Indexed OCR Text

Pages 1161-1180

١١٦١
لابن شبه
وإن يكن مَرْوان كتبه على لسان عثمان نَظرْنا ما يكون مِنَّا في أمرٍ
مَرْوَان، ولزموا بيوتهم، وأَبى عثمان أَن يُخْرِجَ إليهم مَرْوَان،
وخَشِيَ عليه القتل، وحاصرَ الناسُ عثمان ومَنَعُوه الماء (١).
■ حدثنا حيان بن بشر قال ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن
أبي بكر بن عياش ، عن المغيرة قال : لما رجع أَهلُ مصر عن عثمان
رضي الله عنه رأوا راكباً يُعارِضُ الطريقَ فارتابوا، فأخذوه ففتَّشوه
فلم يجدوا شيئاً ، فقال رجلٌ منهم : لعلّ حاجتكم في الشَّنَّة ، فنظروا
فإذا كتابٌ إلى ابن أبي سرح فيه : إِذَا قَدِمَ عليكَ فلانٌ وفلانٌ فاضرب
أعناقهم. فرجعوا فقالوا : هذا خاتَمُكَ على هذا الكتاب ، أَفهذا مِنَ
التوبة؟ ! قال: ما كَتَبْتُه ولا أَمَرْتُ به، وحَلف. قالوا : خاتمك
عليه ! ! قال : خاتمي مع فلان - مَرْوَان أَو حمران - قالوا : فإِنا
نَتَّهِمُك فَاخْرُج عن الولاية حتى نُوَلِّيَ غيرك. قال: أَما المالُ قَولُّوه
مَن شئتم، وأما الصلاة فما كنتُ لأَخْلَعَ سِرْبَالًا أَلْبَسَنِيهُ اللهُ. قالوا:
لا يستقيم أن يكون رجلٌ على الصلاة وآخرُ على المال ، فحصروه حتى
قتلوه .
* حدثنا معاذ بن شيبة بن عبيدة قال : حدثني أبي، عن أبيه ،
عن جده ، قال : كتب عثمان رضي الله عنه في الأمصار حين أرادوا
قتله يُذَكِّرُهم الله ويخبرهم أنه عَرَض عليهم كتاب الله ؛ وسنّة نبيّه ،
وأنهم ردّوا ذلك عليه ، فقال : طال عليهم أُجلي فاستعجلوا القَدَر .
* حدثنا هارون بن عمر قال، حدثنا أَسدُ بن موسى قال ،
(١) انظر المراجع السابقة وشرح نهج البلاغة ١ : ٢٢٩ - والغدير ٩ : ١٨٠ -
والإمامة والسياسة ١ : ٦٠ .

١١٦٢
تاريخ المدينة المنورة
أنبأنا جامع بن صُبَيْح أبو سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن علي
ابن حسين قال : : لما حُصِرَ عثمان رضي الله عنه في داره ، وتحَوَّفُوا
عليه كتب إلى الناس بكتاب يعتذر فيه بعذره :
بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله عثمان أمير المؤمنين والمسلمين
سلامٌ عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو . أما ( بعد فإني
أذكركم (١)) الله الذي أنعم عليكم، وعَلَّمَكُم الإِسلامَ، وهَدَا كُم
من الضلالة وأنقذ كم من الكُفْر، وأَرَاكُم البَيِّنَات، ووسَّع عليكم
من الرزق ، ونصرَ كُم على العدوِّ ، وأسبغ عليكم نِعمه فإن الله يقول ،
وقوله الحق : (( يَا أَيُّهَا الّذِيِنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٢))) إلى قوله: ((وَأُولَئِكَ لُهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٍ (٢))
وقال: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي
وَاثَفَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (٣) )) وقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِنَبَهٍ فَتْبَيِّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَا بِجَهَالَةٍ )) إلى قوله:
((فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةٌ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٤))) وقال : إِنَّ الَّذِينِ يَشْتَرُونَ
بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَّاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا
يُكَلِّمُهُمِ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ (٥))) وقال: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَابِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه يَدُ اللهِ فَوْق
أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكّثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِمَا عَاهَدَ عليه
(١) سقط في الأصل والمثبت عن التمهيد والبيان لوحة ٩٦ .
(٢) سورة آل عمران، الآيات ١٠٢ - ١٠٥.
(٣) سورة المائدة ، آية ٧ .
(٤) سورة الحجرات ، الآيات ٦ - ٨ .
(٥) سورة آل عمران ، آية ٧٧ .

١١٦٣
لابن شبة
اللّه فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١) )) أما بعد، فإِنّ اللهَ رضي لكم السمعَ
والطاعة، وجنّبكم الفُرقة والمعصية والاختلاف، ونَبَّأَكم أَنْ قَدْ
فَعَلَهُ الذينَ مِنْ قَبْلِكُم ، وتقدّم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم
إِنْ عَصَيْتُهُوه ، فَاقْبَلُوا نصيحة اللهِ، واحْذَروا عَذَابَه ، فإنكم لن
تجِدُوا أُمّةً هلكت إلَّا من بعد أَن تَخْتَلِف، لا يكونُ لها رَأْسٌ يَجْمَعُها،
ومَتَّى تَفْعَلُوا ذلك لا تَقُم الصلاة جميعاً ، ويُسَلط عليكم عدوكم ،
ويستحلّ بعضكُمْ حُرَمَ بعض ، ومن يفعل ذلك لا يقم دينُه وتكونوا
شيعاً، وقد قال الله لرسوله، وقوله الحق: ((إِنَّ الَّذِينَ فَرِّقْوا دينَهُمْ
وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنْبِّتُهُم بِمَا
كَانُوا يَفْعَلُون (٢) )) إني أوصيكم بما أَوصا كم الله، وأَحذركم عذابَّه ؛
فإن شُعَيْبًا قال لقومه (( يَا قَوْمُ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصيبَكُم مِثْلُ
مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ
بِبَعِيدٍ . وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٣))).
( وكتب كتاباً آخر : بسم الله الرحمن الرحيم (٤))
أما بعد : فإن أقواماً ممن كان يَقُولُ في هذا الحديث: أَظْهِرُوا
لِلنَّاسِ إِنَّمَا تَدْعُونَ إلى كتابِ اللهِ والحقِّ، ولا تريدون الدنيا ولا
مُنَازَعة فيها ، فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شَتَّى ؛ منهم
آخذٌ للحق ونازِعٌ عنه حين يُعْطَاه ، ومنهم تاركٌ للحق رغبة في الأمر
(١) سورة الفتح، آية ١٠ .
(٢) سورة الأنعام ، آية ١٥٩ .
(٣) سورة هود ، الآيتان ٨٩، ٩٠ .
(٤) ما بين الحاصرتين عن التمهيد والبيان لوحة ٩٨ .

