦] يرددها، ويبكي، ويتضرع.
[٣٥٧/١٣]
- عن أبي زكريا يحيى بن معاذ الرازي قال: مسكين بن آدم لو خاف النار كما
يخاف الفقر دخل الجنة.
[٢١٢/١٤]
- عن أبي علي بن بيان - بدير عاقول - قال: إذا حمي عليَّ حر الصيف بردته
بذكر النعم، وإذا برد علي الشتاء أحميته بخوف النقم.
[١٤/ ٤٢٧]
- قال أبو خالد الأحمر: لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى، فقال له
أصحابه: علام تبكي؟ من الدنيا؛ فوالله لقد كنت تبقى منغص العيش أيام حياتك !!
[١٢ /١٦٥]
فقال: والله ما أبكي على الدنيا، إنما أبكي خوفاً أن أحرم من الآخرة.
باب الدعاء
- عن أبي حفص ابن أخت بشر بن الحارث قال: كنت عند خالي بشر بن
الحارث جالساً في منزله، فدق الباب فقال: انظر من هذا؟ فخرجت فإذا أنا بشيخ
عليه جبة صوف، وعلى رأسه مئزر صوف، وبيده ركوة، فقال: تقول لأبي نصر:
أخوك أبو نصر، فدخلت فأعلمته، ووصفته له، فخرج خالي مسرعاً فسلم عليه، ثم
أخذ بيده فأدخله، فجعل يسائله ... ثم قال الشيخ لخالي: تأمر بشيء؟ فسلم خالي
عليه وخرج معه إلى باب الدار، فلما مضى الشيخ، قلت لخالي: من هذا الشيخ؟
فقال: أو لا تعرفه! هذا فتح الموصلي، الحقه فاسأله أن يدعو لك.
[٣٨١/١٢]
- عن عكرمة قال: شهدت ابن عباس صلى على جنازة رجل من الأنصار، فلما
سُوِّي في اللحد، وحُثي التراب عليه قام رجل منهم فقال: اللهم رب القرآن
ارحمه، اللهم رب القرآن أوسع عليه مداخله، فالتفت إليه ابن عباس مغضباً فقال:
يا عبد الله أما تتقي الله، يا عبد الله أما تتقي الله، أما علمت أن القرآن منه، قال:
فرأيت الرجل نكس رأسه، ومضى استحياء مما قال له ابن عباس، كأنه أتى على
كبيرة.
[٣٣٢/٧]
- قال محمد بن عيسى الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير،
فلما قام من عنده قال: يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة. قال أبو عيسى:
فاستجيب له فيه.
[٢٦/٢ - ٢٧]

٢٦٥
باب الدعاء
- قال علان الخياط: اشترى - السري السقطي - كَرَّ لَوْز بستين ديناراً، وكتب فيه
روزنامجة ثلاثة دنانير ربحه، فصار اللوز بتسعين ديناراً، فأتاه الدلال وقال له: إن
ذاك اللوز أريده، فقال له: خذه، قال: بكم؟ قال: بثلاثة وستين ديناراً، قال
الدلال: إن اللوز قد صار الكر بتسعين، قال له: قد عقدت بيني وبين الله عقداً لا
أحله، ليس أبيعه إلا بثلاثة وستين ديناراً، فقال له الدلال: إني قد عقدت بيني
وبين الله أن لا أغش مسلماً لست آخذ منك إلا بتسعين، فلا الدلال اشترى منه، ولا
السري باعه، قال أبو الطيب: قال لي علان: كيف لا يستجاب دعاء من كان هذا
فعله؟ !.
[١٨٩/٩]
- عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أعوذ بك من
النار وحميمها وغساقها وسلاسلها وأغلالها وأنكالها، وأسألك الجنة ونعيمها
وأزواجها، وأسألك القصر الأبيض الذي عن يمين الجنة، فقال: يا بني إني سمعت
رسول الله وَله يقول: ((سيأتي قوم يعتدون في الدعاء))، وإني أعيذك بالله أن تكون
منهم، إذا أعطيت الجنة أعطيت كل ما عددت فيها، وإذا أُجرت من النار أُجرت مما
عددت فيها ومما لم تعد.
[١٧٦/١١]
- عن علي بن أبي طالب أنه قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل متعلق بأستار
الكعبة، وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا
من لا يتبرم بإلحاح المِلحِّين، أذقني برد عفوك، وحلاوة معرفتك، قلت: يا عبد الله
أعد الكلام، قال: وسمعته، قلت: نعم، قال: والذي نفس الخضر بيده - وكان هو
الخضر - لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة إلا غفرت ذنوبه، وإن كان مثل رمل
[١١٨/٤ - ١١٩]
عالج، وعدد المطر، وورق الشجر.
- عن محمد بن داود قال: كنت ماراً ببغداد، وإذا ببعض الفقراء يمر في الطريق،
وإذا بمغن یغني، وهو يقول:
إلى الذي جاد بالمنيع
أمد كفي بالخضوع
قال: فشهق الفقير شهقة، وخر ميتاً.
[٢٦٦/٥]
- عن معروف الكرخي قال: كان يقال هذا الدعاء للفقر، أو قال: للدَّين - شك
خلف - أن يقول العبد في السحر خمساً وعشرين مرة: لا إله إلا الله، الله أكبر
كبيراً، سبحان الله، والحمد لله كثيراً، اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنهما
[٣١٢/٥]
بيدك لا يملكهما سواك أو غيرك.
ـ هاجت ريح زمن المهدي، فدخل المهدي بيتاً في جوف بيت، فألزق خده

