Indexed OCR Text

Pages 401-420

سنة ٣٥٣
٤٠١
سنة ثلاث وخمسین وثلثمائة
استهدى القرامِطَةُ فى هذه السَّنة من سيف الدولة حديداً ، فقلع أبواب الرّقة .
وسدَّ مكانها ، وأخذ كلُّ حديد بديار مُضر حتى صَنَجَات البقّالين والباعة ، وأحدوه
فى الفُرات إلى هِيت وحملوه منها إلى البريّة .
وأخذ ناصرُ الدولة المالَ عن معزّ الدولة ، فأصعد إلى الموصل ، ومَضَى ناصر الدولة
إلى ميّا فارقين، فسارَ وراءه إلى نَصِيبين ، واستخلف على الموْصِل سُبَكْتِكين ، فسارَ
أبو تغلب (١) وإخوته لحربه، فهزَمهم سبكتكين، فأحرقوا زَ بازب معزّ الدولة بالموصل .
وأسروا الأتراك ، وصعد أبو أحمد الطويل غلام موسى قتادة ، وكان قدضَمِن الأهواز ،
وأصْعَد منها ، ليفسَخ ضَمَانَه .
وأخذ بنو حمدان گُراع معزّ الدولة وسلاحه ، وما وجدوه من ماله .
فأقبل معزّ الدولة إلى بَرْقَعِيد ، فأتاه حمدان بن ناصر الدولة مستأمناً ، وأتاه
أبو الهيجاء حرب بن أبى العلاء بن حمدان مستأمناً أيضاً .
وَأَتِى معزُّ الدولة الموصلَ ، واستأمن إليه المهيّا والمسيّب غلاما أبى تغلب ، فخلع
عَلَيهما وطوّقهما وسوّرهما ، وأتاه أبو الحسن على بن ميمون ، ورهَن نفسه عنده ،
على ستّة آلاف ألف ومائتى ألف درهم ، وإطلاق الأسارى ، فرحل حينئذ ومعه ابنُ
عمر وإلى الحديثه(٢). وآتاه الأسارى والمالُ بها ، فانحدر إلى بغداد .
وفى هذه السنة خرج أبو عبد الله محمد بن القاسم المعروف بابن الداعى الحَسِنِىّ ،
إلی بلد الدِّئِلم .
وورد الخبر إلى بغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة ، فلزم الكرخىّ الحنبلىّ ، وقرأ عليه
الفقه ، وقرأ الكلام على أبى عبد الله البصرى، ومنشؤه بطبرستان، وكان يُجيب فى الفتاوى
أحْسَنَ جواب .
(١) تجارب الأمم ٢: ٢٠٥: ((ابن ناصر الدولة)).
(٢) الحديثة ، من قرى غوطة دمشق . ياقوت .

٤٠٢
سنة ٣٥٣
وألزمه مُعِزُّ الدولة النَّظر فى نقابة الطالبيين ببغداد ، سنة تسع وأربعين وثلاثمائة
ففعل مجبراً وعَمَّر وُقُوفهم .
وسأله معزّ الدولة عن طلحةَ والزبير ، فقال: هُمَا من أهل الجنة ، لأنّ النّبِىّ
صلى الله عليه وسلم، بَشَّرهما بالجنة، وكان المهلّبِىّ يخافُه ، فوضع عليه مَوْضوعات ،
منها أنه كان يأخذ الْبَيْعةَ على الدَّيلم .
وبلغ من إجلال معزّ الدولة له ، أنه دخل عليه وهو مريض ، فقبَّل يده استشفاءً بها .
ولمّا غاب معز الدولة فى هذه السَّفرة إلى نصيبين ، استخلَف ابنَه عزّ الدولة ببغداد ،
فدخَل ابنُ الداعى ، فخاطبه بعض أصحاب عزالدولة فى مَعْنَى علوى خطأ أومى عليه ،
فامتعض أبو عبد اللّه من ذلك وخرج مغضباً .
وكان ينزلُ بدارٍ على دِجْلة بباب الشَّعير ، فرتَّب قوماً معهم بالجانب الشرقىّ ،
وأظهر أنه مريض، وخرجَ مختفياً ومعه ابنهُ الأكبر ، وخلّف أولاده وعياله وزوجته
ببغداد ، ونعمته وكلّ ما تحويه داره ، ولم يستصحب غيرَ جُبّة صوفٍ بيضاء وسيف
ومصحف، وسلك طريق شهر زور ومضى إلى هَوْسم(١). وسمّه علَوِىّ هناك قام بعده ،
وكانت وفاته سنة تسع وخمسين وثلثمائة .
وأقام الدُّمستق على المَصِّيصة ثلاثة أشهر ، ووقَع الوباء فى أصحابه ، فأتى
المستنفرون سيف الدولة ، فسارَ معهم وهو مريض ، فَلَى الدّمستق ، وكان المتنبى
بالعراق ، فكتب إليه جواب كتابه ورد عليه :
فَسَمْعاً لِأمرِ أمير العرب (٢)
فهمتُ الكِتَابِ أَبَّ الْكُتُبْ
بأنَّ عليًّا ثَقِيلُ وَصِبْ
وَغَرَّ الدمستقَ قولُ العداة
إذا هَمّ وهوٍ عليلٌ رَكِبْ
وقَدْ علمتْ خيلُه أَنَّه
طوال السَِّيب قِصار العسب(٣)
بأُوَسعِ من أرْضِهِم
أتاهمْ
وتَبْدُ و صغاراً إذا لم تَغِبْ
فى جيشه
الشّواهِقَ
تَغِیبُ
وأَخْفَتَ أصْوَاتُهُم بِالََّجَبْ
مُدَهُمْ بالجيُوشِ
فَغَرَّقَ
1
(١) هوسم من نواحى الجبل خلف طبرستان والديلم. ياقوت.
(٢) ديوانه ١ : ١٠٠.
(٣) السبيب: شعر الناصية. والعسب: جمع عسيب وهو منبت الذنب من الجلد والعظم.
.

