Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب الحفظ
مرة: عن عمرو بن عطية، قال عبد الرحمن: فقلت: رحمك الله يا أبا عبد الله كنت
[١٦٨/٩]
إذا حفظت الشيء لا تبالي من خالفك.
[١٦٨/٩]
- عن سفيان الثوري قال: ما استودعت قلبي شيئاً، فخانني قط.
- عن عبد الله بن داود قال: قدم علينا ابن عيينة الكوفة في حياة الأعمش،
فحدث سفيان في مجلس الأعمش بخمسين حديثاً، وكان الأعمش يحدث سفيان
بحديث، ويحدثه سفيان بحديث، فقال الأعمش لسفيان: يا أبا محمد نفقت السوق،
ترضی اثنین بواحد.
[١٧٥/٩]
- عن عبد الله بن ثابت المقرئ قال:
فعلمك في البيت لا ينفع
إذا لم تكن واعياً حافظاً
وعلمك في البيت مستودع
وتحضر بالعلم في موضع
يكن دهره القهقرى يرجع
ومن يك في دهره هكذا
[٤٢٦/٩]
- عن أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: خرج أبو بكر بن أبي داود إلى سجستان
في أيام عمرو بن الليث، فاجتمع إليه أصحاب الحديث، وسألوه أن يحدثهم، فأبى،
وقال: ليس معي كتاب، فقالوا له: ابن أبي داود، وكتاب! قال أبو بكر: فأثاروني،
فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي، فلما قدمت بغداد، قال البغداديون:
مضى ابن أبي داود إلى سجستان، ولعب بالناس، ثم فيجوا فيجاً(١) اكتروه بستة
دنانير إلى سجستان ليكتب لهم النسخة، فكتبت وجيء بها إلى بغداد، وعرضت على
الحفاظ بها، فخطئوني في ستة أحاديث منها ثلاثة حدثت بها كما حدثت، وثلاثة
[٤٦٦/٩]
أحاديث أخطأت فيها .
- عن الدارقطني قال: كنا ببغداد يوماً جلوساً في مجلس اجتمع فيه جماعة من
الحفاظ يتذاكرون، وذكر الدارقطني أبا طالب الحافظ، وأبا بكر بن الجعابي،
وغيرهما، فجاء رجل من الفقهاء، فسأل الجماعة من روى عن النبي وَالقر: ((جعلت
لي الأرض مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً))، فقالت الجماعة: روى هذا الحديث
فلان وفلان وسموهم، فقال السائل: أريد هذه اللفظة: ((وجعلت تربتها لنا طهوراً))،
فلم يكن عند واحد منهم جواب، ثم قالوا: ليس لنا غير أبي بكر النيسابوري،
فقاموا بأجمعهم إلى أبي بكر، فسألوه عن هذه اللفظة، فقال: نعم حدثنا فلان،
وساق في الوقت من حفظه الحديث، واللفظة فيه.
[١٢٠/١٠]
(١) الفيج: جماعة من الناس.

=
٢٢٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن يحيى بن معين قال: وذكروا عبد الله بن المبارك فقال رجل: إنه لم
يكن حافظاً، فقال يحيى بن معين: كان عبد الله بن المبارك كيساً مستثبتاً ثقة،
وكان عالماً صحيح الحديث، وكانت كتبه التي حدث بها عشرين ألفاً، أو واحداً
وعشرين ألفاً.
[١٦٤/١٠]
- عن محمد بن النضر بن مساور قال: قال أبي: قلت لعبد الله - يعني بن
المبارك -: يا أبا عبد الرحمن هل تحفظ الحديث؟ قال: فتغير لونه، وقال: ما
تحفظت حديثاً قط إنما آخذ الكتاب، فأنظر فيه، فما أشتهيه علق بقلبي. [١٦٥/١٠]
- عن صخر صديق ابن المبارك قال: كنا غلماناً في الكُتَّاب، فمررت أنا وابن
المبارك، ورجل يخطب، فخطب خطبة طويلة، فلما فرغ قال لي ابن المبارك: قد
حفظتها، فسمعه رجل من القوم، فقال: هاتها، فأعادها عليهم ابن المبارك، وقد
[١٦٥/١٠]
حفظها .
- عن عبد الله بن المبارك قال: قال لي أبي: لئن وجدت كتبك لأحرقنها، قال:
فقلت له: وما عليَّ من ذلك، وهو في صدري.
[١٦٦/١٠]
- قال القاضي - أي إسماعيل بن إسحاق -: وكان عليّ بن المديني شديد التوقي
فأصرم على عبد الرحمن بن مهدي، وكان عبد الرحمن يعرف حديثه وحديث غيره،
قال: وكان يذكر له الحديث عن الرجل، فيقول خطأ، ثم يقول: ينبغي أن يكون أتى
هذا الشيخ من حديث كذا من وجه كذا، فنجده كما قال. قال: وقلت له: قد كتبت
حديث الأعمش، وكنت عند نفسي أني قد بلغت فيها، فقلت: ومن يفيدنا عن
الأعمش؟ قال: فقال لي: من يفيدك عن الأعمش! قلت: نعم، قال: فأطرق، ثم
ذكر ثلاثين حديثاً ليست عندي، قال: وتتبع أحاديث الشيوخ الذين لم ألقهم أنا،
ولم أکتب حديثهم عن رجل.
[٢٤٥/١٠]
- عن علي بن المديني قال: قدمت الكوفة فعنيت بحديث الأعمش فجمعته، فلما
قدمت البصرة لقيت عبد الرحمن، فسلمت عليه فقال: هات يا علي ما عندك،
فقلت: ما أحد يفيدني عن الأعمش شيئاً؟ قال: فغضب فقال: هذا كلام أهل العلم،
ومن يضبط العلم، ومن يحيط به، مثلك يتكلم بهذا أمعك شيء يكتب فيه؟ قلت:
نعم، قال: اكتب، قلت: ذاكرني، فلعله عندي قال: اكتب لست أملي عليك إلا ما
ليس عندك، قال: فأملى عليَّ ثلاثين حديثاً لم أسمع منها حديثاً، ثم قال: لا تعد،
قلت: لا أعود، قال علي: فلما كان بعد سنة جاء سليمان إلى الباب، فقال: امض
بنا إلى عبد الرحمن أفضحه اليوم في المناسك، قال علي: وكان سليمان من أعلم

