Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦٨١
لابن شبة
* حدثنا هارون بن عمر قال ، حدثنا محمد بن قيس ، عن
عمر بن محمد(١) قال ، حدثني أبي قال : اجتمع عثمان والزبير
وطلحة وابن عوف رضي الله عنهم ، فقالوا لعبد الرحمن بن عوف -
وكان أجرأهم على عمر رضي الله عنه - لو أنك كلمت أمير المؤمنين
فإنه يقدم الرجل فيطلب الحاجة فتمنعه مهابته أَن يكلِّمه حتى
يرجع ، فَلْيَلِن للناس ، فدخل عليه فقال ذلك له ، فقال : أُنشدك
الله يا عبد الرحمن أَفلان وفلان قالوا ذلك ؟ قال : فلم يدع منهم
إنساناً إلاسماه قال : اللهم نعم ، قال : أَيا عبد الرحمن والله لقد
لِنْتُ للناس حتى خشيت الله في اللين ، ثم اشتددت حتى خشيت الله
في الشدة، فأين المخرج ؟ فقام عبد الرحمن يبكي يجر إزاره
يقول : أُفٍّ لهم بعدك، أُفٍّ لهم بعدك(٢).
حدثنا أحمد بن معاوية ، عن أبي عبد الرحمن الطائي ، عن
أسامة بن زيد ، عن القاسم بن محمد قال : بينما عمر رضي الله عنه
يمشي وخلفه عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم
بدا له فالتفت فما بقي منهم أحدٌ إلا سقط إلى الأرض (٣) على ركبتيه،
فلما رأى ذلك بكى ، ثم رفع يديه فقال : اللهم إنك تعلم أني
منك منهم أشد فرقاً منهم مني .
(١) كذا في الأصل . وفي طبقات ابن سعد ٣ : ٢٨٨ معمر بن محمد عن أبيه
محمد بن زيد قال : اجتمع علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد
وكان أجرأهم على عمر عبد الرحمن بن عوف ، فقالوا : يا عبد الرحمن لو كلمت
أمير المؤمنين .. الحديث .
(١) ورد في طبقات ابن سعد ٣ : ٢٨٨ ومنتخب كنز العمال ٤: ٣٨٢.
(٢) في سيرة عمر بن الخطاب للشيخ الطنطاوي ٢ : ٤٦١، فلم يبق منهم أحد
إلا وجعل رقبته ساقط .

٦٨٢
تاريخ المدينة المنورة
حدثنا معاذ بن شبة قال حدثني أبي عن أبيه عن الحسن (البصري (١))
أن عمر رضي الله عنه بينما هو يجول في سِكّكِ المدينة إذ عرضت
له هذه الآية ((إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة
وأعد لهم عذاباً مهيناً، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات))(٢)
( فحدث نفسه فقال لعلي أوذي المؤمنين والمؤمنات )(٣) فانطلق من
وجهه إلى أبي بن كعب فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادته
فانتزعها أُبيّ من تحته وقال : دونكها يا أمير المؤمنين، فقال : لا :
ونبذها برجله ، وجلس فقرأ عليه هذه الآية ، وقال : أخشى أن
أكون أنا صاحب هذه الآية ؛ أُوذي المؤمنين والمؤمنات ؟ فقال أُبيّ:
لا إِن شاء الله أرجو أن لا تكون تفعل، ولكنك رجلٌ مؤدِّبٌ
لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك فتأمر وتنهى ( فقال عمر: قد قلت
والله أعلم ) (٤).
■ حدثنا ...... (٥) وأحمد بن معاوية قال، حدثنا أبو الفتح
الرِّفي، عن ميمون بن مهران قال: قرأْ أُبَيّ رضي الله عنه ((والذينَ
يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرٍ مَا اكْتَسَبُوا)) (٦) فقال ( عمر رضي
عنه ) (٧) : هكذا تقروُّها يا أُبَيّ ؟ ثم أَعاد عليه . فقال: وهكذا
(١) الإضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ١٦٢ .
(٢) سورة الأحزاب ٥٧، ٥٨ .
(٣) ما بين الحاصرتين إضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ١٦٢ .
(٤) ما بين الحاصرتين إضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ١٦٢ .
(٥) بياض في الأصل بمقدار كلمتين .
(٦) سورة الأحزاب آية ٥٨ .
(٧) ما بين الحاصرتين إضافة للتوضيح عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ١٦٢ .

٦٨٣
لابن شبة
أنزلها الله ؟ حتى غضب أُبَّيّ فقال : نعم هكذا أنزلها ، لم يستأُمر
فيها عمر ولا ابنه . فقال عمر رضي الله عنه : اللهم غُفْرًا إني رجل
قد دخل الناسَ مني هيبةٌ، فأَنا أخاف أن أكون قد آذيت مسلماً .
* حدثنا أبو مطرف بن أبي الوزير قال ، حدثنا عبيد الله بن
عمرو الرّقي ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة قال : دعا عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يأخذ من شاربه فَتَنَحْتَحَ عمر رضي
الله عنه - وكان مهيباً - فأحدث الحجام، فأَعطاه أربعين درهماً (١).
* حدثنا زكريا بن أبي خالد البلوي قال ، حدثنا محمد بن
عيسى الطباع قال ، حدثنا سعيد بن مسلمة الأموي (٢) قال ، حدثنا
إسماعيل بن أمية (٣) قال: بينما سعيد بن الهيلة (٤) يأخذ من شارب
عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففزَّعه عمر رضي الله عنه فأَحْدَث ،
فقال له عمر رضي الله عنه: أَخفناك وسنعقله لك، فأمر له بأربعين
درهماً .
■ حدثنا جعفر بن عبد الواحد بن جعفر قال ، حدثنا رجل عن
الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن ابن شهاب قال : دخل رجلٌ على
عمر رضي الله عنه فقال: السلام عليك يا أَبا غفَر ، حقص، الله لك ،
(١) ورد في مناقب عمر لابن الجوزي ص ١٣٦ بسنده إلى عكرمة أيضاً .
(٢) في الأصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن الخلاصة للخزرجي ص ١٢١ ط الخيرية ،
وميزان الاعتدال ١ : ٣٩٤ وهو سعيد بن مسلمة بن هشام وقبل - ابن سلمة بن أمية
ابن هشام - الأموي الجزري روی عن إسماعيل بن أمية و ابن علام . وعنه داود بن رشيد
وعلي بن ميمون العطار . بقى إلى ما بعد المائتين .
(٣) في الأصل أُمّي والمثبت عن المرجع السابق ص ٢٨ ط الخيرية .
(٤) كذا في الأصل وفي طبقات ابن طبقات ابن سعد ٣ : ٢٨٧ سعيد بن الهيلم.

