Indexed OCR Text
Pages 41-60
المبحث الثاني منزلته العلمية توطئة يُعد أبو بكر الخطيب واحدًا من العُلماء البارزين الذين أنتجتهم المئة الخامسة، بما خَلَّف من تُراث فكري اتسم بالسّعة والأصالة في آنٍ واحد، وصارَ مَعِينًا لمن جاء بعده من المؤلفين، فأكثروا الاقتباس منه واعتمدوه، وفي مقدمة ذلك كتابه العظيم ((تاريخ مدينة السلام)). فضلاً عما عُرِف به من الثقة والأمانة والإتقان وشدة التحري، والدين والورع، وقد وثقه من معاصريه: عبدالعزيز الكُثَّاني، وابنُ الأكفاني، وابن ماكولا، والمؤتمن السَّاجي، وأبو علي البَرَداني، وأبو الوليد الباجي، وشُجاعٍ بن فارس الذُّهلي، وغيرُهم، وأشاد به كبار العلماء وجهابذة النُّقَّاد، منهم السَّمعاني، وياقوت الحَمَوي، وابن نُقْطة، وابن النَّجَّار، والذَّهبي، والصَّفَدي، والسُّبكي، وابنُ كثير، كما سيأتي عند ذكر آراء العلماء فيه، وعدَّه الإمام أبو إسحاق الشيرازي، وهو أعظم فقهاء عصره، دار قطني زمانه(١) . مصنفاته كان الخطيب من المُكْثرين من التصنيف، بدأ به منذ مُدَّة مُبكرة من حياته، فاستغرق أكثرها، وقد أحصى محمد بن أحمد بن محمد المالكي الأندلسي مُصَنَّفات الخطيب إلى سنة ٤٥٣ هـ فكانت (٥٤) مصنفًا (٢). وذكر ابنُ شافع أنه «مات عن نيقٍ وخمسين مُصَنَّفًا سوى ما وُجِدَ في الرِّقاع غير (١) الذهبي: سير ٢٨١/١٨، والسبكي: طبقات ٣٥/٤، والصفدي: الوافي ١٩٦/٧. (٢) في دار الكتب الظاهرية نسخة منه ضمن مجموع برقم (١٨). ٤١ مَفْروغ منه))(١). وقال ابن النجار: ((وجدت فهرست مصنفات الخطيب، وهي نَّفٌ وستون مُصنفًا، فنقلتُ أسماءَ الكُتُب التي ظَهَرت منها، وأسقطتُ ما لم يُوجد، فإنَّ كُتُبه احترقت بعد موته وسلم أكثرُها))(٢) . وجمع الدكتور يوسف العش قائمة بمصنفاته بلغت (٧٩) مصنفًا(٣) ، وزادها صديقُنا الدكتور أكرم العُمري إلى (٨٧)(٤). وذكر السمعاني أنه ((صنّف قريبًا من مئة مصنف))(٥) ولعل العدد الذي ذكره الحافظ محب الدين ابن النجار هو الأقرب إلى الصحة، لعدة أمور، أولها: أنه وجد قائمة مؤلفاته في ((فهرست)» خاص مُدَوَّن، فهو لا يقوم على تخمين. وثانيها: أنه يقارب الرقم الذي ذكره المالكي في سنة ٤٥٣ هـ، ومعنى ذلك أن الخطيب قد ألَّف بعض الكتب والأجزاء الصغيرة بعد هذه السنة. وثالثها: وهو الأهم: أن القائمة التي ذكرها كل من الدكتور العش والدكتور العمري مقاربة إلى ذلك إذا استثنينا منها الأحاديث المُخَرَّجة للغير (٦) ، وهو ما لم يعده الأقدمون من تأليفه فإنَّ المالكي مثلاً لم يذكر شيئاً منها، ولا ذكرَ ابنُ النجار في القائمة التي أثبتها لأسماء مؤلفاته مثل هذه التَّخَارِيج، كما أنَّ بعضَها مشكوكٌ في نسبته إليه (٧)، وبعضها ورقة منقولة عنه (٨) ، وهلم جرًا. وهذا الذي ذكرناه لا يُقَلِّل من قيمة مؤلفات الخطيب التي رُبما أَرْبَت على الستة عشر ألف صفحة مخطوطة(٩) ، يكوِّنُ «تاريخ مدينة السلام)) رُبعها. (١) ابن نقطة: تكملة الإكمال ١٠٤/١. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات ٤٦٣). (٣) الخطيب البغدادي ١٢٠ - ١٣٤. (٤) موارد الخطيب ٥٥ - ٨٤. (٥) الأنساب ١٦٦/٥ . انظر مثلاً ما ذكره الدكتور العمري فى الأرقام ١٩ - ٢٨ و٨١ و٨٢. (٦) (٧) انظر مثلاً رقم ١٠، ٨٧ في قائمة الدكتور العمري. (٨) مثلاً ٦٤. (٩) تبلغ مؤلفات الخطيب ما يقارب الأربع مئة جزء باستثناء التخاريج، والجزء قرابة العشرين ورقة (٤٠ صفحة). ٤٢ تقريبًا، وهي فضلاً عن ذلك قد امتازت بأصالتها، وجدة موضوعاتها، وحُسْنٍ ترتيبها وعَرْضها، حتى قال ابن نُقْطَة الحنبلي (ت ٦٢٩ هـ): ((وله مُصَنَّفَاتٌ في عُلوم الحديث لم يُسْبَق إلى مِثْلها، ولا شُبْهَة عندَ كل لَبِيبِ أنَّ المتأخرين من أصحاب الحديث عيالٌ على أبي بكر الخطيب))(١) ؛ قال ذلك مع أنه ألف كتابًا سماه: ((الملتقط فيما في كتب الخطيب من الوهم والغلط))، فهو يدرك جيدًا أن المصنف الأصيل المتقن هو من عدت أخطاؤه. بل اعترف بجودتها حتى خصومُهُ وحُسّادُه مثل أبي الفرج ابن الجوزي الذي قال: ((ومَن نَظَرَ فيها عَرَفَ قَدْر الرَّجل وما هُيء له، مما لم يُهَيأ لمن كان أحفظ منه كالدَّارِقُطني وغيره))(٢). وقد أثنى الحافظ أبو طاهر السِّلَفي عليها في أبيات ذكرها غير واحد ممن ترجموا له (٣). ومع كُلِّ ذلك حاول حُسّاد الخطيب وخصومه