٢٢٣
باب الحفظ
أصحابنا بالحج، قال: فذهبنا، فدخلنا عليه، فسلمنا، وجلسنا بين يديه، فقال:
هاتا ما عندكما، وأظنك يا سليمان صاحب الخطبة؟ قال: نعم ما أحد يفيدنا في
الحج شيئاً، فأقبل عليه بمثل ما أقبل عليَّ، ثم قال: يا سليمان ما تقول في رجل
قضى المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فوقع على أهله؟ فاندفع سليمان فروى:
يتفرقان حيث اجتمعا، ويجتمعان حيث تفرقا، قال: ارو ومتى يجتمعان؟ ومتى
يفترقان؟ قال: فسكت سليمان، فقال: اكتب، وأقبل يلقي عليه المسائل، ويملي
عليه حتى كتبنا ثلاثين مسألة في كل مسألة يروي الحديث والحديثين، ويقول:
سألت مالكاً، وسألت سفيان، وعبيد الله بن الحسن، قال: فلما قمت، قال: لا
تعد ثانياً تقول مثلما قلت، فقمنا وخرجنا، قال: فأقبل عليَّ سليمان، فقال: إيش
خرج علينا من صلب مهدي هذا؟ كأنه كان قاعداً معهم سمعت مالكاً، وسفيان،
[٢٤٥/١٠]
وعبيد الله؟ !.
- عن محمد بن يحيى قال: ما رأيت في يد عبد الرحمن بن مهدي كتاباً قط،
وكل ما سمعت منه سمعته حفظاً .
[٢٤٧/١٠]
- عن علي بن المحسن التنوخي قال: أخبرني أبي قال: دخل إلينا أبو عبد الله
الختلي إلى البصرة، وهو صاحب حديث جلد، وكان مشهوراً بالحفظ، فجاء وليس
معه شيء من كتبه، فحدث شهوراً إلى أن لحقته كتبه، فسمعته يقول: حدثت
بخمسين ألف حديث من حفظي إلى أن لحقتني كتبي.
[٢٩٠/١٠]
- عن أم عمر، وبنت شمر قالت: سمعت سويد بن غفلة يقرأ: (وعيس عين) يريد
حور عين، قال صالح: ألقيت هذا على أبي زرعة، فبقي متعجباً، وقال: أنا أحفظ
[٣٢٩/١٠]
في القراءات عشرة آلاف حديث. قلت: فتحفظ هذا؟ قال: لا .
- عن أبي زرعة الرازي قال: دخلت البصرة، فصرت إلى سليمان الشاذكوني يوم
الجمعة، وهو يحدث، وهو أول مجلس جلست إليه، فقال: حدثنا يزيد بن زريع عن
محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن قتادة عن محمود بن لبيد عن جابر عن
النبي ◌ُّيقول: ((ما من رجل يموت له ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم))،
فقلت للمستملي: ليس هذا من حديث عاصم بن عمر، إنما هذا رواه محمد بن
إبراهيم، فقال له، فرجع إلى محمد بن إبراهيم، قال: وذكر في هذا المجلس أيضاً
فقال: حدثنا ابن أبي غنية عن أبيه عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير عن أبيه أنه
قال: (لا حلف في الإسلام) قال: فقلت: هذا وهم، وهم فيه إسحاق بن سليمان،
وإنما هو سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير، قال: من يقول هذا؟ قلت: حدثنا

٢٢٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
إبراهيم بن موسى الفراء حدثنا ابن أبي غنية عن أبيه عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن
جبير، قال: فغضب، ثم قال لي: ما تقول فيمن جعل الأذان مكان الإقامة؟ قلت:
يعيد، قال: من قال هذا؟ قلت: الشعبي، قال: من عن الشعبي؟ قلت: حدثنا قبيصة
عن سفيان عن جابر عن الشعبي، قال: ومن غير هذا؟ قلت: إبراهيم، قال: من عن
إبراهيم؟ قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا منصور ابن أبي الأسود عن مغيرة عن إبراهيم،
قال: أخطأت، قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا جعفر الأحمر عن مغيرة عن إبراهيم،
قال: أخطأت، قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا أبو كدينة عن مغيرة عن إبراهيم، قال:
أصبت، قال أبو زرعة: كتبت هذه الأحاديث الثلاثة عن أبي نعيم فما طالعتها منذ
كتبتها فاشتبه عليَّ، ثم قال: وأيُّ شيء غير هذا؟ قلت: معاذ بن هشام عن أشعث
عن الحسن، قال: هذا سرقته مني، ـ وصدق - كان ذاکرني به رجل ببغداد، فحفظته
عنه .
[٣٢٩/١٠]
- عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حضر عند أبي زرعة محمد بن مسلم،
والفضل بن العباس المعروف بالصائغ، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن مسلم
حديثاً فأنكر فضل الصائغ، فقال: يا أبا عبد الله ليس هكذا هو، فقال: كيف هو؟
فذكر رواية أخرى، فقال محمد بن مسلم: بل الصحيح ما قلتُ، والخطأ ما قلتَ،
قال فضلك(١): فأبو زرعة الحاكم بيننا، فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة: إيش تقول
أينا المخطئ؟ فسكت أبو زرعة، ولم يجب، فقال محمد بن مسلم: ما لك سكت
تكلم؟ فجعل أبو زرعة يتغافل، فألح عليه محمد بن مسلم، وقال: لا أعرف
لسكوتك معنى، إن كنت أنا المخطئ فأخبر، وإن كان هو المخطئ فأخبر، فقال:
هاتوا أبا القاسم ابن أخي، فدعي به، فقال: اذهب، فادخل بيت الكتب، فدع
القمطر الأول، والقمطر الثاني، والقمطر الثالث، وعد ستة عشر جزءاً، وائتني
بالجزء السابع عشر، فذهب، فجاء بالدفتر، فدفعه إليه، فأخذه أبو زرعة، فتصفح
الأوراق، وأخرج الحديث، ودفعه إلى محمد بن مسلم، فقرأه محمد بن مسلم،
[٣٣٠/١٠ - ٣٣١]
فقال: نعم، غلطنا، فكان ماذا؟ !!.
- عن عبد الرحمن قال: سمعت أبا زرعة يقول: سمعت من بعض المشايخ
أحاديث، فسألني رجل من أصحاب الحديث، فأعطيته كتابي، فرد عليَّ الكتاب بعد
ستة أشهر، فأنظر في الكتاب، فإذا أنه قد غير في سبعة مواضع، قال أبو زرعة:
(١) كذا في المطبوع، والصواب: أفضل.

=
٢٢٥
باب الحفظ
فأخذت الكتاب، وصرت إلى عنده، فقلت له: ألا تتقي الله تفعل مثل هذا! قال
أبو زرعة: فأوقفته على موضع، وأخبرته، وقلت له: أما هذا الذي غيرت، فإن
هذا الذي جعلت ابن أبي فديك، فإنه عن أبي ضمرة مشهور، وليس هذا من
حديث ابن أبي فديك، وأما هذا فإنه كذا وكذا فإنه لا يجيء عن فلان، وإنما هو
كذا، وأما كذا وكذا فلم أزل أخبره حتى أوقفته على كله، ثم قال: أما إني قد
حفظت جميع ما فيه في الوقت الذي انتخبت على الشيخ، ولو لم أحفظه لكان لا
يخفى علي مثل هذا، فاتق الله يا رجل، فقلت له: من ذلك الرجل الذي فعل
[٣٣١/١٠]
هذا؟ فأبى أن يسميه.
- لما انصرف قتيبة بن سعيد إلى الري سألوه أن يحدثهم، فامتنع وقال: أحدثكم
بعد أن حضر مجالسي أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو
بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، قالوا له: فإن عندنا غلاماً يسرد كل ما حدثت به
مجلساً مجلساً، قم يا أبا زرعة، فقام أبو زرعة، فسرد كل ما حدث به قتيبة،
[٣٣٣/١٠]
فحدثهم قتيبة .
- عن إسحاق بن راهويه قال: كل حديث لا يعرفه أبو زرعة الرازي ليس له
أصل.
[٣٣٣/١٠]
- عن أحمد بن علي بن المثنى قال: رحلت إلى البصرة للقاء المشايخ أبي الربيع
الزهراني، وهدبة بن خالد، وسائر المشايخ، فبينا نحن قعود في السفينة إذا أنا برجل
يسأل رجلاً، فقال: ما تقول رحمك الله في رجل حلف بطلاق امرأته ثلاثاً أنك
تحفظ مائة ألف حديث؟ فأطرق رأسه ملياً، ثم رفع، فقال: اذهب يا هذا، وأنت بار
في يمينك، ولا تعد إلى مثل هذا، فقلت: من الرجل؟ فقيل لي: أبو زرعة الرازي
[٣٣٥/١٠]
كان ينحدر معنا إلى البصرة.
- عن أبي عدي بن عبد الله قال: كنت بالري، وأنا غلام في البزازين، فحلف
رجل بطلاق امرأته أن أبا زرعة يحفظ مائة ألف حديث، فذهب قوم إلى أبي زرعة
بسبب هذا الرجل هل طلقت امرأته أم لا؟ فذهبت معهم، فذكر لأبي زرعة ما ذكر
الرجل، فقال: ما حمله على ذلك؟ فقيل له! قد جرى الآن منه ذلك، فقال أبو
زرعة: قل له: يمسك امرأته فإنها لم تطلق عليه، أو كما قال.
[٣٣٥/١٠]
- سئل أبو زرعة الرازي عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف
حديث هل حنث؟ فقال: لا، ثم قال أبو زرعة: أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ
الإنسان ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث.
[٣٣٥/١٠]