=
٢٦٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
بالتراب، ثم قال: اللهم إني بريء من هذه الجناية كل هذا الخلق غيري، فإن كنت
المطلوب من بين خلقك فها أنذا بين يديك، اللهم لا تشمت بي أهل الأديان، فلم
[٤٠٠/٥]
یزل كذلك حتى انجلت الريح.
- عن جعفر الخلدي قال: ودعت في بعض حجاتي المريني الكبير الصوفي،
فقلت: زودني شيئاً، فقال: إن ضاع منك شيء، أو أردت أن يجمع الله بينك وبين
إنسان، فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد اجمع بيني
وبين كذا وكذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء، أو ذلك الإنسان بتلك،
فجئت إلى الكتاني الكبير الصوفي فودعته، وقلت: زودني شيئاً فأعطاني فصاً عليه
نقش، كأنه طِلسم، وقال: إذا اغتممت، فانظر إلى هذا، فإنه يزول غمك، قال:
فانصرفت، فما دعوت الله بتلك الدعوة في شيء إلا استجيب، ولا رأيت الفص،
وقد اغتممت إلا زال غمي، فأنا ذات يوم قد توجهت أعبر إلى الجانب الشرقي
من بغداد حتى هاجت ريح عظيم، وأنا في السميرية، والفص في جيبي، فأخرجته
لأنظر إليه، فلا أدري كيف ذهب مني في الماء، أو في السفينة أو ثيابي،
فاغتممت لذهابه غماً عظيماً، فدعوت بالدعوة، وعبرت فما زلت أدعو الله بها
يومي وليلتي، ومن غد، وأياماً، فلما كان بعد ذلك أخرجت صندوقاً فيه ثيابي
لأغير منها شيئاً، ففرغت الصندوق، فإذا بالفص في أسفل الصندوق، فأخذته،
[٢٢٨/٧ - ٢٢٩]
وحمدت الله على رجوعه.
- عن عبد الله بن المبارك أنه كان نزل مرة رأس سكة عيسى، وكان الحسن بن
عيسى يركب، فيجتاز به وهو في المجلس، والحسن من أحسن الشباب وجهاً،
فسأل عنه عبد الله بن المبارك، فقيل: إنه نصراني، فقال: اللهم ارزقه الإسلام،
فاستجاب الله دعوته فيه.
[٣٥٢/٧]
- عن ابن فضلان الرازي قال: كان أبي أحد الباعة ببغداد، وكنت على سرير
حانوته جالساً، فمر إنسان ظننت أنه من فقراء البغداديين، وأنا حينئذ لم أبلغ الحلم،
فجذب قلبي، وقمت إليه، فسلمت عليه، ومعي دينار، فدفعته إليه، فتناوله، ومضى،
ولم يقبل علي، فقلت في نفسي: ضيعت الدينار، فتبعته حتى انتهى إلى مسجد
الشونيزية، فرأى فيه ثلاثة فقراء، فدفع الدينار إلى أحدهم، واستقبل هو القبلة
يصلي، فخرج الذي أخذ الدينار، وأنا أتبعه وراءه أراقبه، فاشترى طعاماً فحمله،
فأكله الثلاثة، والشيخ مقبل على صلاته يصلي، فلما فرغوا أقبل عليهم الشيخ فقال:
تدرون ما حبسني عنكم؟ قالوا: لا يا أستاذ، قال: شاب ناولني الدينار، فكنت

=
٢٦٧
باب الدعاء
أسأل الله أن يعتقه من رق الدنيا، وقد فعل، فلم أتمالك أن قعدت بين يديه،
وقلت: صدقت يا أستاذ، فلم أرجع إلى والدي إلا بعد حجتين. قال جعفر: وكان
هذا الشيخ خاقان.
[٣٤٤/٨ - ٣٤٥]
- عن أبي الفيض ذي النون بن إبراهيم المصري قال: سألني جعفر المتوكل
أمير المؤمنين أن أكتب له دعاء يدعو به، وأمر يحيى بن أكثم أن يكتبه له،
فقلت له: اكتب: رب أقمني في أهل ولايتك مقام رجاء الزيادة من محبتك،
واجعلني ولهاً بذكرك في ذكرك إلى ذكرك، وفي روح بحابح أسمائك لاسمك،
وهب لي قدماً أعادل بها بفضلك أقدام من لم يزل عن طاعتك، وأحقق بها
ارتياحاً في القرب منك، وأحف بها جولاً في الشغل بك ما حييت وما بقيت
رب العالمين، إنك رؤوف رحيم، اللهم بك أعوذ وألوذ، وأؤمل البلغة إلى
طاعتك، والمثوى الصالح من مرضاتك، وأنت ولي قدير. قال ذو النون: فقال
لي يحيى بن أكثم: هذا بس يا أبا الفيض؟ فقلت له: هذا لهذا كثير إن أراد الله
به خيراً، قال: ثم خرجت وودعته.
[٣٩٦/٨]
- عن الحكم بن هشام عن أبيه قال: كان عبد الملك بن مروان يكثر في دعائه،
وفي خطبته أن يقول: اللهم إن ذنوبي جلت وعظمت عن أن توصف، وهي صغيرة
في جنب عفوك، فاعف عني يا أرحم الراحمين.
[٤١١/٨]
- عن سعد بن مالك قال: إن رجلاً كان يقع في علي، وطلحة، والزبير، فجعل
سعد بن مالك ينهاه، ويقول: لا تقع في إخواني، فأبى، فقام سعد، فصلى ركعتين،
ثم قال: اللهم إن كان مسخطاً لك فيما يقول فأرني به آفة، واجعله آية للناس،
فخرج الرجل، فإذا هو ببختي يشق الناس، فأخذه بالبلاط، فوضعه بين كركرته
والبلاط فسحقه حتى قتله، فأنا رأيت الناس يتبعون سعداً، ويقولون: هنيئاً لك أبا
إسحاق أجيبت دعوتك.
[٦٩/٩]
- عن جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعد بن مالك إلى عمر، فقالوا: لا
يحسن أن يصلي، فقال سعد: أما أنا فكنت أصلي بهم صلاة رسول الله وأخلاقه:
صلاتي العشي أركد في الأولتين وأحذف في الآخرتين، فقال عمر: ذاك الظن بك يا
أبا إسحاق، وبعث رجالاً يسألون عنه في مساجد الكوفة، فلا يأتون مسجداً من
مساجد الكوفة إلا أثنوا عليه خيراً، وقالوا معروفاً، حتى أتوا مسجداً من مساجد بني
عبس، فقال رجل - يقال له أبو سعدة -: اللهم فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا
يقسم بالسوية، فقال: اللهم إن كان كاذباً فاعم بصره، وأطل فقره، وعرضه للفتن.