سنة ٣٥٤
٤٠٣
سنة أربع وخمسين وثلثمائة
فيها قُتِل غلمان سيف الدولة بَحضْرته، ونجا غَلامه، فغُشِىَ على سيف الدولة
لذلك ، فأمرتْ زوجته بنت أبى العلاء سعيد بن حمدان ، بِرَمْىٍ من نجا من قَصْرِها ،
ولما أفاق قُتِلٍ قتلته ، وبلغ الخبرُ أبا فراس ، فكتب إليه وهو مأسور شعراً :
مازلتَ تَسْعِى
برغم شانيك مقبل
يجد
وما يرى اللّه أفضلْ
أمراً
ترى لنفسك
وأوصل معزُّ الدولة أبا أحمد خلف بن أبى جعفر بن يانو إلى الخليفة ، فقلَّده.
سجستان ، وخَلَع عليه ، وعقَد له لواءً .
وفيها دخل ملك الروم المَصّيصة ، وساق من أهلها مائتى ألف إنسان، وأَعْطى
أهلَ طَرَسوس الأمان، وأمرهم بالانتقال عنها إلى أىّ بلد اختاروا ، ومعهم من أموالهمْ
ماشاءوا، ففعلوا وحمَاهم إلى أنطاكية، وجعل جامع طرسوس إصطبلاً، وأحرق المنْبر ،
وتقدَّم لعمارة البلد ، واستخلف عليه بطريقاً فى خمسين ألفاً .
وفى جمادى الآخرة قَّد معزّ الدولة أبا أحمد الموسوى (١)نقابة الطالبيين بأسرهم ،
سوى أبى الحسين بن أبى الطيب وولده ، فإنهم اسْتَعْفَوْه فأعفاهم ، وردّ إليه إمارة
الحاج .
(١) فى الأصل: ((الموسى)) تحريف.

٤٠٤
سنة ٣٥٥
سنة خمس وخمسين وثلثمائة
فيها لُقِّب الخليفةُ الحبشىّ بن معزّ الدولة سندَ الدَّولة .
وانحدر معزّ الدّولة لمحاربة عمران .
وانحدر إلى الأبَلَّة، ونَزَل فى دار البريدىّ بشاطئ عُمَان، وبنى الشداءات
والمراكب .
ووافاه نافع الأسود ، مولَ يوسف بن وجيه مستأمِناً ، فقَِله .
وأنفذ أبا الفرج محمد بن العبّاس مع نافعٍ فى مائة مركب ، فلمَّا صارَ بسِيراف
وافاهُ جيش عَضُد الدولة ، فى مركب وشذاءات ، نجدةً لعمِّه معّ الدولة .
ومَلك أبو الفرج عُمَان، وأحرَق لأهلها تسعة وتسعين مَرْكباً .
وأصْعَد معزّ الدولة إلى بغداد واستخلف على قتال عمران أبا الفضل العباس بن.
الحسين الشيرازيّ ، فأخذ فى سدّ الأنهار ، واستخلف على واسط سُبَكْتِكين .
وفى رجب فادى سيف الدولة الّوم ، وارتجع أبا فراس منهم ، فقال الببغاء يمدحه :..:
ما العُّ إلاّ مَاَ ثَى الأعداء
ما المال إلاّ ما أفاد ثناء
مَنْ لم يُطِعْ فى حفظها الأهواء
شخَّت على الدنيا الملوكُ وعافَها
ذِكْراً إذا دَجَتِ الْخُطُوب أضاَء
لوكان مرئياً لكانَ سماء
عَرَضاً من الأعراض كان الماء
هضبات من رَضْوَى ثَنَاه هَبَاءَ
ليستْ وإن كَمَلَتْ له أكفاء
فاستخدم الأيَّام فيما اسْتَاء
أحْيَا العُفَاةَ وَبَخَّلَ الكُرَمَاءِ
مازاد باهَرَ نورِهِ استعلاء
ما ذاد عنه لسيفك الأعداء
باع الذى يَقْنى بما أبقىَ له
فليهنِ سيفَ الدولة الشَّرفُ الذى
وطهارة الخُلُق الذى لو لم يكن
ورجاحة الحلم الذى لوحلَّ بالـ
بَدْرُ تحققت البدور بأنها
ألّفَى إليه الدَّهُ صَعْبَ قِيَاده
أمُحَقِّقَ الآمال بالْكَرَمِ الَّذِى
شكر الإله من اهتمامك بالهدى
راعيته وسِواك فى سِنَةِ الْهَوَى
:
١

سنة ٣٥٥
٤٠٥
وفديت من أسَر العدُّ معاشراً
كانوا عَبِيد نَدَاك ثم شرِيبُهُم
والأسْرُ إحدى المِينتين وَطَالَمَا
وضمِنْتَ نفسَ أبى فراسٍ للعلا
ما كان إلّ البَدَرَ طَالِ سراءُه
يومٌ غدا فيه سماحُك يعتق الـ
خُصَّت بنو حمدان منه بنعمةٍ
وقال ابن نباتة يمدحه بقصيدة منها
تُطِيعِ اللّهَ فى خَوْض المَنَايَا
إذا طلبتْ ملوكهمْ إِلينَا
فداؤك مَنْ فَدیت من البرايا
فأنْت خلقتَهمْ خلقاً جديداً
تزيدُ بحسنِهِ الدُّنيا ضِيَاءٌ
إذا ماجئت والأملاك جمْعاً
أُحِقُّهُم ببذل المال فِنَا
وَأَوْلاَهُمْ بأن يُسْمِىَ جَواداً
تريك بنانُه. فى كلِّ يوم
وفَضْلاً يستفيد الدّهْرُ منه
لولاك ماعَرَفَ الزَّمَان فداء
فغدوا عبيدك نِعْمَةً وشراء
خَلَدُوا به فأَعَدْتِهِمْ أحياء
إذْ منه أصبحت النّفوس بَرَاءَ
ثم اْجَلَى وقد اسْتَمَّ بَهَاء
الأسرى ومنك يأسر الأمراء
عَمَّتْ بفضلك تَغْلِب الْغَلْبَاءَ
وسَيْف الدَولة الَلِكُ الجليلا (١)
دخول الحرب زدناهم ذحولا (٢)
وإن كانوا لأن تُقْدَى قِلِيلا
وصَّتَ السَّماحِ بِهِمْ كَفِيلَا
وأبصارُ المُلُوك به كُلُولا
غَدَوْتٌ نباهةً وَغَدَوْا خُمُولا
فَتِى يُمْسِى لِمُهْجَتِهِ بَذُولا
فتى يهب الرَّغَائِبَ والْعُقُولا
طِعَانا مُحْيِياً ونَدَى قُتُِولاً
كريم الطّبع والخُلُقَ الجميلا
وورد الخبر بأنّ ركز الدّول: ملك الطّره (٣). ومضى وهسودان مُنْصِرِفاً عنها ، فقال
المتنبى يَمْدَح عضد الدولة :
أزَائِرٌ ياخيالُ أم عائدْ أمْ عند مَّوَلاَكَ أَنْنِى رَاقِدْ (٤)
(١) مختارات البارودى ٢ : ٢٠٣.
(٢) فى الأصل ((دخولاً)) وأثبت ما فى مختارات البارودى.
(٣) الطرم: ناحية كبيرة بالجبال المشرفة على قزوين فى بلاد الديلم. ذكرها ياقوت وذكر أنه دخلها .
( ٤ ) القصيدة فى ديوانه ٢ : ٧٠ - ٧٩ .