=
٢٢٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
[٤١٠/١٠]
- عن الأصمعي قال: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة.
- عن أحمد بن يحيى عن أحمد بن عمر بن بكير النحوي قال: لما قدم الحسن بن
سهل العراق قال: أحب أن أجمع قوماً من أهل الأدب، فيخرجون بحضرتي في
ذلك، فحضر أبو عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي، ونصر بن علي الجهضمي،
وحضرت معهم، فابتدأ الحسن، فنظر في رقاع كانت بين يديه للناس في حاجاتهم،
ووقع عليها، فكانت خمسين رقعة، ثم أمر فدفعت إلى الخازن، ثم أقبل علينا،
فقال: قد فعلنا خيراً، ونظرنا في بعض ما نرجو نفعه من أمور الناس والرعية، فنأخذ
الآن فيما نحتاج إليه، فأفضنا في ذكر الحفاظ، فذكرنا الزهري، وقتادة، ومررنا،
فالتفت أبو عبيدة فقال: ما الغرض أيها الأمير في ذكر ما مضى؟ وإنما نعتمد في
قولنا على حكاية عن قوم مضوا، ونترك ما نحضره ها هنا من يقول: إنه ما قرأ كتاباً
قط، فاحتاج إلى أن يعود فيه، ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه، فالتفت الأصمعي
فقال: إنما يريدني بهذا القول يا أمير المؤمنين، والأمر في ذلك على ما حكى، وأنا
أقرب عليه قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع، وأنا أعيد ما فيها، وما وقع به
الأمير على رقعة رقعة على توالي الرقاع، قال: فأمر فأحضر الخازن، وأحضرت
الرقاع، وإذا الخازن قد شكها على توالي نظر الحسن فيها، فقال الأصمعي: سأل
صاحب الرقعة الأولى كذا، واسمه كذا فوقع له كذا، والرقعة الثانية، والثالثة حتى
مر في نيف وأربعين رقعة. فالتفت إليه نصر بن علي فقال: يا أيها الرجل اتق على
نفسك من العين، فكف الأصمعي.
[١٠ /٤١٤]
- عن البرقاني قال: حضرت يوماً عند عمر بن نوح لأسمع منه، وقد قرأ عليه
بعض جزء، فسمعت باقيه، فلما كان بعد ذلك أخذته من أبي منصور ابن الكرخي
لأقرأ فواتي منه، فجئت إليه، وكان قد أضر، فقلت له: يا سيدي أريد أن أقرأ فواتي
من الجزء الفلاني، ومعي نسخة أبي منصور ابن الكرخي لعلمي أنه كان يثق إلى
ضبطه، فقال: اقرأ فقرأت، فبلغت إلى حديث، فقال: ليس هذا الحديث كذا،
فقلت: ما أشك فيه؟ وهذا نقل أبي منصور ابن الكرخي، فقال: يا جارية امضٍ إلى
السفط الفلاني، فجيئيني بالرزمة الفلانية، فجاءت بها، فلم يزل يخرج جزءاً جزءاً،
ويتأمل قدودها إلى أن قال: اقرأ هذه الترجمة، فقرأت تراجم إلى أن وجدنا الجزء،
فقال: أخرج الحديث فأخرجته، فإذا هو كما قال، فقلت: يا سيدي من أين لك هذا
مع طول العهد؟ فقال: إني خرجت في بعض السنين إلى بعض القرى، فأخذت
سماعاتي، فنظرت فيها، فحفظت منها شيئاً .
[٢٥٦/١١]

٢٢٧
باب الحفظ
- وذكر ابن البقال عن عبد الرحمن بن زبَّان الطائي أنه قال: رجعت من بعض
سفري، فوجدت كتبي قد ذهبت، فكتبت من حفظي عشرين ألف حديث، أو قال:
[٢٦٨/١١]
ثلاثين ألف حديث استدراكاً مما ذهب.
- عن موسى بن داود قال: ما رأيت أحفظ من علي بن الجعد كنا عند أبي ذئب،
فأملى علينا عشرين حديثاً، فحفظها، فأملاها علينا .
[٣٦١/١١]
- عن خلف بن سالم قال: صرت أنا ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل إلى علي بن
الجعد، فأخرج إلينا كتبه، وألقاها بين أيدينا وذهب، فظننا أنه يتخذ لنا طعاماً، فلم
نجد في كتابه إلا خطأ واحد، فلما فرغنا من الطعام قال: هاتوا، فحدث بكل شيء
[٣٦١/١١]
كتبناه حفظاً .
- قال علي بن المديني: ما نظرت في كتاب شيخ، فاحتجت إلى السؤال به عن
غيري.
[٤٦٤/١١]
- عن الأزهري قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس إسماعيل
الصفار، فجلس ينسخ جزءاً كان معه، وإسماعيل يملي، فقال له بعض الحاضرين:
لا يصح سماعك، وأنت تنسخ، فقال له الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف فهمك،
ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطني:
أملى ثمانية عشر حديثاً، فعُدت الأحاديث فوجدت كما قال، ثم قال أبو الحسن:
الحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان عن
فلان، ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث، ومتونها على ترتيبها في الإملاء
حتى أتى على آخرها، فتعجب الناس منه - أو كما قال.
[٣٦/١٢]
- عن التنوخي قال: أخبرنا أبي حدثني أبي قال: سمعت أبي ينشد يوماً ولي إذ
ذاك خمسة عشر سنة بعض قصيدة دعبل الطويلة التي يفخر فيها باليمن، ويعد
مناقبهم، ويرد على الكميت فيها فخره بنزار، فأولها :
كفاك اللوم مر الأربعينا
أفيقي من ملامك يا ظعينا
وهي نحو ستمائة بيت، فاشتهيت حفظها لما فيها من مفاخر اليمن أهلي، فقلت
له: سيدي تخرجها لي حتى أحفظها فدافعني، فألححت عليه، فقال: كأني بك
تأخذها فتحفظ منها خمسين بيتاً أو مائة بيت، ثم ترمي بالكتاب، وتخلقه عليَّ،
فقلت: ادفعها إليَّ، فأخرجها، وسلمها إليَّ، وقد كان كلامه أثّر فيَّ، فدخلت حجرة
لي كانت برسمي من داره، فخلوت فيها، ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير
حفظها، فلما كان في السحر كنت قد فرغت من جميعها، وأتقنتها، فخرجت إليه