٦٨٤
تاريخ المدينة المنورة
فقال عمر رضي الله عنه : يا أبا حفص غفر الله لك ، فقال الرجل
أصلعتني فرقتك ؛ يقول : أَفرقتني صلعتك .
* حدثنا عبد الواحد بن غياث قال ، حدثنا أبو عوانة ، عن
حسين بن عمران ، عن رجل ، عن عبد الرحمن بن أَبْزى : أَن هانئُ
ابن قبيصة قدم المدينة وقد أسلمت امرأته ، فخشي أَن يُفَرَّق بينهما ،
فلقي أبا سفيان فطلب إليه أَن يُكَلِّم عمر رضي الله عنه فقال أَبو
سفيان : ذهب الزمان الذي عهدتنا عليه ، والله لقد بلغني أن لي ابنًا
بالعراق قد خرج على أهله ما يمنعني أَن أَدَّعِيَه إلا الفرق منه ، وما
يُكَلِّم في ذات الله .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة ،
عن علي بن زيد : أن هشام بن عكرمة صاحب دار الندوة (١) هجا
رَجُلاً من المهاجرين ، فجعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلوه
بالدِّرَّة ويقول : هجوت رجلاً من المهاجرين ، وجعل يقول : يَا لقُصَي
- ثلاثاً - فقال أبو سفيان: اصْبِرْ أَخا قُصَيّ ، فلو قبل اليوم تدعو
قُصَيًّا لَمَا ضرَبَك أَخو بني عَدِيّ ، فالتفت إليه عمر رضي الله عنه
(١) دار الندوة: في الروض الأنف ٢ : ٥٥ ط دار الكتب الحديثة أن قصي بن كلاب
اتخذ دار الندوة ، وهي الدار التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور ، ولفظها مأخوذ من
الندى ، والنادي ، والمنتدى ، وهو مجلس القوم وقد تصيرت بعد بني عبد الدار إلى
حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي فباعها في الإسلام بمائة ألف
درهم وذلك في زمن معاوية ، فلامه معاوية في ذلك وقال : ابعث مكرمة آبائك وشرفهم ؟
فقال حكيم : ذهبت المكارم إلا التقوى ، والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر ،
وقد بعتها بمائة ألف درهم وأشهدكم أن ثمنها في سبيل اللّه، فأينا المغبون ؟ (الإصابة
١ : ٣٤٨ - طبقات ابن سعد ١ : ٧٧ - معجم البلدان لياقوت ٢ : ٥٣٤).

٦٨٥
لابن شبة
فقال : اسكت لا أُمَّ لك ، فوضع أبو سفيان إصبعه السبابة على فيه .
. حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة :
أَن عكرمة بن عامر(١) هجا وَهْبَ بن زمعة ، فعرض له في هجائه، فجلده
عمر رضي الله عنه ، أَو فحدّه عمر رضي الله عنه .
* حدثنا محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد قال ، قال
عكرمة (بن عامر(١)) بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار يهجو ربيعة
الأسدي :
وقد كنتُ أَكره عُلْوَ الزَّمَع (٢)
علا زَمَعُ الناسِ ساداتِهِم
جفاء اللثيم وقول البِدَع
بني زمع اللؤم أَعْذِر بكم.
قال فاستأذن وهبٌ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجلده جلداً
بالذرة في المسجد الحرام ، فصاح: يا آل قُصَيّ ، فأمر به عمرُ رضي
الله عنه فسُحِبَ حتى أُخرج من المسجد - وكانت له دار الندوة ،
وَرِثَها عن جدِّ عبد مناف بن عبد الدار ، وكانت يومئذ في يده ،
ثم باعها ابنه أبو علي بن عكرمة من معاوية رضي الله عنه - فقال
عكرمة : ٠
هنيئاً لأفتاء العشيرة کلها
مِجَرِّي لدى الأر كان سَحْبًا على عهد
(١) الإضافة عن أسد الغابة ٧١٤ - والاستيعاب ٣: ١٥١ والإصابة ٢: ٤٩٠ ،
وهو عكرمة بن عامر ويقال بن عمار بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي
ابن كلاب القرشي العبدري، وقيل هو الذي باع دار الندوة من معاوية بمائة ألف،
وهو معدود من المؤلفة قلوبهم .. قال ابن حجر ذكر المرزباني : أنه هجا رجلا في خلافة
عمر ، فضربه عمر تعذيراً ، فلما أخذته السياط نادى يا آل قصي .. بقية الخبر.
(٢) زمع الناس: رذال الناس وأتباعهم ، ومن لا يؤبه لهم . ( المعجم الوسيط
١: ٤٠٢ - القاموس المحيط ٣ : ٣٣).