التقليل من أصالة هذه التآليف الماتعة، فاتهموه بانتحال هذه المصنفات زاعمين أنها مستفادة من تأليف رفيقه محمد بن عليّ الصُّوري. ولد الصُّوري سنة ٣٧٦ هـ أو سنة ٣٧٧ هـ، ولم يسمع الحديث في صغره، وإنما طلبه بنفسه على حال الكبر، فكتب عن أبي الحُسين بن جُميع الصَّيْداوي بصيدا، وهو أسندُ شيوخه. ثم اتصل اتصالاً وثيقًا بعلامة مِصْر عبدالغني بن سعيد، فكتبَ عنه وعَمَّن بعده من المصريين(٤)، ثم قَدِمَ بغدادَ واتصل به الخطيب، وترجمه في تاريخه، فقال: «قَدِمَ علينا في سنة ثمان عشرة وأربع مئة فسمع من أبي الحسن بن مَخْلَد، ومَن بعده، وأقامَ ببغداد يكتب الحديثَ، وكان من أحرصِ النَّاس عليه، وأكثرهم كَتْبًا له، وأحسنهم مَغْرفةً به. ولم يَقْدم علينا من الغُرباء الذين لقيتهم أفهم منه بعلم الحديث. وكان (١) تكملة الإكمال ١/ ١٠٣. (٢) المنتظم ٢٦٦/٨. (٣) الدمياطي: المستفاد ١٥٨ - ١٥٩، الذهبي: سير ٢٩٣/١٨، وتاريخ الإسلام (وفيات ٤٦٣)، وغيرهما. (٤) السمعاني الأنساب ١٠٦/٨، ابن الجوزي: المنتظم ١٤٣/٨، الذهبي: سير أعلام النبلاء ١٧ / ٦٢٧. ٤٣ دقيق الخَطُّ، صحيحَ الثقل ... كتبتُ عنه وكَتَب عني شيئًا كثيرًا، ولم يزل ببغدادَ حتى تُوفي بها في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وأربع مئة، ودُفن من الغد في مقبرة جامع المدينة، وحضرتُ الصَّلاة عليه، وكان قد نيف على الستين سنة))(١). وهذه التُّهمة ساقها أبو سعد السَّمعاني عن والده، عن ابن الطيوري، واقتبسها ياقوت في ((معجم الأدباء)) فقال: ((وحدث أبو سعد السمعاني: قرأت بخط والدي: سمعت أبا الحُسين ابن الطيوري ببغداد يقول: أكثر كُتُب الخطيب سوى التاريخ مستفادٌ من كُتُب الصُّوري، كان الصُّوري بدأ بها ولم يُتمها، وكانت للصُّوري أختٌ بصور، مات وخَلّف عندها اثني عشر عِدْلاً مَخْزونًا من الكُتُب، فلما خرجَ الخطيب إلى الشام حَصَّل من كُتُبِه مَا صَنَّف منها: كتبه)) (٢). وأبو الحُسين ابن الطيوري هو المبارك بن عبدالجبار بن أحمد البغدادي الصيرفي (٤١١ - ٥٠٠ هـ))، كان من الملازمين للصُّوري، وكأن مُحَدِّثًا مُكْثرًا أمينًا صدوقًا واسع الرواية على الرغم من كلام المؤتمن الساجي فيه . على أن هذا الذي نُقل عن ابن الطَّيوري، إن صَحَّ إليه، لا يَصح لعدة. أوجه : الأول: إنَّ الصُّوري قَدِمَ بغداد سنة ٤١٨ هـ، وهو لَمّا يَزَّل في أول نشاطهِ العلمي، وكان قبل ذلك بمصر، وظل ببغداد إلى حين وفاته في سنة ٤٤١ هـ، فإن كان قد ألَّف من تأليف لم يتمها، فإنه لابد أن يكون قد ألَّفها ببغداد في هذه المدة، فمن الذي حملها إلى أُخته بصور، وكيف وَصَلت إلى هُناك. نقول هذا على افتراض أنَّ الخطيب اطلع عليها عند سفره إلى الحج سنة ٤٤٥ هـ أو عند عودته منه سنة ٤٤٦ هـ، والخطيب لم يلبث ببلاد الشام سوى مُدّة قصيرة. أما إذا كان المقصود عند إقامته بصور منذ سنة ٤٥٧ هـ أو عند إقامته بالشام منذ سنة ٤٥١ هـ فمردودٌ بما ذكره المالكي من التآليف التي ألَّفها الخطيب (١) تاريخه ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ : (٢) معجم الأدباء ٣٨٧/١ - ٣٨٨. ٤٤ ٠٠٠ وحَمَلَها معه من بغداد، فأينَ هذه التآليف التي استفادها !. الثاني: إنَّ طبيعةَ مؤلَّفات الخطيب إنما تقومُ على حَشْد النّصوص أو الاستدلال بها في كُلِّ مسألةٍ من المسائل التي يريدُ الخطيب التَّطَرق إليها أو بحثها، وهو في توثيقه لهذه النصوص يستعملُ الإسناد المتصل بشيوخه، ثم إلى صاحب النَّص، فكيف يمكن أن يَسُوق نصوص الصُّوري في كُتبه، اللهم إلا أن يغيّر هذه الأسانيد، وليس هذا مما عُرِف به الخطيب البتة، ولا قاله عنه حتى حساده وأعدائه. الثالث: لا ينتطح عنزان في أن الخطيب أعلم من الصُّوري وأكثر حفظًا، وقد عَبَّر عن ذلك الإمام الذهبي بقوله: ((ما الخطيب بمفتقرٍ إلى الصُّوري، هو أحفظ وأوسع رِحْلَة وحديثًا ومعرفة))(١) . الرابع: إنَّ ابن الجوزي مع كل كلامه الشَّديد في الخطيب، لم يستطع قبول هذه الرِّواية بهذه الهيئة السمجة، بل أقصى ما استطاعَ أن يقول: «وقد يضعُ الإنسان طريقًا فتُسْلَك، وما قَصَّر الخطيب على كل حال))(٢)، فكأنه يشير بذلك إلى أن الخطيب قد يكون أفادّ من أفكار أو مشاريع كان الصوري قد فَكَّر بها، أو خطط لها، وهو تفسير معقول ومحتمل. الخامس: لم يكن الصوري معنيًا بالتآليف