=
٢٢٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
غدوة على رسمي، فجلست بين يديه، فقال: هيه كم حفظت من قصيدة دعبل؟
فقلت: قد حفظتها بأسرها، فغضب - وقد رآني قد كذبته -، وقال: هاتها، فأخرجت
الدفتر من كمي، وفتحته، فنظر فيه، وأنا أنشد إلى أن مضيت في أكثر من مائة
بيت، فصفح منها عدة أوراق، وقال: انشد من ها هنا فأنشدته إلى أن مضيت في
أكثر من مائة بيت آخر، فصفح إلى أن قارب آخرها بمائة بيت، وقال: انشد من
ها هنا، فأنشدته من مائة بيت منها إلى آخرها، فهاله ما رآه من حسن حفظي فضمني
إليه، وقبَّل رأسي وعيني، وقال: بالله يا بني لا تخبر بهذا أحداً؛ فإني أخاف عليك
[٧٨/١٢]
العين.
- عن أحمد بن يحيى قال: كان عليّ الأحمر - علي ابن المبارك - مؤدب الأمين
يحفظ أربعين ألف بيت شاهد في النحو سوى ما كان يحفظ من القصائد، وأبيات
الغريب.
[١٠٤/١٢]
- عن الشعبي قال: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل
بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده عليَّ.
[٢٢٩/١٢]
- عن الشعبي قال: ما سمعت منذ عشرين سنة رجلاً يحدث بحديث إلا أنا أعلم
[٢٢٩/١٢]
به منه، ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان به عالماً.
- عن أبي معاوية قال: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، وكان إذا كان عند
الرجل خمسة أحاديث، أو أكثر جاء، فاستودعها محمد بن إسحاق، وقال: احفظها
عليَّ فإن نسيتها كنت قد حفظتها عليّ.
[٢٢٠/١]
- عن أحمد بن يسار بن أيوب - وذكر من كان ببلخ من أهل العلم - فقال: وكان
بها إنسان يقال له: ابن أبي يعقوب، واسمه محمد بن إسحاق أبو عبد الله، وكان لا
يخضب، وكان قد قارب ثمانين سنة، وكان آية من الآيات في حفظ الحديث،
ومعرفة أيام الناس، وله لسان وبصر بالشعر ومعرفة بالأدب، ولا يكلمه إنسان إلا
علاه في كل فن.
[٢٣٥/١]
- عن أبي حاتم الجوزجاني قال: إن ابن أبي يعقوب كان إذا نظر إلى العربي
يقول: ممن الرجل؟ فيقول: من بني فلان، فيقول: أتعرف من فيهم من الشعراء؟ ثم
يبتدئ فيقول: فلان وشعره كذا، وفلان وشعره كذا، والعلماء منهم فلان وفلان،
ومن صحب النبي ◌َّ منهم فلان وفلان، ومن كان منهم من القوَّاد، قال: فيبقى
الرجل مبهوتاً، وإن ناظره صاحب عربية، قال: فيحدث كلمة فيقول: تعرف كذا
وكذا؟ فإن قال: ليست هذه عربية. قال: يقول فيها الشاعر كذا وكذا، وقال فلان

٢٢٩
باب الحفظ
وفلان: كذا وكذا، فيضع شعراً على تلك الكلمة، وإن لقي صاحب حديث فيذاكره،
فيسأله عن أبواب لا يعرف فيها حديث فيقول: فيه كذا وفيه كذا، وزعموا أنه ذاكر
ابن الشاذكوني، فكان كل واحد منهما ينتصف من صاحبه، فقال له ابن أبي يعقوب:
أي شيء عندك في كذا؟ فلم يكن عند سليمان في ذلك شيء، قال: فروى له فيه
باباً، ثم قام، فقال ابن الشاذكوني: ليس من ذا شيء.
[٢٣٥/١]
- عن أحيد بن أبي جعفر قال: قال محمد بن إسماعيل يوماً: رب حديث سمعته
بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، قال: فقلت له: يا أبا
[١١/٢]
عبد الله بكماله؟ قال: فسكت.
- عن بندار محمد بن بشار قال: حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن
الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل
البخاري ببخاری.
[١٦/٢]
- عن محمد بن أبي حاتم الوراق قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ذاكرني
أصحاب عمرو بن علي بحديث، فقلت: لا أعرفه، فسروا بذلك، وساروا إلى
عمرو بن علي فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديث، فلم يعرفه، فقال
عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
[١٨/٢]
- عن أبي علي صالح بن محمد البغدادي قال: كان محمد بن إسماعيل يجلس
ببغداد وكنت أستملي له ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفاً، وقال محمد بن
أبي بكر: سمعت أبا صالح خلف بن محمد يقول: سمعت محمد بن يوسف بن
عاصم يقول: رأيت لمحمد بن إسماعيل ثلاث مستملين ببغداد، وكان اجتمع في
مجلسه زيادة على عشرين ألف رجل، حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي قال:
أنبأنا أحمد بن الحسن الرازي قال: سمعت أبا أحمد بن عديّ يقول: سمعت عدة
مشايخ يحكون: أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب
الحديث، فاجتمعوا، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا
متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوا إلى عشرة أنفس:
إلى كل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على
البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من
الغرباء من أهل خراسان، وغيرها ومن البغداديين.
فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من
تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال

٢٣٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، فكان
الفهماء ممن حضروا المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: الرجل فهم، ومن
كان منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير، وقلة الفهم، ثم انتدب
رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال
البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحداً
بعد آخر حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب إليه الثالث
والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا
يزيدهم على لا أعرفه.
فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك
الأول، فهو كذا، وحديثك الثاني فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتى
على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين
مثل ذلك ورد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقر له
الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل، وكان ابن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل
يقول: الكبش النطاح !!.
[٢٠/٢ _ ٢١]
- عن محمد بن إدريس الرازي قال: يقدم عليكم رجل من أهل خراسان لم يخرج
منها أحفظ منه، ولا قدم العراق أعلم منه . - يعني البخاري ..
[٢٣/٢]
- عن علي بن الحسين بن عاصم البيكندي قال: قدم علينا محمد بن إسماعيل،
فاجتمعنا عنده، ولم يكن يتخلف عنه من المشايخ أحد، فتذاكرنا عنده، فقال رجل
من أصحابنا - أراه حامد بن حفص -: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني أنظر
إلى سبعين ألف حديث من كتابي، قال: فقال محمد بن إسماعيل: أو تعجب من
هذا؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف حديث من كتابه !! وإنما عنى
نفسه .
[٢٥/٢]
- عن البخاري قال: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث
غير صحيح.
[٢٥/٢]
- عن عمر بن حفص الأشقر قال: لما قدم رجاء بن مرجي المروزي الحافظ
بخارى يريد الخروج إلى الشاش نزل الرباط، وصار إليه مشايخنا، وصرت فيمن
صار إليه، فسألني عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، فأخبرته بسلامته، وقلت له:
لعله يجيئك الساعة، فأملى علينا، وانقضى المجلس، ولم يجئ أبو عبد الله، فلما
كان اليوم الثاني لم يجئه، فلما كان اليوم الثالث، قال رجاء: إن أبا عبد الله لم يرنا