١١٦٤
تاريخ المدينة المنورة
يريد أَن يَنْتَزُوه بغيرِ حَقِّ، وطال عليهم عُمُرِي ، وراثَ عليهم أَمَلهم
فيّ، فاستعجلوا القّدَر (١)، وقد كانوا كتبوا إليكم أنهم قد رضوا
بالذي أعطيتهم ، ولا أعلم أني تركتُ مِنَ الذي عامَدْتُ لهم عليه
شيئاً ، وكانوا زعموا يَطْلُبُونَ الحُدُودّ ، فقلتُ: أَقيموا عليّ من عَلِمْتم
من قريب أو بعيد. وقالوا : كتاب الله يُثْلَى، فقلت: ليَتْلُهُ مَنْ تَلَاهُ
غير غالٍ فيه . وقالوا: المحرومُ يُرْزَق، والمال يُوَفَّر، وتُسْتَنّ السُّنَّةُ
الحسنة، ولا تتَعَدّ إلى الخُمُسِ والصدقة، ويُؤَمّر ذَوُو القُوَّةِ والأمانة،
وتُرَدّ مظالمُ الناسِ إلى أهلها ، فرَضِيتُ بذلك ، فقلت: فما تَأْمُرُون ؟
قالوا: تُؤْمِّر عمرو بن العاص، وعبد الله بن قيس ويَقَرّ جنْدُه
الراضون (٢) ، وَأُمُرْهُ فَلْيُصْلِحْ أَرْضّه فكلُّ ذلك فَعَلْتُ، وإنَّهُ لم يُرْضِهِم
ذلك (٣) ) فمنعوني الصلاة، وحالوا بيني وبين المسجد ، وانتزوا
ما قدروا عليه بالمدينة ، وهم يخيِّرونني بين إحدى ثلاث : إما أن
يُقِيدُوني بكل رجل أُصِيبَ خطأٌ أَو عمداً ؛ أخذت به غير مَتْرُوكِ لي
منهُ شيءٍ، وإما أَن أَفتدي بالأُمر فأَعتزل ويُؤَمِّرُوا آخر ، وإِما أَن
يُرْسلُوا إِلى مَنْ أَطاعهم من أَهل الجنود وأهل المدينة فَيَتَبَرَّأُون من
الذي جَعَلَ اللهُ عليهم من السمْعِ والطاعةِ . فقلتُ لهم : أَما إِقادة
نفسي فقد كان قَبْلِ خُلَفَاءِ ، ومَن يتولَّ السلطان يخطئ ويُصِيب
فلم يُسْتَقَد من أحد منهم ، وقد علمت أنهم يريدون بذلك نفسي ،
وأَما أَن أَتبرأ من الأمر فإِنْ يَصْلِبُوني أحبّ إليّ من أَن أَتبرَأَ من جُنْدِ
(١) من أول الخبر إلى هنا في التمهيد والبيان لوحة ٩٦، ٩٧، ٩٨.
(٢) كذا في الأصل ولعلها ((الرابضون)).
(٣) بياض في الأصل بمقدار كلمتين والمثبت يقتضيه السياق.

١١٦٥
لابن شبة
الله وخلافته . وأَما قولهم : أَن يُرْسِلُوا إِلى أُمَرّاء الأُجناد وأهلِ المدينة
فيتَبرَّأُون من طاعتي فلستُ عليهم بوكيل ، ولم أكن اسْتَكْرَهْتُهم
مِنْ قَبْل على السمع والطاعة، ولكن أَتَوْها طائعين يَبْتَغُون مرضاة الله
وصلاحَ الأُمة، ومَنْ يكن منهم يبتغ الدنيا فليسَ يَنَالُ منها إِلَّا
ما كَتَّبَ اللهُ، ومَن يكن إنما يريدُ وَجْهَ الله والدارَ الآخرة وصلاحَ
الأُمة وابتغاء السنة الحسنة التي اسْتَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
والخليفتان من بعده فإِنما يَجْزِي بذلك اللهُ ، فاتقوا الله فمن يرضى
بالنكث منكم فإني لا أرضى لكم أن تنْكُثُوا عهداً، وأما الذي
تُخَيِّرُونِي فإِنَّمَا هو النِّزْعِ والتأمير فمَلَكْتُ نفسي ومن معي فنظرتُ
حُكْمَ الله وَتَغْيِيرِ النِّعْمَة مِنَ اللهِ، وكَرِهْتُ أَلْسِنَةَ السُّوءِ، وشِقَاقَ الأُمة
وسَفْكَ الدِّمَاءِ ، وإني أَنشدُ كم الله والإِسلام أَلَّا تأُخذوا إِلَّ الحق وتَعَاطَوْه
مِنِّي، ويُرَدُّ الفَيْءُ على أهله، فخذوا ما بَيْنَنَا بالعدل كما أَمَرَ كُم الله ،
فإني أُنشدكم بالله الذي عقد عليكم من العهد والمؤازرة في أمر الله ؛
فإن الله يقول وقوله الحق: ((وَأَوْفوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَان
مَسْئُولًا (١))) وإن هذه معذرةٌ إلى الله وإليكم لعلكم تتفكرون ، أما بعد:
فإني لا أُبَرِّيُّ نفسي إن النَّفْسَ لِأَمَّارَةٌ بالسوء إلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي
غفور رحيم ؛ فإن عاقبتُ أَقواماً - وما أَبْتَغِي بذلك إلَّ الخير - فإني
أتوب إلى الله من كلّ عملٍ عملته، وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب
إلا الله، وإن رحمةَ ربِّي وَسِعَتْ كلِّ شيءٍ، إِنَّه لا يَقْنَطُ من رحمةٍ
الله إلا القومُ الكافرون ، وإنه يقبل التوبة من عبادهِ ويَعْفُو عن
السيئات ، ويَعْلَمِ ما تفعلون ، وإني أَسأَلُ الله أن يغفر لي ولكم ،
(١) سورة الإسراء ، آية ٣٤.