٢٦٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
قال عبد الملك: فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، فإذا قيل له: أبا سعدة؟
يقول: مفتون أصابتني دعوة سعد.
[١ /١٤٥]
- عن أبي الدرداء قال: إياكم ودعوة المظلوم فإنهن يصعدن إلى السماء كأنهن
(شرارات نار) حتى يفتح لهن أبواب السماء.
[١٨٤/٤ ]
- عن أبي وهب قال: مر عبد الله بن المبارك برجل أعمى قال: فقال: أسألك أن
تدعو الله أن يرد الله عليَّ بصري، قال: فدعا الله فرد عليه بصره وأنا أنظر. [١٦٧/١٠]
- عن سعيد بن سلام المغربي قال: كنت ببغداد، وكان بي وجع في ركبتي حتى
نزل إلى مثانتي، واشتد وجعي، وكنت أستغيث بالله، فناداني بعض الجن: ما
استغاثتك بالله وغوثه بعيد، فلما سمعت ذلك رفعت صوتي، وزدت في مقالتي حتى
سمع أهل الدار صوتي، فما كان إلا ساعة حتى غلب عليَّ البول، فقدم إليّ سطل
أهريق فيه الماء، فخرج من مذاكيري شيء بقوة، وضرب وسط السطل حتى سمعت
له صوتاً، فأمرت من كان في الدار، فطلب فإذا هو حجر قد خرج من مثانتي،
وذهب الوجع مني، وقلت: ما أسرع الغوث، وهكذا الظن به.
[١١٢/٩]
- عن عبد الله بن محمد بن عبد الحكم قال: دخل سلم بن سالم بغداد، فشنع
على هارون أمير المؤمنين، فحبسه فكان يدعو في حبسه: اللهم لا تجعل موتي في
حبسه، ولا تمتني حتى ألقى أهلي، فمات هارون، فخلت عنه زبيدة، فخرج إلى
الحج، فوافى أهله بمكة قدموا حجاجاً، فمرض فاشتهى الجمد، فأبردت السماء،
فجمعوا له فأكل ومات.
[١٤١/٩]
- عن عبد الرزاق قال: بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة فقال: إن
رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه، قال: فجاءه النجارون، ونصبوا الخشب، ونودي
سفيان، وإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجليه في حجر ابن عيينة، قال:
فقالوا له: يا أبا عبد الله اتق الله، ولا تشمت بنا الأعداء، قال: فتقدم إلى الأستار،
ثم أخذها، ثم قال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر، قال: فمات قبل أن يدخل مكة،
فأخبر بذلك سفيان، قال: فلم يقل شيئاً.
[١٥٩/٩]
- عن علي بن الحميد الغضائري قال: سمعت السري السقطي، ودققت عليه
الباب، فقام إلى عضادتي الباب، فسمعته يقول: اللهم اشغل من شغلني عنك بك.
قال ابن المقرئ: وزادني بعض أصحابنا عنه أنه قال: وكان من بركة دعائه أني
حججت أربعين حجة على رجلي من حلب ذاهباً وراجعاً.
[٢٩/١٢]
- عن محمد المكي قال: احتبس على الفضيل بن عياض بوله فقال: سيدي اطلقه

٢٦٩
باب الدعاء
عني، قال: فما بال، فقال في الثانية: وعزتك لو قطعتني إرباً إرباً ما ازددت لك إلا
حباً، قال: فما بال، قال: فقال في الثالثة: بحبي لك إلا ما أطلقته عني، فما برحنا
[١٢١/١٢]
حتی بال.
- عن أبي المنذر الكوفي قال: كنا بمكة، فقدم عطاء بن عجلان البصري، فأخذ
في الطواف، فجاء غياث بن إبراهيم، وكدام بن مسعر بن كدام، وآخر قد سماه،
فجعلوا يكتبون حديث عطاء، فإذا مروا بعشرة أحاديث أدخلوا حديثاً من غير حديثه
حتى كتبوا أحاديث، وهو يطوف. قال: فقال لهم حفص بن غياث: ويلكم اتقوا الله،
فإني أراكم ستصيرون آية للعالمين، تريدون أن تهتكوا حرمة الشهر، وحرمة البلدة،
وحرمة الإسلام، قال: فانتهروه، وصاحوا به، وقالوا: أنت أحمق، قال: فقام من
عندهم وتركهم، فلما فرغ كلموه أن يحدثهم، ورققوه، فأخذ الكتاب، فجعل يقرأ
حتى انتهى إلى حديث، فمر فيه، فقرأه، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قرأ آخر
حتى انتهى إلى الثالث، فانتبه الشيخ، واستضحكوا، قال: فقال لهم: إن كنتم أردتم
شيني فعل الله بكم وفعل.
قال أبو المنذر: فوثبت خشية أن تصيبني، فأما كدام، فاختلط ووسوس، وکوی
رأسه أربع كيات، وأما غياث فبطل حديثه، ولم يصدق حتى لو حدث بالصدق لم
[٣٢٤/١٢ - ٣٢٥]
يصدق.
- عن أبي بكر بن أبي عمرو الحافظ قال: كان سبب مفارقة أبي عبد الله محمد بن
إسماعيل البخاري البلد - يعني بخارى - أن خالد بن أحمد الذهلي الأمير خليفة
الظاهرية ببخارى سأل أن يحضر منزله فيقرأ الجامع والتاريخ على أولاده فامتنع أبو
عبد الله عن الحضور عنده، فراسله أن يعقد مجلساً لأولاده لا يحضره غيرهم،
فامتنع عن ذلك أيضاً، وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قوماً دون قوم، فاستعان
خالد بن أحمد بحريث بن أبي الورقاء، وغيره من أهل العلم ببخارى عليه، حتى
تكلموا في مذهبه، ونفاه عن البلد - فدعا عليهم أبو عبد الله محمد بن إسماعيل،
فقال: اللهم أرهم ما قصدوني به في أنفسهم، وأولادهم، وأهاليهم.
فأما خالد فلم يأت عليه إلا أقل من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن ينادى
عليه، فنودي عليه، وهو على أتان وأشخص على أكاف، ثم صار عاقبة أمره إلى
ما قد اشتهر وشاع، وأما حريث بن أبي الورقاء فإنه ابتلي بأهله، فرأى فيها ما
يجل عن الوصف، وأما فلان أحد القوم - وسماه - فإنه ابتلي بأولاده وأراه الله
[٣٣/٢ - ٣٤]
فیھم البلايا .