٢٣١
باب الحفظ
أهلاً للزيارة، فمروا بنا إليه نقضي حقه، فأبى علي الخروج، وكان كالمترغم عليه،
فجئنا بجماعتنا إليه، ودخلنا على أبي عبد الله، وسأل به، فقال له رجاء: يا أبا
عبد الله كنت بالأشواق إليك وأشتهي أن تذكر شيئاً من الحديث؛ فأبى عليّ
الخروج، قال: ما شئت؟ فألقى عليه رجاء شيئاً من حديث أيوب، وأبو عبد الله
يجيب، إلى أن سكت رجاء عن الإلقاء، فقال لأبي عبد الله: ترى بقي شيء لم
نذكره؟ فأخذ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يلقي، ويقول رجاء: من روى هذا؟
وأبو عبد الله يجيء بإسناده إلى أن ألقى قريباً من بضعة عشر حديثاً أو أكثر أعدها،
وتغير رجاء تغيراً شديداً، وحانت من أبي عبد الله محمد بن إسماعيل نظرة إلى وجهه
فعرف التغير فيه فقطع الحديث، فلما خرج رجاء قال أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل: أردت أن أبلغ به ضعف ما ألقيته إلا أني خشيت أن يدخله شيء
[٢٦/٢]
فأمسكت.
- عن محمد بن حمدون الحافظ قال: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري، فجاء
مسلم بن الحجاج، فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزبير عن جابر قال:
بعثنا رسول الله ﴿ في سرية، ومعنا أبو عبيدة: فقال محمد بن إسماعيل: حدثنا ابن
أبي أويس قال: حدثني أخي أبو بكر عن سليمان بن بلال عن عبيد الله عن أبي
الزبير عن جابر: القصة بطولها، فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمد عن ابن
جريج عن موسى بن عقبة قال: حدثني سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة
قال: (كفارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا
إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك). فقال له مسلم: في الدنيا أحسن من هذا
الحديث؟ ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل، يعرف بهذا الإسناد في الدنيا
حديثاً؟ قال له محمد: لا، إلا أنه معلول، فقال مسلم: لا إله إلا الله، وارتعد
وقال: أخبرني به، قال: استر ما ستر الله، فإن هذا حديث جليل رواه الخلق عن
حجاج بن محمد عن ابن جريج، فألح عليه، وقبل رأسه، وكاد أن يبكي مسلم،
فقال له أبو عبد الله: اكتب إن كان لا بد: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: نبأنا
وهيب قال: حدثني موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله قال: قال رسول الله ولايته :
((كفارة المجلس)). فقال له مسلم: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا
[٢٩/٢]
مثلك .
- عن أحمد بن سلمة قال: ما رأيت بعد إسحاق - يعني ابن راهويه - ومحمد بن
يحيى، أحفظ للحديث، ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم محمد بن إدريس.
[٢ /٧٥]

٢٣٢
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
- عن عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: وقد رأى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين،
وأبا بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وغيرهم، فقلت له: فرأيت أبا زرعة؟ فقال: لا،
وقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: قال لي هشام بن عمار: أي شيء تحفظ عن
الأذْوَاء؟ قلت له: ذو الأصابع، وذو الجوشن، وذو الزوائد، وذو اللحية الكلابي،
وعددت له ستة، فضحك وقال: حفظنا نحن ثلاثة، وزدت أنت ثلاثة.
[٧٦/٢]
- عن أبي بكر بن دريد قال: كان أبو عثمان الأشنانداني معلمي، وكان عمي
الحسين بن دريد يتولى تربيتي، فإذا أراد الأكل استدعى أبا عثمان يأكل معه، فدخل
عمي يوماً وأبو عثمان المعلم يرويني قصيدة الحارث بن حلزة التي أولها:
آذنتنا ببينها أسماء
فقال لي عمي: إذا حفظت هذه القصيدة، وهبت لك كذا وكذا، ثم دعا بالمعلم
ليأكل معه، فدخل إليه، فأكلا وتحدثا بعد الأكل ساعة، فإلى أن رجع المعلم
حفظت ديوان الحارث بن حلزة بأسره، فخرج المعلم فعرفته ذلك، فاستعظمه، وأخذ
يعتبره عليّ فوجدني قد حفظته، فدخل إلى عمي فأخبره، فأعطاني ما كان وعدني به.
قال أبو الحسن: وكان أبو بكر واسع الحفظ جداً، ما رأيت أحفظ منه، كان يقرأ
عليه دوادوين العرب كلها أو أكثرها فيسابق إلى إتمامها ويحفظها، وما رأيته قط قرئ
[١٩٦/٢]
عليه ديوان شاعر إلا وهو يسابق إلى روايته لحفظه له.
- عن محمد بن حميد قال: دخلت بغداد فاستقبلني أحمد بن حنبل ويحيى
فسألوني أحاديث يعقوب القمي، فوزعوا الأوراق فيما بينهم وكتبوه، وقرأته
[٢٥٩/٢]
عليهم .
- عن علي بن أبي علي قال: إن جميع كتب غلام ثعلب التي في أيدي الناس إنما
أملاها بغير تصنيف، ولسعة حفظه اتهم بالكذب، وكان يسأل عن الشيء الذي يقدّر
السائل أنه قد وضعه فيجيب عنه، ثم يسأله غيره عنه بعد سنة على مواطئه، فيجيب
[٣٥٧/٢]
بذلك الجواب بعينه.
- قال بعض أهل بغداد: أنا أصحف لغلام ثعلب القنطرة، وأسأله عنها فإنه يجيب
بشيء آخر، فلما صرنا بين يديه، قال له: أيها الشيخ ما القنطرة (١) عند العرب؟
فقال: كذا وذكر شيئاً قد أنسينا ما قال، فتضاحكنا، وأتممنا المجلس، وانصرفنا،
(١) كذا في المطبوع وهو غلط، والصواب: ما القبطرة؟ لأنه تصحيف للقنطرة. وكذا في وفيات
الأعيان ٤/ ٣٣١.

٢٣٣
باب الحفظ
فلما كان بعد شهور ذكرنا الحديث، فوضعنا رجلاً غير ذلك، فسأله فقال: ما
القبطرة؟ فقال: أليس قد سئلت عن هذه المسألة منذ كذا وكذا شهراً؟ فقلت: هي
كذا. قال: فما درينا في أي الأمرين نعجب، في ذكائه إن كان علماً فهو اتساع
طريق، أو كان كذباً علمه في الحال، ثم قد حفظه، فلما سئل عنه ذكر الوقت
والمسأله فأجاب بذلك الجواب، فهو أظرف.
[٣٥٧/٢]
- عن ابن سعد قال: كان الواقدي يقول: ما من أحد إلا وكتبه أکثر من حفظه،
وحفظي أكثر من كتبي.
[٦/٣]
- عن محمد بن موسى البربري قال: قال المأمون الواقدي: أريد أن تصلي
الجمعة غداً بالناس، قال: فامتنع، قال: لا بد من ذلك. فقال: لا والله يا أمير
المؤمنين، ما أحفظ سورة الجمعة، قال: فأنا أحفظك، قال: فافعل، فجعل المأمون
يلقنه سورة الجمعة حتى يبلغ النصف منها، فإذا حفظه ابتدأ بالنصف الثاني، فإذا
حفظ النصف الثاني نسي الأول، فأتعب المأمون ونعس، فقال لعلي بن صالح: يا
علي حفّظه أنت، قال علي: ففعلت ونام المأمون، فجعلت أحفظه النصف الأول
فيحفظه، فإذا حفظته النصف الثاني نسي الأول، وإذا حفظته النصف الأول نسي
الثاني، وإذا حفظته الثاني نسي الأول، فاستيقظ المأمون فقال لي: ما فعلت؟
فأخبرته، فقال: هذا رجل يحفظ التأويل، ولا يحفظ التنزيل، اذهب فصل بهم،
[٧/٣ - ٨]
واقرأ أي سورة شئت.
- عن مجاهد بن موسى وسئل عن الواقدي فقال: ما كتبت عن أحد أحفظ منه،
لقد جاء رجل من بعض هؤلاء الكُتَّاب يسأله عن الرجل لا يستطيع أن يصلي قائماً
فجعل يقول: حدثنا فلان عن فلان يصلي قاعداً، يصلي على جنبه، يصلي بحاجبيه،
فقال لي: سمعت من هذا شيئاً؟ قلت: لا! قال: وبلغني عن الشاذكوني أنه قال: إما
أن يكون أصدق الناس، وإما أن يكون أكذب الناس! وذلك أنه كتب عنه، فلما أراد
أن يخرج جاء بالكتاب فسأله، فاذا هو لا يغير حرفاً .
[١١/٣]
- عن أبي علي الحافظ قال: ما رأيت في المشايخ أحفظ من عبدان، ولا رأيت
أحفظ لحديث أهل الكوفة من أبي العباس بن عقدة، ولا رأيت في أصحابنا أحفظ
من أبي بكر بن الجعابي، وذاك أني حسبت أبا بكر من البغداديين الذين يحفظون
شيخاً واحداً، أو ترجمة واحدة أو باباً واحداً، فقال لي أبو إسحاق بن حمزة يوماً:
يا أبا علي لا تغلط في أبي بكر بن الجعابي، فإنه يحفظ حديثاً كثيراً، فخرجنا يوماً
من عند أبي محمد بن صاعد، وهو يسايرني، وقد توجهنا إلى طريق بعيد فقلنا له:

٢٣٤
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
يا أبا بكر! إيش أسند الثوري عن منصور؟ فمر في الترجمة، فقلت له: إيش عند
أيوب السختياني عن الحسن؟ فمر فيه، فما زلت أجره من حديث مصر إلى الشام
إلى العراق إلى أفراد الخراسانيين، وهو يجيب، فقلت له: إيش روى الأعمش عن
أبي صالح عن أبي هريرة وأي سعيد بالشركة؟ فأخذ يسرد هذه الترجمة حتى ذكر
بضعة عشر حديثاً، فحيرني في حفظه، قال محمد بن عبد الله: فسمعت أبا بكر بن
الجعابي عند منصرفه من حلب، وأنا ببغداد يذكر فضل أبي علي وحفظه، فحكيت له
هذه الحكاية، فقال: يقول هذا القول، وهو أستاذي في الحقيقة، قلت: حسب ابن
الجعابي شهادة أبي علي له أنه لم ير في البغداديين أحفظ منه.
[٢٧/٣]
- عن أبي بكر الجعابي قال: دخلت الرقة فكان لي ثم قِمَظْرين كتباً، فأنفذت
غلامي إلى ذلك الرجل الذي كتبي عنده، فرجع الغلام مغموماً فقال: ضاعت
الكتب، فقلت: يا بني لا تغم، فإن فيها مائتي ألف حديث لا يشكل علي منها
حديث لا إسناداً ولا متناً .
[٢٨/٣]
- عن علي بن أبي علي المعدل قال: ما شاهدنا أحفظ من أبي بكر بن الجعابي،
وسمعت من يقول: إنه يحفظ مائتي ألف حديث، ويجيب في مثلها، إلا أنه كان
يفضل الحفاظ، فإنه كان يسوق المتون بألفاظها، وأكثر الحفاظ يتسامحون في ذلك،
وإن أثبتوا المتن، وإلا ذكروا لفظة منه، أو طرفاً، وقالوا، وذكر الحديث، وكان
يزيد عليهم بحفظه المقطوع، والمرسل، والحكايات، والأخبار، ولعله كان يحفظ
من هذا قريباً مما يحفظ من الحديث المسند الذي يتفاخر الحفاظ بحفظه، وكان
إماماً في المعرفة بعلل الحديث، وثقات الرجال من معتلُّهم، وضعفائهم،
وأسمائهم، وأنسابهم، وكناهم، ومواليدهم، وأوقات وفاتهم، ومذاهبهم، وما يطعن
به على كل واحد، وما يوصف به من السداد، وكان في آخر عمره قد انتهى هذا
العلم إليه، حتى لم يبق في زمانه من يتقدمه فيه في الدنيا .
[٢٨/٣]
- عن الجعابي قال: أحفظ أربعمائة ألف حديث، وأذاكر بستمائة ألف
[٢٨/٣]
حدیث.
- عن الأزهري بن ديران قال: وعد ابن الجعابي أصحاب الحديث يوماً يملي
فيه، فتعمد ابن مظفر الإملاء في ذلك اليوم، وألزمني الحضور عنده ففعلت، ثم
انصرفت من المجلس فلقيني ابن الجعابي وقال لي: ذهبت إلى ابن المظفر، وتنكبت
الطريق التي تؤديك إليّ للاستحياء مني؟ فقلت: قد كان ذاك، فقال: كم عدد
الأحاديث التي أملاها؟ فقلت: كذا وكذا، فقال: أيما أحب إليك؟ تذكر إسناد كل

٢٣٥
باب الحفظ
حديث، وأذكر لك متنه، أو تذكر لي متنه، وأذكر لك إسناده، فقلت: بل أذكر
المتون، فقال: افعل ذاك، فجعلت أقول له: روى حديثاً متنه كذا، فيقول: هو عنده
عن فلان عن فلان حتى ذكرت له متون جميع الأحاديث، وأخبرني بأسانيدها كلها،
فلم يخطئ في شيء منها .
[٢٩/٣]
- عن أبي العباس بن عقدة قال داود بن يحيى: يقول الناس فيقولون: أبو زرعة،
وأبو حاتم في الحفظ! والله ما رأيت أحفظ من قرطمة - محمد بن علي - دخلت عليه
غرفته، وبين يديه كتب وكيع سماعه من عمرو الأزدي مصبوبة، فقال: ترى هذه
الكتب المصبوبة؟ أيما أحب اليك أن أذكر من أول الباب إلى آخره، أو من آخر
الباب إلى أوله؟ فقال: خذ أي كتاب شئت، فقلت: كتاب الأشربة - وكان من أشق
كتبه ـ فجعل يذكر من آخر الباب إلى أوله حتى أتى على الكتاب كله.
[٦٦/٣]
- عن أبي علي إسماعيل بن القاسم القالي قال: وكان أبو بكر ابن الأنباري يحفظ
فيما ذكر ثلثمائة ألف بيت شاهد في القرآن.
[١٨٢/٣]
- عن حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق قال: كان أبو بكر ابن الأنباري يملي كتبه
المصنفة، ومجالسه المشتملة على الحديث، والأخبار، والتفاسير، والأشعار، كل
[١٨٢/٣]
ذلك من حفظه.
- عن هبة الله بن الحسن الطبري قال: أن الباغندي كان يسرد الحديث من حفظه،
وبهذه مثل تلاوة القرآن للسريع القراءة، قال: وكان يقول: حدثنا فلان وحدثنا فلان
- وهو يحرك رأسه - حتى تسقط عمامته.
[٢١١/٣]
- عن محمد بن جعفر قال: مات ابن الأنباري فلم نجد من تصنيفه إلا شيئاً يسيراً
وذاك أنه إنما كان يملي من حفظه، وقد أملى كتاب غريب الحديث، قيل: إنه خمس
وأربعون ألف ورقة، وكتاب شرح الكافي، وهو نحو ألف ورقة، وكتاب الهاءات
نحو ألف ورقة، وكتاب الأضداد - وما رأيت أكبر منه - وكتاب المشكل أملاه وبلغ
إلى (طه)، وما أتمه، وقد أملاه سنين كثيرة، والجاهليات سبعمائة ورقة، والمذكر
والمؤنث ما عمل أحد أتم منه، وعمل رسالة المشكل رداً على ابن قتيبة، وأبي
حاتم، ونقضاً لقولهما .
[١٨٤/٣]
- عن أبي العباس بن عقدة قال: أحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله وله
وأهل البيت، قال ابن البادا: فجئت إلى أبي الحسين بن المظفر، فأخبرته بقول
[٢١٠/٣]
الأبهري فقال: صدق، أنا سمعت هذا القول منهما جميعاً.
- عن محمد بن شجاع قال: كنا عند إبراهيم بن موسى، وكان عنده أبو بكر