٦٨٦
تاريخ المدينة المنورة
وبالحدث الناشي وبالغُرر الفرد
هنيئاً على ذي السيد الغمر منهُمُ
وأَصبحتُ فَرْدًا في ديارهم وَحْدِي
فإن تك عبد الدار أخلت ديارها
مصاليت أبطال سراع إلى المجد(١)
فَيَا رُبَّ يوم لو دعوت أجابني
* حدثنا موسى بن إسماعيل قل : حدثنا سليمان بن المغيرة ،
عن ثابت قال : أتى عمر رضي الله عنه على أبي سفيان رضي الله عنه
وهو يبني بِنَاءٌ له قد أَضَرَّ بالطريق فقال: يا أَبا سُفْيَان انزع بناءك
هذا ؛ فإنه قد أضرّ بالطريق ، فقال : نعم وكرامة يا أمير المؤمينن ،
فقال : أما والله لقد كنت أَبيًّا .
* حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن المغيرة ،
عن إبراهیم قال : خرج عمر رضي الله عنه ومعه أبو سفيان بن حرب
رضي الله عنه فمرّ بلبن في الطريق فأمر أبا سفيان أَن يُنَحِّيَه فجعل
ينحيه ، فقال عمر رضي الله عنه : الحمد لله الذي أدركت زماناً
أمر عمر فيه أبا سفيان فأطاعه .
* حدثنا أحمد بن معاوية قال ، حدثنا النضرُ بن سهيل قال ،
سمعت محمد بن عمرو بن علقمة يقول : كان الناس لِدِرَّةِ عمر
رضي اله عنه أَهْيَبَ منكم لسوطكم وسيفكم .
* حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثني غسان(٢) بن عبد الحميد:
أَن عيينه بن حصن قدم على عمر رضي الله عنه فكلمه في دَيْنٍ عليه ،
فلم يرد عليه شيئاً ، فلما كان بعْدُ كُسِرَ بعيرٌ من الصدقة فنحره عمر
(١) الصلت : هو الرجل الماضي في الحوائج والأمور ويقال رجل أصلي أي
سريع متشمر . ( تاج العروس ١ : ٥٦٠ - لسان العرب ٢ : ٣٥٨).
(٢) في الأصل كلمة لا تقرأ والمثبت عن ميزان الاعتدال ٢ : ٣٢٢ .

٦٨٧
لابن شبة
رضي الله عنه وجعله طعاماً للمسلمين ، وقسم جلده قطعاً ، وبعث إلى
عيينة بقطعة من جلده ، وقال : اِخصف بها فإنه ليس لك في فيء
المسلمين حَقّ ، قال : ثم إن عثمان رضي الله عنه تزوَّجَ بنتَ عيينة ،
فقدم عليه فطلب إليه حوائِج ، فقال : ما لك عندي إلا ما كان لك
عند عمر رضي الله عنه ، فقال : رحم الله عمر وأَثابه الله على ذلك ،
إن كانَ ليعطينا حتى يغنينا ويُخْشِينا حتى يُتْقِنا
. حدثنا أحمد بن عيسى قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال،
أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله
ابن عتبة ، أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قدم عيينة
ابن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحُرّ بن قيس
ابن حصن - وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه ، و کان
القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاوريه - كُهُولاً كانوا
أو شُبّاناً - فقال عيينه لابن أخيه (الحر بن قيس (١)): هل لك وجْهٌ
عند هذا الأَمير فتستأذن لي عليه ؟ قال : سأُستأذن لك عليه ، قال
ابن عباس رضي الله عنهما : فاستأذن الحرّ لُعُيَيْنَة ، فلما دخل عليه
قال : ( مي (٢) )
(١) ما بين الحاصر تين بياض بالأصل والإثبات عن أسد الغابة ١ : ٣٩٤ والإصابة
والإصابة ١ : ٣٢٣، وهو الحر ابن قيس بن حفص بن حذيفة بن بدر ابن عمرو بن جوية
الفزاري بن أخي عيينة بن حصن ، أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم مرجعه من تبوك ، وكان للحر ابن متشيع وابنة حرورية وامرأته معتزلية وأخت
مرجئة فقال لهم: أنا وأنتم كما قال اللّه تعالى ((وإنا منا الصالحون ومنا دون ذلك وكنا
طرائق قدداً » .
(٢) سقط في الأصل والمثبت عن منتخب كنز العمال ٤ : ٤١٦ .

٦٨٨
تاريخ المدينة المنورة
يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل (١)، ولا تحكم
٠
بيننا بالعدل ، قال فغضب عمر رضي الله عنه حتى همّ أن يقع به ،
فقال الحرُّ: يا أمير المؤمنين ان الله تعالى قد قال لنبيه: ((خُذِ العَفْوَ
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ)) (٢) قال فوالله ما جاوزها عمر
رضي الله عنه حتى تلاها عليه ، وكان وقَّافًا عند كتاب الله .
· ومما وجدت في كتاب أبي غسان ، وقرأه عليّ ولا أدري
أنسبه إلى ابن شهاب أم لا ، قال : أَقبل عيينة بن حصن يريد عمر
ابن الخطاب رضي الله عنه - وعنده رجل من غطفان يُدْعَى مالك
ابن أبي زفر من فقراء المسلمين وضعفائهم - وكان غائظاً لعيينة -
يتكلم يوماً ، فقال عيينة : أَصبح الخبأَ تامكاً (٣) والدِّنِيُّ متكلماً ،
فقال مالك : يا أمير المؤمنين ، هذا يفخر علينا بأَعْظُمِ حائلةٍ ،
وأرواحٍ في النار ، فقال عيينة : ما أَنت المتكلم ، ولكن الذي أقعدك
هذا المقعد هو المتكلم ، وغضب لعيينة رجالٌ من قومه ، فقالوا مالك:
أَتقول هذا لسيد مُضَر ؟ وقام عيينة مغضباً وقال: لَهَذَا اليومُ أَعْظَمُ
عندي من قتل الهباءة (٤) أَو لما جناه أُرَيْمِصُ غطفان ، يعني ما جناه
مالكاً أشد مما جنى وقتئذ ، فقام إليه عمر رضي الله عنه فضربه
(١) في الأصل ((الجزيل)) والمثبت عن أسد الغابة ١: ٣٦٤ ومنتخب كنز العمال
٤ : ٤١٦ ومناقب عمر لابن الجوزي ص ١٥٥ .
(٢) سورة الأعراف آية ١٩٩ .
(٣) يقال تمك السنام تمكاً ونموكاً إذا طال وارتفع (تاج العروس ٧ : ١١٦)
والتامك السنام المرتفع والمراد أصبح الضعيف قوياً والدني مرتفعاً.
(٤) الهباءة : يوم من أيام العرب المشهورة في الجاهلية في حروب داحس والغبراء
وقد كان بين عيس وذبيان وينسب إلى جفر الحباءة وهو مستنقع ببلاد غطفان وانظر
خبرة بطوله في الأغاني ١٦ : ٣٢ ط بولاق ، والعقد الفريد ٥ : ١٥٦.