٢٧٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن عبدوس بن عبد الجبار السمرقندي قال: جاء محمد بن إسماعيل إلى
خرتنك - قرية من قرى سمرقند - على فرسخين منها، وكان له بها أقرباء فنزل
عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي، وقد فرغ من صلاة الليل يدعو ويقول في
دعائه: اللهم إنه قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. قال: فما تم
الشهر حتى قبضه الله تعالى إليه، وقبره بخرتنك.
[٣٤/٢]
- قال ابن المنادي: كان لمحمد بن مسلم القنطري ابن أخت حَدَث، فرآه يلعب
بالطيور، فدعا الله أن يميته، فما أمسى يومه ذلك إلا ميتاً.
[٢٥٦/٣]
- عن العباس بن مصعب بن بشر قال: كان الحسين بن واقد قاضياً، أتى أبا
حمزة السكري فأخبره بقضية قد قضى بها، فقال له: أخطأت قضيت بالجور، إذ لا
تعرف القضاء فلمَ دخلت فيه، لو لحست الدبر كان خيراً لك من الحكم، فغضب
الحسين وبكى وقال: اللهم ابتل أبا حمزة بما ابتليتني به.
قال: فقال أبو حمزة: اللهم إن ابتليتني بما ابتليته به فاعم بصري. قال: فما
مضت الأيام والليالي حتى استقضي، فذهب بصره، فمكث أياماً لم يخبر، رجاء
العافية، قال: فكنا نقول: قد استجيب لهما جميعاً.
[٢٦٧/٣]
- عن أبي جعفر الصائغ قال: كان المأمون قد أمر بمحمد بن مصعب إلى
الحبس، فقال - وقد ذهب به الى الحبس - ورفع رأسه إلى السماء: أقسمت عليك
أن حبستني عندهم الليلة، فأخرج في جوف الليل، فصلى الغداة في منزله. [٢٨٠/٣]
- عن محمد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء قال: دعا المنصور جدي خلاداً،
وكان مولاه فقال له: أريدك لأمر قد همني، وقد اخترتك له، وأنت عندي كما قال
أبو ذؤيب الهذلي :
ألكني إليها، وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر
فقال: أرجو أن أبلغ رضى أمير المؤمنين، فقال: صر إلى المدينة على أنك من
شيعة عبد الله بن حسن، وابذل له الأموال، واكتب إليّ بأنفاسه وأخبار ولده
فأرضاه، ثم علم عبد الله بن حسن أنه أتى من قبله، فدعا عليه وعلى نسله بالعمى.
[١٧١/٣]
قال: فنحن نتوارث ذاك إلى الساعة.
- عن علان الخياط قال: كنت جالساً مع سري يوماً، فوافته امرأة فقالت: يا أبا
الحسن أنا من جيرانك أخذ ابني الطائف البارحة، وكلم ابني الطائف وأنا أخشى أن
يؤذيه، فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه. قال علان: فتوقعت أن يبعث إليه،
فقام فكبر وطول في صلاته، فقالت المرأة: يا أبا الحسن الله الله فيَّ، هو ذا أخشى

٢٧١
باب الدعوة إلى الله
أن يؤذيه السلطان، فسلم، وقال لها: أنا في حاجتك. قال علان: فما برحت حتى
جاءت امرأة إلى المرأة فقالت: الحقي قد خلوا ابنك.
[١٨٩/٩]
- عن أبي عيسى عبد الرحمن بن زاذان بن يزيد بن مخلد الرزاز في قطيعة بني
جدار قال: كنت في المدينة بباب خراسان: وقد صلينا، ونحن قعود، وأحمد بن
حنبل حاضر، فسمعته وهو يقول: اللهم من كان على هَذي أو على رأي، وهو يظن
أنه على حق، فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمّة أحد، اللهم لا تشغل
قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما
عندك بشر ما عندنا، ولا ترانا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا حيث أمرتنا، أعزنا ولا
[١٠ / ٢٨٧]
تذلنا، أعزنا بالطاعة، ولا تذلنا بالمعاصي.
- عن ابن عون قال: كان رجاء بن حيوة إذا لقي العدو يقول: اللهم إني أسألك
بحق نصر المؤمنين عليك أن تنصرنا عليهم، ثم يقرأ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
[٤٥٧/١٠]
- عن أبي حسان الزيادي قال: سنة خمس عشرة فيها مات عتبة بن غزوان
المازني، وهو والي عمر بن الخطاب على البصرة، مات بالطريق راجعاً إلى البصرة.
وكان قد استعفى عمر، فأبى أن يعفيه، وكان من دعائه: اللهم لا تردني إلى البصرة
والياً لعمر، فمات قبل أن يصل إليها .
[١٥٧/١]
- عن أحمد بن سعيد الدارمي قال: عادني محمد بن كثير الصنعاني فقال لي:
[٢٤٩/١]
أقالك الله عثرتك، ورفع جثتك، وفرغك لعبادة ربك.
- عن يحيى بن معاذ الرازي قال: كيف أمتنع بالذنب من الدعاء، ولا أراك تمتنع
بذنبي من العطاء.
[٢١١/١٤]
باب الدعوة إلى الله
- عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور قال: لما حضرت ابن السماك الوفاة
قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجلس مجلساً للناس إلا لأحببك إلى خلقك، وأحبب
[٣٧٣/٥]
خلقك إليك.
- عن محمد بن مفضل قال: رأيت منصور بن عمار في المنام فقلت: يا أبا
السري ما فعل بك ربك؟ قال: خيراً. قلت: بماذا؟ قال: قال لي: بما كنت تحبيني
[٧٩/١٣]
إلى عبادي.
- عن مسهر بن عبد الملك قال: حدثني أبي قال: قلت لعبد خير: كم أتى
عليك؟ قال: عشرون ومائة سنة، كنت غلاماً ببلادنا باليمن، فجاءنا كتاب النبي وَّ،