٤٠٦
سنة ٣٥٥
يقول فيها :
نِلْتَ وما نِلْتَ من مَضَرَّةٍ وَهْسُوذَانَ مَازَالَ رَأيهِ الْفَاسِدْ
معناه : أنه جنى على نفسه الشر ، بتعرضه لقتالكم .
وإنّما الحربُ غايةُ الكائد
يَبْدَأْ مِن كَيْدِهِ بِغَايَتِهِ
معناه: أنه من سبيله ألاَّ يحارب إلاّ مضطرًا، والكائد : الذى يبْغى
الغوائلَ والشَّرَّ-
فذمَّ ما اختار لو أتى وافِدْ
ماذا على مَنْ أَنَى يُحارِبُكُمْ
فَفَازَ بِالنَّصْرِ وَانْشَى رَاشِدْ
بلاً سلاح سِوَی رجَائِكُمُ
ولم تَكُنْ دَانِياً ولا شَاهِدْ
وَلْتِ يَوَمَيْ فَنَاءِ عَسْكَرِهِ
جِيشْ أبيه وَجِدُّهُ الصَّاعِدْ
ولم يَغِبْ غائبٌ خليفْتُه
وقَدِمِ أبوالفرج بن فسانحس من عُمان، فقال ابنُ نباتة يمدَحهُ بقصيدة طويلة منها :
لَآل عُمان خِيرُ حافٍ ونَاعِلٍ(١)
لَعَمْرِى لَقَدْ أهدى النصيحة مرَّةً
وناشدَهم باللّهِ حَتّى تقطَّعَت
فلمَّا رَأَهم لا تُثُوبِ حُلُومُهُمْ
عُرَى الْقُوْل وانحلَّتْ عُقُود الوسائِل
رَمَاهُم بأمثال القِسِىّ العواطلِ
وراء الأعالى ظامئات الأسافلِ
فركّب أغصان المنية فيهم
سْرَيْتَ لهمْ ليلاً تحولُ نجومُه
كانَّك إذ جرّدْتَ أْيِك فيهمُ
دَنا الحق حتَّى نالهُ كلِّ طالبٍ
وهمُّك فى أعجازه غيرُ حائلٍ
طلعتَ عليهِمْ بالقنا والقنابلِ
وكان بعيداً من يدِ المُتْنَاوِلِ
ينظّم فى سِلِكٍ من الحقِّ عادِلِ
وأصبح شَمْلُ النَّاسِ بعد تبدَّدٍ
،،،،
(١) مختارات البارودى ٢ : ٢٠٦.

: سنة ٣٥٦
٤٠٧
سنة ست وخمسين وثلثمائة
فيها قصد معزّ الدولة عمران بن شاهين، وأبى أن يقبل منه مالاً، ، وألاَّ يقْنَع إلاَ
بحضور بساطه ، فاعتلَّ من ضَرْب ذَرَبٍ (١) لحِقْهُ، واستخلف على عسكره سُبَكْنكِين ،
ورجع إلى بغداد ، وعهد إلى ابنه عزّ الدولة، وأظهر التوبة ، وأحضر أبا عبد الله الْبصْرىّ.
وتاب على يده .
وكان مع أبى عبد اللّه صاحبه أبو القاسم الواسطى ، فكانا إذا حضر وقتُ الصلاة
خرجا من الدّار ، وصلًَّا فى مسجد على بابها ، فسألهما عن السَّب فى خُروجها ، فقال
أبو عبد الله: إن الصَّلاة فى الدار المغصوبة عندى لا تصحّ ، وسأله عن عمر
ابن الخطاب ، رضى الله عنه وعن الصحابة رضوان اللّه عنهم، فذكر أبو عبد الله
سابقتَهم ، وأنْ عليًا زوّج عمر ابنته أم كلثوم رضى الله عنهم ، فاستعظم ذلك وقال :
ماسمعتُ هذا قَطّ !
وتصدّق مُعِزَ الدولة بأكثر ماله، وأَعتَق مماليكه، وردّ شيئاً كثيراً من المظالم ، وتُوْقَى
فى شهر ربيع الآخر .
قال أبو الحسين بن الشَّيبة العَلَوِىّ: بينما أنا فى دارى على دِجْلَة بِمَشْرَعة الْقَصب ،
وكانت ليلة مظلمة، والسّماء متغيّمة، وقد اشتدّ الرَعد القاصف، ولَمعَان البرقِ الخاطف ،
ولم تَمْضِ ساعةُ الليل ، حتَّى هَطَلت السماء بعظِيم السيل، فخرجتُ إلى الَّوْشن(٢) لأنظر
إلى السماء ، وأسمع وقَع المطر على الماء ، فإنَّ لواقف إذ سمعت صوت الهاتف يقول : :
لِمَا بلغتَ أبا
مُرادِ نَفْك فى" الطَّلبْ (٣)
الحسين
لى واحتجبت عن النَّوبْ
وأَمَنْت من حَدثِ اللّيا
فَأَخَذْتَ من بَيْنِ (٤) الذَّهبْ
بد الرَّدی
مُدَّت إليكَ
(١) الذرب : داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام ويفسد فيها ولا تمسكه. المعجم الوسيط.
(٢) الروشن: الرف ، فيه كوة .
(٣) الأبيات فى ابن كثير ١٦٣٠١١
(٤) فى الأصل: ((بيت » تصحيف .