٢٣٦
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
الباغندي، فقال له إبراهيم بن موسى: هو ذا تسخر بي، أنت أكثر حديثاً مني وأعرف
وأحفظ للحديث، فقال له: قد حبب إليّ هذا الحديث، يحسبك أني رأيت النبي وَّ
في النوم فلم أقل له ادع الله لي، وقلت له: يا رسول الله أيما أثبت في الحديث
منصوراً أو الأعمش؟ فقال لي: (منصور منصور).
[٢١١/٣]
- عن القرقساني قال: كنت آتي الأوزاعي، فيحدث بثلاثين حديثاً، فإذا تفرق الناس
عرضتها عليه، فلا أخطئ فيها، فيقول الأوزاعي: ما أتاني أحفظ منك.
[٢٧٧/٣]
- عن أبي عبد الله المفجع قال: كان المبرد لعظم حفظه اللغة، واتساعه فيها؛
يتهم بالكذب؛ فتواضعنا على مسألة لا أصل لها نسأله عنها لننظر كيف يجيب، وكنا
قبل ذلك قد تمارينا في عروض بيت الشاعر:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
فقال بعضنا: هو من البحر الفلاني، وقال آخرون: هو من البحر الفلاني؛
فقطعناه وتردد على أفواهنا من تقطيعه الْقبَعْض، فقلت له: أنبئنا أيدك الله، ما
القبَعْضَ عند العرب؟ فقال المبرد: القطن يصدق ذلك قول أعرابي:
كأن سنامها حشى القِبعْضا
قال: فقلت لأصحابي: هو ذا ترون الجواب والشاهد، إن كان صحيحاً فهو عجيب،
[٣٨٠/٣ - ٣٨١]
وإن كان اختلق الجواب، وعمل الشاهد في الحال فهو أعجب.
- عن يحيى بن معين قال: سمعت وكيعاً يقول: ما كتبت عن سفيان الثوري حديثاً
قط، كنت أحفظه فإذا رجعت إلى المنزل كتبته.
[٥٠٦/١٣]
- عن يحيى بن معين قال: ما رأيت أحداً أحفظ من وكيع، فقال له رجل: ولا
هشيم؟ فقال: وأين يقع حديث هشيم من حديث وكيع؟! فقال له الرجل: فإني
سمعت علي بن المديني يقول: ما رأيت أحداً أحفظ من يزيد بن هارون، قال: كان
يزيد بن هارون يحفظ من كتاب، كانت له جارية تحفظه من كتاب.
[٥٠٩/١٣]
- قال هشام ابن الكلبي: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد،
كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن، فدخلت بيتاً، وحلفت أن لا أخرج منه حتى
أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، ونظرت يوماً في المرآة فقبضت على لحيتي
لآخذ ما دون القبضة، فأخذت ما فوق القبضة.
[٤٥/١٤]
- عن هناد بن السري قال: كان الفراء يطوف معنا على الشيوخ، فما رأيناه أثبت
سوداء في بيضاء قط، لكنه إذا مر حديث فيه شيء من التفسير، أو متعلق بشيء من
اللغة، قال للشيخ: أعده علي، وظننا أنه كان يحفظ ما يحتاج إليه.
[١٤/ ١٥٢]

=
=
٢٣٧
باب الحق
- عن يزيد بن هارون وقيل له: إن هارون المستملي يريد أن يدخل عليك - يعني
في حديثك - فتحفّظ، فبينا هو كذلك إذ دخل هارون، فسمع يزيد نغمته فقال: يا
هارون بلغني أنك تريد أن تدخل علي في حديثي فاجهد جهدك، لا أرعى الله عليك
إن أرعيت، أحفظ ثلاثة وعشرين ألف حديث ولا بغي، لا أقامني الله إن كنت لا
أقوم بحديثي.
[٣٤٠/١٤]
- عن يزيد بن هارون قال: أحفظ عشرين ألفاً فمن شاء فليدخل فيها حرفاً. [١٤/ ٣٤٠]
- عن علي بن المديني قال: كنا نجلس إلى ابن عيينة، ويجيء أبو سلمان، فيقعد
خلفنا، فيعلق جميع ما يمر لابن عيينة، فإذا قمنا إلى البيت قرأها علينا من ألواحه،
فلا يسقط حرفاً واحداً.
[١٤/ ٤٠٧]
* حفظ الشاعر المتنبي:
- عن محمد بن يحيى العلوي الزيدي قال: كان المتنبي وهو صبي ينزل في
جواري بالكوفة، وكان يعرف أبوه بعبدان السقا يسقي لنا ولأهل المحلة، ونشأ وهو
محب للعلم والأدب، فطلبه وصحب الأعراب في البادية، فجاءنا بعد سنين بدوياً
قحاً، وقد كان تعلم الكتابة والقراءة، فلزم أهل العلم والأدب، وأكثر ملازمة
الوراقين، فكان علمه من دفاترهم، فأخبرني وراق كان يجلس إليه يوماً قال لي: ما
رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عبدان قط! فقلت له: كيف؟ فقال: كان اليوم عندي،
وقد أحضر رجل كتاباً من كتب الأصمعي - سماه الوراق، وأنسيه أبو الحسن - يكون
نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، قال: فأخذ ينظر فيه طويلاً، فقال له الرجل: يا هذا أريد
بيعه، وقد قطعتني عن ذلك فإن كنت تريد حفظه من هذه المدة، فبعيد، فقال له: إن
كنت حفظته، فما لي عليك؟ قال: أهب لك الكتاب، قال: فأخذت الدفتر من يده،
فأقبل يتلوه علي إلى آخره، ثم استلبه فجعله في كمه، وقام، فعلق به صاحبه وطالبه
بالثمن، فقال: ما إلى ذلك سبيل قد وهبته لي، قال: فمنعناه منه، وقلنا له: أنت
شرطت على نفسك هذا للغلام، فتركه عليه.
[١٠٣/٤]
=
= باب الحق
- عن عمرو بن مهاجر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا عمرو إذا رأيتني قد
ملت عن الحق، فضع يدك في تلابيبي ثم هزني ثم قل لي: ماذا تصنع؟ !. [٩٨/٥]
- عن المنتصر بالله قال: والله ما عز ذو باطل ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذل
ذو حق ولو أطبق العالم عليه.
[١٢٠/٢]