٢٧٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فنودي في الناس، فخرجوا إلى حيِّز واسع، فكان أبي فيمن خرج، فلما ارتفع النهار
جاء أبي فقالت له أمي: ما حبسك وهذه القدر قد بلغت، وهؤلاء عيالك يتضورون
يريدون الغداء؟ فقال: يا أم فلان أسلمنا فأسلمي، واستصبينا، فاستصبي، فقلت له:
ما قوله استصبينا؟ قال: هو في كلام العرب أسلمنا، وأمرني بهذه القدر، فلتهراق
[١٢٥/١١]
للكلاب، وكانت ميتة، فهذا ما أذكر من أمر الجاهلية.
- عن قيس قال: قالت امرأة من بجيلة يقال لها أم كرز لعمر: يا أمير المؤمنين إن
أبي هلك وسهمه ثابت وإني لم أسلمه، فقال لها: يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما
قد علمت، قالت: إن كانوا صنعوا ما صنعوا فإني لست أسلم حتى تحملني على ناقة
ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهباً. قال: ففعل عمر ذلك.
[١٠/١]
باب الدنيا
- سئل أحمد بن عطاء عن الدنيا ما هي؟ فقال: همة دنية.
[٢٧/٥]
- عن شعيب بن حرب قال: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل.
[٢٤٠/٩]
- عن الحسن البصري قال: ما أعطى الله أحداً شيئاً من الدنيا إلا اختباراً، ولا
منعه إلا اختباراً.
[٤١/٥]
- عن ابن السماك قال: كَتَبَ رجل من مياسير أهل بغداد إليَّ يسألني أن أصف له
الدنيا، فكتبت إليه: أما بعد فالله حفها بالشهوات، ثم ملأها بالآفات، ومزج حلالها
بالمؤونات، ومزج حرامها بالتبعات، فحلالها حساب، وحرامها عذاب. [٣٧١/٥]
- عن أبي حازم قال: الدنيا شيئان شيء لي وشيء لغيري، فأما الذي لي فلو
طلبته بحيلة السماوات والأرض لم أنله قبل أجله، وأما الذي لغيري فلم أرجه فيما
مضى، ولن أرجوه فيما بقي، يمنع رزقي من غيري كما يمنع رزق غيري مني، ففي
أي هذين أفني عمري.
[٣٢٨/٤]
- قال الأصمعي: أحسن الدنيا ثلاثة: نهر الأبلة، وغوطة دمشق، ومنتزه سمرقند،
وقال: حشوش الدنيا ثلاثة: عمان، وأردبيل، وهيت.
[٤٨/٢]
- عن أبي الدرداء وكان من العلماء الحكماء الذين يشفون الداء قال: يا أهل
دمشق اسمعوا قول أخ لكم ناصح، ما لي أراكم تجمعون فلا تأكلون كثيراً،
وتبنون فلا تسكنون، وتأملون فلا تدركون، إن من كان قبلكم جمعوا كثيراً، وبنوا
شديداً، وأملوا بعيداً، فأصبح ما جمعوا بوراً، وما أملوه غروراً، وأصبحت
مساكنهم قبوراً .
[٩٥/٤]

٢٧٣
باب الدنيا
- عن الحسن بن ربيع قال: عاتبت بشر بن الحارث في مقامه ببغداد، فقال: إني
لأمشي فيها، وكأني أمشي في النار.
[٣٠٦/٤]
- بعث هارون أمير المؤمنين إلى محمد بن السماك في آخر شعبان فأحضره، فقال
له يحيى بن خالد: أتدري لم بعث إليك أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري، قال له
يحيى بن خالد: بعث لما بلغه عنك من حسن دعائك الخاصة والعامة، فقال له ابن
السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين عني من ذلك، فبستر الله الذي ستره عليَّ، ولولا
ستره لم يبق لي ثناء ولا التقاء على مودة، فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا
أمير المؤمنين، إني والله ما رأيت وجهاً أحسن من وجهك فلا تحرق وجهك بالنار.
قال: فبكى هارون بكاء شديداً، ثم دعا بماء، فاستسقى، فأتي بقدح فيه ماء، فقال:
يا أمير المؤمنين أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء، قال: قل ما أحببت، قال:
يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتديها بالدنيا، وما
فيها حتى تصل إليك؟ فقال: نعم. قال: فاشرب رياً بارك الله فيك، فلما فرغ من
شربه، قال له: يا أمير المؤمنين أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا
وما فيها أكنت تفتدي ذلك بالدنيا، وما فيها؟ قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين فما
تصنع بشيء شربة ماء خير منه؟! قال: فبكى هارون واشتد بكاؤه، قال: فقال
يحيى بن خالد: يا ابن السماك قد آذيت أمير المؤمنين، فقال له: وأنت يا يحيى فلا
[٣٧٢/٥]
يغرنك رفاهية العیش ولینه.
- عن إبراهيم بن بشار قال: وقف رجل صوفي على إبراهيم بن أدهم فقال:
يا أبا إسحاق لم حجبت القلوب عن الله ؟ قال: لأنها أحبت ما أبغض الله؛
أحبت الدنيا، ومالت إلى دار الغرور، واللهو، واللعب، وترك العمل لدار فيها
حياة الأبد في نعيم لا يزول ولا ينفد، خالد مخلد في ملك سرمد لا نفاد له
ولا انقطاع.
[٦ /٤٧]
- عن إبراهيم بن المهدي قال:
إن الحريص على الدنيا لفي تعب
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم یشب
فنلتها طمحت عيني إلى رتب
ما لي أراني إذا طالبت مرتبة
أن لا أَخوَّضَ في أمر ينقص بي
ما اشتد غمي على الدنيا ولا نصبي
والموت يكدح في زندي وفي عصبي
قد كان يعمر باللذات والطرب
قد ينبغي لي مع ما حزت من أدب
لو كان يصدقني ذهني بفكرته
أسعى وأجهد فيما لست أدركه
بالله ربك كم بيتاً مررت به