٤٠٨
سنة ٣٥٦
فَأُرَخت الوقت ، وكان لأربع ساعات مضتْ من ليلة الثلاثاء سابعَ عشر شهر
ربيع الأول .
ثم أَتَصَل الوابلْ فحبس النَّاس أياما فى المنازل ، فلما انقشع الغمام وانتشر النَّاس ،
شاع الخبر بأن معزّ الدولة تُوفّىَ تلك الساعة ، فى تلك الليلة . ومولدُ معزّ الدولة سنة
ثلاث وثلثمائة .
ومن آثاره سدَ بثق الرومانية، وعمل المعيض بالسّندية (١). وسد البثق بالنّهْروان.
وأسْقط المواريث الْحَشرِية، وأمر بردِّها إلى ذوي الأرحام ، وتسليم مالا مستحق له إلى
القضاة ليصرفوه فى مصالح المسلمين .
وكان قد سأل المطيع لله أنْ يَطْوف فى دار الخلافة ، فشرط عليه ألا يخترق الدار
إلا فى نفسین ، وتقدم إلى شاهد خادمه ، وابن أبى عمرو حاجبه ، أن یمْشيا بين يديْه .
فدخل معز الدولة ومعه الصيمرىّ وحاجبه أبو الحسن الخراسانى ، فقال له
الصيمرى بالفارسية - وأصحاب الخليفة لا يعرفونها : فى أىّ موضع أنت حتى
تسترسل ؟ أما تعلم أنّه قد فُتِك فى هذه الدار بألف أمير ووزير ! أليس لَوْ وقف لنا
عشرة من الخدم فى هذه الممرات الضّيقة لأخذونا ! فقال : صدقت ، وإن رجعنا
الساعة ، عُلم أنَنا قد فَزِعْنا وخْفنا، وضعُفَتْ هيبُتنا ، فقال الصيمرَى: ادْنُ مِنِّى،
فإنّ مائة من الخدم لايقاومونى .
فانتهوا إلى دارٍ فيها صنمٌ من صخر ، على صورة امرأة ، وبين يديْها أصنام صغار ،
فسأل عنها ، فقيل : هذا حُمِل من بلدان الهِنْد، وقد فُتِح فى أيام المقتدر رحمه اللّه ،
وكان يُعْبَدُ هناك، فقال: لوكان مكانه جارية لاشتريتُها بمائة ألف دينار على قلّة
رغبتى فى الجوارى ، وأريد أنْ أطلبه من الخليفة . فمنعه الصَّيْمِرِىّ ..
وما رجع إلى معز الدولة عقلُه، حتَّى رجع إلى طياره ، وقال: قد رأيتُ محبََّى
للخليفة وثقتى به، ولو أراد بنا سوءًا لكنَّا اليوم فى قبضته، وتصدَّق بعشرة آلاف درهم ،
شُكْرا لله على سلامته .
وفى هذه السنة قُتِل أبو الطيب المتنبى، وكان عند عضُد الدولة بشيراز، فودَّعه
بقصيدته(٢) التى نعى فيها نفسَه، وقال فيها أشياء لم يَقُلْ فى عقبها إن شاء الله، منها :
(١) السندية من قرى بغداد على نهر عيسى. (٢) القصيدة فى ديوانه ٣: ٣٩٠ ..

سنة ٣٥٦
٠٤٠٩
عَلَيْكَ الصَّمْتَ لاصَاحَبْتَفَاكَا
إذا التَّوْدِيعُ أعْرَضَ قال قَلْبِى
يقول له قُدومى ذَا بِذَاكَا
وكمْ دون الثّويَّه من حَزِينٍ
راونى قبل أن يرؤُوا السُّماكا
فَلَوْ سِرِنَا وِفِى تَشْرِينِ خَمْسُ
- قال ابن جِّى: بالغ وبغَى فى ذِكْر السرعة ، لأنّ السماك يطلُع لخمسٍ
خَلّون من تَشْرين الأول ، أى كنت أسبقه إلى الكوفة بالطُّلوع عليهم -
يَعُودُ وَلمْ يَجِدْ فيه أَمْتِسَاكا
ومَا أنَا غير سهم فى هواءٍ.
يعنى فى سرعة الأوبة .
ولما قال :
وأَيَّا شِئْتِ ياطُرُفى فكونى أذاة أونجاة أوهلاكا(١)
٠
قال عضُد الدولة: يُؤْشك أن تكون مِنِّته فى طَرِيقه ، وعاد وقد أوْقَره مَالا ،
ولمّا بلغ هُمَانيا (٢) مقابلَ دير العاقول، خَرَج عليه فاتك بن أبى الجهل الأسدى ،.
فقاتل المتنبى قتالاً شديداً وقُتِلِ وأصحابه وأُخِذ مالُه :
وقال أبو أحمد العسكرى يجيب ابنَ هارون ، وقد رَّى المتنبىِّ :
بَعْدَ الكرامة من ذُلِّ ومن هُونٍ
ياشَقْوة المتنِّى ما أتِيح لهُ
ويُستباخ ونَرْثِيه ابنُ هارون
تقضى منيَّتُه فى أرضٍ مضيَّعَةٍ.
قولُ ركيكٌ وشعرٌ غيرُ موزون
إنى لأرثى له مِمّا رثاه به
لِقَام من قَبْرِه فى زِىّ مجنون
لوكان يسمَعُ شعراً قد رَثَاهُ به
وقال أبو الحسن محمد بن يحيى الَّيْدِى العلوى - وأقام بعَسْكر مكرم : كان
المتنبى ينزل فى جوارى بالكوفة ، وهو صبىُّ وأبوه يسمَّى عَبْدون السَّقَّاء، يستقىٍ لأهل
المحلَّةِ ، ونشأ هو محبًّا للعلم والأدب ، وصحبة الأعراب بالبادية ، فجاءنا بعد سنين
بَدَوِيًّا، وكان لا يعترف بنسبِه ويقول: متى انتسبتُ لم آمنْ أن يأخذَنى بعضُ العرب
بطائلة بينه وبين قبيلته ، وكان أخوه ضريرا يتصدَّق ببغداد ، وادّعى أنه حُسينى ،
ثم ادّعى بكلب أنه نبيّ ، فأشرف على القتل ثم استنابوه .
(١) فى الأصل: (( وأني شئت)) تحريف.
(٢) فى ياقوت: ((همانية قرية كبيرة بين بغداد والنعمانية بواسط)).