٦٨٩
لابن شبة
بالدِّرّة ، وقال : يا عيينة ، كن ذليلاً في الإسلام ، فإنما أنت طليق
من أَهل الرِّدّة، لا والله . لا أرضى عنك أبداً حتى يشفع لك
مالِك ، فرجع عيينة فيات بليلة سوء ، وبعث عمر رضي الله عنه
عليه العيونَ فإذا عنده رجالٌ مِن العرب وهو يقول : العجب لعمر ؟
إِنَّ الأَشعث بن قيس ارتدّ مرتين فغفروا له ذنبه ، وزوّجه أبو بكر
أخته ثم تلقفوه بأيديهم ، وإنهم قد أُولعوا بي حتى ما يلهج رجل من
قريش إلا بتعييري ، فقال له الهرم بن قطبة (١) : وأين أنت من
الأَشعث ؟ ملكٌ في الجاهلية سَيِّدٌ في الإِسلام ، له من الأُّوس والخزرج
ملء المدينة، فأَقصد ، واعلم أنك مع عمر ، قال فبات
وهو يتغنى :
لَقَلْبُ أبي حفص أَشدّ من الْحُجَرْ
حلفت يمينا غير ذي مثنوية
لَهُ مَا مَضَى إِنْ أَصْلَحَ الْيَوْمَ مَا غَبَرْ
أيشتمني الفاروق والله غافر
عُيينةُ خَتَّى يَشْفَعَ ابْنُ أَبِي زُفَرْ
فآلى يميناً لا يُرَاجِعُ قَلْبَهُ
إلى عُمَرٍ للهِ مِنْ كَبِدَيْ عُمَرْ
ولَلْمَوْتُ خَيْرُ مِنْ شَفَاعَةِ مَالِكِ
عُيَيْنَةُ مَحْمُودُ الزِّيَادَيْنِ في مُضَرُ
عَلَى غَيْرٍ ذَنْبٍ غَيْرَ أَنْ قَالَ قَائِلٌ
(١) هو الهرم بن قطبة بن سنان الفزاري ، أدرك الجاهلية، وأسلم في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم ، وثبت في الردة ، وذكر وثيمة أنه دعا عيينة بن حصن إلى الثبات
على الإسلام وقال له اذكر عواقب البغي يوم الهباءة ولحاج رهان يوم قيس ، وهزيمتك
يوم الأحزاب - في موعظة طويلة - فلم يقيل منه ففارقه وقال فيه شعراً وكان هرم
يقضى بين العرب في الجاهلية وقد تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة فاستخفى
منهما - ذكر ذلك أبو عبيدة في كتاب الديباج - وأسلم هرم بن قطبة وقال له عمر
في خلافته! لمن كنت حاكماً بينهما لو حكمت؟ فقال: أعفني .. أعفي فوالله لو أظهرت
هذا لعادت الحكومة جذعة . فقال: صدقت والله ويهذا الفعل حكمت ( الإصابة
٣ ٠ ٥٨٣ )

٦٩٠
تاريخ المدينة المنورة
حُذَيْفَةُ شَمْسُ وابْنه حِصْنُهَا القمر
وَآبَاؤُهُ الغُرُّ البَهَالِيلُ مِنْهُمُ
فَلَسْتُ أَبَا حَفْصٍ بِأَوَّلَ مَنْ كَفَرْ
فَإِنْ يَكُ كانَتْ مِنِّيَ العَامَ رِدّةٌ
وأَنْكَى بِهَا مِنْ حَيِّ ذبْيَانَ إِذْغَدَرْ
وَلَلْأَشْعثُ الكندي أَعْظَمُ غَدْرَةً
وأَمْسَى يُفَدَّى الْيَوْمَ بِالسَّمْعِ والْبَصَرْ
فأَنكحه الصديقُ واخْتَارَ قَوْمَهُ
له دون وكان له نفر (٢)
وأَنّي لَهُ إِذْ كَانَ قَدْ .... (١)
فلما بلغ عمر رضي الله عنه قوله قال : يا عيينة إني على حِلْفَتِي
فاحْتل لنفسك ، فأَتّى عيينة مالكاً فلم يجده ، فقعد على بابه ينتظره ،
فمرّ به رجل من قومه فقال : ما بالك ها هنا ؟ قال : انتظر أُرَيْمِصَ
غطفان ، قال: ما كنت أحسب هذا كائناً ، أَلَا بعثتَ إِليه(٣) فأَناك ؟
فضحك عيينة وقال : هل يدعنا عمر ؟ حَلَفَ لا يرضى حتى يشفع لي
مالك ، فقبِّح الله هذا عيشاً مع ما ترى ، فقال الرجلُ : يا ابن حصن ،
من دخل هذا الدين ذَلِّ ، ومن فزع إلى غيره لم يُمْنَع ، وجاء مالك
فكلّمه عيينة أن يشفع له إلى عمر رضي الله عنه، فمشى معه إلى عمر
رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إنّ عُيَيْنَة حَرِجُ الصدر ضيّق
الذرع، يخافه من فَوْقَهُ ويُخيفُهُ مَنْ دُونَهُ ، فارضّ عنه ، فرضي
عنه ، قال عيينة : هذه شَرُّ منَ الأُولى.
حدثنا خلف بن الوليد قال، حدثنا المبارك، عن الحسن (البصري(٤)):
أن عمر رضي الله عنه كان قاعداً وفي يده الدِّرَة والناس عنده، فأقبل
الجارود ، فلما أتى عمر رضي الله عنه قال له رجل : هذا سيد ربيعة ،
(١) بياض بالأصل .
(٢) هكذا ورد في الأصل .
(٣) في الأصل ((إليك)) والصواب ما أثبته.
(٤) الإضافة عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ٢٠٢ .

