Indexed OCR Text

Pages 301-320

قال أبو عُبيد(١): فاحتجَّ قومٌ بفعل عُمر هذا، وقالوا: ألا تُراه قد أرضَى
جَرِيرًا والبَجَلية وعَوَّضَهُمَا. وإنما وَجهُ هذا (٢) عندي: أنَّ عُمر كان نَفَّل جريرًا
وقَومَه ذلك نفلاً قبل القِتال، وقبلَ خُروجِه إلى العراق، فأمضَى له نَفْلَهُ، ولو
لم يكن نَفلا ما خصَّه وقومَه بالقِسْمة خاصّة دونَ الناس، وانما استطابَ أنفُسَهم
خاصَّة لأنهم قد كانوا أحرّزوا ذلك ومَلَكوه بالنَّفْل، فلا حجَّة في هذا لمن
زَعَم(٣) أنه لابد للإمام من استِرْضائِهم.
قلتُ: ثم إنَّ عُمر أقرَّ أهل السّواد فيه وضَرَب عليهم الخَراج بعد أن سَلَّم
إليهم الأرض يعملون فيها ويَنتفِعون بها، وبَعَث عماله لمساحتها وقبض
الواجب عنها؛ فأخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق
البَغَوي، قال: أخبرنا عليّ بن عبدالعزيز، قال: حدثنا أبو عُبيد القاسم بن
سَلَّم(٤) ، قال(٥) : حدثنا الأنصاري محمد بن عبدالله، ولا أعلم إسماعيل بن
إبراهيم إلّ قد حدثناه أيضًا عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي
مِجْلَز: أنَّ عُمر بن الخطاب بَعَث عَمَّار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صَلاتهم
وجُيوشهم، وعبدالله بن مسعود على قَضائهم وبَيَت مالهم، وعُثمان بن حُنَيف
على مَساحة الأرض. ثم فَرَض لهم في كلِّ يوم شاةً، أو قال: جعَلَ لهم كلَّ
يومٍ شاة، شطرها وسواقطها لعمار، والشَّطر الآخر بينَ هذين. ثم قال: ما أرَى
قريّةً يؤخذُ منها كلَّ يوم شاءٌ إلَّ سريعًا في خَرابها. قال: فمسَحَ عُثمان بن
حُنَيْف الأرضَ فجَعَل على جَرِيب الكَرْم عَشْرة دراهم، وعلى جَرِيب النَّخْل
خمسةَ دراهم، وعلى جريب القَضْب(٦) ستة دراهم، وعلى جَرِيب البرِّ أربعة
(١) الأموال (١٥٥) ..
(٢) في م: ((ذلك))، وما هنا من النسخ، وهو الذي في الأموال.
(٣) في م: ((يزعم))، وما هِنا من النسخ، وهو الذي في الأموال.
(٤) قوله: ((القاسم بن سَلاَّم)) سقط من م.
(٥) الأموال (١٧٢).
(٦) القضب: كل شجرة طالت وبسطت أغصانها.
٣٠١

دَراهم، وعلى جَرِيب الشَّعير دِرْهمين(١) ..
أخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله القُرَشي، قال: أخبرنا إسماعيل بن
محمد الصَّفَّار، قال: حدثنا سَعْدان بن نَصْر، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي
ليلى، عن الحكم: أنَّ عُمر بن الخطاب بَعَث عُثمان بن حُنَيْفٍ فمسح السَّواد،
فوَضَع على كُلِّ جَرِيب عامٍ أو غامرٍ حيثُ يَناله الماء قفيزًا ودرهمًا. قال
وكيع: يعني الحنطة والشَّعير، ووَضَع على جَرِيب الكَرْم عشرة دراهم، وعلى
جَرِيبِ الرَّطاب (٢) خمسة دراهم (٣) ..
· أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق، قال:
أخبرنا عليّ بن عبدالعزيز، قال: حدثنا أبو عُبيد، قال(٤) .. أخبرنا إسماعيل بن
مُجالد، عن أبيه مُجالد بن سعيد، عن الشَّعبي: أنَّ عُمر بَعَثْ عُثمان بن حُنَيِّف
فمسحَ السَّواد، فَوَجَده ستة وثلاثين ألف ألف جَرِيب، فوَضَع على كُلِّ جَرِيبٌ
درهمًا وقفيزًا(٥) . قال أبو عبيد: أرى حديث مُجالد عن الشَّعْبي هوِ
المحفوظ .
(١) منقطع، لاحق بن حميد أبو مجلز لم يسمع من عمر، ولا نعلم له سماعًا من عمار،
ولا ابن مسعود ولا من عثمان بن حنيف. على أنه قد صح من غير طريقه ..
أخرجه أبو يوسف ٣٦ من طريق أبي مجلز، به .
وأخرجه أبو يوسف ٣٧، ويحيى بن آدم (٢٤٠) و(٢٤١) والبخاري ١٩/٥ من
طرق عن عمر بن ميمون الأودي، قال: شهدت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
قبل أن يصاب بثلاث أو أربع واقفًا على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف وهو يقول
لهما: ((لعلكما حملتما الأرض ما لا تطيق، وكان عثمان عاملاً على شط الفرات،
وحذيفة على ما وراء دجلة من جوخی».
وسيأتي عند المصنف عند الكلام على عثمان بن حنيف من هذا المجلد
(٢) الرطاب: الرعي الأخضر من البقل والشجر، أو العشب.
(٣) إسناده منقطع، الحكم بن عتيبة ولد سنة خمسين فلم يدرك خلافة عمر.
(٤) الأموال (١٧٥).
(٥) وأخرجه أبو يوسف ٣٧ و٣٧ - ٣٨ من طريق الشعبي، به.
:
--
٣٠٢.