أصلاً مع غزارة علمه، بل صرف جُلَّ وقته في الرواية، فلو كانت له هِمَّة في التأليف أو أنه بدأ ببعض الكتب لظهر له من المؤلَّفات الشيء بعد الشيء لاسيما وهو لم يتوفاه الله قبل بلوغ الستين من عمره . إن دراسة كتب الخطيب تبين أنَّ مجالها الرئيس هو الحديث ورجاله، فعلى الرغم من تنوع موضوعاتها في الظاهر لتشمل إضافة إلى الحديث ومصطلحه، وآداب المحدث وعلم رجال الحديث: التاريخ، والعقائد، وأصول الفقه، والفقه، والزهد والرقائق، والأدب، فإن المادة المكونة لهذه الموضوعات هي الحديث أو رجاله في الأغلب الأعم، فتاريخ مدينة السلام (١) سير ٢٨٣/١٨. (٢) المنتظم ٢٦٦/٨. ٤٥ هو تاريخ محدثيها قبل كل شيء، وكُتُبُه التي ألَّفها في العقائد والفقه وأصوله والزُّهد والرقائق إنما تقوم على الحديث، فالخطيب محدّثٌ أولاً وآخرًا. لقد قام كل من الدكتور يوسف العش والدكتور أكرم العمري بإحصاء مؤلفات الخطيب كما بيناً سابقًا وقام صديقنا العالم الشيخ أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان بإحصاء كتبه المطبوعة والمخطوطة في مقدمة تحقيقه لكتاب تالي تلخيص المتشابه للخطيب الذي نشره سنة ١٩٩٧ م. فلم نر فائدة في إعادتها، فمن أراد معرفتها فليرجع إليهم. هل كان الخطيب فقيهًا؟ وعلى الرغم من دراسة الخطيب للفقه في مطلع شبابه، وتأليفه بعض الرسائل أو الكُتيبات في الفقه فإنه لم يشتهر بالفقه ولا كان من الفقهاءِ البارزين، ولذلك لم يكن مُدَرِّسًا له لا في منزله ولا في مسجدٍ من مساجد الشَّافعية المشهورة بتدريس الفقه، ومن ثم فإن قول الدكتور العمري بأن الخطيب («لم يشارك في التدريس في المدارس التي كانت ببغداد آنذاك، بل أخذ يلقي دروسه في حلقته بجامع المنصور وفي حُجْرته قرب النظامية، ولعله آثر البعد عن المؤسسات التعليمية المرتبطة بالسلطة، شأن علماء آخرين من معاصريه))(١) ، لا يستقيم مع طبيعة التصور لتلك الحقبة، ذلك أن الخطيب قد عاد إلى بغداد وليس فيها سوى مدرسة واحدة للشافعية هي النظامية ولها مدرس واحد هو أبو إسحاق الشيرازي الذي أسسها نظام الملك من أجله(٢) ، فأين يمكن أن يكون موقع الخطيب من هذا كله! عقيدته ومذهبه كان الخطيب على مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول، وعلى (١): موارد الخطيب ٤٧ وأخال على بحث جورج مقدسي: رعاة العلم. (٢) ينظر تفاصيل ذلك في بحثي: ((التربية والتعليم)) المنشور في المجلد الثامن من كتاب ((حضارة العراق)). ٤٦ مذهب الشافعي في الفروع. والمعروف من مذهب أبي الحسن الأشعري الأخير في الصفات إثباتها وعدم تأويلها، وهو مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث، قال الخطيب: ((أما الكلام في الصِّفات فإن ما رُويَ منها في السُّنَن الصِّحاح مذهبُ السَّلَف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونَفي الكيفية والتَّشْبيه عنها. وقد نَفَاها قومٌ، فأبطلوا ما أثبته الله، وحَقَّقَها قومٌ من المُثْبِتِينَ، فَخَرجُوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من التَّشْبيه والتكييف. والقَصْدُ إنما هو سُلوكُ الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودينُ الله تعالى بين الغالي فيه والمُقَصِّر عنه. والأصلُ في هذا أنَّ الكلامَ فِي الصَّفَات فرعُ الكلام في الذَّات، ويُحْتَذَى في ذلك حَذْوه ومثالُه، فإذا كان مَعْلومًا أنَّ إثباتَ رَبِّ العالمين إنما هو إثباتُ وجودٍ لا إثباتُ كيفية، فكذلك إثباتُ صفاته إنما هو إثباتُ وجودٍ لا إثبات تحديد وتكييف؛ فإذا قُلنا: لله يدٌ وسمعٌ وبَصَرٌ، فإنما صفاتٌ أثبتها اللهُ لنفسه، ولا نقول: إنَّ معنى اليد القُدرة، ولا إنَّ معنى السَّمْعِ والبَصَر العِلْمَ، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نُشَبَّهُهَا بالأيْدي والأسماع والأنصار التي هي جَوَارحُ وأدواتٌ للفعل، ونقول: إنما وجبَ إثباتُها لأنَّ التوقيف وَرَدَ بها، ووجب نفي التَّشْبيه عنها لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورة ١١] ﴿وَلَمْ يَكُنُ لَّمُ كُفُوْا أَحَدَّاجَ﴾ [الإخلاص](١). حفظه وكان الخطيب واحدًا من حُفاظ عصره(٢) ، وقد شَهِدَ له فقيه عصره أبو إسحاق الشيرازي ((ت ٤٧٦ هـ) بالمَعْرفة والحِفْظ، فقال: ((أبو بكر الخطيب يُشَبَّه بالدَّارقطني ونُظَرائه في معرفة الحديث وحفظه))(٣)، وقال أبو نصر المؤتمن بن أحمد الساجي البغدادي (ت ٥٠٧ هـ)): «ما أخرجت بغداد بعد (١) الذهبي: سير ٢٨٤/١٨. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام، ترجمة الحميدي في وفيات سنة ٤٨٨. (٣) الذهبي: تذكرة ١١٣٨/٣، وسير ٢٧٦/١٨، السبكي: طبقات ٣٢/٤. ٤٧ ولذلك عَدَّهُ القَلْقَشَنْدِي فَرْدًا في ذلك(١). الخطيب الأديب ولغةُ الخطيب في كُتُبه لغةٌ جَيِّدةٌ قويةُ العبارةِ جَزْلة الألفاظ، دقيقةٌ في تعبيرها عن المُراد، وهي صفةٌ كانت تُمْلِيها عليه ثقافتُهُ الحديثية التي تَضَعُ كُلَّ كلمةٍ في موضعها المناسب عند تَحْبِير التّراجم. وقد ساقَ الخطيب في كتبه، ومنها تاريخه، جملةٌ لا بأس بها من الشِّغْرِ تدل على تَذَوّق له ومعرفة به. ويذكر ابن الجوزي أن للخَطِيب أشعارًا كثيرةٌ (٢)، ساقَ مُتَرْجموه بعضًا منها(٣)، وهي من متوسط الشعر وجَيّده. وأشارَ ابنُ الجوزي إلى أنه كان عارِفًا بالأدب(٤) ، وتشير سماعاته والكُتُب التي حَمَلُها معه إلى دمشق يوم سافر إليها في سنة ٤٥١ هـ إلى عنايته. به. كما ألف كتابًا في ((البخلاء)). تواضعه وكرمه ومع كُلِّ هذه المَلَكة العظيمة التي كانت عنده والمَنْزلة الرفيعة التي تبوأها. ببغداد والشام وغيرهما فإنه كان حييًا متواضعًا، لا تهتز نفسه إلى المَدْح ولا تتشوف نَفْسه إليه، كما كان عند بعض العلماء، فعن سعيد المؤذِّب، قال : قلتُ: لأبي بكر الخطيب عند قدومي: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: أنا: أحمد ابن علي الخطيب، انتهى الحفظ إلى الدار قطني(٥). (١) صبح الأعشى ١/ ٤٥٤. (٢) المنتظم ٢٦٧/٨. (٣) ينظر مثلاً الإلماع للقاضي عياض ٢٣٥ - ٢٣٦، والغنية، له ٧٧ - ٧٨، والمنتظم ٢٦٧/٨، ومعجم الأدباء ٣٨٨/١ - ٣٨٩، وسير أعلام النبلاء ٢٩٥/١٨ - ٢٩٦،. والوافي بالوفيات ١٩٩/٧، والبداية والنهاية ١٢/ ١٠٣ وغيرها. (٤) المنتظم ٢٦٧/٨. (٥) الذهبي: تذكرة ١٤١/٣. وسير ٢٨١/١٨. ٥٠٠ أما كَرَمه فإنَّ سيرتَهُ تَدُل على حُبِّه مساعدةَ النَّاس وبَذْل ما عنده إليهم، وليسَ هناك أدنى إشارةٍ إلى أنَّه كانَ يأخذُ شيئًا على تحديثه، بل كان يعينُ طلبتَهُ بما يستطيع من المال، وقد مَرّ بنا أنَّه أعانَ الخطيب التبريزي بشيءٍ من المال أكثر من مرة، وأنه وَزَّعَ قبل وفاته ما يملك من ذَهَبٍ وثيابٍ على المُحَدِّثين، قال الحافظ محمد بن ناصر السَّلامي: ((أخبرتني أمي أنَّ أبي حدثها، قال: كنت أدخلُ على الخطيب وأُمَرِّضه، فقلتُ له يومًا: يا سيدي! إنَّ أبا الفضل بن خيرون لم يُعْطني شيئًا من الذَّهَب الذي أمرتَهُ أن يُفَرَّقه على أصحاب الحديث. فرفع الخطيب رأسه من المخدة، وقال: خُذ هذه الخرقة، بارك الله لك فيها. فكان فيها أربعون دينارًا، فأنفقتها مدة في طلب العلم)» (١). دیانته وزهده وكان الخطيب صاحبَ دينٍ مَّتِين وخوفٍ من الله تعالى، تَرَبَّى في بيئة مُتدينة، وما عَرَف طوال حياته سوى الاجتهاد في طلب العلم النَّبوي. وقد تواترت الأخبار ممن رافقه في سَفَراته أنه ما كان يشغل وقته في أثناء السَّفَر إلا بقراءة القُرآن أو الحديث، قال غيث بن علي الأزْمنازي: ((حدثنا أبو الفرج الإسفراييني، قال: كان الخطيب معنا في الحج، فكان يختم كُلَّ يوم ختمة قراءة ترتيل، ثم يجتمع النَّاسُ عليه وهو راكبٌ يقولون: حدثنا فَيُحَدِّثهم))(٢). وقال المؤتمن السَّاجي: ((سمعتُ عبدالمُحسن الشِّيحيَّ يقول: كنتُ عديل أبي بكر الخطيب من دمشق إلى بغداد فكانَ له في كُلِّ يوم وليلة خَتْمٍ))(٣). وكان مهيبًا وقورًا (٤) لا يفكر بشيء من حُطام الدُّنيا، عفيفَ النَّفْس؛ قال السمعاني: «وسمعتُ أبا الفتح مسعود بن محمد بن أحمد الخطيب بمرو يقول: سمعت الفَضْل بن عُمر النَّسوي يقول: كنتُ في جامع صُور عند (١) الذهبي: سير ٢٨٥/١٨ - ٢٨٦. (٢) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ٢٨٦، الذهبي: تذكرة ١١٣٩/٣، وسير ٢٧٩/١٨، السبكي: طبقات ٤/ ٣٤. (٣) الذهبي: تذكرة ١١٣٩/٣، وسير ٢٧٩/١٨. (٤) الذهبي: سير ٢٧٧/١٨. ٥١ الخطيب، فدخلَ عليه بعضُ العَلَوية وفي كُمِّه دَنَانير، وقال للخطيب. فُلان، وذكرَ بعض المُختَشِمين من أهل صُور، يُسَلِّم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مُهِمَّاتك، فقال الخطيبُ: لا حاجة لي فيه، وقَطَّبَ وجَههُ، فقال العَلَوي: فتصرفه إلى بعض أصحابك، قال: قُل له: يَصْرفه إلى من يُريد. فقال العَلَوي: كأنك تَسْتَقِلُه، ونفض كُمَّهُ على سجادة الخطيب وطرحَ الدَّنانيرَ عليها، وقال: هذه ثلاث مئة دينار. فقامَ الخطيبُ مُحْمَرّ الوَجْه وأخذَ السجادة ونفضَ الدَّنانير على الأرض وخرج من المسجد. قال الفَضْل: ما أنْبَى عِزَّ خُروج الخَطيب وذُلَّ ذلك العَلَوي وهو قاعدٌ على الأرض يلتقط الدَّنانير من شقوق الحصير ويجمعها!))