٦٩١
لابن شبة
فسمعها عمر رضي الله عنه وسمعها الجارود وسمعها القوم ، فلما دنا
الجَارُودُ مِن عمر رضي الله عنه خفقه بالدِّرّة على رأسه، فقال الجارود:
بسم الله، مَهْ يا أمير المؤمنين ، قال : ذلك ، قال : أما والله لقد
سمعتها وسمعت ما قال الرجل ، قال : فَمَهْ ، قال : خشيت أن يخالط
قلبَكَ منها شيءٌ ( فأحببت أن أُطأُطىء منك (١)) .
* حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا صدقة أبو سهل
الهنائي (٢) قال، حدثني أبو عمرو (الجملي )(٢)، عن زاذان: أَن
عمر رضي الله عنه خرج من المسجد فإذا جمع على رجل فسأل : ما هذا ؟
قالوا : هذا أُبَيّ بن كعب ، كان يحدث الناس في المسجد . فخرج
الناس يسألونه ، فأقبل عمر رضي الله عنه حَردًا فجعل يعلوه بالدرّة
خفقاً ، فقال : يا أمير المؤمنين ، انظر ما تصنع ، قال : فإني على
عَمْد أَصنع، أما تعلم أن هذا الذي تصنع فتنة للمتبوع مذلّة للتابع ؟!
· حدثنا ميمون بن الأصبع قال ، حدثنا الحكم بن نافع قال ،
حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري قال ، أخبرني عمر بن
عبد العزيز من حديث نوفل بن مُساحِقُ (بن عبد الله بن مخرمه القرشي(٣))
أنه تناجى عمرُ بن الخطاب وعثمانُ بن حُنيف في المسجد ، والناس
يحيطون بهما لا يسمع نجواهما منهم أحد ، فلم يَزَالًا يتحدَّثَان في
الرأي حتى أَغضب عثمانُ عمرَ رضي الله عنهما في بعض ما تكلموا
(١) ما بين الحاصرتين عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ٢٠٢ .
(٢) كلمة لا تقرأ في الأصل والمثبت عن ميزان الاعتدال ١ : ٤٦٤ وهو صدفة
ابن سهل أبو سهل الهنائي ، روى عن ابن سيرين وأبي عمرو الجملي .
(٣) الإضافة للتوضيح عن أنساب الأشراف ٥ : ٢٢٦ ط بغداد .

٦٩٢
تاريخ المدينة المنورة
به ، فقبض عمر رضي الله عنه من حصى المسجد قبضةً فحَصَب بها
وَجْهَ عثمان رضي الله عنه فشجّه بالحصى في وجهه آثارًا من شجاج ،
فلما رأى عمرُ رضي الله عنه كثرةَ تَسَرُّب الدم على لحيته قال : أمسك
عنك الدَّمَ ، فَعَرف عثمانُ رضي الله عنه أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه نادم
على ما فرط منه فقال : يا أمير المؤمنين لا يهولنك الذي أَصبت مِنِّي ،
فو الله إني لأَنْتَهِكُ ممن وَلَّيْتَنِي أَمْرَه من رعيتك التي استرعاك الله
أكثر مما انتَهَكْتَ مِنِّي ، فأعجب بها عمر رضي الله عنه في رأيه ،
وحمله وزاده عنده خيراً .
حدثنا شهاب بن عباد قال ، حدثنا الوليد بن على الجعفى ،
عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال: قال لي عمر رضي الله عنه: احجُبْنِي
لا يدخل عليّ أَحد ، قال : فجاء رجل يريد أن يدخل عليه فمنعته ،
فأرادني فامتنعت عليه ، فرفع يده فلطمني ، فدخلت على عمر رضي
الله عنه فأخبرته ، فخرج وفي يده الدِّرَّة فعلاه بها وقال : أردتم أن
تجرئوا عليَّ كلاب العرب(١).
* حدثنا هارون بن معروف قال ، حدثنا عتاب بن بشير ،
عن سالم - يعني الأُفطس - قال : جاءت وفود فارس إلى عمر رضي
الله عنه يطلبونه فلم يجدوه في منزله ، فقيل لهم : هو في المسجد ليس
عنده أحد ، فأَنوه فإذا هو فيه ليس عنده حَرَسُ ولا كبير أَحد ،
فقالوا (٢) : هذا المُلْكُ واللهِ لا مُلْكُ كِسرى .
حدثنا موسى بن إسماعيل قال ، حدثنا حماد بن سلمة قال ،
٠
(١) ورد فى طبقات ابن سعد ٣ : ٣٠٩ مع زيادة فيه .
(٢) في الأصل ((فقال)) والصواب ما أثبته.