١١٦٦
.تاريخ المدينة المنورة
وأَن يُؤَلِّف هذه الأُمّة على الخير، ويكرّه إليها الشّر، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون (١).
حدثنا علي بن محمد ، عن عيسى بن يزيد ، عن صالح بن
٠
كيسان قال : كتبَ عثمان مع نافع بن ظُرَيْب (٢) إِلى أَهل مَكَّة،
فلما كان يومُ عَرَفَةَ - وابن عباس واقف - قام نافع فقراً الكتاب :
أَما بعد فإني كتبتُ إليكم كتابي هذا وأَنا مَحْصُورٌ لا آكل من الطعام
إلا ما يقيمني مخافة أَن تَفْنَى ذخيرتي، لا أُدْعَى إلى توبة ولا تُسْمَع مني
حُجّة ، فأُنشد الله رجلا سمع كتابي إِلَّ قَدِمَ عَلَي فأُخذني بالحقّ ومنعني
من الباطل ، ثم جلس ، فما عرض ابن ( عباس (٣) ) بشيء من أَمْرِهِ .
ما روي من الاختلاف فيمن أعان عثمان رضي الله عنه أو أعان عليه من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضي الله عنهم وغيرهم
* حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا عبد الله بن المبارك قال ،
قال ، حدثنا معمر ، عن علي بن زيد ، عن الحسن ، عن قيس بن
عُبَاد قال : كنا مع علي رضي الله عنه فكان إذا شَهِدَ مَشْهَدًا، أَو
أَشرَفَ على أَكَمَةٍ، أَو هَبَطَ وَادِيًا قال: صدقَ اللهُ ورسولُه . فقلت
الرجل من بني يَشْكُر : انطَلِقْ بنا إلى أمير المؤمنين نسأله عن قوله
(١) تاريخ الطبري ٥ : ١٤١، ١٤٢ (قبيل ذكر الخلاف عن الموقع الذي دفن
فيه عثمان ) .
(٢) هو نافع بن ظريب بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي
أسلم يوم الفتح وصحب الرسول صلى الله عليه وسلم وكتب المصاحف لعمر بن الخطاب -
وانظر أسد الغابة ٥ : ١٠ .
(٣) بياض في الأصل بمقدار كلمة والمثبت عن الغدير ٩ : ١٩٢، ١٩٣.

١١٦٧
لابن شبة
صدق الله ورسوله ، فانطلقنا إليه فقلنا : يا أمير المؤمنين ، رأيناك
إذا شهدت مشهداً أَو أَثْرَفْتَ على أَكمة قلت صدَقّ اللهُ ورسولهُ ،
فهل عهد إِليك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً ؟ فأعرض
عنا ، فأَلحَحْنَا عليه فقال: والله ما عَهِدَ إِليَّ رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم في ذلك عهداً إلا شيئاً أخذه على الناس ، ولكن الناس وَثَبُوا على
عثمان رضي الله عنه فَقَتَّلوه فكان غيري فيه أَسوأً حالا مني وأسوأً
فِعْلاً مني، ثم رأَيت أني أَحقُّهم بها فوثبتُ عليها، فالله أعلم (١)
أخطأُنَا أَم أصبنا .
* حدثنا علي بن محمد ، عن جناب بن موسى ، عن مجالد ،
عن الشعبي قال: لما قدم أهلُ مصر المرّة الثانية صعد عثمانُ رضي الله عنه
المنبر فحصبوه ، وجاء عليّ رضي الله عنه فدخل المسجد ، فقال عثمان
رضي الله عنه: يا علي قد نصبت القِدْرَ على أَثاف (٢). قال: ما جئتُ
إلاَّ وأنا أُريدُ أَن أُصْلِحَ أَمرَ الناس، فأَمَا إِذا انَّهَمْتني فسأَرجع إلى بيتي.
حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا يوسف بن الماجشون
قال ، حدثني أبي: أَن أُمّ حبيبة زَوْجَ النبي صلى الله عليه وسلم ورضي
عنها حين حُصِر عثمان رضي الله عنه حُمِلَت حتى وُضِعَت بين يدي
عليّ رضي الله عنه في خِدْرِها وهو على المنبر فقالت: أَجِرْ لي مَنْ في
الدار . قال : نعم إِلا نعثلاً وَشقِيًّا، قالت: فو الله ما حَاجَتِي إِلَّا عثمان
وسعيد بن العاص . قال : ما إليهما سبيلٌ . قالت : ملكتَ يا ابن أبي
طالب فَأَسْجِحْ قال: أَما والله ما أَمرَكِ اللهُ بهذا ولا رسولُه.
(١) في الأصل ((أعظم)).
(٢) أثاف جمع أثفية، والأثفية حجر من ثلاثة توضع عليها القدر .