ويُقال: إنَّ حدَّ السَّواد الذي وَقَعت عليه المساحة، من لَدن تُخوم
المَوْصل ماذًا مع الماء إلى ساحل البحر ببلاد عَبَّادان من شَرقي دجلة، هذا
طولُه. وأما عَرْضه: فحدُّه مُنْقَطَع الجبل من أرض حُلْوان إلى منتَهَى طَرَف
القادسية المُتَّصل بالعُذَيْب من أرض العَرب. فهذا حدود الشّواد وعليها وَقَع
الخَراج.
أخبرنا أبو عبدالله الحُسين بن شُجاع الصُّوفي، قال: أخبرنا أبو عليّ
محمد بن أحمد بن الحسن الصَّؤَّاف، قال: أخبرنا محمد بن عَبْدوس بن كامل
ومحمد بن عُثمان بن أبي شَيْبة؛ قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، قال(١):
حدثنا حميد بن عبدالرحمن، عن حُصين، عن مُطَرِّف، قال: ما فوق حُلْوان
فهو ذِمَّة، وما دونَ حُلْوان من السَّواد فهو فيءٌ، وسَوادُنا هذا فيءٌ.
أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبدالله الحافظ بأصبهان(٢)، قال: حدثنا أبو
بكر محمد بن جعفر بن أحمد بن الليث الواسطي، قال: حدثنا أسلم بن سَهْل،
قال(٣) : حدثنا محمد بن صالح، قال: حدثنا هشام بن محمد بن السَّائب،
قال: سمعتُ أبي يقول: إنما سُمِّي السَّواد سوادًا لأنَّ العرب حين جاءوا نَظَروا
إلى مثل الليل من النَّخْل والشَّجر والماء فسَمَّوه سَوادًا.
أخبرنا أبو الحُسين أحمد بن محمد بن الحُسين الأصبهاني بها، قال:
أخبرنا أبو القاسم سُليمان بن أحمد بن أيوب الطَّبَراني، قال: حدثنا عليّ بن
عبدالعزيز، قال: قال أبو عُبيد: كان الأصمعي يتأول في سَواد العراق إنما
سُمِّي به للكَثْرة، وأما أنا فأحسَبُهُ سُمِّي بالسّواد للخُضْرة التي في الثَّخيل
والشَّجر والزَّرع، لأنَّ العرب قد تُلحِق لون الخُضْرةِ بالسَّواد فتوضع أحدهما
مَوضع الآخر. ومن ذلك قول الله تعالى حين ذَكَر الجَثّتين، فقال:
﴿ مُدْهَاقَتَانِ ﴾﴾، [الرحمن] هما في التفسير: خَضْراوان، فوُصِفَت الخُضْرة
(١) المصنف ١٨/١٣.
(٢) سقطت من م.
(٣) تاريخ واسط ٣٩.
٣٠٣

بالدهمة وهي من سَواد الليل، وقد وَجَدنا مثله في أشعارهم، قال ذو الرمة:
قد أقطعَ الْنازحَ(١) المجهول معسفه في ظل أخْضَر يدعو هامَهُ البُومِ
يريدُ بالأخضر: الليل، سَمَّه بهذا لظُلمِتِهِ وسَوادِهِ.
أخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله المُعَذَّل، قال: أخبرنا إسماعيل بن
محمد الصَّفَّارِ، قال: حدثنا الحسن بن عليّ بن عفَّان، قال: حدثنا يحيى بن
آدم، قال(٢): قال حسن، يعني (٣) ابن صالح: وأما سوادُنا هذا فإنَّا سَمِعنا أنه
كان في أيدي النَّطِ فَظَهَر عليهم أهلُ فارسَ فَكانوا يؤدّون إليهم الخَرَاجَ، فلما
ظَهَرِ المُسلمون على أهلِ فارس تَّرَكوا السَّواد ومَن لم يُقاتلهم من الشَّط
والدَّهاقين على حالهم، ووَضَعوا الجزية على رؤوس الرِّجال، ومَسَجوا عليهم
ما كان في أيديهم من الأرض، ووَضَعوا عليها الخَراجِ، وقَبَضوا كلَّ أرضٍ
ليست في يد أحدٍ، فكانت صوافي إلى الإمام.
قال يحيى(٤): كلُّ أرضٍ كانَتِ لعَبَدة الأوثانِ من العَجَم، أو لأهل
الكتاب من العَجَم أو العَرب، ممن تُقبل منهم الجزية، فإنَّ أرضيهم أرضُ
خَراج إن صالَحوا على الجزية على رؤوسهم والخَراج على أرَضِيهم؛ فإنَّ ذلك
يُقبل منهم، وإن ظَهَر عليهم المُسلمون فإنَّ الإمام يَقْسِمُ جميعَ ما أَجْلَبُوا به في
العَشْكر من كُراغ أو سلاح أو مالٍ بعد ما يُخَمِّسُهُ وهي الغَنيمة التي لا يوقَُّ
شيء منها، وذلك قوله عزّ وجل: ﴿﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّهَا غَنِمْتُمْ مِن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ﴾
[الأنفال ٤١]. وأما القُرى والمدائن والأرض فهي فيءٌ كما قال الله تعالى:
﴿مَّ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر ٧]. فالإمام بالخيار في ذلك إن
شاء وَقَفْه وَتَرَكِه للمُسلمين، وإن شاء قَسَمَهُ بين مَن حَضَره.
(١): في م: ((النازع))، محرفة.
(٢) الخراج، له (٢٣).
(٣) سقطت من م.
(٤) الخراج، له (٤٧).
٣٠٤
--

أخبرنا الحسن بن أبي بکر، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق، قال: حدثنا
عليّ بن عبدالعزيز، قال: قال أبو عُبيد(١): إنما جَعَل، يعني عُمر، الخَراجَ
على الأرَضين التي تغل من ذوات الحَب والثِّمار والتي تَصلُح للغَلَّة من العامر
والغامر؛ وعَطَّلَ من ذلك المساكن والدُّور التي هي منازلهم فلم يَجعل عليهم
فيها شيئًا (٢).
باب
ذِكْر حُكْم بَيَع أرض السَّواد وما رُوي في ذلك من الصِّحَّة
والفساد
أخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله المُعَذَّل، قال: أخبرنا إسماعيل بن
محمد الصَّفَّار، قال: أخبرنا الحسن بن عليّ بن عفَّان، قال: أخبرنا يحيى بن
آدم، قال(٣): حدثني الحسن بن صالح، قال أبو عليّ الصَّفَّار: أظنُّه عن
منصور، عن عُبيد أبي(٤) الحسن، عن عبدالله بن مُغَفَّل المُزَني، قال: لا تُباع
أرض دون الجَبل إلّ أرض بني صَلُوبا وأرض الحِيرة فإنَّ لهم عَهْدًا(٥) .
أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق البَغَوي،
قال: أخبرنا عليّ بن عبدالعزيز، قال: حدثنا أبو عُبيد، قال(٦): حدثنا عَبَّاد بن
(١) الأموال (١٨٢).
(٢) كُتب في حاشية ب ١: ((بلغ التصحيح، ولله الحمد)).
(٣) الخراج، له (١٣٦).
(٤) كتب ناسخ نسخة ب ١: ((خ: ابن))، يعني أنه في نسخة أخرى ((ابن الحسن))، وكله
صحيح، فهو عبيد بن الحسن أبو الحسن.
(٥) إسناده منقطع، فإن أبا الحسن عبيد بن الحسن لم يدرك عبد الله بن مغفل.
وأخرجه يحيى بن آدم (١٣٨)، والبلاذري في فتوح البلدان ٢٤٦ من طريق عبيد بن
الحسن، به .
(٦) الأموال (٢١٤).
٣٠٥