٦٩٣
لابن شبة
أنبأنا يحيى بن سعيد ، عن القاسم: أَن عمر رضي الله عنه قال :
ليعلم من ولي هذا الأمر من بعدي أن سيريده عنه القريبُ والبعيدُ ؛
إني لأُقاتل الناس عن نفسي قتالاً، ولو علمت أن أحدًا من الناس
أقوى على هذا الأمر مني لكُنتُ أَنْ أُقَدِّم فَيُضْرَب عنقي أحب إليّ
من أن آتي إليه .
( ولاية زيد بن ثابت رضي الله عنه القضاء )
حدثنا هارون بن معروف قال ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ،
عن حفص بن عمر قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا
كثر عليه الخصوم صرفهم إلى زيد ، فلقي رجلاً ممن صرفه إلى زيد
فقال له : ما صنعت ؟ قال : قضي عليّ يا أمير المؤمنين ، قال : لو
كنت أنا لقضيت لك، قال: فما يمنعك وأنت أولى بالأمر ؟ قال :
لو كنت أَرُدّك إلى كتاب الله أو سنة نبيّه فعلت، ولكني إنما أُردك
إلى رأي ، والرأي مشير .
حدثنا عفان قال ، حدثنا عبد الواحد قال ، حدثنا الحجاج ،
عن نافع : أن عمر رضي الله عنه استعمل زيداً على القضاء ، وفرض
له رزقاً .
• حدثنا الحسن بن عثمان قال ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي
الزياد ، عن أبيه ، عن خارجة بن زيد قال : كان عمر رضي الله عنه
كثيراً ما يستخلف زيد بن ثابت إذا خرج إلى شيء من الأسفار ،
وقلما رجع من سفر إلا أَقطع زيداً حديقةً من نخل .
* حدثنا محمد بن عمر ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن
يزيد بن أبي حبيب ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، عن أبيه :

٦٩٤
تاريخ المدينة المنورة
أن عمر رضي الله عنه قال : اكْفِي صِغَارَ الأُمور ، فكان يقضي في
الدِّرْهَمِ ونحوه ،
* حدثنا بكر بن الأسود قال ، حدثنا أبو بكر بن عياش ،
عن ابن حيان ، عن ابن الزنباع (١)، عن ابن دهقان قال : قيل
لعمر رضي الله عنه إِن ها هنا حائِكاً من أهل الحيرة نصرانياً ، فلو
استكتبته ؟ فقال : قد اتخذت إذًا بطانةٌ مِن دون المؤمنين .
(عفاف عمر رضى الله عنه عن المال وغلظ مطعمه )
، حدثنا عبد الله بن رجاء قال ، أَنبأَنَا إِسرائيل ، عن حارثة
ابن مضرِّب (٢) ، عن عمر رضي الله عنه قال : إني أَنزلت نفسي من
مال الله منزلة والي مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت
أَكلتُ بالمعروف، ثم قضيت (٣).
* حدثنا أبو داود قال ، حدثنا عمران - يعني القطان - عن
قتادة عن أبي مجلز(٤) قال: قال عمر رضي الله عنه لعمّار وابن مسعود
رضي الله عنهما - يعني حين ولاهما أعمال الكوفة - إني وإيا كم
(١) هو روح بن زنباع بن روح الخزامي. وانظر الخلاصة الخزرجي ص ١١٠
ط الخيرية .
(٢) انظر ترجمته في الخلاصة الخزرجي ص ٥٩ ط الخيرية .
(٣) في طبقات ابن سعد ٣ : ٢٧٦ عن حادثة بن مضرب عن عمر أنه قال : إني
أنزلت نفسي من مال الله منزلة وإلى مال اليتيم إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت
أكلت بالمعروف . قال وكيع . فإن أيسرت قضيت . وورد أيضاً في مناقب لابن الجوزي
ص ١٠٥ مع اختلاف يسير في الألفاظ
(٤) هو لاحق بن حميد السدوسي توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي اللّه
عنه وكان ثقة . ( طبقات ابن سعد ٧ ٢١٦ - الخلاصة الخزرجي ٤٠٤ ط الخيرية )

٦٩٥
لابن شبة
في مال الله حوالي مال اليتيم إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت
أكلت بالمعروف .
* حدثنا الحزامي قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، أخبرني
يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت :
لما استخلف عمر رضي الله عنه أكل هو وأهله من المال ، واخترق
في مال نفسه .
* حدثنا معاذ بن معاذ قال ، حدثنا ابن عون ، عن الحسن ،
عن الأحنف قال : كنا نأكل عند عمر رضي الله عنه ؛ فيوماً لحماً
غريضاً (١)، ويوماً قديداً، ويوماً زيتاً .
* حدثنا حبان بن هلال قال ، حدثنا مبارك بن فضالة قال ،
حدثنا الحسن قال ، حدثني حفص بن أبي العاص قال : كان عمر
رضي الله عنه يغدينا بالخبز والزيت والخلّ ، والخبز واللبن ، والخبز
والقديد، وأَوّل ذلك اللحم الغريض؛ يأكل وكنا نُعذر (٢)، وكان
يقول : لا تنخلوا الدقيق فكله طعام، وكان يقول: ما لكم لا تأكلون ؟
فقلت يا أمير المؤمنين إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك ، قال :
يا ابن أبي العاص. أما تراني عالماً أن أرجع إلى دقيق ينخل في خرقة
فيخرج كأنه كذا وكذا ؟ أَما تراني عالماً أن أعمد إلى عناقٍ سمينة (٣)
فنلقي عنها شعرها فتخرج كأنها كذا وكذا ، أما تراني عالماً أَن أَعمد
إلى صاع أو صاعين من زبيب فأَجعله في سقاء(٤) وأصب عليه من
(١) الغريض من اللحم الطري منه. (القاموس المحيط ٢ : ٣٣٨).
(٢) نعذر أي نصنع ما نعذر فيه ( أقرب الموارد).
(٣) العناق الأنثى من أولاد الماعز قبل استكمالها الحول (أقرب الموارد).
(٤) كذا في الأصل ، وفي طبقات ابن سعد ٣: ٢٠٨ ((وأمر يصاع من زبيب فيقذف=