(١) . وقد مَرّ بنا عند كلامنا على سيرته كيف أنه أوقف كتبه ووزع كل ما يملك من ذهب وثياب ومتاع على طلبة الحديث. أما ما ذكره حُسَّادُه وخصومُه من تُهَم لا تَنْسَجمُ مع سيرته من مثل اتهامه بالشُّكْر، أو التغزل بالغِلْمان وحُبّه لهم، فهو ظاهر الوَضْع والاختلاق لا يَسْوَى سماعه(٢) .. تلاميذه لقد كوَّنت مَعْرفَةُ الخطيب بالحديث وعُلُومه والتاريخ وفُنُونه والمَنْزلة: التي تبوأها حينَ اكتملت علومُه وانتشرت تآليفُه مكانةً له رفيعةً في نفوسٍ طَلَّبَةِ العِلْمِ، فأمّوه من كُلِّ حَدَبِ وصَوْب يَنْهَلون من هذا المَعِين الثَّرِّ الذي لا ينضب . ومع أنَّ الخطيب لم يكن من المُعَمَّرين، لكنَّ الروايةَ انتشرت عنه؛ وذلك لتميّزه منذُ وقتٍ مبكر، وظهور نبوغه وهو لمّا يَزَل شابًا يافعًا، لذلك سمع منه شيوخُهُ اعترافًا منهم بفضله وإقرارًا بمنزلته الرَّفيعة، فسمع منه شيخه: أبو القاسم عبيد الله بن أبي الفتح الأزهري «٣٥٥ - ٤٣٥ هـ) في سنة ٤١٢ هـ (١) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٦٣)، وسير ٢٧٧/١٨ - ٢٧٨. (٢) انظر تفاصيله والرد عليه في دراسة العلامة المعلمي اليماني: التنكيل ١٣٠/١-١٣٩. ٥٢ وهو لما يزل في العشرين من عمره(١) . كما سمع منه شيخه أبو بكر البرقاني ٣٣٦٧ - ٤٢٥ هـ) سنة ٤١٩ هـ كما بيناه في أول كلامنا على ترجمته. ومما لا شك فيه أن عددًا ممن قرأ عليهم الخَطيب قد قرأوا عليه أيضًا، كما جَرَت العادةُ بين طَلَبَةِ العِلْمِ في تلك الأعْصُر، لكنَّ كُتُب الثَّراجم ربما تُلَمِّح إلى المَشْهورين منهم حسب. وكان الخطيبُ نفسه يفخرُ بكتابة شيوخه عنه، فقد ساق خَبَرًا في ترجمة أبي زُرعة الرازي عند وفاته، فقال: ((كتبَ عني هذا الخبر أبو بكر البَرْقاني، والقاضي أبو العلاء الواسطي، وأبو القاسم التّنُوخي، وأحمد بن محمد العَتِيقي، وغيرهم من الشيوخ))(٢)، وهؤلاء جمیعهم من کبار شيوخه . لقد حَدَّث الخطيب المُدَّة الطَّويلة ببغداد ودمشق وصُور وغيرها من الحواضر الإسلامية التي زارها، وحضر مجالس تَحديثه مئاتٌ من طَلَبة العلم، فاستفادَ بعضُهم منه وضَيَع كثيرون، إما لأنَّهم لم يستمروا في هذا الطريق، وإما أنهم لم يُحَدِّثوا. ومهما تَتَبَّعَ الباحثُ أسماءَ هؤلاء التَّلاميذ أو الرواة عنه، ونَقَّرَ عنهم في المظان، فإنَّه سوف لا يقفُ إلا على النَّزَر اليَسِير منهم؛ ذلك أنَّ العديد من الكُتُب المَعْنية بتراجمهم لم تصل إلينا، لاسيما في بُلْدان المَشْرق الإسلامي، فضلاً عن أن كتب التراجم، وهذا هو المهم، إنما تُعنى بعلو الإسناد، فتذكر المُتَميزين بذلك، ممن سَمِعوا في الصِّغَر وطالت أعمارُهم، فطارت شُهْرَتُهم في البُلْدان بعلو الإسناد أو التَّفَرُّد، ولا أدل على ذلك من اشتهار رواية أبي مَنْصور القَزَّاز لتاريخ الخطيب ذلك الاشتهار الذي طبق أرضَ الإسلام في الأعصر التالية مع أنَّ سَمَاعٍ أبي منصور القَزَّاز للتاريخِ إنما كانَ وهو لم يتجاوز العاشرة من عُمُره في أحسن تَقْدير. ومن هنا فإنَّ كثيرًا ممن سمعوا من الخطيب وهم في سن الشباب أو الكهولة لم تُعْن كُتُب التَّراجم بذكرِ سَمَاعهم (١) الذهبي: سير ٢٧٧/١٨. (٢) تاريخه ٤٥/١٢ . ٥٣ ٠٠ منه، وإنما عُنِيت بذكر شيوخهم المُتَقَدِّمين الذين أُحضروا عليهم أو سمعوا. منهم في الصغر(١) . : ولمّا كنا قد صنعنا معجمًا لشيوخ الخطيب في تاريخه(٢) ، فقد رأينا من المُفِيد أن نُطَرِّز هذه المُقَدِّمة الوجيزة بذكر أشهر الرُّواة عن الخطيب، مرتبين إياهم على قِدَم وفياتهم مضربين عن ذكر شيوخه الكثر الذين سمعوا منه؛ فمنهم : : أبو محمد عبدالله بن الحسن بن طَلْحة التّنِّيسي، ابن النَّخَّاس المعروف بابن البَصْري المولود سنة ٤٠٤ هـ والمتوفى سنة ٤٦٢ هـ، قال ابن عساكر: ((من أهل تِنِّيس، قدم دمشق ومعه ابناه محمد وطلحة، وسمع بها الكثير