١١٦٨
تاريخ المدينة المنورة
حدثنا حيان بن بشر قال ، حدثنا جرير ، عن المغيرة ،
عن إبراهيم قال : قال عثمان رضي الله عنه لابن مسعود رضي الله عنه :
والله الذي لا إله إلا هو ما وجدنا عليك ولا على صاحبك وقد صحبتما
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إبطاءً كما عن هذا الأمر - يعني
تَخَلُّفهما عن عَلِيٍّ رضي الله عنه - قال وصَاحَبَهُ أَبو موسى . قال:
وذكروا قتْلَ عثمان فقال ابنُ مسعود: ونحن والله الذي لا إله إلَّا هو
ما وجدنا عليك وعَلَى صاحبك مذ صَحِبْتُمَا رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلا تسرُّعكما في هذا الأمر يعني قتل عثمان رضي الله عنه .
، حدثنا الحزامي قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، حدثني
سعيد بن أبي أيوب ، عن أَبي صخر ، عن أبي معاوية البجلي ، عن
أبي الصهباء المكبري قال : تذاكرنا قتلَ عثمان رضي الله عنه فقال
بعضنا : ما أرى عَلِيًّا قنله إلا أنه كان يراه كافراً. فقلت أَلَا تسأَلَه
عن ذلك ؟ فسألته ، فقال : والله ما كان عثمان بشَرِّنَا، ولكن وَلِيَ
فاستأثر، وجزعنا فأَسأُنا الجَزَع، وسَنُرَدّ إِلى حَكَمٍ فيقضي بينا .
حدثنا علي بن محمد ، عن أبي مخنف ، عن عبد الملك بن
نوفل بن مساحق ، عن أبيه قال : دخل عليَّ رضي الله عنه على عثمان
رضي الله عنه بالذي وَجَدَه أَهلُ مصر مع غلامه ، فحلفَ عثمان رضي
الله عنه ما كَتَبَه ، فقال له علي رضي الله عنه: فمن تتَّهِم ؟ قال :
أَنَّهِمُك وكاتبي . فغضب علي رضي الله عنه وخرج وقال : والله لئن
لم يكن كَتَبَه أَو كُتِبَ على لسانه ما له عذر في تضييع أَمْرِ الأُمة ،
ولئن كان كتّبَه لقد أَحلّ نَفْسَه ولا أَرُدّ عنه وقد انَّهَمَنِي، فاعتزَلَ
واعتزلَ ناس كثير .

١١٦٩
لابن شبة
* حدثنا محمد بن منصور قال ، حدثنا جعفر بن سليمان
الضبعي ، عن عَوْف قال : كان أَشدّ الصحابة عَلَى عثمان طلحة بن
عبيد الله، وإنما أَفسدَ عثمانَ رضي الله عنه بطانةٌ اسْتَبْطَنَهَا من
الطلقاء .
* حدثنا حيان بن بشر قال ، حدثنا يحيى بن آدم قال ،
حدثني سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل ابن أبي خالد ، عن حكيم
ابن جابر قال : سمعت طلحة بن عبيد الله يقول يوم الجمل: إِنَّا قَدْ
كُنّا ادهنا في أمر عثمان فلا بُدّ من المبالغة (١).
* قال سفيان، وحدثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن حكيم بن
جابر قال : كلّم عليَّ طلحة - وعثمان في الدار محصور - فقال :
إنهم قد حيل بينهم وبين الماء . فقال طلحة : أَما حتي تعطي بنو أمية
الحق من أنفسها فلا (٢) .
* حدثنا إسحاق بن إدريس قال ، حدثنا هشيم ، عن إسماعيل
عن قيس قال ، قال طّلْحَةُ يوم الجمل : اللهم أعط عثمان مني اليوم
حتى ترضى (١) .
« قال إسحاق ، وأخبرنا هشيم قال ، أنبأنا العوام بن حوشب
قال : قال طلحة : اللهم هل يُجْزِئُّ دمي كلُّه بقطرةٍ من دَمِ عثمان ؟!
* حدثنا إبراهيم قال ، سمعت جعفر بن زياد ، وأبا بكر بن
(١) وانظر فيه طبقات ابن سعد ١١٣ : ١٥٨.
(٢) كذا في الأصل وفي كامل ابن الأثير ٣ : ٧٧ (( لا والله حتى تعطيني بنو أمية
الحق من أنفسها )) .
(٣) طبقات ابن سعد ٣ /١: ١٥٩ - والرياض النضرة ٢ : ٢٥٩.

١١٧٠
تاريخ المدينة المنورة
عياش يحدثان ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى قال : رأيت طلحة يوم الدار يراميهم وعليه قباء فكشَفَت الريحُ
عنه . فرأيت بياض الدرع من تحت القباء .
. حدثنا عبد الله بن عمرو قال ، حدثنا عمرو بن ثابت ،
عن أبي فزارة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال ، قال لي عبد الملك
ابن مروان : أَشهدت الدار ؟ قلت : نعم فلْيَسَل أمير المؤمنين عما
أَحَبّ . قال: أين كان عليّ ؟ قلت: في داره. قال: فأَين كان الزبير؟
قلت : عند أحجار الزيت . قال : فأين كان طلحة ؟ قلت نظرتُ فإذا
مثل الحرة السوداء فقلت ما هذا ؟ قالوا : طلحة واقف ، فإن حال
حائل دون عثمان قاتله . فقال : لولا أن أبي أخبرني يوم مرج راهط ،
أنه قتل طلحة ما تركتُ على وجه الأرض من بني تيم أحداً
إلا قتلته .
· قال عبد الله بن عمرو ، وأخبرني محمد بن حمران ، عن
قرة بن خالد قال ، قال نافع : رَمَى مروانُ يوم الجمل طلحةً بسهم
فَأَثْبَتّه في ثُغْرَة نحره ، فقال له طلحة : قد رأيت ما صنعت ؟ فقال :
أنزعم أني أخطأُت ؟ قال: ما زلت تخطي بعم لك منذ اليوم (١) .
* حدثنا زهير بن حرب قال ، حدثنا وهب بن جرير قال ،
حدثنا جويرية بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن سعيد قال ، حدثني
عم - أو عم لي - قال: بينما نحن متواقفون إذ رَمَى مروان بن الحكم
بسهمٍ طلحةً بن عبيد الله ، فشكل ساقه بجنب فرسه ، فَقمص به الفرس
(١) وانظر في ذلك الطبري ٥ : ٢٠٣ - وطبقات ابن سعد ١١٣: ١٥٩ والعواصم
من القواصم ص ١٥٧ .