٦٩٦
تاريخ المدينة المنورة
الماء فيصبح كأنه دم الغزال ؟ قال قلت : أحسن ما يبعث العيش
يا أمير المؤمنين. قال : أجل، والله لولا مخافة أن ينقص من حسناتي
يوم القيامة لشاركتكم في لين عيشكم ، ولكني سمعت الله ذكر
قوماً فقال: ((أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا(١))) (٢).
. حدثنا المبارك بإسناده وقال: فكان يجيء بخبز مُفْلع (٣)
غليظ وقال : قال عمر رضي الله عنه : بخٍ بخٍ يا ابن أبي العاص
أما تراني ! !
* حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا أبي قال ، سمعت الحسن
يقول : قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى ( الأشعري ) (٤) على عمر
رضي الله عنه قال: فكان له في كل يوم خبز يُلَت (٥) فربما وافقناها
مأُدومة بزيت ، وربما وافقناها مأُدومة بسمن ، وربما وافقناها مأُدومة
بلبن ، وربما وافقناها القدائد اليابسة قد دُقَّت ثم غْلِيَ بها (٦) ، وربما
وافقنا اللحم الغريض - وهو قليل - فيقال لنا يوماً : إني والله قد
أرى تقذيركم وكراهيتكم طعامي، أما والله لو شِئْتُ لكنْتُ أَطيبكم
= في سعن ثم يصب عليه من الماء فيصبح كأنه دم الغزال)» والسعن قربة تقطع من نصفها
وينبذ فيها وقد يستقى فيها كالدلو . ( أقرب الموارد ) .
(١) سورة الأحقاف آية ٢٠ .
(٢) ورد في منتخب كنز العمال ٤ : ٤٠٣ مع اختلاف في السیاق ، وفي شرح نهج
البلاغة ١ : ١٧٥ لكنه ساقه مع الربيع بن زياد الحارثي عامل عمر على البحرين .
(٣) الخبز المفلع : هو المشقوق أو المقطع ( القاموس المحيط - أقرب الموارد).
(٤) الإضافة عن منتخب كنز العمال ٤ : ٤٠٢ .
(٥) في الأصل ((يلاف)) والمثبت عن منتخب كنز العمال ٤ : ٤٠٢ .
(٦) في منتخب كنز العمال ٤: ٤٠٢ (( قد دقت ثم أغلى بماء)).

٦٩٧
لابن شبة
طعاماً وأرقكم عيشاً، أما والله (١) ما أجهل عن كراكر (٢) وأَسنمة،
وعن صِلاء (٣) وصِناب (٤) وصَلائق(٥)، ولكني سمعت الله عَيِّرَ
قوماً ( بأَمر فعلوه (٦)) فقال: ((أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا
واسْتَمْتَعْتُم بها (٧))).
* حدثنا عبد الله بن محمد بن حفص قال ، حدثنا حماد بن
سلمة، عن الجريري ، عن أبي نضرة (٨)، عن الربيع بن زياد
الحارثي قال : كنت عند عمر رضي الله عنه فوضع يده على بطنه ،
فقلت : مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : طعام غليظ أكلته أُذِيتُ منه ،
قلت: يا أمير المؤمنين، إن أَوْلى الناس بالمطعم اللَّيِّن والملبس اللَّيِّن
لِأَنت ، قال : فتناول عُصَيَّةً فقَرَعَ بها رأسي وقال : كنت أحسَبُ
فيك خيراً يا ربيع بن زياد . قلت : مالك يا أمير المؤمنين ؟ قال :
والله ما أردت بها إلا مقاربتي ، أتدري ما مثلي ومثلهم ؟ قال: ما مثلك
(١) في منتخب كنز العمال ٤: ٤٠٢ ((إني والله)).
(٢) كراكر : رحى زور البعير . ( القاموس المحيط ) .
(٣) الصلاء: الشواء. (الفائق في غريب الحديث ٢: ٣٤، ٣٥).
(٤) الصناب : الخردل بالزبيب ، ويقال فرس صنابي أي لونه لون الصناب .
(الفائق في غريب الحديث ٢ : ٣٤، ٣٥) .
(٥) الصلائق : جمع صليقة وهي الرقاقة وهي من صلقت الشاة إذا شويتها ،
وكأنه أراد الحملان والجداء المشوية، وتروى: السلائق - بالسين (النهاية في الغريب-
٣ : ٤٨، ٥٥ - القاموس المحيط ).
(٦) سقط في الأصل والمثبت عن منتخب كنز العمال ٤ : ٤٠٢ .
(٧) سورة الأحقاف آية ٢٠ .
(٨) هو المنذر بن مالك بن قطعة - أبو ندرة العبدي العوفي البصري من ثقات التابعين
وهو بكنيته أشهر . توفي سنة ١٠٨هـ (ميزان الاعتدال ٣: ٢٠٠ - الخلاصة الخزرجي
ص ٣٣١، ٤٠٥ ط الخيرية ) .