٢٧٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فصار من بعدها للويل والحرب
طارت عقاب المنايا في جوانبه
فلا وعيشك ما الأرزاق بالطلب
فامسك عنانك لا تجمح به ظلع
ويحرم الرزق من لم يؤت من طلب
قد يرزق العبد لم تتعب رواحله
الرزق والنوك مقرونان في سبب
مع أنني واجد في الناس واحدة
الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب
وخصلة ليس فيها من ينازعني
الرزق أغرى به من لازم الجرب
يا ثاقب الفكر كم أبصرت ذا حمق
[٦ /١٤٧]
- قال الحسن بن جهور: مررت مع علي بن أبي هاشم الكوفي بالخلد والقرار
فنظر إلى تلك الآثار فوقف متأملاً وقال:
وللخراب بنى المبنِّي
بنوا وقالوا لا نموت
إلى الحياة بمطمئن
ما عاقل فيما رأيت
[٩٣/١]
- عن عتبة بن غزوان السلمي قال: إن الدنيا قد تولت حذاء وآذنت بصرم، ولم
يبق منها إلا صُبابة كصبابة الإناء، وأنتم منتقلون إلى دار غيرها، فانتقلوا بخير ما
بحضرتكم، فقد بلغني أن الحجر يرمى به في جهنم، فيهوي فيها سبعين خريفاً، وأن
ما بين مصراعي الجنة لأربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام، ولقد
رأيتني مع رسول الله و لله سابع سبعة قد قرحت أشداقنا من أكل ورق الشجر حتى
وجدت بردة فاقتسمتها بيني وبين سعد، وما منا اليوم إلا أمير على مصر، وإنها لم
تكن نبوة إلا تناسخت حتى تكون ملكاً، فأعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً،
وعند الله صغيراً، وستجربون الأمراء بعدي.
[١٨٣/٦]
- عن أبي يحيى الشعراني قال: ما رأيت بيد إسحاق كتاباً قط، وما كان يحدث
إلا حفظاً، وقال: كنت إذا ذاكرت إسحاق العلم، وجدته فيه فرداً، فإذا جئت إلى
أمر الدنيا رأيته لا رأي له.
[٣٥٤/٦]
- عن مصعب بن عبد الله قال: لما قتل جعفر بن يحيى، وصلب بباب الجسر
رأسه، وفي الجانب الآخر جسده، وقفت امرأة على حمار فاره، فنظرت إلى رأسه
فقالت بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية لقد كنت في المكارم غاية، ثم أنشأت
تقول :
ونادى مناد للخليفة في يحيى
ولما رأيت السيف خالط جعفرا
قصارى الفتى يوماً مفارقة الدنيا
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما

٢٧٥
باب الدنيا
تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
وما هي إلا دولة بعد دولة
من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى
إذا أنزلت هذا منازل رفعة
ثم إنها حركت الحمار الذي كان تحتها، فكأنها كانت ريحاً لم يعرف لها
[٧ /١٥٩]
أثر.
- عن سفيان الثوري قال: كثرة العيال شؤم، فمن تهيأ لطلب الدنيا، فليتهيأ
للذل.
[٢٠٩/٧]
- كان علي بن أبي طالب في مسجد الكوفة، فسمع رجلاً يشتم الدنيا ويفحش في
شتمها. قال له علي: اجلس، فجلس، فقال له: ما لي أسمعك تشتم الدنيا،
وتفحش في شتمها؟ أو ليس هو الليل والنهار، والشمس والقمر سامعين مطيعين؟
فأنشأ علي يقول: إن الدنيا لمنزل صدق لمن صدقها، ودار بلاء لمن فهم عنها،
وعافية لمن تزود منها، منزل أحباء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر
أوليائه، اكتسبوا الجنة، وربحوا فيها المغفرة، فذمها أقوام غداة الندامة، وحمدها
آخرون، ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، فمن ذا يذمها وقد آذنت بينها، ونادت
بانقطاعها، راحت بفجيعة، وأسكرت بعاقبة، تخويف وترهيب، يا أيها الذام الدنيا،
المقبل بتغريرها متى اسْتَدْنَتْ إليك، أم متى غرتك؟ أبمضاجع آبائك من الثرى؟ أو
بمنازل أمهاتك من البلى؟ أم ببواكر الصريخ من إخوانك؟ أم بطوارق النعي من
أحبابك؟ هل رأيت إلا ناعياً منعياً؟ أو رأيت إلا وارثاً موروثاً، كم عللت بيديك؟ أم
كم مرضت بكفيك؟ تبتغي له الشفاء، وتستوصف الأطباء لم ينفعه بشفاعتك، ولم
تنجح له بطلبتك. بل مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمضجعه مضجعك، غداة لا يغني
عنك بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك، فهيهات أي مواعظ الدنيا لو نصت لها، وأي دار
[٢٨٧/٧ - ٢٨٨ ]
لو فهمت عنها، وأي عافية لو تزودت منها، انصرف إذا شئت.
- عن أبي نواس قال:
ألا رُبَّ رأس في التراب زنيق
ألا رُبَّ وجه في التراب عتيق
وذا حسب في الهالكين عريق
أرى كل حي هالك وابن هالك
إلى سفر نائي المحل سحيق
فقل لمقيم الدار إنك ظاعن
له عن عدو في ثياب صديق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
[٧ /٤٤٣]
- عن الحارث المحاسبي قال: ترك الدنيا مع ذكرها صفة الزاهدين، وتركها مع
[٢١٣/٨]
نسيانها صفة العارفين.

٢٧٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن سري السقطي أنه مرت به جارية معها إناء فيه شيء، فسقط من يدها
فانكسر، فأخذ سري شيئاً من دكانه، فدفعه إليها بدل ذلك الإناء، فنظر إليه معروف
[١٨٨/٩]
الكرخي، فأعجبه ما صنع، فقال له معروف: بغض الله إليك الدنيا .
- عن محمد بن إبراهيم الفقيه السمرقندي قال: كنت عند أحمد بن حنبل، فذكر
عبد الله بن عبد الرحمن - الدارمي - فقال: هو ذاك السيد، ثم قال أحمد: عرض
عليَّ الكفر فلم أقبل، وعرض عليه الدنيا فلم يقبل.
[٣١/١٠]
- عن أيوب بن المتوكل القاري قال: كان إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا
ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي.
[٢٤٧/١٠]
- عن أبي سليمان - عبد الرحمن الداراني - قال: لا يفلح قلب رجل معلق بجمع
القراريط والدوانيق. يا أحمد - أي ابن أبي الحواري - حتى متى تكون وصَّافاً أما
تحب أن توصف.
[٢٤٩/١٠]
- عن أبي عمرو بن نجيد قال: ما دخل خراسان أحد فبقي على بكارته لم يتدنس
بشيء من الدنيا إلا أبو مسلم البغدادي.
[٢٩٩/١٠]
- عن عبيد الله بن أحمد بن معروف قال:
ـلنيا وإن نال الأمل
يا بؤس للإنسان في الـ
فيها ومكتوم الأجل
يعيش مكتوم العلل
مغتبطاً قيل اعتلل
بينا يُرى في صحة
ـها ثاوياً قيل انتقل
وبينما يوجد في
يتبعه حسن العمل
فأوفر الحظ لمن
[٣٦٧/١٠]
- عن الفضيل بن عياض قال: إذا أحب الله عبداً أكثر عمَّه، وإذا أبغض عبداً
أوسع علیه دنياه.
[١١ /٤٠]
- عن الحسن قال: ذهبت الدنيا بحال ما لها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق
[٥٣/١١]
القوم .
- عن أبي حفص قال: الكرم طرح الدنيا لمن يحتاج إليها، والإقبال على الله
لا حتیاجك إلیه.
[٢٢١/١٢]
- عن يوسف بن أحمد الصيدناني قال: سمعت محمد بن إسماعيل الصائغ يقول:
سألني همّام شراء هاون، فأتيته بهاون، فجعل يقرأ عليَّ فأقول له: زدني، فيقول:
أذلني الهاون أذلني الهاون.
[٣٩/٢]