١١٧١
لابن شبة
مُوَلًِّا ، والتفت إلى أَبَان بن عثمان وهو إلى جنبه فقال: قد كَفيْتُك
أَحدَ قَتَلَةِ أَبيك (١).
* حدثنا علي بن محمد ، عن أبي مخنف ، عن بكر بن حنيف ،
عن عبد الرحمن ( بن أبي ليلى: لما حاصر) المصريون ( عثمان (٢))
استولى طلحة بن عبيد الله على أمرهم وكان محمد بن أبي بكر يأتيهم
فإذا أَّمْسَى خَلُصَ هو وعليّ وعمّار يحتازون (٣) الناس يقولون: أَهلُ
مصر يعملون بأمر علي رضي الله عنه .
■ حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا عبد الوهاب بن
عكرمة من بني قيس بن ثعلبة عن أمه قالت (٤): كنت عند عائشة
رضي الله عنها فدخل عليها أبو البختري بن درهم فقال : يا أُمّ المؤمنين
ما تقولين في عثمان؟ فقالت: ((وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَومٍ خِيَانَةً فَانِذْ
إليهِم عَلَى سَوَاءِ (٥))).
· حدثنا موسى قال ، حدثنا جويرية بن أسماء ، عن يحيى
ابن سعيد ، عن عمه : فجاءَها مَرْوَان فقال (٦) أرسلني أَميرُ المؤمنين
يقرأُ عليك السلام ورحمة الله وقال : رُدِّي عَنِّي الناس، فأَعَرَضّتْ
(١) وانظر في ذلك أنساب الأشراف ٥ : ١٣٥ - ومستدرك الحاكم ٣ : ٣٧٠ -
ومروج الذهب ٢ : ١١٠ - والرياض النضرة ٢ : ٢٥٩ والغدير ٩ : ٩٧.
(٢) بياض في الأصل بمقدار ثلث سطر تظهر فيه كلمة ((المصريون)) والمثبت يكمل
السياق .
(٣) يحتازون : أي يخالطون.
(٤) في الأصل ((قال)»
(٥) سورة الأنفال ، آية ٥٨ .
(٦) في الأصل ((فقالت))

١١٧٢
تاريخ المدينة المنورة
عنه مَرَّةً أَو مَرَّتَيْن ، فقام وهو يتمثل ببيتِ شِعْرٍ لم يحفظه أبو سلمة ،
فقالت : ارجع والله لوّدِدْتُ أَنَّكِ وصاحبك الذي جئتَ من عنده في
وعائنا وَ كَيْتُ (١) عَلَيْكُمَا ثم نَبَذْتُكما.
* حدثنا زهير بن حرب قال ، حدثنا وهب بن جرير قال ،
حدثنا جويرية قال ، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري قال ، حدثني
عمي - أو عم لي - قال : بينما أنا عند عائشة رضي الله عنها وعثمانُ
رضي الله عنه محصورٌ، والناس مُجَهَّزُون للحجِّ إذْ جاء مَرْوَان فقال:
يا أُمّ المؤمنين ، إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ورحمة الله ويقول :
رُدِّي عني الناس فإني فاعل وفاعل ، فلم تُجِبْه، فانصرف وهو
يتمثل ببيت الربيع بن زياد العبسي .
وحَرَّق قيسُ عَلَيَّ البلا دَ حتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ أَجْذَمَا (٢)
فقالت: رُدُّوا عَلَيَّ هذا المتمثل، فرَدَدْنَاه ، فقالت - وفي يدها
غرارة لها تعالجها : واللهِ لَوَدَدِتُ أَنَّ صاحبك الذي جئتَ من عنده
في غرارتي هذه فأوكّيْتُ عليها فأَلقيتها في البحر (٣).
·· حدثنا علي بن محمد ، عن سعيد بن عبد الله الأنصاري ،
عن أبيه ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان ، عن النعمان بن
بشير رضي الله عنه قال : دخلتُ عَلَى عائشة رضي الله عنها وعِنْدَها
قَوْمٌ منَ المهاجرين يَذْ كُرُونَ عثمان رضي الله عنه أَوَّلَ ما حُصِرَ فقالت :
(١) وكيت : أغلقت عليكما . والوكاء هو ما يربط به فم القربة أو أي وعاء.
كالغرارة ونحوها .
(٢) وانظر الشعر بروايتين في الغدير ٩ : ٧٨ .
(٣) أنساب الأشراف ٥ : ٧٥ .

١١٧٣
لابن شسبة
أنا أُمُّكُم ، تُرِيدُونَ أَمْرًا إِنْ عُمِلَ به رَأَيْتُم ما تَكْرَهُون، فَنَظَرَتْ
إِّ عائشة فقالت : نعمان ؟ قلتُ: نعم . قالت: تُعْلِمُنِي بك أَي عَدُوّ
الله، والله لوَدِدْتُ أَن قريشاً ردتك (١) تَكَرُّهَا - اِضْرِبُوه. قال:
فَضَرَبُوني . فقلتُ: لا جَرَم، واللّهِ لا آتي هذا المكان أبداً .
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عمر بن عثمان،
عن أبيه ، عن ابن شهاب قال ، حدثني أبو إدريس الخولاني : أَن
أبا مسلم الخولاني قال لأهل الشام - وهم ينالون من عائشة رضي الله
عنها في شأن عثمان رضي الله عنه : يا أهل الشام ، أَضْرِبُ لكم
مَثَلَكُمْ ومَثَلَ أُمَّكُم هذه، مَثَلُكُم ومثلها كمثل العَيْنِ في الرأس
تُؤْذي صاحبها ولا تستطيع أن تُعَاقِبَها إِلَّ بالذي هو خيرٌ لها .
* حدثنا زهير بن حرب قال ، حدثنا وهب بن جرير قال ،
حدثنا أبي قال ، سمعت قتادة يحدث: أَن عبد الله بن أُذَيْنَة العبديّ
لَمّا بلغه قدومُ طلحة والزبير ركبَ فَرَسَه فتلقاهما قبل أن يدخلا
البصرة ، فإذا محمد بن طلحة بن عبيد الله ( وكان (٢) ) يقال له
الساجد من عبادته ... (٣) فقال له : من أنت ؟ قال : أَنا محمد بن
طلحة . قال : والله إنْ كُنْتُ لِأُحِبُّ أَنْ أَلفاكَ . قال له محمد : مَنْ
أنتَ ؟ قال : عبد الله بن أُذينة، فأخبرني عن قَتْلِ عثمان رضي الله
عنه. قال: أُخْبِرُك أَنَّ دَمَ عثمان رضي الله عنه ثلاثةُ أَثلاث ؛ ثلث
على صاحبة الخِدْرِ - يعني عائشة رضي الله عنها - فلما سَمِعَتْهُ يقولُ
(١) في الأصل ((ردت)).
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمة ، والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) بياض في الأصل بمقدار كلمة ولكن الكلام متصل .

١١٧٤
تاريخ المدينة المنورة
ذلك شَتّمَتْهُ وأَساءت له القول، فقال: يَغْفرُ الله لك يا أُمّتاه ،
وثُلُثُ عَلَى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، وثُلُثٌ على صاحب الجمل
الأحمر ميمنة القوم - يعني أباه طلحة - فلما سَمِعَه أَبوه أَقبل إِليه
سريعاً وقال : وَيْحَك هل ثاب رجل بأَفضل من نفسه (١).
· قال ابن دأب ، قال الحارث بن خليف ، سأَلت سعداً عن
قتل عثمان رضي الله عنه فقال: قُتِلَ بَسَيْفِ سلَّتْهُ عائشة رضي الله
عنها: وشَحَذَه طلحةُ رضي الله عنه، وسَمَّه ابن أبي طالب رضي الله
عنه قلت : فالزبير ؟ قال : فسكت وأشار بيده وأمسكنا ، ولو شئنا
الرفعنا ولكن عثمان رضي الله عنه تغير وتغير، وأساء وأحسن ، ولم
يجد متقدماً، فإن كنا أحسنا فقد أَحسنا وإن كنا أسأنا فنستغفر
الله . وقال وكان الزبير لي صديقاً فأَنيته ، فقال ما أَقدمك ؟ فقلت :
جئت لأُقتدي بك . قال : فارجع . قلت : فأَنت ؟ قال تالله إني المغلوب
مطلوب ؛ يغلبني أهلي ، وأُطلب بذنبي . قلت : فصاحبكم ؟ قال :
لو لم يجد إلا أن يشق بطنه من حُبِّ الإمارة لشقة (٢) .
* حدثنا سليمان بن رجاء قال ، حدثني أبي قال ، حدثني
(١) وانظر في معناه تاريخ الطبري ٥: ١٧٦ - وفيه ((وقال - السائل - في ذلك
شعراً :
يجوف المدينة لم يُقْبَّرِّ
سألت ابن طلحة عن هالك
أماتوا ابن عفان واستعبرٍ
فقال ثلاثة رهط همُ
وثلث على راكب الأحمر
قتلت على تلك في خدرها
ونحن بدويّة قرقر
وثلث على ابن أبي طالب
وأخطأت في الثالث الأزهر
فقلت صدقت على الأولين
(٢) مع اختلاف يسير في العقد الفريد ٤ : ٢٩٥ .

١١٧٥
لابن شبة
عبد الله بن ميسرة ، عن غياث البكري قال : سألت أبا سعيد الخُدْرِي
رضي الله عنه عن قتل عثمان ؛ هل شهده أحد من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ؛ لقد شهده ثمانمائة (١).
حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا يوسف بن الماجشون
#
قال ، أخبرني أبي : أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما واقَفَ
المِسْوَرَ بن مخْرَمَة رضي الله عنه بالسوق، فقال المِسُوَّرُ: والله
لَنقْتُلَنَّه . فقال عبد الله: إنما تريدون أَن تجعلوها هِرَقْلِيَةً ؛ كلما
غَضِبْتُم على مَلِك قَتَلْتُمُوه - يريد عثمان رضي الله عنه .
ما روي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه في النهي
عن قتل عثمان رضي الله عنه
حدثنا ابن أبي عدي ، عن الحجاج الصواف قال ، أنبأنا
النضر بن معبد ، عن رجل من أهل المدينة قال ؛ دخل ابن سلام على
عثمان. رضي الله عنه وهو محصور فقال : ما جاء بك ؟ قال : جئت
لأُقَاتِل معك ، قال : فاخرج إلى الناس فأخبرهم . فخرج فقال :
إن الله اختار الإِسلام ديناً ، واختار محمداً رسولاً، واختار المدينة فَحَفَّهَا
بالملائكة، وأَغْمَد عنها السيف؛ فلا تقتلوا هذا فلا يُغْمَدُ عنكم
السيف إلى يوم القيامة، والذي نفسي بيده لا يَقْتُلُه رجلٌ إلا لقي
الله يوم القيامة أَجْذَم (٢).
* حدثنا سويد بن سعيد قال ، حدثنا ضمام بن إسماعيل
(١) شرح نهج البلاغة ١ : ٢٣١ .
(٢) أسد الغابة ٣ : ١٧٦ - والرياض النضرة ٢ : ١٣٠ - والتمهيد والبيان لوحة
١٣١، ١٦٨ - والإمامة والسياسة ص ٦٨ .