العَوَّامِ، عن حجَّاج، عن الحَكَم، عن عبد الله بن مُغَفَّل، قال: لا تَشْتِرِينَّ مِن
أهل السَّواد إلّ من أهلِ الخِيرة وبانقيا وأُليس. قال أبو عُييد: فأما أهلُ الحِيرةُ
فإنَّ خالد بن الوليد كان صالَحَهم في دَهْر (١) أبي بكر، وأما أهل بانقيا وأُكيس
فإنهم دَلُوا أبا عُبيد وجَرِير بن عبدالله البَجَلي على مخاضة حتى عَبَرُوا إلَى
فارس؛ فيذلك كان صُلْحَهم وأمانهم (٢) .
قلت: ويُروى عن الحسن بن صالح بن حَيّ: أنه رَخَّص في شِراءِ أرض
الصُّلح، وكره شراء أرض العَنْوة، وهو مذهب مالك بن أنس.
· وجاء عن مُجاهد بن جَيْر في أرض العَنْوة نحو ذلك؛ أخبرنا أبو الحسن
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رِزْق البَزَّاز(٣)، قال: أخبرنا محمد بن
يحيى بن عُمر بن عليّ بن حَرْب الطّائي، قال: حدثنا عليّ بن حَرْب، عِنْ
سُفيان بن عُيينة، عن ابنُ أبي: نَجِيح، عن مُجاهد، قال: أيُّما مدينة افتُتحت
عَنْوَة فأسلموا قبلَ أن يَقْسِموا فأموالهم للمُسلمين.
أخبرنا محمد بن أبي نَصْر النَّرْسي، قال: حدثني جدي عليّ بن أحمد بن
محمد بن يوسُف القاضي بِسُرَّ مَنْ رأى، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبدالصمد
الهاشمي، قال: أخبرنا أبو مُصعب(٤)، عن مالك بن أنس، قال: أما أهل
الصُّلح فإِنَّ مَن أسلَمَ منهم أحقُّ بأرضِه ومالهِ، وأما أهلُ العَنْوَة الذين أُخِذوا
عَنْوَة فإنَّ مَن أسلَمَ منهم أحرز له إسلامُه نفسَهُ، وكانت أرضُه للمُسلمين فَيْئًا؟
لأنَّ أهلَ العَنْوَة قد غُلِبوا على بلادهم وصارَت فَيئًا للمُسلمين.
(١) كتب صاحب نسخة ب ١: ((خ: عهد))، أي أنه في نسخة أخرى: ((عهد»، والذي في
الأموال ما أثبتناه.
(٢) إسناده منقطع، الحكم بن عتيبة كوفي ولد سنة خمسين، وعبد الله بن مغفل صحابي
سكن البصرة وتوفي سنة (٥٧) أو بعدها، فسماع الحكم منه بعيد.
أخرجه يحيى بن آدم (١٣٩)، والبلاذري في فتوح البلدان ٢٤٦.
(٣) في م: ((البزار)) آخره راء، مصحف.
(٤) روايته للموطأ (٩٥٨) بتحقيقنا.
٣٠٦

أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق، قال:
أخبرنا عليّ بن عبدالعزيز، قال: حدثنا أبو عُبيد، قال(١) : حدثني يحيى بن
عبد الله بن بُكير، قال: قال مالك: كلُّ أرض فُتِحَت صلحًا فهي لأهلها، لأنهم
مَّنَعوا بلادهم حتى صالَحوا عليها، وكلُّ بلاد أُخِذَت عَنْوَة فهي فيءٌ
للمُسلمین.
أخبرنا عليّ بن محمد المُعَدَّل، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّار،
قال: حدثنا الحسن بن عليّ العامري، قال: قال يحيى بن آدم(٢): وكَرِهِ
حسن، يعني ابن صالح، شراءَ أرض الخَراجِ، ولم يَرَ بأسًا بِشِراءِ أرض الصُّلْح
مثل الحيرة ونحوِها.
قلت: فهؤلاء الذين كرِهوا شراء أرض السّواد إنما كَرِهوه لجِهَتَين؛
هُما (٣): أنَّ الخَراج كانوا يذهبون إلى أنه صغارٌ فلم يروا أن يدخلوا فيه؛
والثانية أنَّ السَّواد لما فُتِحِ عَنْوَة ووُقف فلم يُقْسَمِ حَصَلَ عندهم مما لا يَجوزُ
بَيَعُه سوى من رَخَّصَ في المواضع التي ذُكِرَ أنَّ لأهلها ذمَّة وهي بانقيا والحيرة
وأُليس خاصة. وقد رُوي عن محمد بن سيرين أنه قال: بعضُ السَّواد عَنْوَةِ
وبعضُه صلحٌ، من غيرٍ تمييز(٤) لأحد الأمرين من الآخر.
أخبرنا عليّ بن محمد المُعَدَّل، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّار،
قال: حدثنا الحسن بن عليّ، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال(٥) : أخبرنا أبو
زُبَيْد(٦) ، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: السَّوادُ منه صلحٌ ومنه عَنْوَةٌ؛ فما
(١) الأموال (٢٢٠).
(٢) الخراج، له (٢٧).
(٣) في م: «إحداهما))، وهو تحريف، وما أثبتناه مُجَوّد في ب ١.
(٤)
في م: ((تبيين))، وما هنا من النسخ، وهو الصواب.
(٥)
الخراج، له (١٤٨).
(٦) في م: ((أبو زيد))، محرف، وهو أبو زبيد عبئر بن القاسم الزبيدي من رجال
التهذيب .
٣٠٧