٢٧٧
باب الدَّین ووفائه
- عن أبي العباس بن حمكويه الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: اترك
الدنيا قبل أن تتركك، واسترض ربك قبل ملاقاته، واعمر بيتك الذي تسكنه قبل
انتقالك إليه - يعني القبر -.
[١٣٧/٢]
[٩١/٣]
- عن أيوب بن محمد الزاهد قال: الدنيا معبر فاتخذوها معتبراً.
- عن أبي الحسن بن أبي الورد قال: من لم يتخط عقله الدنيا، خيفت الدنيا على
[٢٠٢/٣]
عقله .
- قال يحيى بن معاذ: كل مريد لم يحول نفسه عن لذاذة الدنيا فقد صار
ضحكة للشيطان، وعجبت من قوم باعوا ربهم بشهوات أنفسهم، ورفضوا آخرتهم
بدنياهم، وطرحوا دينهم، ورفعوا طينهم، كلاب الأماني كأنهم لا يؤمنون بيوم
[٢١٠/١٤]
الحساب.
- عن الشبلي قال: كنت باليمن، وكان باب دار الأمير رحبة عظيمة، وفيها خلق
كثير قيام ينظرون إلى منظرة، فإذا قد ظهر من المنظرة شخص أخرج يده كالمسلِّم
عليهم، فسجدوا كلهم، فلما كان بعد سنين كنت بالشام، وإذا تلك اليد قد اشترت
لحماً بدرهم، وحملته فقلت له: أنت ذلك الرجل؟ قال: نعم من رأى ذاك ورأى
[٣٩٣/١٤]
هذا يغتر بالدنيا؟ !.
- عن أبي هاشم الزاهد قال: إن الله تعالى وسم الدنيا بالوحشة ليكون أنس
المريدين به دونها، وليقبل المطيعون إليه بالإعراض عنها، فأهل المعرفة بالله فيها
مستوحشون، وإلى الآخرة مشتاقون.
[٣٩٧/١٤]
- قال سهل بن مزاحم: بُذلت الدنيا لأبي حنيفة فلم يردها، وضُرب عليها بالسياط
فلم يقبلها .
[٣٣٧/١٣]
= باب الدّين ووفائه؟
- جاء رجل إلى الحسن بن عمارة فقال: إن لي على مسعر بن كدام سبعمائة
درهم من ثمن دقيق وغير ذلك، وقد مطلني ويقول: ليس عندي اليوم، فدفعها إليه
الحسن بن عمارة وقال له: اعط مسعراً كلما أراد، وإذا اجتمع لك عليه شيء فتعال
إليَّ حتى أعطيك.
[٣٤٦/٧]
[٤٩/٤]
- قال لقمان لابنه: يا بني إياك والدَّين؛ فإنه ذل النهار وهم الليل.
- عن أبي بكر محمد بن علي بن عبد الله الحداد، وكان من أهل الدين والقرآن
والصلاح عن شيخ سماه قال: حضرت يوم جمعة مسجد الجامع بمدينة المنصور،

٢٧٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
فرأيت رجلاً بين يديَّ في الصف حسن الوقار ظاهر الخشوع دائم الصلاة لم يزل
يتنفل مذ دخل المسجد إلى قرب قيام الصلاة، ثم جلس. قال: فعلتني هيبته، ودخل
قلبي محبته، ثم أقيمت الصلاة، فلم يصل مع الناس الجمعة، فكبر علي ذلك من
أمره، وتعجبت من حاله، وغاظني فعله، فلما قضيت الصلاة تقدمت إليه، وقلت له:
أيها الرجل ما رأيت أعجب من أمرك أطلت النافلة، وأحسنتها، وتركت الفريضة،
وضيعتها؟ فقال: يا هذا إن لي عذراً، وبي علة منعتني عن الصلاة، قلت: وما هي؟
فقال: أنا رجل عليَّ دين اختفيت في منزلي مدة بسببه، ثم حضرت اليوم الجامع
للصلاة، فقبل أن تقام التفت فرأيت صاحبي الذي له الدين علي ورائي فمن خوفه
أحدثت في ثيابي، فهذا خبري، فأسألك بالله إلا سترت عليَّ، وكتمت أمري.
قال: فقلت: ومن الذي له عليك الدَّين؟ قال: دعلج بن أحمد، قال: وكان إلى
جانبه صاحب لدعلج قد صلى، وهو لا يعرفه، فسمع هذا القول، ومضى في الوقت
إلى دعلج فذكر له القصة، فقال له دعلج: امض إلى الرجل واحمله إلى الحمام
واطرح عليه خلعة من ثيابي، وأجلسه في منزلي حتى أنصرف من الجامع، ففعل
الرجل ذلك، فلما انصرف دعلج إلى منزله أمر بالطعام فأحضر، فأكل هو والرجل،
ثم أخرج حسابه، فنظر فيه، وإذا له عليه خمسة آلاف درهم، فقال له: أنظر لا
يكون عليك في الحساب غلط، أو نسي لك نقد، فقال الرجل: لا، فضرب دعلج
على حسابه، وكتب تحته علامة الوفاء، ثم أحضر الميزان، ووزن خمسة آلاف
درهم، وقال له: أما الحساب الأول، فقد حللناك مما بيننا وبينك فيه، وأسألك أن
تقبل هذه الخمسة آلاف الدرهم، وتجعلنا في حل من الروعة التي دخلت قلبك
برؤيتك إيانا في مسجد الجامع.
[٣٨٩/٨]
- عن هشام بن عروة قال: باع قيس بن سعد مالاً من معاوية بتسعين ألفاً، فأمر
منادياً ينادي في المدينة من أراد القرض، فليأت منزل سعد، فأقرض أربعين أو
خمسين، وأجاز بالباقي، وكتب على من أقرضه صكاً، فمرض مرضاً قلَّ عوَّاده،
فقال لزوجته - قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر -: يا قريبة لم ترين قلَّ عوادي؟
قالت: للذي لك عليهم من الدَّين، فأرسل إلى كل رجل بصكه.
[١٧٨/١ ]
باب الذكاة
- عن ابن عباس قال في رجل ذبح ونسي أن يسمي؟ قال: المؤمن اسم من
أسماء الله.
[١٧٥/١١]