من أبي بكر الخطيب))(٣). والإمامُ الحافظ المُفيد الصَّدوق مُحَدِّث دمشق أبو محمد عبدالعزيز بن أحمد بن محمد الكَثَّاني المولود سنة ٣٨٩ هـ والمتوفى سنة ٤٦٦ هـ، وقد حَدّث الخطيب عنه أيضًا(؟). وأبو منصور ناصر بن محمد بن عليّ بن عُمر البغدادي، والد الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر السَّلامي، ولد سنة ٤٣٧ هـ، واتصل بالخطيب، فكان يرى له ويُقَدِّمه على من خَضَر، ويأمرُه بالقراءة، وهو الذي قرأ عليه ((التاريخ)) للناس ببغداد في السنة الأخيرة من عُمُر الخطيب حين حَدَّث بِه ببغداد، وأعانَهُ الخطيبُ بأربعين دينارًا ذَهَبًا أنفقها فِي الطََّب، واختَرَمته المَنِيَّةُ شابًا وهو في الحادية والثلاثين من عمره سنة ٤٦٨ هـ(٥). (١) من أجل تصور بعض مجالس الخطيب ونوعية السامعين، أحيل القارىء إلى طبقة سماع عليه ببغداد في شعبان سنة ٤٦٣ هـ وغيرها من طباق السماع مثبتة في آخر الجزء الثاني بعد المئة من مجلد محفوظ بدار الكتب المصرية، نقلته في الفصل الرابع من هذه المقدمة . (٢) انظر المجلد السابع عشر. (٣) ابن عساكر: تاريخ دمشق (عبد الله) ص ١٧١ . (٤) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٦٦)، وسير أعلام النبلاء ٢٤٨/١٨ - ٢٥٠. = (٥) ابن الجوزي: المنتظم: ٣٠١/٨ - ٣٠٣، الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنةٍ ٥٤ وأبو القاسم عُبيد الله بن محمد بن الحُسين بن محمد بن خَلَفِ الفَرَّاء، ابن القاضي أبي يَعْلى الفقيه. ولد سنة ٤٤٣ هـ، قال ابن النجار: ((وصَحِبَ أبا بكر الخطيب وأبا عبدالله الصُّوري، ونَقَلَ عنهما معرفة الحديث وتحقيقَ أسماء الرُّواة وأنسابهم، وكتبَ بخطه كثيرًا من الحديث والفقهيات ومُصَنَّفات الخطيب)»(١). توفي شابًا بطريق مكة، وهو ابن ست وعشرين سنة، وكانت وفاته سنة (٤٦٩ هـ) (٢). وأبو الحسن عليّ بن أحمد بن عبدالعزيز الأنصاري المعروف بابن ◌ُنَيْز(٣) ، من أهل ميورقة من بلاد الأندلس. قرأ على الخطيب بصُور، ترجمه الذهبي في وفيات سنة ٤٧٤ من تاريخه، وقال: ((وكان من علماء اللغة والنَّحو دَيِّنًا فاضلاً فقيهًا عارفًا بمذهب مالك، كتب بصور عامة تصانيف الخطيب وحَصَّلها))(٤) . وأبو نصر عليّ بن هبة الله بن عليّ، الأمير الحافظ النَّاقد الكبير المعروف بابن ماكولا المقتول بعد سنة ٤٨٠ هـ. كان من أصدقاء الخطيب وتلامذته النُّجُب الذين لازموه وأخذوا عنه كثيرًا. وقد اعترف ابن ماكولا بفضل الخطيب عليه حتى قال: ((وقد استفدنا كثيرًا من هذا اليَسِير الذي نُحْسِنُه به وعنه، وتَعلَّمنا شَطْرًا من هذا القليل الذي نَعْرِفُه بِتَنْبِيهه وهنه))(٥) . وأبو المعالي محمد بن محمد بن زَيْد بن عليّ العَلَوي الحُيني البغدادي، السَّيد الكبير المُرْتَضَى ذو الشَّرفين نزيلُ سمرقند. ولد سنة (٤٠٥)، قال أبو سَعْد السَّمعاني: «هو أفضلُ عَلَوي في عصره، له المعرفةُ التَّامَةُ = ٤٦٨). (١) ابن النجار: التاريخ المجدد ١١٨/٢. (٢) ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ٢٣٦/٢. (٣) قيده ابن النجار بالحروف كما قيدناه (التاريخ المجدد ٨١/٣)، وتابعه ابن ناصر الدين في التوضيح ١٩/٦. أما الذهبي فقيده بالطاء المهملة وآخره زاي: طنيز (المشتبه ٤١٨). (٤) تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٧٤). (٥) ابن ماكولا: تهذيب مستمر الأوهام ٥٧، الذهبي: سير ١٨/ ٥٧٠. ٥٥ بالحديث ... بَرَعَ بأبي بكر الخطيب في الحديث))(١) ، وقال ابن الجوزي: (وصَحِبَ أبا بكر الخطيب وتَلْمَذَ له، وأخذَ عنه علمَ الحديث فصارَ له به معرفةٌ حَسَنةٌ))(٢) . ذكر الذهبي أنه توفي بعد سنة ست وسبعين، وقيل: قُتِلَ في سنة ثمانين وأربع مئة، قتله الخاقان خَضِر بن إبراهيم صاحب سمرقند(٣) . وأبو الفضل طاهر بن بركات بن إبراهيم القُرَشي الدِّمشقي المعروف بالخُشُوعي المتوفى سنة ٤٨٢، قال الحافظ ابن عساكر: «طافَ في طلب الحديث وسَمِعَه من جماعة منهم الخطيب البغدادي، وجمع معجم أسماء شيوخه)» (٤) وأبو الفَتْح نصر بن الحسن بن القاسم التّركي الشَّاشي التَّنْكَتي. ولد سنة ٤٠٦، وسَمِعَ من الخطيب بصُور، وتوفي سنة ٤٨٦، واشتُهِرَ برواية صحيح مسلم بالعراق ومصر والأندلس عن عبدالغافر بن محمد الفارسي(٥). وأبو الفضل أحمد بن الحسن بن أحمد بن خَيْرون البغدادي المعروف