كان منه عَنْوةً فهو للمُسلمين، وما كان منه صُلْحًا فلهم أموالُهم.
وقال يحيى(١): حدثنا الحسن بن صالح، عن أشعث، عن ابن سیرین،
قال: ما نعلمُ مَن له صلح ممن ليسَ له صلحٌ من أهلِ السَّواد.
قلتُ: فيُحتَمل أن يكون الصُّلْح الذي ذكره ابن سيرين من السَّواد هو
لأهلِ المَواضعِ التي سَمَّيناها في حديث أبي عُبيد، ويُحتَمِلُ أن يكونَ لقومٍ
آخرين، وإنَّا نَظَرنا في ذلك فوَجَدنا في (٢) السَّواد شَيْئًا ذكر أنه صلحٌ سوى ما
تقدَّمَ ذِكرُنا له.
أخبرنا عليّ بن أبي بكر العَبْدي(٣)، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد:
الصَّفَّار، قال: أخبرنا الحسن بن عليّ، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال (٤).
حدثنا الحسن بن صالح، عن أشعث، عن الشعبي، قال: صالَحَ خالد بن
الوليد أهلَ الحِيرة وأهل عَيْن الثَّمر، قال: وكتبَ بذلك إلى أبي بكر فأجازَه.
قال يحيى(٥) : قلتُ للحسن بن صالح: فأهلُ عَيْن الثَّمر مثل أهلِ الحِيرة
إنما هو شيء عليهم وليس على أرضيهم؟ قال: نعم. وقال يحيى (٦) : حدثنا
حسن بن صالح، عن جابر، عن الشعبي، قال: لأهل الأنبار عهدٌ، أو قال:
عَقدٌ .
وذَكَر محمد بن خَلَف وكيع القاضي أنَّ محمد بن إسحاق الصَّغَانِيُّ
أخبرهم، قال: حدثنا أبو سعيد الحَدَّاد، قال: حدثنا محمد بن الحسن، عن
أبي شَيْبة، عن الحكم، قال: كَلْواذَا صلح؛ أخبرنا بذلك محمد بن علي
(١) الخراج، له (١٤٦).
في م: ((من))، وما هنا من ب ١ .
(٢)
(٣)
في م: ((القنوي)»، محرفة.
الخراج، له (١٤١).
(٤)
(٥) نفسه (١٤٢).
(٦) نفسه (١٤٠).
٣٠٨

الوَرَّاق، قال: أخبرنا محمد بن جعفر التَّمِيمي، قال: حدثنا الحسن بن محمد
السَّكوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف.
وبغداد من أفنية كَلْواذا، فقد حصلت من بلاد الصُّلْح على هذه الرِّواية،
وفي كونها صلحًا جواز بيع أرضِها؛ ولا أحسَبُ الذين كَرِهوا شراء أرضٍ بغداد
انتَهَت إليهم هذه الرِّواية عن الحَكَم. وقد كان الليث بن سَعْد اشتَرَى شيئًا من
أرضٍ مصر وحُكْمها حُكم سَواد العراق؛ وإنما استَجازَ الليثُ ذلكَ لأنه كانَ
يُحَدِّث عن يزيد بن أبي حبيب: أنَّ مصرَ صُلْحٌ. وكان مالك بن أنس وعبدالله
ابن لَهِيعة ونافع بن يزيد يُنكِرون على الليث ذلك الفعل، لأنَّ مصرَ كانت
عندهم عَنْوَة. ولعلَّ حديث يزيد بن أبي حبيب لم ينته إليهم، أو بَلَغهم فلم
يثبت عندهم، والله أعلم.
فصل
قد ذَكَرنا فيما تقدَّم القول بأنَّ السَّواد في الجُملة فُتِحَ عَنْوةً وصارَ غَنيمةٌ
للمُسلمين، فقال بعضُ أهل العلم: لمّا لم يُقْسَم ووُقِف صارَ بَيْعُه لا يصحُ،
ويؤيدُ هذا قولُ عُمرَ بن الخطاب لطَلْحة بن عُبيد الله وعُتبة بن فَرْقَد.
أما قوله لطَلْحة؛ فأخبرنا الحُسين بن شُجاع الصُّوفي، قال: حدثنا محمد
ابن أحمد بن الحسن الصَّواف، قال: حدثنا محمد بن عَبْدوس بن كامل
ومحمد بن عُثمان بن أبي شَيْبة؛ قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، قال(١):
حدثنا حُميد بن عبدالرحمن، عن حسن، عن مُطَرِّف، عن بعض أصحابِهِ،
قال: اشتَرَى طَلْحة بن عبيد الله أرضًا من النَّشَاستك(٢)، نشاستك بني طَلْحة،
هذا الذي عند السَّيْلَحين. فأتى عُمر بن الخطاب فذَكَر ذلك له، فقال: إني
اشتريتُ أرضًا مُعْجَبة. فقال له عُمر: ممن اشتَرَيتَها؟ اشتريتَها من أهلِ الكوفة؟
(١) المصنف ١٢ / ٥٧٢.
(٢) هكذا في النسخ، وفي مصنف ابن أبي شيبة ومعجم البلدان: ((نشاستج)) بالجيم،
وهي ضيعة بالكوفة معروفة بطلحة بن عبيدالله، ولذلك قال: نشاستك بني طلحة .
٣٠٩

اشترَيتَها من أهلِ القادسية؟ قال طَلْحة: وكيفَ أشتريها من أهلِ القادسية كُلَّهم؟
قال: إنك لم تصنع شيئًا إنما هي فيء(١) .
وأما قوله لعُتبة؛ فأخبرنا محمد بن أحمد بن رِزْق وأبو الحُسين(٢) عليّ
ابن محمد بن عبدالله (٣) بِن بِشْران؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّار،
قال: حدثنا الحسن بن عليّ بن عفَّان، قال: حدثنا يحيى بن آدم(٤)، عن
عبدالسلام بن حَرْب، عن بُكير بن عامر، عن عامر(٥)، قال: اشتَرَى عُتبة بن
فَرْقَد أرضًا من أرضِ الخَراج، ثم أتَى عُمر فأخبَرَه، فقال: ممن اشْتَرَيتَها؟
قال: من أهلها. قال: فهؤلاء أهلها المُسلمون أبعتُموه شيئًا؟ قالوا: لا. قال:
فاذهب فاطلب مالك(٦)
وأخبرنا ابن رِزْق وابن بِشْران؛ قالا: حدثنا إسماعيل بن محمد (٧)،
قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا يحيى، قال(٨): حدثنا قيس، عن أبي
"إسماعيل(٩)، عن الشعبي، عن عُتبة (١٠ ) بن فَرقد، قال: اشتريتُ عشرةً أجْربَةٍ
من أرضٍ السَّواد على شاطىء الفُرات لقَضَبٍ لِدَوابي(١١)، فذكرتُ ذلك لعُمر،
(١) إسناده ضعيف، لجهالةٌ من روى عنه مطرف.
(٢) سقطت الكنية من م.
(٣): سقط من م.
(٤) : الخراج، له (١٦٨).
(٥) قوله: ((عن عامر» سقط من ب ١، وهو ثابت في بقية النسخ وفي الخراج ليحيى بن
آدم.
(٦) إسناده ضعيف، لضعف بكير بن عامر البجلي ..
(٧) سقط من م.
(٨): الخراج، له (١٦٩).
(٩) هو بكير بن عامر.
(١٠) في ب ١: ((عبيد))، وهو تحريف بيّن.
(١١) في المطبوع من الخراج بتحقيق العلامة أحمد شاكر: ((لقصب أداوي))، محرفة، لذلك
قال العلامة معلقًا: ((لا أدري المراد من هذا الكلمة)). والقضب: القطع، والقت،
فكأن المراد، والله أعلم، أنه اشتراها ليقطع قتها فيكون علفًا أخضر لدوايه.
٣١٠