٢٧٩
باب الذل * باب الذم والهجاء
باب الذل
- عن أبي بكر بن شاذان قال: قال لي أبو عبيد: بلغني أن الوليد بن أبان قال له
يحيى بن أكثم: ألا تشهد عندي؟ قال: أكره أن أحكم الناس فيَّ، قال: قلت:
أحتاج أن أسأل عنك؟ قال: فأكره أن أحكمك في نفسي. وأخبرت عنه أنه قال:
ثلاث إذا فعلهن الرجل فقد ذل: إذا حدث، وإذا أمَّ الناس، وإذا شهد، فقيل له:
فالتزويج؟ قال: التزويج حال ضرورة، فليس ينبغي للعاقل أن يخطب إلى من يظن
[٤٤١/١٣]
أنه يرده.
=
باب الذم والهجاء
- قال مهيب بن سليم: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: الحامد والذام عندي
واحد أو قال سواء.
[٢ /٣٠]
- كان أبو هشام الباهلي يهجو روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فبينا هو يعبر
الجسر على دجلة بمدينة السلام إذ لقيه أبو نبقة - واسمه الحسين بن الرواس مولى
خزاعة - وكان شاعراً متكلماً، وعاتبه أبو نبقة على هجائه آل المهلب، ثم تدافعا،
وتلاطما، فدفع أبو نبقة أبا هشام فرمى به إلى دجلة، فعلق بحبل الجسر، وبادر إليه
قوم من الملاحين، فأخرجوه، وتشبث به أبو هشام، وكان على أحد الجانبين
المسيب بن زهير الضبي، وعلى الآخرة حمزة بن مالك، أو قال نصر بن مالك
الخزاعي، فأراد الناس أن يرفعوهما إلى السلطان، فقال أبو نبقة: ارفعونا إلى نصر
- أو قال حمزة - وقال أبو هشام: ارفعونا إلى المسيب، ففرق الناس بينهما فقال أبو
نبقة :
قذفت بعبد الباهليين في الجسر
فمن مبلغ عليا خزاعة أنني
فجاش به من لؤمه زبد البحر
قذفت به كي يغرق العبد عنوة
[٤٦/٨]
- عن محمد بن موسى قال: أنشدنا أبو العبر لنفسه يهجو أبا الوليد بن أبي دؤاد:
لتكون إلا مشجباً في مشجب
لو كنت من شيء خلافك لم تكن
لجعلت منها حافراً للأشهب
لو أن لي من جلد وجهك رقعة
[٣٠١/١]
- قال علي بن الجهم يهجو أحمد بن أبي دؤاد وابنه:
بعثت عليك جنادلاً وحديدا
يا أحمد بن أبي دؤاد دعوة

٢٨٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
ورميته بأبي الوليد وليدا
فسدت أمور الدين حين وليته
كهلاً ولا متشبّباً محمودا
لا محكماً جزلاً ولا مستظرفاً
ذكر القلايا مبدياً ومعيدا
شرهاً إذا ذكر المكارم والعُلى
ضَبُعاً وخلت بني أبيه قرودا
وإذا تربع في المجالس خلته
تلك المناخر والثنايا السودا
ما صبّحت بالخير عين أبصرت
[٢٩٨/١]
باب الذنوب
- عن رجل أنه قال لأبي محمد الجريري: كنت على بساط الأنس، وفتح لي
طريق إلى البسط، فزللت زلة، فحجبت عن مقامي، فكيف السبيل إليه دلني على
الوصول إلى ما كنت عليه؟ فبكى أبو محمد، وقال: يا أخي الكل في قهر هذه
الخطة لكني أنشدك أبياتاً لبعضهم فيها جواب مسألتك فأنشأ يقول:
نبكي الأحبة حسرة وتشوقا
قف بالديار فهذه آثارهم
عن أهلها أو صادقاً أو مشفقا
كم قد وقفت بها أسائل مخبراً
فارقت من تهوى فَعَزَّ الملتقى
فأجابني داعي الهوى في رسمها
[٤٣٣/٤]
- عن أبي شميط بن عجلان قال: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه
ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا المقرب، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول
الغفلة ثم رجع بتوبة، فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل
فيه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب شمال.
[٣٤/١٠]
- عن عبد الله بن عمر قال: شرب عبد الرحمن بن عمر، وشرب معه أبو سروعة
عقبة بن الحارث، ونحن بمصر في خلافة عمر بن الخطاب، فسكرا فلما صحوا
انطلقا إلى عمرو بن العاص وهو أمير مصر، فقال: طهرنا، فإنا قد سكرنا من شراب
شربناه، قال عبد الله بن عمر: ولم أشعر أنهما أتيا عمرو بن العاص. قال: فذكر لي
أخي أنه قد سكر فقلت له: ادخل الدار أطهرك، فأذنني أنه قد حدث الأمير. قال
عبد الله بن عمر: قلت: والله لا تحلق اليوم على رؤوس الناس أدخل أحلقك، وكانوا
إذ ذاك يحلقون مع الحد، فدخل معي الدار. قال عبد الله: فحلقت أخي بيدي، ثم
جلدهم عمرو بن العاص، فسمع عمر بن الخطاب، فكتب إلى عمرو أن ابعث إلي
بعبد الرحمن بن عمر على قتب، ففعل ذلك عمرو، فلما قدم عبد الرحمن على عمر