١١٧٦
تاريخ المدينة المنورة
قال : سمعت أبا قبيل يقول : لما حُصِرَ عثمان رضي الله عنه دخل
عليه عبد الله بن سلام رضي الله عنه مَسْجِدَ رسولِ الله صلى الله عليه
وسلم فقال : أيها الناس كفُوا عن هذا الرجل ، لا تقتلوه فإنما بَقِيَ
من أجله اليسير ، فأُقْسِمٍ بالله لئن قَتَلْتُمُوه ليَسُلَّنَ سيفَه ثم لا يَغْمِدُه
إلى يوم القيامة (١) .
* حدثنا عمرو بن عاصم قال ، حدثنا إسماعيل بن المغيرة،
.. (٢) قال :
عن حميد بن هلال قال ، حدثنا .
لما هاج الناس بعثمان قال عبد الله بن سلام: يا أيها الناس لا تقتلوا
عثمان واستَعْتِبُوه ، فوالذي نفسي بيده ما قَتَلَتْ أُمةٌ نبيّها فأصلح
الله الذي بينهم حتى يُهْرِقُوا دماءَ سبيعين ألفاً، وما قتلَتْ أُمةٌ قط
خليفتَها فيصلح الله الذي بينهم حتى يُهْرِيقُوا دِماءَ أربعين ألفاً ،
وما هلكت أُمة قطّ حتى يَرْفَعُوا القرآن على السلطان؛ ألم تر (٣) إلى
أَهل هذه الأَهواء كيف يَتَأَوَّلُون القرآن على السلطان ؟ فلم ينظروا
فيما قال ، وقتلوه .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا أبو هلال ، عن
حميد بن هلال ، عن عبد الله بن معقل قال ، قال عبد الله بن سلام
رضي الله عنه: أَعلم أنه لم تَقْتُلْ أُمّةٌ نَبِيِّها إلا قُتِل به سبعون ألفاً،
ولم تقتل خليفتها إلا قُتِل به خمسة وثلاثون ألفاً (٤).
(١) التمهيد والبيان لوحة ١٦٨ - وأسد الغابة ٣ : ١٧٧.
(٢) بياض في الأصل بمقدار ثلاث كلمات .
(٣) كذا في الأصل - ولعلها ((ألم تروا)).
(٤) الرياض النضرة ٢: ١٣٠ - وجاء في التمهيد والبيان لوحة ١٦٨ ( ولعمري=

١١٧٧
لابن شبة
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ،
حدثنا ابن لهيعة ، عن سعيد بن أبي هلال قال ، حدثني خالد
ابن أبي عمران ، عن أبيه قال : كنت مع عبد الله بن سلام يوماً حين
قُتِلَ عثمان رضي الله عنه ، وقد خطب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه
الناسَ ، فمرّ علينا رجلٌ من أصحاب علي رضي الله عنه فقال له
ابن سلام : ماذا قام به صاحبكم آنفاً ؟ قال : قَام قبَيِّلُ فقال : من
من يَبْرَأَ من قتل عثمان فإني لا أَتَبَرَّأُ منه ؛ والذي نفسي بيده لا ينتطح
فيه عنزان ، ولا ينتقر فيه ديكان . فقال ابن سلام : والذي نفسي
بيده ليُهْرَاقَنَّ بِدَم عثمان رضي الله عنه دمُ رجال في الأصلاب ،
ولَيَقْتُلَنَّ الله به خمسة وثلاثين ألفاً، في كتاب الله المنزل : إنه
ليس من قوم يقتلون خليفتهم إلا قتل الله به خمسة وثلاثين ألفاً ،
ولا قومٌ يقتلون نبيهم إلا قَتَل الله به سبعين ألفاً ، والذي نفسي
بيده لا ترجع الخلافة إلى أرض الحجاز أبداً ، ولا يجاوز خاتم
النبوة فيها إلا حاجاً أو معتمراً (١).
* حدثنا ابن وهب قال ، حدثني ابن لهيعة ، عن عبيد الله
ابن أبي المغيرة ، عن أبي النضر ، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص؛
أنه أخبره ، أنه سمع عبد الله بن سلام ينشد في قتل عثمان رضي الله
ويخبر أنه إن تركوه أربعين يوماً إنه يموت ، فحصبَهُ الناسُ حتى
أَدموا وجهه ، فدخل على عثمان رضي الله عنه فقال له عثمان :
= لقد قتل بسبب عثمان رضي الله عنه في وقعة الجمل وصفين أكثر من خمسة وثلاثين ألفا،
ولا اجتمعت كلمتهم أبدا ، ولا اقتسموا شيئا ، ولا غزوا عدوا جميعا ، ولقد احتلبوا
بعده الدم لا اللبن» .
(١) الإمامة والسياسة ٦٩ - والتمهيد والبيان لوحة ٢١٧، ٢١٨.

١١٧٨
تاريخ المدينة المنورة
يا أَبا يوسف ؟ ما شَأْنُك ؟ فأخبره ما فعل به الناس ، ثم قال لعثمان ،
إنك لفي كتاب الله الخليفة المظلوم المقتول . قال عامر : فقلت
لأبي من هذا ؟ فقال : هذا الرجل الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول : إنه من أهل الجنة ؛ وذلك أني كنت مع النبي صلى
الله عليه وسلم في مكان فقال : ليطْلعَن من هذا المنْقَب رجلٌ من أَهل
الجنة . فطلع عبد الله بن سلام، فقلت : هنياً مرياً (١).
* حدثنا إبراهيم بن المنذر قال ، حدثنا ابن وهب قال ،
حدثنا ابن لهيعة ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن خالد بن أبي عثمان،
عن أبيه قال : كنت مع ابن سلام في المسجد حین حُصِرَ عثمان رضي
الله عنه، فخرج كثيرُ بن الصلت من الدار - وكان مع عثمان -
فقال له ابن سلام : ماذا قال عثمان آنفاً ؟ قال فقال : اللهم إنهم
خَذَلُوني واستخَفُّوا بحقي ، فاجمعهم على كلمة الحق . فقال ابن سلام:
والذي نفسي بيده لو دعا عليهم بالفرقة لم يجتمعوا أبداً .
. حدثنا أبو داود ، عن همام ، عن قتادة ، عن أبي المليح،
عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : ما قَتَلَت أُمّةٌ قطّ نبيها
فيصل اللهُ أَمرها حتى يقتل سبعون ألفاً (١)، ولا قَتَلَتْ أُمّةٌ خليفتها
فيصل الله أمرها حتى يُقْتل خمسةٌ وثلاثون ألفاً (٢).
* حدثنا هوذة بن خليفة قال ، حدثنا عوف ، عن محمد ،
عن كثير بن أَفلح قال : لما حُصِرَ عثمان رضي الله عنه جاء عبد الله
ابن سلام وجئت معه ، فجعل يأتي الجمع من تلك الجموع فيقوم
(١) منتخب كنز العمال ٥ : ٢٢٨.
(٢) الرياض النضرة ٢ : ١٣٠ - والتمهيد والبيان لوحة ١٦٨.

١١٧٩
لابن شبة
عليهم فيقول : اتَّقُوا الله ولا تقتلوا أَمير المؤمنين ؛ فإنه لا يَحِلِ
لكم قَتْلُه. فيقولون: والله لا نقتله، وما نُرِيدُ قتله . فإذا جاوزهم
قال : والله لتَقْتُلُنْه . ثم يقوم على الجمع الآخر فيقول لهم مثل
ذلك ، فيقولون له مثله ، فإذا جاوزهم قال : والله لتَقْتُلُنّه . فما زال
يقوم عليهم ويقول لهم مثل ذلك حتى وجدتُ عليه في نفسي ، فلما
كان يوم قُتِلَ بعث رسولاً فقال : اذهب وانظر ما فعل عثمان ، فوالله
ما يَنْبَغِي أَن يكون حَيًّا ساعَتَه هذه ، قال فذهب فوجده قد قتل .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال ،
حدثنا هشام ، عن محمد ، عن كثير بن أفلح : أنه كان مع عبد الله بن
سلام وهو يَجُرّ بالخلق ويقول: اتقوا الله ولا تقتلوا عثمان ؛ فإن حقه
عليكم كحق الوالد على الولد . قالوا : نحن نَقْتُلُه !! لا والله لا نَقْتُلُه.
قال : والله لتَقْتُلُنّه ، فما زال يخالفهم حتى وجدت عليه .
* حدثنا هوذه بن خليفة قال ، أنبأُنا عوف ، عن محمد
قال: ١- كان حين - حُصِرَ عثمان رضي الله عنه بعث عبد الرحمن
ابن عتَّاب، وسُلَيْط بن سُلَيْط إلى عبد الله بن سلام وقال : أَخبراه
أنكما ( أَناويان - أَو أَتويّان (١)) - جئنا لنسألك . فقال: إنكما
لستما أَتاوبيِّن ولكنك عبد الرحمن بن عَتَّاب ، وهذا سليط بن سليط،
وأرسلكما عثمان بن عفان لتسأَلا عن شأنه، فأقْرِئَاه السلامَ وأَخْبِرَاه
أن حقّه على كُلِّ مسلم كَحَقِّ الوالد على ولده، وأنه مَيِّتُ - أَو مَقْتُول-
لا محالة، وأنه أعظم لحجَّتِك عند الله أَن تَكُفِّ يدك. قال: فلما
(١) الأتاويان : الأتاوى منسوب إلى الأتى وهو الغريب، والأصل أتوى مثل
عدى وعدوى . (الفائق للزمخشري ١ : ٢١ والخبرفيه » .

١١٨٠
تاريخ المدينة المنورة
كان يوم قُتِلَ من بين الأيام أرسل رسولا فقال: اذهب فانظر ما فَعَل
عثمان؛ فوالله ما يَنْبَغي له ( أَن (١)) يكون حَيًّا ساعته هذه . قال:
فذهب فوجده قد قتل .
. حدثنا حيَّان بن بشر ، عن يحيى بن آدم قال ، حدثنا
أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن ابن صالح ، عن عبد الله بن سلام
رضي الله عنه : أنه قال حين كان من أمر عثمان رضي الله عنه الذي
كان: لا تُهْرِيقُوا (نبيّكم (٣)) مِحْجِمَاً من دَمِ إِلا ازْدَدْتم من اله
بُعْداً (٣).
* حدثنا حِبّان بن هلال قال ، حدثنا سلام بن مِسْكين قال،
حدثني مالك بن دينار قال ، حدثني من رَأَى عبد الله بن سلام يبكي
يوم قُتِلَ عثمان رضي الله عنه وقال اليوم هَلَكَت العَرَبُ (٤).
* حدثنا عفان قال، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن
ليث بن أبي سليم ، عن طاوس قال ، قال عبد الله بن سلام رضي
الله عنه : إن عثمان رضي الله عنه ليَحْكُم يوم القيامة في القاتل
والخاذل (٥) .
حدثنا ( إبراهيم بن المنذر (٦)) قال ، حدثنا عبد الله بن وهب
(١) إضافة يقتضيها السياق .
(٢) كذا في الأصل ولعلها ((بينكم)».
(٣) طبقات ابن سعد ٣ / ١ : ٥٧ مع اختلاف يسير .
(٤) طبقات ابن سعد ٣ / ١ : ٥٧ .
(٥) البداية والنهاية ٧ : ١٩٤ .
(٦) بياض في الأصل بمقدار ثلاث كلمات والمثبت عن لوحة ٣٤٦ الحديث الرابع .