فقال لي: اشتريتَها من أصحابها؟ قلت: نعم. قال: رُح إليَّ، فرحتُ إليه،
فقال: يا هؤلاء أبِعتُموه شيئًا؟ قالوا: لا. قال: ابتغ مالَكَ حيث وَضَعتَهُ(١).
وقال قومٌ: بل السَّواد ملكٌ لأهله؛ لأنَّ عُمر أقرَّه في أيديهم وفَرَّض
الخراج عليهم.
وقال قوم: باعَهم عُمر الأرضَ بالخراج، فلهم رقاب الأرض يتوارثونَها
ويَتَبايعونَها. واحتجُّوا على ذلك بما أخبرنا القاضي أبو الفَرَج محمد بن أحمد
ابن الحسن الشَّافعي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف بن خَلَّد المُعَدَّل، قال:
حدثنا محمد بن يونُس، قال: حدثنا عبدالله بن داود الخُرَيبي، قال: كان
الحسن والحُسين لا يريان بأسًا بأرض الخَراج (٢).
وأخبرنا ابنُ رِزْق وابنُ بِشْران؛ قالا: أخبرنا إسماعيل بن محمد (٣)
الصَّفَّار، قال: حدثنا الحسن بن عليّ، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال(٤):
حدثنا حسن بن صالح، عن ابن أبي ليلى، قال: اشتَرَى الحسنُ بنُ عليّ ملحة
أو ملحًا، واشتَرَى الحُسين شَرِيدين(٥) من أرض الخَراج، وقال: قد رَدَّ إليهم
عُمر أرَضِيهم وصالَحهم على الخَراج الذي وَضَعه عليهم. قال: وكان ابن أبي
ليلى لا يرى بشرائها بأسًا (٦).
(١) إسناده ضعيف، لضعف أبي إسماعيل بكير بن عامر.
(٢) إسناده ضعيف جدًا، عبدالله بن داود الخريبي ولد بعد المئة وعشرين، فبينه وبين
الحسن والحسين رضي الله عنهما مفاوز، ومحمد بن يونس هو الكديمي، وهو
متروك .
(٣) سقط من م.
(٤) الخراج، له (١٧١).
(٥) في م: ((بريدين))، وفي المطبوع من الخراج: ((سُوَيْدين))، وكله تحريف، وما أثبتناه
مجود في النسخ لاسيما في ب ١، والشريد: البقية من الشيء، فكأنه اصطلاح لما
تبقى من أرض معينة .
(٦) إسناده ضعيف، لانقطاعه، فإن ابن أبي ليلى، وهو عبدالله بن عيسى بن عبدالرحمن،
لم يدرك أحدًا من السبطين .
٣١١

أخبرنا عبدالله بن يحيى بن عبدالجبار الشُّكَّري، قال: أخبرنا إسماعيل
ابن محمد الصَّفَّار، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفَّان، قال: حدثنا يحيى
ابن آدم، قال (١): حدثنا ابن المُبارك، عن سفيان بن سعيد، قال: إذا ظُهِرَ
على بلاد العَدو فالإمام بالخيار إن شاء قَسَم البلادَ والأموالَ والسَّبيَ بعد ما
يُخْرِجِ الخُمُس من ذلك، وإنْ شاء مَنَّ عليهم فَتَرَكُ الأرضَ والأموالَ فكانوا ذِمَّةً
للمُسلمين كما صَنَع عُمر بن الخطاب بأهل السَّواد. فإنْ تَرَكهم صاروا عَهدًا
توارثوا وباعوا أرضَهم؛ قال يحيى: وسمعتُ حَفْص بن غياث يقول: تُباع
ويُقضَى بها الدَّين وتقسم في المواريث.
: أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبدالله بن إسحاق، قال: حدثنا
عليّ بن عبدالعزيز، قال: قال أبو عُبيد(٢): ومع هذا كُلِّه إنه قد تَسَهَّلَ(٣) في
الدخول في أرض الخَراج أئمة يُقْتَدَى بهم، ولم يَشترطوا عَنْوةً ولا صُلْحًا،
منهم من الصَّحابة عبد الله(٤) بنُ مسعود، ومن التَّابعين محمد بن سيرين وعُمْر
ابن عبدالعزيز، وكان ذلك رأي سُفيان الثَّوري فيما يُحكى عنه.
أما حديث ابن مسعود؛ فأخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى بن الفَضْل
ابن شاذان الصَّيرفي بنَيْسابور، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب
الأصم، قال: حدثنا أبو عُمر أحمد بن عبدالجبار العُطَاردي، قال: حدثنا أبو
مُعاوية عن الأعمش. وأخبرناه أبو الحسن محمد بن أحمد بن رِزْق الْبَزَّاز(٥)،
قال: أخبرنا عُثمان بن أحمد الدَّقَّاق، قال: حدثنا محمد بن عُبيدالله المُنادي،
قال: أخبرنا أبو بدر، قال: حدثنا سُليمان بن مِهْران، وهو الأعمش، عن شِمْر
(١). الخراج، له (١١٨).
:
(٢) الأموال (٢٢٠).
(٣). في م والمطبوع من الأموال: ((سهل))، وما هنا من ب ١، وهو الأصح إن شاء الله ..
(٤) سقط من م، وهو ثابت في النسخ والمطبوع من الأموال.
(٥) في م: ((البزار) آخره راء، مصحف.
٣١٢٠