٦٩٨
تاريخ المدينة المنورة
ومثلهم ؟ قال: مثل قوم أرادوا سفراً فدفعوا نفقاتهم إلى رجل وقالوا: أُنفق
عليك وعلينا . أَفَلَهُ أن يستأثر عليهم؟ قلت: لا، قال: فكذاك(١).
* حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد قال ، حدثنا أيوب ،
عن محمد ، عن الأحنف : أنه كان جالساً في رهط على باب عمر
رضي الله عنه ، فخرجت عليهم جارية فقالوا : سريّة أمير المؤمنين،
فقالت : إنها ليست سرية أمير المؤمنين ؛ إنها لا تحل له ؛ إنها من
مال الله ، قال: فتذاكرنا ما يحل له من مال الله ، فبلغه ذلك، فدعانا
فقال : ما قلتم ؟ فقلنا : خيراً يا أمير المؤمنين . خرجت علينا جارية
سرّية أمير المؤمنين ، فقالت : ليست سّرية أمير المؤمنين ، إنها
لا تحل له ؛ إنها من مال الله ، فتذاكرنا ما يحل له من مال الله ،
قال : وقلنا أمير المؤمنين أعلم ، قال فردّدها علينا ثلاث مرار ،
فقلنا أمير المؤمنين ، فقال : أَنا أنبئكم بما أستحل من هذا المال :
( يحل لي حلتان (٢) ) حلّة للشتاء وحلة للقيظ، وما أُحج عليه
وأعتمر من الظهر ( وقوتي (٣) ) وقوت أهلي مثل رجل من قريش
ليس بأغناهم ولا أَفقرهم، ثم أَنا ( بعد (٢) ) رجل من المسلمين
( يصيبني ما أصابهم (٢)).
حدثني معاذ بن شبة بن عبيدة قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ،
عن الحسن : أن عمر وعبد الله ابنه رضي الله عنهما كانا يسيران
في مِرْبَد لهما، فرأي عمر رضي الله عنه جارية تقوم مَرّة وتُصْرَع
أُخرى ، فقال : يا بؤس هذه الجارية ، أَما لها أَحد ؟ فقال عبد الله
(١) في منتخب كنز العمال ٤: ٤٠٢ ((فذلك مثلي ومثلهم)).
(٢) الإضافات عن طبقات ابن سعد ٣ : ٢٧٥، ٢٧٦.

٦٩٩
لابن شبة
رضي الله عنه: هي والله يا أمير المؤمنين إنها لأحدي بنانك . قال :
وأي بناتي ؟ قال بنت عبد الله بن عمر . فقال : أهلكت هذه الجارية
هُزالاً . فقال : يا أمير المؤمنين حَبَسْت ما عندك. فقال : وما عندي ؟
غَرَّكَ أَن تُكْسِبَ بناتِك كما تُكْسِبُ الأَّقْوَامُ بناتِهم ، لا والله ما لك
عندي إلا سهمك في المسلمين .
• حدثنا محمد بن حاتم قال ، حدثنا أبو معاوية الضرير،
قال ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عاصم بن عمر قال :
لما زوجني عمر رضي الله عنه ، أَنفقٍ عَلَّي من مال الله شهراً ثم قال :
يا يرفأُ احيس عنه ، ثم دعاني فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد يا بني فإني لم أكن أرى (شيئاً من (١)) هذا المال (يحل (١))
لي قبل أَن أَلِيَهُ إلا بحقه ، ثم ما كان أحرمه عليّ منه حين وليتة ،
فعاد أمانتي ( وإني كنت قد (١) ) أَنفقت عليك من مال الله شهراً
ولن أزيدك عليه ، وقد أُعنتك بتمر مالٍ بالعالية ، فانطلق إليه فاجذذه
ثم بعه، ثم قم إلى جانب رجل من تجار قومك ، فإذا ابتاع
فاستشركه ثم استنفق وأنفق على أهلك (قال فذهبت ففعلت (١))(٢).
* حدثنا الحزامي قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، حدثني
هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال: سمعت عبد الله
ابن الأرقم يقول لعمر رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين إن عندنا حلية
من حلى جلولاء(٣)، وآنية وفضة فانظر ما تأمرنا فيها بأمرك،
(١) الإضافات عن مناقب عمر لابن الجوزي ص ١٠٧ .
(٢) وانظر الخبر في منتخب كنز العمال ٤ : ٤١٨.
(٣) جلولاء: من نواحي السواد في طريق خراسان يشقها نهر جلولاء ، وهو نهر=

٧٠٠
تاريخ المدينة المنورة
قال : إذا رأيتني فارغاً فآذني ، قال . فجاءه يوماً : يا أمير المؤمنين
إني أراك اليوم فارغاً ، قال : ابسط لي نطعاً في الجيش، فأمر بنطع
فبسط ، ثم أتى بذلك المال فصبّه عليه، قال : فَتَى فوقف فقال :
اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت ( زُيِّنَ للناسِ حُبُّ الشهواتِ مِنَ
النِّسَاءِ والبنينَ والقناطير المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ (١) ) اللهم
وقلت ( لكيلا تأُسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (٢)) اللهم
إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زَيَّنت لنا ، اللهم إني أسألك أن تضعه
في حقه، وأعوذ بك من شَرِّه، قال: فأُنِيَ بابن له ( يُحْمَل (٣))
يقال له عبد الرحمن بن لهية فقال : يا أبتاه هَبْ لي خاتماً . فقال :
اذهب إلى أُمك تسقيك سويقاً ، فما أعطاه شيئاً .
* وحدثنا ابن وهب قال ، حدثني ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ،
عن عروة بن الزبير ، عن معيقب قال : أرسل إليّ عمر رضي الله عنه
مع الظهيرة فإذا هو في بيت يطالب ابنه عاصماً ، فقلت : على رسلك
يا أمير المؤمنين، فإنك تأخذ أمرك بالهوينى ، وإذا بعاصم في زاوية
فقال : أَتدري ما صنع هذا ؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه
ابن أمير المؤمنين فانتفقهم فأعطوه آنية وفضة ومتاعاً وسيفاً مُحَلَّى،
فقال : ما فَعَلْتُ ، إِنما قدمت على أُناس من قومي فأعطوني هذا ،
فقال خذه يا مُعَيْقِبُ فاجعله في بيت المال ، فجعلته ، فلما كان
= عظيم يمتد إلى يعقوبا ويشقها: وبها كانت موقعة مشهورة على الفرس سنة ١٦هـ، فسميت
جلولاء الوقيعة لما أوقع بهم المسلمون (مراصد الاطلاع ١ : ٣٤٣).
(١) سورة آل عمران آية ١٥.
(٢) سورة الحديد آبة ٢٣
(٣) الإضافة عن منتخب كنز العمال ٤ . ٤١٢ .