٤١٠
سنة ٣٥٦
قال التنوخىّ : كنت أحبّ أن أسأل المتنبى عن سبب لقبه ، فكنتُ اسْتَحِى
لكثرة مَنْ يحضر مجلسَه ببغداد ، فلمَّا جاء الأهواز ماضياً إلى فارس، قلتُ: فى
نفسى شىء : أحبَ أن أسألك عنه ، فقال : عن لقبى؟ قلتُ: نعم، فقال :
هذا شىء كان فى الْحَداثة أوجبته . ضرورة(١)
قال التّنُوخِى : فما رأيتُ فى دهشةً(٢) ألف منها ، لأنه يحمل المعنى أنه كان
نبيًّا إذا عمد الكذب ، أو أن عنده أنه كان صادقا، إلا أنه أعرف بذلك .
٠
إمارة عز الدولة أبى منصور بختيار بن معزَ الدولة
کانت إمارته إحدى عشرة سنة وشهوراً .
وكان عزّ الدولة من أحبين الناس وأشدِّهم قوة، كان يصْرع الثَّوْر الجَلْد بيديْه
من غير حبال ولا أعوان ، يقبض على قوائمه ويطرحه إلى الأرض حتى يُذْبح ، وكان
يقبض على رقبتىْ غُلامين بيده ، وهو قائم وهما قائمان ، ويرفعُهما من الأرض وهما
يصيحان ويضطر بان ولا يمكنهما الخلاص .
وكان من قوة القلب على أمر عظيم ، وبارز فى متصيّداته غير أسدٍ، وَطَرقه أسدٌ على
غفلة وَثَب على كفل فرسه ، فضربه بخشبة وقتله .
وخلعَ عليه الخليفة ، وطوّقَه وسوَّره وكتب عهده .
وفى هذه السنة، لحقَ أبا علىّ بن إلياس (٣) علّةُ الفالح، وخلفه (٤) أولادُه.
فملَك عضُد الدّولة كِرْمان .
ومضى أبو علىَّ إلى خراسان ، فنادم صاحبتها ، وأطمعه فى مُلْك الدَّيَّم ، فأنفذ صاحبه
محمد بن سمحور ومعه هدايا إلى الحسين بن الفيرُ وزان ، وإلى وشمكير .. وجعل إلى
وشمكير تدبير الحبس .
وكاتب ركن الدولة عضد الدولة يَسْتمدّه، وَكُفى وشْمكير بالموت ، فإنه ركب
(١) فى الأصل: ((صورة)» تحريف.
(٢) كذا فى الأصل .
(٣) سبق فى حوادث سنة ٣٢٤ أن أبا على بن إلياس ملك كرمان وصفت له .
(٤) فى الأصل: ((وخالفه)). وفى الكامل ٧: ٢٧ ذكر خبره مع أولاده الثلاثة: (( اليسع وإلياس وسليمان)).
٠

٤١١
سنة ٣٥٦
فرساً أدْهَم حسن الصورة ، ونهاه مُنَجِّمه على الركوب ، فعارضه خِّزير قد أفلت من
حَرْبَةِ رُمى بها ، فشب الفرس ووشمكير غافل ، فسقط على دماغه ، فخرج من أنفه دم
وحمل ميّاً ، وكتب ابن العميد فى ذلك كتاباً أوله : الحمد لله الذى أغنى بالوحوش
عن الجيوش ، وقال : أخذت هذا من كتاب كتبه صبىٌّ بين يدىْ عمرو بن مسعدة ،
وقد ولدت بقرة آدميًّا ، فقال له عمرو : اكتب فى ذلك ، فكتب كتاباً أوله :
الحمد لله خالق الأنام فى بطون الأنعام ، فحسد عمرٌو الصبىَّ ، وخاف أن يتمم فسیر
بلاغته ، فأخذ الدرج من يده .
واجتهد عزّ الدولة بسُبكْتِكين ، أن يخرج إلى الجيش لمساعدة عمّه ركن الدولة .
فلم يَفْعل ، فأنفذ الفتكين ، ووصل إلى الرَىّ وقد وقع الغَنَاء عنه .
وفى شعبان خَلَع على القاضى أبى محمد بن معروف ، ووُلى القضاء بالجانب
الغربى .
وخلع على ابن سيار، وقُلِّد القضاء بالجانب الشرقى .
وفيه تُوفّى أبو جعفر هارون بن المعتضد بالله .
وفى ذى الحجة تُوُفِى مفلح الأسود ، خادم المقتدر بمصر .
وفيه قبض أبو تَغْلِب بن حمدان على أبيه ناصر الدولة، حين كَر وساء خُلقه .
فأنفذ إليه الخِلَع واللواء من الحضْرة .
وفى هذه السنة تُوُفِى كافور الإخشيدىّ صاحب مصر .
قال أبو جعفر مسلم بن طاهر العلوىّ : مارأيت أكرم من كافور ، كنت أسايُرُهُ
يوماً ، وهو فى موكب خفيف مؤيّد متنزهاً ، وبين يديه غلمانه ، وعدّة جنائب بمركب
ذهب ومراكب فضة ، وخلْفَه بغال الموكب والفرش كما تكون الملوك ، فسقطت مقْرِعنُه
من يده ، ولم يرها ركابّه فنزلتُ من دابَتِى، وأخذتُها من الأرض ودفعتُها إليه ، فقال:
يا أبا جعفر ، أعوذ بالله من بلوغ الغاية ، ماظننتُ أنْ الزمان يُبلغنى إلى أنْ تفعل هذا،
ثم ودَّعنى ، فلما سِرْت التفتّ ، فإذا خلفى البغال كلُّها والجنائب، فقات -: ما هذا؟
فقالوا : أمر الأستاذ أن يُحْمَل هذا إليك ، فأدخلتُه دارى ، وكانت قيمته زيادة على
خمسة عشر ألف دينار . وحكاياته عن المتنبى مشهورة .
وفى هذه السنة هلك سيفُ الدولة ، ونصَّب غلمانه أبنه أبا العالى بحلب .

٤١٢
سنة ٣٥٦
وغزا سيف الدولة الروم أربعين غَزْوة ، له وعليه .
ومن شعره :
وعاتبنِى ظُلْما وفى جنْبه الْعَنْبُ (١)
تُجَّى على الذنب والذّنب ذنبُه
فهلاً جقانی حین کان لِى القلب
وأعرض لمّا صار قلبى بكفّه
تَجَّى له ذنبا وإن لم يكُنْ ذنبُ
إذا بَرِمِ المولى بخدمة عَبْده
وكان(٢) قد ترك الشّرب لمواصلة الحرب، فوردت مُغنيةٌ من بغداد ، ولم يُمكِّن
أبا فراس أن يدْعوها قبله . فكتب إليه :
وصدْرُك الدَّهْنَاءِ أَوْ أَوْسَعْ(٣)
محلُّك الجوزاءُ أَوْ أَرفَعُ
للجدِّ والهزلِ . به موضعَ
وقلْبكُ الرحب الذى لم يَزَلْ
رفِّه بصرْع العود سمعا غدا
قَرْعُ العوالى جَلْ ما يسمعُ
فأمر بعمل المجلس ، واستدْعى بها والجماعة ، وبلغت الأبيات المهلَّبِىّ ،
فأمر أن يُصاغ لها لحز (٤).
وحُكى ان سيف الدولة ، لما ورد إلى بغداد وقت تووزن ، اجناز وهو راكب
فرسهُ، وبيده رمحُه، وبين يديه عبدٌ له صغير، وَقَصَد الفُرْجة ، وألا يُعْرف ، فاجْناز
بشارع دار الرقيق ، على دُور بنى خاقان وفيها فتيان ، فدَخل وسمِعِ وشرب معهمْ وهم
لا يعرفونه . وخَدموه ، ثمَ استَدْعى عند خروجه الدواءة ، فكتب رقعةً وتركها فيها ، ثم
انصرف ففتحوا الدواءة ، فإذا فى الرّقعة ألفُ دينار على بعض الصيارِف ، فتعجبوا
وحملُوا الرُّقعة، وهم يظنُّونها ساذَجَة ، فأعطاهم الصيرفى الدنانير فى الحال والوقت ،
فسألوه عن الرجل فقال : ذاك سيف الدولة بن حمدان .
وقال الببغاء يرثيه بقصيدة ، منها :
عن أىّ حادثةٍ يُعَزَّى الدِّينُ
خلف المدائح بعدك التَّابِين
بَهَرَ العقول ولا نَراه يَكُون
ما كانَ فى الدنيا كيومكِ مشهدٌ
(١) يتيمة الدهر ١ : ٢٥ .
(٢) الشعر والخبر فى يتيمة الدهر ١ : ٢٨.
(٣) ديوانه ٢ : ٢٢٤.
(٤) فى اليتيمة: ((فأمر القيان والقوّالين بحفظها وتلحينها)).
٢