بابن الباقلاني، الإمامُ العالمُ الحافظ المُسْنِدِ الحُجّة. ولد سنة ٤٠٤، وطلب فتميَّزَ حتى صار يحيى بن مَعِين وقته على حد تعبير أبي طاهر السُّلّفي. وكان خصیصًا بالخطيب، وهو الذي تولی توزیع تر کته على المحدثين بوصية منه كما مرٍ بنا. وكان الخطيب يحترمه ويُجِلُّه فحدَّث عنه هو أيضًا ثقةً بمعرفته وأُصوله. كما أذن له الخطيب بالتعليق على تاريخه (٦). وأبو نصر هبة الله بن علي بن المُجْلِي، أخو أحمد بن علي بن المُجْلي، ولد سنة ٤٤٢، وروى عن أبي بكر الخطيب، وجَمَعَ وصَنَّفَ، وتوفي سنةٌ ٤٨٨ (٧) . (١) الذهبي: سير ٥٢١/١٨. (٢) المنتظم ٤١/٩. الذهبي : سير ٥٢٣/١٨ .. (٣) :تهذيب تاريخ دمشق ٧/ ٥٠، الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٨٢). (٤) (٦) الذهبي: سير ١٠٥/١٩ - ١٠٧. (٥) السمعاني: الأنساب ٨٨/٣ - ٩٠، الذهبى: سير ١٩ /٩٠. (٧) الذهبي: سير ٢٧٤/١٨، ابن ناصر الدين: توضيح المشتبه ٥٩/٨. ٥٦. وأبو عبدالله محمد بن أبي نصر فُتُوح بن عبدالله الأزْدي الحُمَيْدي الأندلسي المَيُورقي الفقيه الظَّاهري صاحبُ ابن حَزْم وتلميذُه وصاحب التّصانيف المشهورة الماتعة والمتوفى ببغداد سنة ٤٨٨ هـ، وقبره عند بشر الحافي أيضًا نُقلَ إليه بعد سنتين من وفاته. وقد سمع الحُمَيْدي من الخطيب (١) بدمشق(١) . وأبو منصور عبدالمُحسن بن محمد بن علي الشُّيحي(٢) ثم البغدادي النَّصْري، من أهل محلة النَّصْرية، الإمامُ المحدث التَّاجر الجَوَّال المتوفى سنة ٤٨٩ هـ. كان أبو منصور مع الخطيب بصور، وهو الذي حَمَله إلى بغداد. وكان قد كتبَ بخطه أكثر مُصَنَّفات الخطيب، مما يدلُ على أنّه لازمَهُ المدةَ الطويلة، واتصل به اتصالاً قويًا، وأكثر عنه، حتى أن الخطيب أهداه نسختَهُ الخاصة التي بخطه من «تاريخ مدينة السَّلام)» (٣)، ولعلها كانت أعز ما يملك. وأبو بكر محمد بن أحمد بن عبدالباقي الدَّقَّاق البغدادي الحافظ المعروف بابن الخاضِبَة. ولد سنة نَيَّفٍ وثلاثين وأربع مئة، وتوفي سنة ٤٨٩ هـ (٤)، قال ابن الجوزي(٥): ((وأكثرَ عن أبي بكر الخطيب)). وأبو الفتح نَصْر بن إبراهيم بن داود النابُلُسي المَقْدسي الشافعي، الفقيه العلامة صاحبُ التصانيف. ولد قبل سنة عشر وأربع مئة، وتوفي سنة تسعين وأربع مئة، وهو من عُلماء الشافعية البارزين في بلاد الشام، ولذلك فإنَّ الخطيب حَدَّث عنه أيضًا (٦). (١) الذهبي: سير ١٢٠/١٩. وكذلك ٢٧٣/١٨، وتاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٨٨). (٢) منسوب إلى شيخة من قرى حلب. (٣) السمعاني في ((الشيحي) من الأنساب، ابن الجوزي: المنتظم ١٠٠/٩، الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٨٩)، والسير ١٥٢/١٩، ابن كثير: البداية ١٢/ ١٥٣. (٤) الذهبي: سير ١٠٩/١٠ - ١١٣، الصفدي: الوافي ٨٩/٢ - ٩٠، ابن كثير: البداية ١٥٣/١٢. (٥) المنتظم ١٠١/٩. وانظر الذهبي في السير ٢٧٣/١٨. (٦) ابن عساكر: تبيين ٢٨٦ - ٢٨٧، الذهبي: سير ١٣٨/١٩. وانظر أيضًا ٢٧٣/١٨، ولعله كان ببغداد سنة ٤٦٣ يسمع تاريخ الخطيب، كما جاء في رؤيا ذكرها مكي بن = ٥٧ وأبو سعد محمد بن الحُسين بن محمد المُزَكِي الحَرَمي الزَّاهد نزِيلُ هراة والمتوفى بها في سنة ٤٩١ هـ. سمع من الخطيب ببغداد(١). وأبو رَوْح صاعد بن سَهْل بن بِشْر الإسفراييني ثم الدِّمشقي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ، ذكر ابنُ عساكر(٢) والذهبي (٣) أنَّه سَمِعَ من الخطيب. وأبو القاسم مكي بن عبدالسَّلام بن الحُسين الرُّمَيْلي المَقْدسي أحدُ الجَوَّالين. ولد سنة ٤٣٢ هـ، وتعب وسهر في الطلب، فتميّز وصار مفتيًا على مذهب الإمام الشافعي. سمع من الخطيب بدمشق وصور وبغداد، وختم الله حياته بالشهادة مُقبلاً غير مُذْبر وهو يدفع الصليبيين - لعنهم الله - عن المسجد الأقصى سنة ٤٩٢ هـ(٤) . وكان أبو القاسم الزُّميلي خصيصًا بالخطيب قرأ عليه تاريخَهُ، وحضرَ مَرَضه ووفاته ببغداد، ورأى له منامًا صالحًا، فقال: ((كنتُ نائمًا ببغداد في ربيع الأول سنة ثلاث وستين وأربع مئة، فرأيتُ كأنّا اجتمعنا عند أبي بكر الخطيب في منزله لقراءة ((التاريخ)) على العادة، فكأنَّ الخطيب جالسٌ، والشيخ أبو الفتح نَصْر بن إبراهيم المقدسي عن يمينه، وعن يمين نصر رجل لم أعرفه، فسألت عنه فقيل: هذا رسول الله وَّرَ جاءَ ليسمعَ («التاريخ»، فقلتُ في نفسي: هذه جلالةٌ لأبي بكر إذ يَحْضر رسولَ اللهِ وَلّ مجلسَهُ، وقلتُ: هذا ردٌّ لقول من يعيب ((التاريخ)) ويذكر أنَّ فيه تحاملاً على أقوام)» (٥) . وأبو الحسن عليّ بن سعيد بن عبدالرحمن بن مُخْرِز بن أبي عُثمان المعروف بالعَبْدَري، من بني عبدالدار، ومن أهل مَيُورقة من بلاد الأندلس. ذكره ابن بَشْكوال، فقال: ((دخلَ بغدادً وتركَ مذهب ابن حَزْم وتفقه عند أبي = عبدالسلام الرمیلي (انظر السير ٢٨٨/١٨). (١) الذهبي: سير ٢٠٢/١٩. : تهذيب تاريخ دمشق ٦/ ٣٦٢. (٢) (٣) تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٩٢). (٤) السمعاني في ((الرميلي)" من الأنساب، الذهبي: ١٧٨/١٩. (٥) ابن عاكر: تبيين ٢٦٨ - ٢٦٩، الذهبي: سير ٢٨٨/١٨٠، الصفدي: الوافي ٧/ ١٩٧. ٥٨ بكر الشَّاشي ... وسَمِعَ من الخطيب أبي بكر بن ثابت البغدادي وغيره؛ أخبرني بذلك القاضي أبو بكر بن العربي، وذكر أنه صَحِبه ببغداد، وأخذَ عنه وأثنى عليه، وقال لي: تركتُهُ حَيًّا ببغداد سنة إحدى وتسعين وأربع مئة، وتوفي بعد ذلك)»(١). وترجمه الذهبي في وفيات سنة ٤٩٣ من تاريخ الإسلام نقلاً من تاريخ ابن النجار (٢). وسَلْمان بن حمزة بن الخَضِرِ السُّلَمي الدِّمشقي المتوفى سنة ٤٩٥. ذكر ابن عساكر(٣) والذهبي(٤) أنه سمع من الخطيب. وأبو علي أحمد بن محمد بن أحمد البَرَداني البغدادي الحنبلي ((٤٢٦ - ٤٩٨ هـ)، قال السمعاني: ((كان أحد المشهورين في صنعة الحديث))(٥). وأبو محمد جعفر بن أحمد بن الحَسَنِ السَّرَّاجِ البغدادي، أحد المُسْنِدين الكبار ((٤١٧ - ٥٠٠ هـ)). خَرَّجَ له شيخُهُ الخطيب خمسة أجزاء مشهورة سَمِعَها الذَّهبي(٦) ، وهي موجودةٌ في دار الكتب الظاهرية بدمشق إلى (٧) اليوم . وقد روى تاريخ الخطيب، ووصلت إلينا أجزاء من روايته . وأبو الحُسين المُبارك بن عبدالجبار بن أحمد البغدادي الصَّيْرفي المعروف بابن الطيوري ((٤١١ - ٥٠٠ هـ))(٨)، وهو إمام محدث عالم مفيد، ذكره الذهبي في الرواة عن الخطيب(٩). وأبو إسحاق إبراهيم بن مَيَّاس بن مهدي القُشَيْري، من أهل دمشق، ذكر (١) الصلة ٢ / ٤٢٣ - ٤٢٤. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٩٣)، السبكي: طبقات الشافعية ٢٥٧/٥-٢٥٨. (٣) تهذيب تاريخ دمشق ٦ / ٢١٢ . تاريخ الإسلام (وفيات سنة ٤٩٥). (٤) الذهبي : سير ٢٢٠/١٩. (٥) الذهبي: سير ٢٢٩/١٩. (٦) (٧) الجزء الأول ضمن مجموع برقم ٣١، والثاني إلى الخامس برقم ٣٥٣ حديث. (٨) ابن الجوزي: المنتظم ٩/ ١٥٤. (٩) سير ١٨/ ٢٧٣. ٥٩ ابنُ عساكر أنّه سمع من الخطيب(١) ، وقال ابن الجوزي في وفيات سنة ٥٠١ هـ من المنتظم: ((سَمِعَ الكثيرَ، وأكثر عن الخطيب وكتّبَ من تصانيفه ... وكان ثقة»(٢) وأبو بكر محمد بن عمر بن قَطَري الزُّبَيْدي الإشبيلي المتوفى سنةٍ ٥٠١ هـ، قال القاضي عياض: سمع بصور من الشيخ أبي بكر الخطيب الحافظ ... حدثني عن الخطيب بكتاب ((المؤتنف في تكملة المؤتلف والمختلف)) وبكتاب (الفقيه والمتفقه)) من تأليفه سماعًا منه (٣) . وأبو عُمر عبدالواحد بن محمد بن عُمر بن هارون، الفقيه الوَلاشْجِردي، من ولا شْجِرد من قُرى كنكور، وهي بُليدة بين هَمَذَان وقرميسين، ولد سنة ٥٤٠٠ وتوفي سنة ٥٠٢(٤) . وأبو الحَسَن عليّ بن أحمد بن عليّ بن الإخوة البَيِّع الحَرِيمي، المحدث المُفيد. ولد سنة ٤٥١، وطلب الحديث، قال ابن النجار: ((وكتب بخطه وحَصّل الأصول، وكان يكتب خطًا حسنًا، وله فَضْل ومعرفة، سمع ... وأيا بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب»(٥)، وتوفي سنة ٥٠٢ هـ، ودفن في مقبرة باب حرب(٦) . وأبو زكريا يحيى بن عليّ بن محمد الشَّيباني المعروف بالخَطِيبُ التِّبريزي العلامةُ الشهير صاحبُ ((شَرْح الحماسة)) وغيره ((٤٢١ - ٥٠٢ هـ). أخذَ عن الخطيب كثيرًا من الكتب الأدبية، وأعانَهُ الخطيب ببعض المال يوم (١) تهذيب ٣٠١/٢. (٢) المنتظم ١٥٨/٩. (٣) الإلماع ٢٣٥ - ٢٣٦، ابن الأبار: التكملة ٤٠٩/١ - ٤١٠، الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٥١ (أيا صوفيا ٣٠١٠ بخطه) .. (٤) السمعاني في ((الولاشجردي)) من الأنساب، الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٥٣ (أيا صوفيا ٣٠١٠). (٥) التاريخ المجدد ١٠٢/٣. (٦) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٥٤ (أيا صوفيا ٣٠١٠). ٦٠ ۔۔