ابن عَطِية، عن المُغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، قال: قال عبد الله: قال
رسولُ اللهِ وَل﴾: ((لا تتَّخذوا الضَّيعة فترغبوا في الدُّنيا)(١). قال عبد الله:
وبراذان ما براذان، وبالمدينة ما بالمدينة. فقد ذكر ابن مسعود في هذا الحديث
أنَّ له براذان مالاً .
أخبرنا أبو أحمد عبدالله بن عُبيد الله بن أحمد الدَّقَّاق وأبو محمد عبدالله
ابن يحيى الشُّكَّري؛ قالا: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصَّفَّار، قال: حدثنا
سَعْدان بن نَصْر، قال: حدثنا أبو مُعاوية، عن الحجّاج، عن القاسم بن
عبدالرحمن، قال: اشتَرَى عبدالله أرضًا من أرض الخَراج، قال: فقال له
صاحبها، يعني دِهْقانها: أنا أكفيك إعطاء خَراجِها والقيامَ عليها(٢).
وأما حديث ابن سيرين؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا
عبدالله بن إسحاق البَغَوي، قال: أخبرنا عليّ بن عبدالعزيز، قال: حدثنا أبو
عُبيد، قال(٣) : حدثني قَبِيصة، عن سُفيان، عن عبدالعزيز بن قُرَيْر، عن ابن
سيرين: أنه كانت له أرضٌ من أرضٍ الخَراج، فكان(٤) يُعطيها بالثُّلث والرُّبُع.
(١) إسناده ضعيف، لجهالة سعد بن الأخرم كما بيناه في ((تحرير التقريب)).
أخرجه ابن المبارك في الزهد (٥٠٥)، والطيالسي (٣٧٩)، والحميدي (١٢٢)،
وابن أبي شيبة ٢٤١/١٣، وأحمد ٣٧٧/١ و٤٢٦ و٤٤٣، والبخاري في تاريخه
الكبير ٤/ الترجمة (١٩٣٥)، والترمذي (٢٣٢٨)، وأبو يعلى (٥٥٠٠)، وابن حبان
(٧١٠)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان ١١٦/٢، والحاكم ٣٢٢/٤، والبغوي
(٤٠٣٥)، والمزي في تهذيب الكمال ٢٤٧/١٠ - ٢٤٨. وانظر المسند الجامع
٢١١/١٢ حديث (٩٤٠٤).
(٢) إسناده منقطع، فإن القاسم بن عبدالرحمن لم يسمع من ابن مسعود (جامع التحصيل
٢٥٣). وقد أخرجه أبو عبيد في الأموال (١٩٩) من طريق القاسم، به، وقال معقبًا:
((أراه يعني بالشراء، قال: الاكتراء، لأنه لا يكون مشتريًا والجزية على البائع، وقد
خرجت الأرض من ملکه)).
(٣) الأموال (٢٢٢).
(٤) في م: ((وكان))، وما هنا من النسخ والأموال.
٣١٣

وأما حديث عُمر بن عبدالعزيز؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر، قال:
أخبرنا عبدالله بن إسحاق، قال: أخبرنا عليّ بن عبدالعزيز، قال: حدثنا أبو
◌ُبيد، قال(١): حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، عن حماد بن سَلَمة، عن رجاء
أبي المقدام، عن نُعيم بن عبدالله: أنَّ عُمر بن عبد العزيز أعطاه أرضًا بجزيتها.
قال عبدالرحمن: يعني من أرض السَّواد. قال أبو عُبيد: وكأنَّ عُمر بنّ
عبدالعزيز تأوّل الرُّخصة في أرض الخَراج أنّ الجِزْية التي قال الله تعالى: ﴿حَّ
يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾ [التوبة] إنما هي على الرؤوس لا على
الأرض، وكذلك يُروَى عنه. قال أبو عبيد: وكان(٢) يقول: فالدَّاخِلَ(٣) في
أرضِِ الجِزْية ليس يدخلُ في هذه الآية .
قال أبو عُبيد: وقد احتجَّ قومٌ من أهلِ الرُّخصة بإقطاع عُثمان مَّنْ أقطع
من أصحاب النبيِّ وَّرَ بِالسَّواد، والذي يُروَى عن سُفيان أنه قال: إذا أقرَّ الإمامُ
أهلَ العَنْوةِ في أرضِهم تُوارَثوها وتَبَايَعوها، فهذا يبين لك أنَّ رأيه الرُّخصة
فيها .
قال أبو عُبيد: وإنما (٤) كان اختلافُهم في الأرَضين المُغِلَّة التي يلزَمُها
الخَراج من ذوات (٥) المَزارع والشَّجر، فأما المساكن والدُّور بأرض السَّواد
فما عَلِمِنا أحدًا كَرِه شراءَها وحيازَتَها وسُكناها، قد اقتُسِمَت الكوفة خططًا في
زمن عُمر بن الخطاب(٦) وهو أذِنَ في ذلك، ونَزَلها من أكابر أصحابٍ رسُولٍ
اللهِ وَّ رجال(٧) منهم: سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن مَسْعود، وعَمَّار،
(١) الأموال (٢٢٣).
(٢) سقطت من. م . :
(٣) في م: ((والداخل))، وما هنا من ب ١، وهو الأوفق.
(٤) سقطت الواو من م.
(٥) في م: ((ذات))، وما هنا من النسخ والأموال.
.. (٦) سقط من م، وهو ثابت في النسخ والأموال.
: (٧) في م: ((وكان))، وهو تحريف من كيس الناشر، فإن الذي في النسخ والأموال هو
الذي أثبتناه .
٣١٤