٤١٣
سنة ٣٥٦
لم يبق محذُوراً فكلُّ مصيبة
هِبْ للهدى من بعد فقدك سلوةً
أَبْقَ نَعِيُّك فى القبائل لَوْعَةً
أربيعة الفرس استجدِّى نجِدَةً
كُنْ كأنت أسى ولكن بالحجی
ولى بسيف الدولة العزّ الذى
جللٌ لديه وكلَ خَطْبٍ دُونُ
فجِراكه مذْغبت عنه سُكُون
فيها لمنسرب الدموع مَعِينْ
فسهول عزّك بالمُصاب حُزُون
يتفاضل المحزون والمحزون
كانت عليه به الخطوب تهون
٠

٤١٤
سنة ٣٥٧
سنة سبع وخمسين وثلثمائة
وزارة أبى الفضل الشیرازی
فيها قلّد عز الدولة أبا الفضل العباس بن الحسين الوزارة، وخلَع عليه ، وأقطعه
إقطاعاً بخمسين ألف دينار .
وأظهر أبو الفرج الامتناعَ عن العمل ، فألزمه ، وخَلَع عليه الدُّراعة .
وقال ابنُ الحجّاج، يهنئ أبا الفضل(١):
والْبَدْرِ بَدْرُ الدُّجِى لِلِّتَمِّ قَدْ طَلَعَا
هَذَا لواءُ العُلا والمجدِ قد رُفِعا
وكان بالأمس لَطْخُ دُونَ رؤيته
فاليوم أصبح شَمْل الخوفِ مجتَمِعاً
قد أذعن النَّاسُ وانقادُوا لسِّدِهِمْ
فديتُ مَنْ لم أكن بالغمض مكتجلاً
حَتَّى كفى اللّه مولانَا وخَيِّب مَنْ
ومرّبى سائراً فى موكبٍ لَحِبٍ
مضى علىّ وقلبى طائرٌ جَزَعاً
فليت لى بدرة منها مكسرة
حتى إذا مّرْ مجتازٌ بعسكره
والضرب فى البيتعندی كنت أرفعه
ولو تلوح من مولاى لى فرجٌ
لكنْ أبقى لنفسِى ما أعيش به
فإنجاب بالأمس هذا اللَّطْخُ وانقَطَعَا
يشكو الشَّباب وشملُ الأمن مجتمعا
فمَنْ تحرّك منهمْ بعدها صُفِعَا
خوفاً عليه ولا بالْعَيْشِ منتفعا
سعى عليه وفى أيامه طَمِعا
لو جَلْجَل الْرَعِدُفِى قُطُرَيْهِ مَاسَمِعا
أخشى العِثار على مولاى أن يَقَعا
ألف وسائرها ضَرْب كما طبعا
نَثَرت منها الصّحاح الدّقَ والقطعا
فإِنهُ جوف بيتى ربَّما نَفَعا
نثرتُ غَّها ثم الصِّحاح معا
فإنّ رزقىَ مرفوعٌ قد انقطعا
وكان الحبشىّ بن معزّ الدولة، قد تغلَّب على البصرة فانحدر الوزير أبو الفضل
إلى الأهواز ، واستخلَف أبا العلاء صاعداً ، وكاتب الحبشىّ يسكّنه ويأمره بإنفاذ
مال ، فأنفذ إليه مائتى ألف درهم ، فأنفذها الوزيرُ إلى عِزّ الدولة .
(١) فى الأصل: ((أبو)).
١

٤١٥ .
سنة ٣٥٧
ثم ظفر الوزير بالحبشىّ ، وأمّنه وأنفذه إلى عَمْه ركن الدولة ، واستخلف على
الْبَصرةِ المرزبان بن عزّ الدولة .
وفى ليلة النصف من شعبان ، مات المتّقى لله إبراهيم بن المقتدر بالله فى داره التى
علی دجلة ، المعروفة بابن کندا حمیق ، ودُفِن فی دار تُحَاذيها .
وفى شوّال قَدٍمِ أبو أحمد الشيرازى من شيراز، فأخبر أنَّ عَضُد الدولة توجُه
إلى كرمان لينزِعها من يد اليسَع ، وخطب بنت عزّ الدولة للأمير أبى الفوارس بن
عَضُد الدولة ، وكان الخطيب فى العَقْد أبا بكر بن قريعة ، وثبتتْ وكالة أبى أحمد عند
ابن معروف ، من عَضُد الدولة ، بَعقد النكاح لابنهِ لصغره ، وكتب كتابين من نِسُخْةٍ
واحدة على صداقٍ مائة ألف دينار :
وورد الخبر بوفاة الحسن بن الفيرزان بالبلاد الّتى تغلّب عليها من جُرجان .
وفى هذه السنة تُوفّى أبو الفرج علىّ بن الحسين الأصفهانىَّ ، صاحب الأغانى ،
وهو من ولد مروان بن محمد الأموىّ، ومولده سنة أربع وثمانين ومائتين، ولم يُعْرَف
أموىٌ يتشيّع سواه ، وله فى المهَلَبِىّ تهنئة بابن ولد له من سُرِّية روميّة :
كالبدْرِ أشرق جُنْحَ لَيْلِ مُقْمِر(١)
أسْعِد بمولودٍ أتاك مُبَاركاً
أُمُّحصانٌ من بنات الأصفر
سعدٌ لوقتِ سعادَةٍ جاءت به
بين المهلّب مُنتماه وقَيْصَرِ
مُتَبَجِّح فى ذِرْوتى شَرَفِ الْوَرَى
حتَّى إذا اجتمعتْ أَتَّتْ بالمشتِرِى
شمس الضحى ◌ُرِنتْ إلى بدرالدُّجى
ويروى أن المهلبى ، دخل إلى تُجْنِى ، فلما رآها تمثل :
وَتَمِيس كغصن سَقَتْهُ الرُّهُمْ (٢)
فما أنس لاأنس إقبالها
سما فى العلّ علّا وَثَمّ
وقد بَرَزَتْ مثلَ بدر السما(٣)
وفى جيدها سُبْحَةٌ من بَمْ (٤)
على رأسها مِعْجَرٌ أزرق
(١) يتيمة الدهر ٣ : ٩٦.
(٢) يتيمة الدهر: ٣ : ٩٨، وفيها (( سفتة الديم)).
(٣) اليتيمة: ((بدر الدجى)).
(٤) البريم : جبل فيه لونان مزين بجوهر تشده النساء على الوسط والعضد .