٢٣٨
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
قال القاضي عبيد الله بن الحسن: لأن أكون ذَنَباً في الحق أحب إلي من أن أكون
رأساً في الباطل.
[٣٠٨/١٠]
- قال أمير المؤمنين - أبو جعفر المنصور -: يا أبا عثمان - أي عمرو بن عبيد -
[١٦٨/١٢]
أعني بأصحابك استعن بهم، قال: أظهرِ الحق يتبعْك أهله.
=
باب الحقد
- كان بين محمد بن عبد الملك وبين أحمد بن أبي دؤاد عداوة شديدة، فلما ولى
المتوكل دار ابن أبي دؤاد على محمد وأغرى به المتوكل حتى قبض عليه، وطالبه
بالأموال، وقد كان محمد صنع تنوراً من الحديد فيه مسامير إلى داخله ليعذب به من
[٣٤٣/٢]
كان في حبسه من المطالبين، فأدخله المتوكل فيه، وعذب إلى أن مات.
باب الحقوق
- عن أبي عبد الله الجلاء قال: لا تضيعن حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه
من المودة والصداقة، فإن الله تعالى فرض لكل مؤمن حقوقاً لا يضيعها إلا من لم
يراع حقوق الله عليه.
[٢١٥/٥]
- عن سعيد بن جبير قال: من عطس عنده أخوه المسلم، فلم يشمِّته كان ديناً له
[٣٨٨/٦]
عليه يأخذه منه يوم القيامة.
- عن حميد بن هلال قال: كان زید بن صوحان يقوم الليل، ويصوم النهار،
وإذا كانت ليلة الجمعة أحياها، فإن كان ليكرهها إذا جاءت مما كان يلقى فيها،
فبلغ سلمان ما كان يصنع، فأتاه فقال: أين زيد؟ قالت امرأته: ليس ها هنا، قال:
فإني أقسم عليك لما صنعت طعاماً، ولبست محاسن ثيابك، ثم بعثت إلى زيد،
قال: فجاء زيد، فقرب الطعام، فقال سلمان: كل يا زُيَيْد، قال: إني صائم قال:
كل يا زُيَيْد لا ينقص أو تنقص دينك، إن شر السير الحقحقة(١)، إن لعينك عليك
حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لزوجتك عليك حقاً، كل يا زيد فأكل وترك ما
كان يصنع.
[٤٣٩/٨]
=﴿ باب الحِكم
- قال الشافعي: ازدحام الكلام في السمع مضلة للسمع.
[١٨٧/٣]
(١) سير الحقحقة: المتعب من المسير، وقيل: أن تحمل الدابة على ما لا تطيقه. النهاية لابن
الأثير ١/ ٤١٢.

٢٣٩
باب الحلم
- عن علي بن أبي طالب قال: قيمة كل امرئ ما يحسن. قال ابن أبي الدنيا: قال
عمرو بن بحر: لا أعلم في كلام الناس كلمة أحكم من هذه الكلمة.
[٣٥/٥]
باب الحلم
[٣٥٤/٥]
- عن طاوس: ما جعل العلم أو ما حمل العلم في مثل جراب حلم.
- صعد أبو جعفر المنصور المنبر فقال: الحمد لله أحمده، وأستعینه، وأؤمن به،
وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقام إليه رجل فقال: يا
أمير المؤمنين أذكرك من أنت في ذكره، فقال أبو جعفر: مرحباً مرحباً لقد ذكرت
جليلاً، وخوَّفت عظيماً، وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة
بالإثم، والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت، وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله
أردت بها، وإنما أردت أن يقال: قام، فقال، فعوقب، فصبر، فأهون بها من
قائلها، واهتبلها لله، ويلك إني غفرتها، وإياكم معشر الناس وأمثالها، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، فعاد إلى خطبته كأنما يقرأها من قرطاس.
[٥٦/١٠]
- عن أحمد بن علي قال: كنت عند أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب إذ جاءه
إنسان جاهل، فقال: يا أبا العباس قد هجاك المبرد، فقال: بماذا؟ فأنشده:
ومشتكي الصب إلى الصب
أقسم بالمبتسم العذب
ما زاده إلا عمى القلب
لو كتب النحو عن الرب
قال: فقال أبو العباس: أنشدني من أنشده أبو عمرو بن العلاء:
فصنت عنه النفس والعرضا
شاتمني عبد بني مسمع
ومن يعض الكلب إن عضا
ولم أجبه لاحتقاري له
[٢٠٨/٥]
- عن ابن أبي سلمة قال: حدثني أبي قال: كنت ببغداد عند باب الذهب قال:
فقيل: الحسن بن زيد يخرج من السجن ينازع محمد بن عبد العزيز، وكان على
قضاء مدينة أبي جعفر: الجمحي، فأمر أن ينظر بينهما، أمره أمير المؤمنين بذلك،
قال: فجاء الحسن بن زيد، وجاء محمد بن عبد العزيز، فجلس إلى جانبه في
مجلس الحكم، فأقبل الحسن بن زيد على ابن المولى، فقال: تعال فاجلس بيني
وبين هذا الرجس، وكره أن يلتزق به، فأقبل أخ لمحمد بن عبد العزيز - يقال له
سندلة - على الحسن بن زيد فقال: إيها يا ابن أم رقوق، وباسور المراق، يا ابن عم
من يزعم أن في السماء إلهاً، وفي الأرض إلهاً، ولاك أمير المؤمنين، فكفرت نعمته

٢٤٠
التصنيف الموضوعي لتاريخ بغداد
وأردت الخروج عليه، يا معشر الملأ هل ترون وجه خليفة؟! قال: فأقبل عليه
الحسن بن زيد، فقال: مثلي ومثلك كما قال الشاعر:
بآبائي الشُّم الكرام الخضارم
وليس بنصف أن أسب مجاشعاً
بنو عبد شمس من مناف وهاشم
ولكن نصفاً لو سببت وسبني
قال: فتركهم الجمحي ساعة يتنازعون، ثم إن الجمحي أقبل عليهم فقال: دعونا
منكم، هات يا ابن عبد العزيز ما تقول؟ قال: أصلح الله القاضي جلدني مائة،
وشقق قضاياي، وعلقها في عنقي، وأقامني على البلس، فقال: ما تقول يا حسن؟
قال: أمرني أمير المؤمنين بذلك، قال: حجتك؟ فأخرج كتاباً من كمه. وقال: هذا
حجتي، قال: هاته، قال: ما كنت لأدفع حجتي إلى غيري، ولكن إن أردت أن
تنسخه فانسخه، ثم أعاده إلی کمه.
[٣١٢/٧]
- عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح قال: حبسني الخليفة المأمون ليلة فكنا
نتحدث حتى ذهب من الليل ما ذهب وطفئ السراج، ونام القيم الذي كان يصلح
السراج، فدعاه فلم يجبه، وكان نائماً، فقلت: يا أمير المؤمنين أصلحه؟ فقال: لا
فأصلحه هو، ثم انتبه الخادم، فظننت أنه يعاقبه لأنه كان يناديه، وهو نائم، فلا
يجبه، قال: فتعجبت أنا، فسمعته يقول: ربما أكون في المتوضأ، فيشتموني، وأظنه
[١٨٩/١٠]
قال: ويفترون علي، ولا يدرون أني أسمع فأعفو عنهم.
- عن عبد الله ابن البواب قال: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا في بعض
الأوقات، جلس يستاك على دجلة من بغداد من وراء ستره، ونحن قيام بين يديه،
فمر ملاح، وهو يقول بأعلى صوته: أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني، وقد قتل
أخاه، قال: فوالله ما زاد على أن تبسم، وقال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في
[١٨٩/١٠]
عين هذا الرجل الجليل؟ !.
- عن إبراهيم بن عبد الملك قال: شتم رجل عبيد الله بن الحسن العنبري القاضي،
[٣٠٩/١٠]
فقال عبيد الله - وقبض على لحيته -: شيبتي تمنعني من أن أرد عليك.
- عن الحسين بن زيد قال: سب رجل عبد الله بن حسن بن حسن، فأعرض
عنه عبد الله، فقيل له: لم لا تجيبه؟ قال: لم أعرف مساويه، وكرهت بهته بما
[٣٤٨/١٠]
لیس فیه.
- عن محمود بن الحسن الوراق قال:
فكان الحِلم عنه له لجاما
رجعت على السفيه بفضل حلمي
أسافهه وقلت له: سلاما
وظن بي السفاه فلم يجدني
وقد كسب المذلة والملاما
فقام يجر رجليه ذليلاً