وحُذيفة، وسَلْمان، وخَبَّاب، وأبو مسعود، وغيرهم. ثم قَدِمَها عليّ عليه
السلام فيمن معه من الصحابة فأقام بها خلافته كلها، ثم كان التابعون بعدُ بها،
فما بَلَّغنا أنَّ أحدًا منهم ارتابَ بها ولا كان في نفسه منها شيء بحَمدِ الله
ونعَمتِهِ، وكذلك سائر السَّواد. والحديثُ في هذا أكثرُ من أن يُحصَى.
أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى
القُرَشي. وأخبرنا الحسن بن عليّ الجَوْهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس
ابن حيويه(١) الخَزَّاز؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر أبو الحُسين، قال: كان
فيما حدثني(٢) عن العباس بن عبد الله التُّرْقُفي، قال: حدثني عليّ بنِ الصَّبَّاح
ابن أخت الهَرَوي، قال: أتيتُ عبدالله بن داود الخُرَيْبي فسألتُه عن(٣) سُكنى
بغداد، قال: وما بأس (٤) . قلت له: فإنَّ (٥) سُفيان الثَّوري كان لا يدخُلُها.
فقال: كان سُفيان يَكره جوارَ القَوم وقُربهم. قلت: فابن المُبارك يقولون(٦):
إنه كان كُلَّما دَخَلها تَصَدَّق(٧) بدينَار. فقال: ومن يُصَحِّحُ(٨) هذا لنا عن ابن
المُبارك؟ قلت: فَشُعَيْب بن حَرْب(٩) ، والفُضيل بن عياض. فقال: لم تذكر لنا
فقيهًا بعد. قلتُ: فما تقول في أرض السَّواد؟ فقال: خُذ بيدكَ من اتّخذ من
أصحاب رسول ◌َّ* في أرض السّواد، اتخذَ بها(١٠ سعد بن أبي وقاص، وابنُ
(١) سقط من م.
(٢) في م: ((فاتني»، وهو تحريف، ولا معنى له.
(٣) سقطت من م.
(٤) في م: ((ولا بأس))، وما هنا من النسخ.
(٥) في م: ((أين فإن))، وهو تحريف، إذ لم أجد لفظة ((أين)) في شيء من النسخ.
(٦) في م: ((يقول))، وهو تحريف مخالف لما في النسخ.
في م: ((يتصدق))، وما أثبتناه من النسخ.
(٧)
في م: ((ومن أين يصح))، وهو تحريف ..
(٨)
(٩) في م: ((فسمعت ابن حرب))، وهو تحريف بَيّن، وشعيب بن حرب هو المدائني من
رجال البخاري.
(١٠) في م: ((اتخذها)»، محرفة.
٣١٥

مسعود،، وعَمّار بن ياسر (١)، وحُذيفة، وسَلْمان الفارسي(٢)، وأنس بن
مالك (٣). قال التُّرقفي(٤): وسمعتُ الحسن بن الرَّبيع البُوراني قال(٥): قيل
لابن المُبارك: إنَّ الناس يقولون: إنك كُلَّما دَخَلَت بغداد تصدَّقت بدینار.
فقال: إنَّ دنانيرنا إذًا لكثيرةٌ. قال(٦) أبو الحُسين أحمد بن جعفر: وهذا
احتجازٌ (٧) من ابن المُبارك وليسَ هو بجوابِ سؤال السَّائل، وكأنَّه كَرِهَ(٨)
المُراجعة فاستعملَ(٩) المحاجزة، وإلا فإنَّ(١٠ ) المشهور عنه فيها التَّغليظُ والذَّمُ
الصَّريحُ والصَّدقةُ إذا دَخَلها مجتازًا غير مختار، وقد ذُكِرَ عنه في ذَمِّ ساكنيها مع
الكلام أشعار. فمنها ما أُخبرته (١١)عن أبي الحسن محمد بن محمد المعروف
بحَبَش (١٢) بن أبي الوَرْد، قال: قال ابنِ الْمُبارك يذم النَّاسِكَ الذي يَسْكنُ(١٣)
بغداد [من الخفيف]:
أيها النَّاسِكُ الذي لبسَ الصُّو فَ وأضْحَى يُعَدُّ في العُبّادِ
الزم الثَّغْرَ والتَّعَبُّدُ فيهِ لِيسَ بغدادُ مسكنَ الزُّهَادِ
(١) سقط من م.
(٢) كذلك.
(٣). كذلك.
(٤) في م: ((البيهقي))، وهو تحريف يدل على جهل مدقع.
(٥) في م: ((يقول))، وما هنا من النسخ.
(٦). في م: ((فقال)»، محرفة.
(٧): في م: ((إخبار))، وهو تحريف: والمحاجزة: الممانعة.
(٨) في م: ((وإنا نكره)»، وهو تحريف مخالف لما في النسخ.
(٩) في م: ((فاستعمال))، وهو تجريف بيّن.
(١٠) في م: ((والآفات))! وهو تحريف عجيب يدل على جهل المصجح.
(١١) في م: ((ما أخبر به))، وهو تحريف.
(١٢) في م: ((حبيش))، محرف، وهو أبو الحسن محمد بن محمد بن عيسى المعروف
بحبش بن أبي الورد الزاهد الآتية ترجمته في المجلد الرابع من هذا الكتاب (الترجمة
: ١٥١٣).
(١٣) في م: («سكن»، وما هنا من النسخ.
٣١٦

إنّ بغدادَ للملوكِ مَحَلٌّ ومناخ للقارىءِ الصَّيَّادِ
أخبرنا أبو القاسم عُبيدالله بن أحمد بن عُثمان الصَّيْرفي، قال: حدثنا
محمد بن العباس الخَزَّاز، قال: حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز، قال:
حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العابد، قال: شَهِدتُ معروفًا، يعني الكَرْخِي،
ورجل عنده فذَكَر أنَّ بغداد غَصْبٌ، فقال له مَعروف: يا هذا اتَّق الله، احفَظ
لسانَكَ ما نَعرِفُ شيئًا غُصِبَ .
أخبرنا محمد بن عليّ الوَرَّاق وأحمد بن عليّ التَّوَّزي القاضي (١)
المُحتَسِب؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر بن هارون الكوفي، قال: حدثنا
الحسن بن محمد السَّكوني، قال: حدثنا محمد بن خَلَف، قال: زَعَم عبدالله
ابن أبي سَعْد، قال: حدثني أحمد بن حُميد بن جَبَلة، قال: حدثني أبي، عن
جدي جَبَلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعةٌ للبغداديين يقال
لها: المُباركة، وكانت لستين نَفْسًا من البغداديين فعَوَّضهم منها (٢) عوضًا
أرضاهُم، فأخذَ(٣) جدي جَبَلة قِسْمه منهم(٤). وكان شارعُ طريقِ الأنبار لأهل
قريةٍ بباب الشام يسمون الثّرَابنة(٥) . قال: وقال ابن أبي سَعْد، عن أبيه، قال:
سمعتُ السَّري بن الحَكَم(٦)، وأظنُّه من بَجِيلة، يَزْعُم(٧) أنَّ المنصور كان
ابتاعَ منه ما بين قَنْطَرة البَرَدان إلى الجَسْر، وأنه لم يَقْبض ثمَّنَ ذلك منه، وأن
(١) قوله: ((التوزي القاضي)) سقط من م.
(٢) في م: ((عنها))، وما هنا من النسخ وهو الصواب.
(٣) في م: ((وأخذ))، وما هنا من النسخ.
في م: ((بينهم))، وهو تحريف.
(٤)
(٥) في م: ((الترايتة))، وهو تصحيف، وما أثبتناه مجود التقييد والضبط في ب ١، ولعل
هؤلاء ينسبون إلى ((تُزبان)» القرية القريبة من سمرقند.
(٦) هكذا في الأصل المتقن ب ١، وكتب في الحاشية: ((خ: الحطم))، يعني أنه كذلك
في نسخة أخرى، وهو كذلك ((الحطم» في م.
(٧) في م: ((بجيلة بن عمر))، وهو تحريف، فقد قرأ ناشر م ((يزعم)): «بن عمر)).
٣١٧

حَدَّ أرضه من الجَشْر حتى ينتهي إلى قرية تعرف بالأثَلة على فرسخ من الجانب
الشَّرقي، ومنزلُه بالحطمية على ميلين من بغداد، ورفعَ في ذلك إلى الرَّشيد
وإلى المأمون فلم يُعطياء.
قلتُ: وفي حَديثَي ابن أبي سعد هذين إبطالٌ لقولٍ مَن زعمَ (١) أنَّ بغدادَ
دارُ غَصْب، ودَخْضٌ لزَعْمِهِ وكسرٌ لِدَعواه. وقد قَدَّمنا القولَ عمَّن حَكَيناه عنه
في إجازة بيع أرض السَّواد، ويَحْصل منه أنَّ أرضَ بغداد ملك لأربابها، يصح
أن تورَثَ وتُستَغَل وتُباع، وعلى ذلك كان من أدركنا من العُلماء والقُضاة
والشُّهود والفُقَهَاءِ، لا يكرهون الشهادة في مَبيع، ولا يتوقّفون عن الحُكم في
مَوروث، وبهم يُقْتَدَى فيما وَقَع التَّنازع فيه، وحُكمهم هو الحُجَّة على
مُخالفيه. مع ما أخبرنا أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن
موسى. وأخبرنا الحسن بن عليّ الجَوْهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن
حيويه (٢)؛ قالا: أخبرنا أحمد بن جعفر ابن المُنادي، قال: سألَ رجلٌ أحمد
ابن محمد بن حنبل عن العقار الذي كان يَسْتَغِلُّه ويسكنُ في دارٍ منه، كيفَ
سبيله عنده؟ فقال له: هذا شيء وَرِثتُهُ عن أبي، فإن جاءني أحدٌ فصَحِّحَ أنه له
خرجتُ عنه ودَفَعتُه إليه ،
(١) أشار ناسخ ب ١ إلى أنها في نسخة أخرى: ((قال)).
(٢) سقط من م.
٣١٨

ذكرُ أقاليم الأرض السَّبعة وتِسْمَتُها
وإنَّ الإقليم الذي فيه بغداد سُرَّتها
ذَكَر علماء الأوائل أنَّ أقاليمَ الأرض سبعةٌ، وأنَّ الهند رَسَمتها فجعلت
إقليم بابل وسطها، وجعلت(١) صفة الأقاليم كأنها حَلَقةٌ مُستديرة يَكتَنِفُها ستُّ
دوائر على هذه الصِّفة:
فالدائرة الوسطى هي إقليم بابل، والدوائر الست المحدقة بالدائرة
الوسطى كُلُّ دائرة منها إقليمٌ من الأقاليم السَّتة .
فالإقلیم الأول منها إقلیم بلاد الهند.
والإقليم الثاني إقليمُ الحجاز.
والإقليم الثالث إقليم مصر.
والإقليم الرَّابع إقليم بابل، وهو المُمَثَّل بالدائرة الوسطى التي اكتَنَفتها
سائر الدَّوائر، وهو أوسط الأقاليم وأعمرها وفيه جزيرة العرب وفيه العراق
الذي هو سرة الدُّنيا . وحدُّ هذا الإقليم مما يلي أرض الحجاز وأرض نَجْد
الثَّعلبية من طريق مكة، وحده مما يلي الشَّامِ وراء مدينة نَصِيبين من ديار ربيعة
بثلاثة عشر فرسخًا، وحده مما يلي أرض خُراسان وراء نهر بَلْخ، وحده مما
يلي الهند خلف الدَّيُْل بستة فراسخ، وبغداد في وسط هذا الإقليم.
(١) قوله: ((وجعلت إقليم بابل وسطها)) سقطت من م.
٣١٩

والإقليم الخامس بلاد الرُّوم والشام.
والإقليم السَّادس بلاد التُّرك.
والإقليم السابع بلاد الصِّين.
. فالإقليم الرابع الذي فيه العراق، وفي العراق بغداد، هو صَفْوة الأرضِ
ووَسَطها لا يلحق مَن فيه عَيب سرف ولا تَقصير.
قالوا: ولذلك اعتَدَلَت ألوان أهلِهِ، وامتدَّت أجسامُهم، وسَلِموا من
شُقْرة الروم والصَّقالبة، ومن سَواد الحُبْش وسائر أجناس السُّودان، ومن غِلْظة
التُّرك، ومن جفاء أهل الجبال وخُراسان، ومن دَمامة أهل الصِّين ومَن جانَسَهم
وشاكَلَ خِلَقهم، فسَلِموا من ذلك كُلُّه. واجتَمَعت في أهل هذا القسم من
الأرض محاسِنُ جميع أهلِ الأقطار بلُطفٍ من العزيز القَهَّار. وكما اعتدلوا في
الخِلقة كذلك لطفوا في الْفِطنة والتَّمسك بالعلم والأدَب ومحاسِن الأمور، وهم
أهل العراق ومَن جاورهم وشاكّلَهم.
ذكرُ تَعْريب اسم العراق ومعناه
وأنَّ حدَّه حدُّ السَّواد ومُنْتَهاه
أخبرنا عليّ بن أبي عليّ البَصري، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد
المُعَدَّل، قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم بن بَشّار (١) الأنباري: قال ابن
الأعرابي: إنما سُمِّي العراق عِراقًا لأنه سَفُلَ عن نَجْدٍ ودَنَا من البَحْر، أُخِذَ من
عَراقِ القِرْبة وهو الخَرْز الذي في أسفلها. وقال غيره: العراق معناه في كلامهم
الطَّر. قالوا: وهو جمع عَرَقة والعَرَقة ضربٌ من الطَّير. ويقال أيضًا: العِراق
جمع عَرَق. وقال قُطْرب: إنما سُمَّ العراق عراقًا لأنه دَنا من البَحْر وفيه سِباخ
وشَجَر، يقال: استعرَقَت إيلُكم إذا أنت ذلكَ المَوضع.
(١) سقط من م.
٣٢٠