٤١٦
سنة ٣٥٧
ولم تحتشِمْ من حُضُور الْحَشم (١).
ولم تَرْتَقَب لطلوع الرِّقيب
٥
وأسقمتْنى يا شِفَاء السَّقْـ
لقد سؤتنى بانظام السُرُور
وبخلك مسئولة عن أمَمْ
بجودك عن عفر فى الْكَرَى
ر وإلمامكم ألم أو لَمْـ
أهذا المزارُ أم الازورا
فقالت له تُجنى : تتمثلَ بشعر قائله ولاتُزيل شَعَته ، قال : ومَنْ هو قائله؟؟
قالت : الأصبهانى ، يمدحك به ويقولُ فيه :
عَلَيْنَا بِسُلْطَانِهِ قِدْ هَجَمْ
فداؤك نفسِى هذا الشِّتَاء
ولا مِنْ ثيابىَ إلاَّ رِمَمْ
ولم يبق من سنتى دِرْهَمٌ
وتَحْرِقُها خافيات الوُهَمْ
يُؤْثَّر فيها. نسيُمُ الْهَوَا
وأنت الرئيس ونحنُ الخَدَمْ
فأنتَ العماد ونَحْنِ العفاةُ
فأمر له بمال .
٠
F
(١) اليتيمة: ((لطلوع الحشم)).

٤١٧
سنة ٣٥٨
سنة ثمان وخمسين وثلثمائة
فى المحرّم ماتَ أبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن بن جعفر الشَّيرازى ، ومن شعره :
يصفينىَ الوُدّ وَأَصْفيهِ
أهلاً وسهلاً بالحبيب الذى
فيهم غَدَتْ مجموعةٌ فِيهِ
محاسنُ الناسِ الَّتِى فُرْقَتْ
والْغُصْنِ غَضًّا بتنيِّه
قد وَضَح البدر بإشراقه
من عبده أفدِيه أحمِيه
أفديه أحميه وقلت له
وفى هذه السنة أتى الهجريُّون عين الثَّمْر، فتحصَّن منهم صنبة العينُّ بشفاثا ،
فاستاقُوا المواشىَ وانصرفوا .
وأتى ملك الروم طرابلسَ ، فأحرق رَبَضها ، وأخذ من بلدان الساحل مائة ألف
شابٌّ وشابَّة، وعَزَم على قصد بَيْت المقدس ، فهاب القرامطة ، وقد كانُوا نزلوا الشام ،
وأوقعوا بابن عبد الله بن طُفْج .
وفى جمادى الآخرة مات الأمير أبو جعفر بن الراضى باللّه، وكان نازلاً بالرصافة .
وفيه كثرْ ببغداد موت الْفَجْأة .
وبلغ الكُرَزيادة على تِسْعِين ديناراً .
ولم تَزِدْ دجلة والفرات والنَّهر وان فى هذه السنة .
وفى هذه السنة خُطِب لعضُد الدولة بسجستان ، واستخلَف على كرِمان ابنه
شيرزيل ووجد الأكراد فى جبل جلود الوقيعة ، بسيل كثيف عزارج(١)، معقود فيه
مالُ وصِيَا غَاتٌ ودراهم ، فى كلِّ دَرَهم منها خمسة دراهم ، وفى أحد وجَهْيه صورة
بَقَرةٌ ، وعلى الوجه الآخر صورة إنسان وعليه كتابَةٌ ر ومية .
وكان أبوتغلب قد سلّم إلى أخيه حمدان الرّحبة ، ثم أساء إلى وكلائه ، فكتب إليه
حمدان يَحْلِف بطلاق ابنهِ سعيد بن حمدان ، وبكلِّ يمين أنه إن أحَوَجَه استعان عليه
بالدَّلَم ، فإن انتصف وإلّا استعان بالقرامطة ، فإن بلَغ غَرَضاً وإلا استعان بملك الروم ،
(١) كذا فى الأصل .

٤١٨
سنة ٣٥٨
فكان جوابُ ذلك من أبى تغلب ، أن قَبَضَ ضِياعه ، وطردَ وُكلاءه ، وأنفذ أخاه
أبا البركات ، فانتزع الرحبة من يد حَمْدان .
فدخل حمدان بغداد فى شهر رمضان ، وتلقَّاه عزّ الدولة وسُبُكْتِكِين فى ميدان
الأشنان ، وأنزله فى دار ابن رزق الكاتب النصرانىّ ، وحمل إليه مائة وخمسين ألف
درهم ، وثلثمائة ثوب ، أصنافاً من ديباج وعنابىّ ودَبيقى، وثلاثين رأساً بغالاً وخيالاً وجمالاً
وسَبع مراكب ذهباً، وكاتب أخاه يُسفر فى الصُّلح بينهم ، فَتَمّ ذلك، ولَ خرج
شَّعه عزّ الدولة ، وحمل إليه أكثر تما حمله أولاً عند قدومه .
وحُكى أنّه يوم دخوله صدم سبكتين العجم أحَد القوّاد ، فقتله ، ورضخ
فرسه صاعداً فاعتلَ ، فلمّا وصل وافاه القاضى أبوبكر بن قريعة مُسَلِّما ، فقال حاجبه:
إنّ الأمير نائم ، فعاد فلقيَه إنسان ، فقال : من أين جاء القاضى ؟ فقال : أتانا
حمدانُ وافداً ، لأخيه مباعدَاً ، فَقَتَل قائداً، ورضخ صاعِداً، وظلَّ راقداً .
وقال ابنُ نباته فى حمدان قصيدةً ، منها :
إليك صَحِيْنَا اليومَ تُرْعَدُ شمسه
ودهرا سمتْ حِيتَانُه فى سمائه
إلى صدّه أن يستخفْ عتابنا
تكون بها أنفاسنا وحديثنا
فتى لم تُرِقْ مساء الشبيبة شَعْرَهُ
أخو الحربیَثِنی جیدهاوهو صارمٌ
فتى لا يرى أن الهموم مصائب
يؤمّل فى أمواله كلَّ آمِلٍ
إذا السيف لم يستنزل الهام لعُه
ليهنيك جَدُّ يفلِّق الصخرَ جَدُّه
إنّك لاتلقى الندى غير باسمِ
وحيرة ليل أسود النجم فاحمِ
:
وأنْجُمه فى بحرِهِ التلاطمِ
وما الظلمُ فيه غيرِ شَكْوى المظالم
مدائح حمدان المليك القُماقِمِ
على الخدِّ حتى رام شمَّ المراومِ
ويَسْلَمُ منها والْقَنَا غيرُ سالمِ
وأن سرور العيش ضربة لازمٍ
ويرحم من أسيافه كلَّ راحم
فما هو من آرائه والعزائم
ويهتك صدر الجحفل التلاطمِ
إليه ولا صَرْف الرَّدی غیری حازِمٍ
!
وسار حَمْدان عن بغداد، وخلّف حَرَمه وأولاده، وشيّعه عزّ الدولة، فلمَّا وصلَ
إلى الرحبة ، عاد الخُلف بَيْنه وبين أخيه ، وأنفذ أبو تَغلبٍ أخاه أبا البركات ، فانتزع
الرحبة من يد حَمْدان ، وسار حمدان عنها فى البر إلى تدْمر ، فنفذ زادُه، ولحقه
٦

٤١٩
سنة ٣٥٨
عطشٌ شديد، فعاوَدَ الرَّحبة ، ودخلَها من ثلَمِ عَرَفها ، وقد ترك أبو البركات أصحابَه
فيها، وأصعد إلى الرَّقة ، فاستولى حمدان على ذخائره وأمواله وأصحابه .
فبلغ ذلك أبا البركات ، فانحدرَ، فتلقّه حَمْدان وعُدّته قليلة ، وقال لأصحابه :
لا بدّ من الصبر ، فقاتل فُصِر ، وقتل أبا البركات ، وأُنفذه إلى أخيه ابی تغلب فى تابوت
فكفِّن بسلّ توبة ، واعتذر بأنه دفع عنَ نفْسه بقتله، فقال أبوتغلب: واللّه لألحقَّه به
ولو ذهب مُلْکی .
•
وقَبَض أبوتغلب على أخيه أبى الفوارس محمد ، صاحب نَصيبين ، وعَرَف أنه وافق
حمدان على الْفَتك به .
ولمّا عرف هبة الله بن ناصر الدّولة ماجَرى على أبى الفوارس ، ثار به المرار،
وأنكرَ فِعْلَ أبى تغلب .
وكتب الحسين بن ناصر الدولة إلى أخيه أبى تَغْلب ، وهو صاحب الحديثة يقول ﴿
إِنَّ اللّه قد وفَّق الأميرَ فى أفعاله ، ونحن وإن كنّا إخوة ، فنحن عبيد، ولو أَمرنى بالقبض
عليه لفعلت ، فقال أبوتغلب: هذا كتاب مَنْ يريد أن يَسْلَم .
وانحدر حمدان وأخوه أبو طاهر إبراهيم إلى بغداد .
وكان عزّ الدولة بواسط فانحدرا إليه فتلقاهما ، ونزل حِمْدان دار أبى قرة ، وأنزل
أباطاهر إبراهيم أ، دار أبى العباس بن عروة ، وحمَل إليهما هدايا كثيرة ، وأصعدا
معه إلى بغداد .
وفى شهر رمضان قَدِم الوزير أبوالفضل العباس بن الحسن من الأهواز وتلقّاه
عزّ الدولة وأصعد إلى بغداد .
وفيه مات أبو الحسين الكوكبى العلَوىّ الذى كان يتقلّد نقابة الطالبيين.
وفى ذى القعدة انحدر أبو إسحاق بن معزّ الدولة إلى دار السلطان ، ووصل إلى المطيع لله
وعقَد لعضد الدّولة على كِرْمان، وأنفذ إليه الخلع واللّواء والطوْق والسُّوارَيْنِ.
وفيه نَقَل عزّ الدولة أباه معزّ الدولة إلى تربةٍ بُنِيَتْ له بمقابر قريش، بعد أن كفّنه
وطيّبه ، ومشى بين يدى تابوته الوزير أبو الفضل ، والرئيس أبو الفرج والأمراء من
الدَّكم والأتراك.
ومَلَك الروم أنطاكية يوم النَّحر .

٤٢٠
سنة ٣٥٩
سنة تسع وخمسين وثلثمائة
فيها فتح الّوم منازكردم، من أعمال إرمينية بالسَّيف .
وفى شهر ربيع الأولّ صُرِف القاضى أبوبكر بن سيار عن القضاء فى حريم دار
الخلافة ، وتولّاه أبومحمد بن معروف .
وفى هذه السنة أقام أبوالمعالى بن سيف الدولة الخطبة فى أعماله وأعمال فرعونة
للخارج بالمغرب .
وفى آخرها قُبض على الوزير ابن أبى الفضل الشيرازيّ ، وتولى الوزارة مكانه
أبو الفرج محمد بن العباس بن فسانحس ، وقال ابن الحجاج يَمْدحُه :
يا وزيراً بنوه طلعت أنجم العدى
صحن خدِّى لأرض نعد ك ياسيّدى الفِدًا
بك قامت سوق الّوا ل وقد أصبحَتْ سدى .
وسَمِعْنا فيها النِّداء على الجُودِ والنَّدَى
فأما أبو الفضل العباس بن الحسين الشيرازىّ ، فمولده بشيراز سنة ثلاث وثلثمائة .
وورد مع معزّ الدولة بغداد ، وناب عن المهلّبِىّ ، وصاهره على بنته زينه من
تُجْنَى ، وكان ذلك سببَ تقدّمه ، ثم فسد ما بينهما. وكان واسعَ المروءة والصدر ، وداره
على الصَّرَاة ودِجْلة ، وهى التى كانت بستاناً لنقيب النقباء الكامل ، وانتقلت إلى
الفضلونى ، وأنفق عليها أبو الفضل زائداً على مائة ألف دينار ، ثم احترقت ، فأمر
عضد الدولة ببسطها بستاناً
وعمل دعوة لمعزّ الدولة ، وجعل فى وسط السماط قصوراً من السكر، فيها مخانيث
أغان يغنُّون ويرقصون ولا يشاهدون، وقطع دجلة من فوق الجسر إلى دار الخلافة
بالقُلُوس (١) الغلاظ وطرح الورد فيها حتى ملأها، وغطَّى دِجْلة
ولم ينزل بغدادَ قَيَّنٌ إلّ أحضره ، وذلك فى سنة أربع وخمسين وثلاثمائة
(١) القلوس : حبال السفن الغليظة .
: