Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سنة ٣٣٥
على حالٍ لا يجوز لقاء مثلك عليها ، وهو يعتذر من تأخر الاجتماع باعتراض ما اعترض
منها ، وإذا تكلّف سيّدُنا العود فى غداة غدٍ، لقيه ووفّه من الحقّ ما يجب أن يوفُِّه
إيّاه ، والطيّاريبا كربابه . وانصرف أبو الحسن.
وعاد أبو جعفر إلى معزّ الدولة ، فقال له : وافى علىّ بن عيسى للقائك وخدمتك ،
فاعتذرتُ إليه عَنْك بأنّك على نبيذٍ، ولم يَجُزْ أنَ يراك عليه ، فقال: مَنْ؟ علىَّ بن عيسى
فقال: وزير المقتدر باللّه، قال: ذلك العظيم! قال: نعم، قال: ما وجب أن تردّه.
فإنّى كنت أقوم إلى مجلسٍ آخر وألقاه فيه ، فقال : ما كان يحسُن أن يشمَّ منك
رائحةَ شراب ، وفى غد يُباكرك ، فقال معز الدولة : فكيف أعامله ؟ وما الذى أقول
له ؟ فقال له الصيمرى: تنزعج له بعض الانزعاج، وترفع مجلسَه ، وتُعطيه مخدَّةً
من مخادّك وتقول له : ما زلتُ مشتاقاً إلى لقائك ، ومتشوقًا للاجتماع معك ، وأزيد
أن تُشير علىّ فى تدبير الأمور، وعمارة البلاد بما يكون الصواب فيه عندك .
وجاء أبو الحسن علىّ بن عيسى من غدٍ ، ودخل معزّ الدولة ، فوقَّاه من الإجلال
والإكرام أكثر مما وافقه عليه أبو جعفر ، وأعطاه مخدَّة من دسته ، فقبلها أبو الحسن
وقال له ما يقال لمثله ، فقال له معزّ الدولة : كنّا نسمع بك ، فيعظم عندنا أمُرُك ،
ويكثرُ فى نفوسنا ذكرُك ، وقد شاهدتُ منك الآن ما كنتَ مؤثراً وإليه متطلعًا ،
والدُّنيا خراب ، والأمور على ما تراه من الانتشار ، فأشِرْ علىّ بما عندك فى إصلاح
ذلك .
فقال له أبو الحسن : هذه النّية منك أيها الأمير داعية إلى الخير ، ومسهّلة
للنجح ، وطريق العسارة ودرور المادة ، واستقامة أمر الجند والرعيّة والعدْل، والّذى
أهلكَ الدنيا ، وأَذْهَب الأموال ، وأخرج الممالك عن يد السلطان خلافُه ، وإنّما
يتأتّ الصَّلاح وتطرد الأغراض بالولاة الموقّقين ، والأعوان الناصحين .
وحدثنا عمربن شبّة قال: حدّثنا فلان - وذكر الإسناد عن النّبى صلى الله عليه وسلم -
أنه قال: ((إذا أراد الله بوال خيراً قَيّض له وزير صدق. إن غَفَل أذكَره، وإن رقَد
أيقظه، وقد وفق اللّه للأمير من هذا الأستاذ ، - وأشار لأبى جعفر - مَنْ تَمّت فيه
أسباب الكفاية ، وبانَتْ فيه شواهد المخالصة ، ويُوشك أن يجرِىَ الخيرُ على يده
ویتأىّ المرادُ بحسن تدبيره .

٣٦٢
سنة ٣٣٥
فتراجع أبو جعفر عن [ موضعه ](١)، وتوقّف عن تفسير هذا القول لمعزّ الدولة ،
وفطِن معزُّ الدولة أن توقّفه لأمرِكره ذكره ، فقال لأبى سهل العارض : انظُر ما يقول ،
ففسّر له تفسيراً لم يُفهم عنه، ولا استوقَى القولَ فيه ، وتلجْلَج فى ذكر رجال الحديث
حتى استفهم معزّ الدولة أسماءهم ، وقال: هؤلاء أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ؟ فقال أبو الحسن : لا ، هؤلاء رجال نقلوا لنا الحديث عنه .
ثم عاد أبو جعفر إلى التّرجمة بينهما ، وقال أبو الحسن : ومِنْ أولى ما نظر فيه
الأمير وقدّمه ، سَدّ هذه البثوق التى هى أصلُ الفساد وخراب السواد ، فقال :
وقد نذرت للّه عند حضورى فى هذه الحضرة ، ألاّ أقدّم شيئاً على ذلك، ولو أنفقت
فيه جميع ما أملك ، قال: إذا يُحْسِنِ اللّه عونكَ ، وبذلِّل لك كلّ صعب ،
ويُسَمِّل كلَّ مراد بين يديك .
فلمّا انقضى القول بينهما فى ذاك ، قال معزّ الدولة ، اذكر حوائجك ، لأتقدَّم
فيها بما أقضِى به حقّك ، قال : الحاجة الحاضرة هى إلى اللّه تعالى فى أن يُطيلَ
بقاءك ويديم عُلاك، ومتى عرضتْ من بعدُ حاجة إليك ، كان المعَوَّلُ فيها عليك ،
قال : لا بدّ من أنْ تذكُرَ شيئاً ، قال : حراسة منازلى ، فإنها تشتمل على عدد كثير
من بنين وبنات وعجائز وأهل وأقارب وأتباع وأصحاب ، قال : هذا أقل ما أفعله .
ونهض أبو الحسن ، وشيعه أبو جعفر ومشى الغلمان بين يديه .
وتوفى أبو الحسن بعد عبور معز الدولة ، وهزيمته ناصر الدولة بيومٍ ، فمضى
أبو عمران موسى بن قتادة ، وكان معه مائتا رجلٍ من الدّيلم ، فنزل دارَه ، ورکب
الصيمرىّ إليها ، وقد فرغ من تجهيزه ، ووضع فى تابوته فصلَىَ عليه ، وقال لموسى :
اخرج من هذه الدار، فما يجوز نزولك فيها ، فقال : لا أخرج ، فقال : لا. لا أمكّنك
منها ، فقال : لا أقبل منك ، قال : إذا لم تقبل أكرهتُك ، وتنابذا بالقول تنابذاً
تولّدت منه فتنة ، واجتمع إلى موسى أصحابه ، وإلى أبى جعفر آخرون .
وعرفَ معزُّ الدولة ذاك، فبادر لإطفاء النائرة ،، وقال للصيمرىّ : ليس هذا
وقت ذاك ، قال: بَى أيها الأمير ، هذا وقته ، ومتى افتتحنا أمرنا بسقوط هَيْبَتنا
استمرّ ذلك وبَعُد تلافيه ، وازداد الأمرُ مِنْ بعدُ وهناً، والطمع استحكاماً .
(٢) زيادة يقتضيها السياق .
!
.
٠

٣٦٣
سنة ٣٣٥
فأخذ معز الدولة بيد موسى بن قتادة فأخرجه معه ، وقال له : يكون نزولك
فى الدار التى أنزلها ، ولا تفتتح أمراً بما يقبح من انزعاج أولاد هذا الشيخ المشهور
ذكره فى الدنيا وعياله عن منازلهم وأوطانهم .
وبقيت دور أبى الحسن على ولده ودور [ ابن ] أخيه أبى علىّ بن عبد الرحمن
عليه فى حياته بفعل أبى جعفر ما فعله .
وكان عليّ بن عيسى لا يُخِلّ بالجُمَع ، ولما حُبِس كان يلبس ثيابه ويتوضأ ويقومُ
ليخرج ، فيردَّه الموكّلون فيرفع يديه إلى السماء ويقول : اللّهم اشهد . وكان لا يفارق
الدّاعة ولا يترك الوقار فى خَلَواته .
وحكى ابنه أبو القاسم : أنه كان يرتفع لأبيه من ضياعه فى كلّ سنة عند الاعتزال
والعطلة بعد ما ينصرف فى نفقاته ، وما كان يصرفه إلى بنى هاشم ، وأولاد المهاجرين
والأنصار ، فإنّ رسومهم عليه ، كانت نَيِّفاً وأربعين ألف دينار، فكان الحاصل بعد
هذا كله ، وهو يلزم منزله ، ثلاثين ألف دينار.
وكان حاصل ابن الفرات من ضياعه إذَا تعطّل ألف ألف دينار ، وإذا وَزَرَ
· أضعِفَتْ .
وفى هذه السنة تمت إمارة معزّ الدولة أبى الحسين ، فكانت إمارته ببغداد إحدى
وعشرين سنة وأحد عشر شهراً ويومين ، وذلك لمّا بعُد ناصر الدولة والأتراك وابن شير زاد
إلى الموصل ، واستُخلف المطيع لله، ومضى إلى دار الخلافة ، وتقلّد أبو أحمد الشيرازى
کتابته .
وتسلّم الخليفة من معزّ الدولة أقطاعاً بمائتى ألف دينار.
وكان أبو الحسين علىّ بن محمد بن مقلة يواصل معزَّ الدولة فى أيام الحِصار
بالهدايا والأخبار، فلما عَبَرَ إلى الجانب الشرقى حَمَى داره بها ، واستخدمه ، فأخذ
فى المصادرات للتجّار والشهود . فصادف أحدُ العامة معزَّ الدولة منصرفاً منفرداً نصفَ
النهار، فعرّفه ما الناس فيه من الجزْف ، فتقدّم بصرف ابن مقلة .
واحترقت دور ابن شيرزاد ، ودور أسبابه وأخيه ، وصودر على مائة وثمانين ألف
ألف درهم .
وقلّد معزّ الدولة الشُّرطةَ أبا العباس بن خاقان .

٣٦٤
سنة ٣٣٥
وورد الخبر باستيلاء ركن الدولة أبى علىّ على الرّى والجبل .
واجتمع رأىُ الأتراك على الإيقاع بناصر الدولة ، فاستجار بأمّ ملهم حتى أمَرَتْ
وَلَدها بتسييره ، فسارومعه ابنُ شير زاد إلى مَرْج جهينة ، فلمّا أمِن سُمِل ابن شيرزاد.
وأمّرت الأتراكُ على نفوسها تكين الشيرزاذىّ ، وانفرد عنهم ینال کوساه ولؤلؤ ،
واستأمنا إلى معزّ الدولة .
وغلب تكينُ والأتراك على الموصل ، ومضى إلى سنجار ، ورأى ناصر الدولة ،
فأنجد معزّ الدولة بأسفهدوست والصيمرى ، والتقيا بتكين بالحديثة فى جمادى الآخرة
واستؤسر تكين، وانهزم أصحابُه، وسار الصيمرىّ مع ناصر الدولة إلى الموصل ، ودخل
على الصَّيمرىّ خيمتَه ولم يَعُدْ إليه، قال: لمَّا دخلتُها عليه علمت أنى قد أخطأتُ
فبادرت بالانصراف . وندم الصيمرىّ عند خروج ناصر الدولة على تَّرْك القبضٍ عليه .
وسلّم إلى الصّيمرىّ ابن شيرزاد .
وضمن له طازاذ وأبو سعيد بن وهب النصرانىّ الكاتب - وهو الكاتب الذى
مَدَحه ابنُ نباتة - خمسين ألف دينار على أنْ يطلقهما (١) فلم يفعل ، وسلّمهما إلى
الصيمرىّ ، وكان الصيمرى مراعياً لطازاذ ، وأنفذ معهم تكين الشيرزادى مسمولاً، .
وأنفذ ابنَه هبة الله بن ناصر الدولة رهينةً .
فلما وصلوا أطلق معزّ الدولة تكيناً ، وأقطعه أقطاعاً بأربعين ألف درهم .
وكتب أبو عبد الله بن ثوابة عن المطيع الله كتاباً بالفتح إلى عماد الدولة منه :
فلم يسفر العَجاج إلا عن قتيلٍ مرسَل ، أو غريق معجّل ، أو جريح معطّل ، أو أسير
مُكُبَّل، أو مستأمن محصَّل، أو حقيبة ملأها اللّه بلا تعب ، أو غنيمة أفاءها الله
بلا نصب .
وكان مع ناصر الدولة قائد يقال له إبراهيم بن أحمد ، وأخوه صاحب خراسان ،
فقتل ابنُ أخيه نوح بن نصر بن أحمد بعضَ أقارب أبى على بن محتاج ، فكاتبه
أبو علىّ بن محتاج ، واستعانه على محاربة ابن أخيه .
ففارق ناصر الدولة بتكريت فى سبعين غلاماً، فأنفذ إليه ناصر الدولة خِلَع
الخليفة ولواءها مع جوجوخ التركى المسمول ولقَّبه .
(١) فى الأصل: ((يطلقها)).

٣٦٥
سنة ٣٣٥
ومضى إبراهيم مع ابن محتاج ، فهزَما نوحاً ، وملكَ إبراهيم ، ثم وقعت الوحشة
بين أبى علىّ ، فمضى إبراهيم مستأمناً إلى ابن أخيه ، ومضى أبو علىّ إلى بلاد الصُّغْد.
وانتبهت رجال ابن شيرزاد ، لأن الصيمرى صَرَفه وطالبه بالأموال .
فاستخلف الصيمرىُّ بالحضرة طازاذ ، وانحدر فواقع أصحاب أبى القاسم
البريدى ، فأسر خلقاً منهم .
٠
وفى هذه السنة ، صُرِف أبو الحسن(١) بن أبى الشوارب عن القضاء بالجانب الغربى.
وأضيف إلى عمل القاضى أبى الحسن محمد بن صالح الهاشمىّ .
وفى النّصف من شعبان من هذه السنة ، خرجت العامّة لزيارة قبر الحسين عليه
السلام وعُقِّدت القباب بباب الطاق .
وورد الخبر أن سيف الدولة ، قبض على القراريطىّ ، واستكتب بعبده أبا عبد الله
ابن فهد الموصلىّ .
وفى هذه السنة انقطعت قنطرة دهما بأسرها .
٠
(١) تجارب الأمم ٦: ١١٠: ((أبو الحسن محمد بن أبى الشوارب)).

٣٦٦
سنة ٣٣٦
سنة ست وثلاثين وثلثمائة
فى صفر انحدَر المطيع اللّه ومعزّ الدولة لمحاربة ابن البريدىّ، وسارا مِنْ واسط
فى البرية إلى البصرة .
وأنفذ الصيمرى ومُوسى قتادة(١)فدَخلا دار البريدىّ بمسماران
ورَحل الخليفة ومعزّ الدولة ، فاستأمن إليه عسكر البريديّ بالدرهمية .
وهرب أبو القاسم إلى هَجَر، وقبض معّ الدولة على أمواله وقواده وأحرق سُفُنَه .
ولما استولى على البصرة ، قصد أخاه عماد الدولة بآرجان ، وكان يقف بين يديه ،
واتفق وصولُه من عنده ووصول الصَّيمرى والخليفة إلى بغداد ، فى خامس عشر
من شَوَّال .
وورد الخبر، بأنّ نوحاً صاحب خراسان ، عادَ إلى بخارى، وسَمَل عَمه إبراهيم ،
وصار إليه ابن محتاج فى الأمان .
ولما وَرَد المطيع الله من البصرة ، وكان فى صحبته أبو السائب، ولَّه قَضاء القضاة،.
وَصَرَف ابنَ أمِّ شيبان ، ولم يرتزِق أبو السائب ، واستخلف أبا بشر عمر بن أكثم .
وورد الخبر بأنّ ركن الدولة فتح طَرستان وجُرْجان ، وهزم وشمکیر بن زيار
واستأسر من أصحابه مائة وثلاثة عشر قائداً .
وفى ذى القعدة ضمن روزنهان الدّيلمى السَّواد والضّرائب بعشرة آلاف ألف
درهم ، واستكتب على ذلك ابن سنجلا .
وضمن الصّيمرىّ أعمالَ واسط ، واستكتب عليها أبا الحسن طازاذ .
وفى ذى الحجّة ، خلع معزّ الدولة على هبة الله بن ناصر الدولة الّذى
كان رهينةً عنده ، وأنفذه مع ابنٍ قرابة إلى أبيه .
(١) تجارب الأمم ٢: ١١٢ : = ((فيادة))

سنة ٣٣٧
٣٦٧
سنة سبع وثلاثين وثلثمائة
٠
ورد الخبر بانهزام سيف الدولة من الرّوم، واستيلائهم على مَّرْعش.
ودخل أبو القاسم البريدىّ بغدادَ فى الأمان ، فأقطعه معزّ الدولة أقطاعاً بنهر
الملك بمائة وعشرين ألف درهم ، وأعاد عليه ضيعتَه المعروفة بفر وخاباذ من بادوريا ،
وأنزله فى الدار المعروفة بالموزه ، بمشرعة السّاج محتاطاً عليه .
وقبض على ابن أسهندوسْت ، لأنه أشار على معز الدولة بمبايعة أبى عبد الله
ابن الدّاعى، فقال الصيمرى: إنه قَصَد أن يولِيَه الإمارة إذا صار الأمر إليه ، فكان
ذلك سبباً لاعتقاله برامهرمز، ومات بقلعتها مُعْتَقَلاً .
وأنفذ الصيمرى وروزهان إلى هِيت ، فقبضا على أبى المرجّى عمرو بن كلثوم ،
واعْتُقِل ببغداد .
وأخّر ناصر الدّولة المال الّذى صولح عليه من معزّ الدولة ، فخرج معزّ الدولة
طالباً له إلى نصيبين ، وأتى سيف الدولة أخاه ناصر الدّولة معاوناً له .
وسفر ابنُ قرابة فى الصلح ، على أن يَخْطُب ناصر الدولة لعماد الدولة ولعزّ الدولة
ولابنه بختيار ، وأن يحمل ابنه رهينةً ، ويُوَدّى ثمانية آلاف ألف درهم فى السنة قتم
ذلك .
وقال أبو الطيب المتنبى يذكر إنجاد سيف الدولة لأخيه فى قصيدة مَدَحه بها :
وفَّقْتَ مرتحِلا أو غيرَ مرتحِلٍ(١)
إنّ السعادة فيما أنت فاعلُه
وخُذْ بنفسك فى أخلاقك الأول
أجْرِ الجياد على ما كنتَ مُجْرِیَها
فَّرْع الفوارس بالعسَّالة الذُُّلِ
يَنْظُرْن من مُقَلِ أَدْمَى أُحِجََّهَا
وَلاَ وَصَلْتَ بها إلّ إلى أملٍ
فلا هجمْتَ بها إلاّ على ظَفَرٍ
(١) ديوانه ٣ : ٤٢.
----

٣٦٨
سنة ٣٣٧
واستولى أصحابُ ركن الدولة على أذْرَ بِيجان، وخَلَتْ الْرىّ منهم ، فقصدها
ابنُ قراتكين، فأنفذ معز الدولة بِسُبِكْتُكِين ومعه القرامطة، وأكثر الجيش وأمدَّه
بروزهان معاونةً لأخيه ركن الدولة .
وفى ثانى شهر رمضان ، وهو الخامس من آذار، بلغتْ زيادة دِجْلة إحْدَى وعشرين
ذِراعاً وثُلُثاً ، فغرقت الضُّياع والدُّور.
--- -...
٠

٣٦٩
سنة ٣٣٨
سنة ثمان وثلاثین وثلثمائة
فى شهر ربيع الأول مات أبو محمد الحسن بن أحمد الماذرائىّ الكاتب .
وفيه انحدر الصَّيْمِرِىّ لمحاربة عمران بن شاهين، وهذا عمران من أهل الْجَامِدة (١)
جَنَى بها جنايةً ، فهرب من العامل ، وأقام بين القَصَب يصيد السمك، ثم تلصَّص ،
واجتمع معه جماعة من الصّيادين ، واستأمن إلى البريدىّ ، فقلّده الجامدة والأهواز،
فما زال أمُرُه يقوى .
ولما انحدر الصيمرىّ لقتاله، هَرَب من بين يديه ، فاستأسر الصّيمرىّ أهله
وأولاده ، ولم يبقَ غيرُ استيلائه على الْبَطيحة ، فوردَ الخبر بموت عماد الدولة بشيراز.
فکاتب معزّ الدولة الصیمرئَّ بالمبادرة إلى هناك ، فترك حزب عمران وتوجّه .
وكان ركز الدولة قد واقى أخاه عماد الدولة ، وسلَّما فارس إلى أبى شجاع فَنَّاخسرو
ابن ركن الدولة ، الملقّب بعد ذلك عُضَدَ الدولة .
وأنفذ الصيمرىُّ بأبى الفضل العباس فسانحس، فقلَّده معزّ الدولة الدواوين .
ووافى سُبكتكِين والجيش من الرِىّ .
وعاد الصيمرى من شيراز، وعاود محاربة عمران، فمات بالمرمونيّ(٢) من أعمال
الجامدة .
وكان الصّيمرىّ يحسد المهلَّبِى، على تخصيصه وأدبِه ، فكان إذا جلس معه
على الطعام ، رأى كلامه وفصاحتَه ، فيأمر الفراشين بعينه ، فيطرحُون المرقةَ على
ثيابه ، فكان المهلبيّ منغَّصاً به ، وكان يستصحب مع غلامه دائماً ثياباً يُغيّر بها ما عليه .
وكان فى الصيمرىّ شجاعةٌ وقوة نفس، وهو الّذى فتح الجانب الشرقىّ لمعز
الدولة ، لأنّ الديلم لم يقدم على العُبور، فلمّا رأوا كاتباً قد تَقَدَّمهم أنِفوا .
وقال القاضى أبو حامد المرورونىّ : كنت واقفاً بين يدى معزّ الدولة ، فقال
(١) الجامدة : قرية كبيرة من أعمال واسط . باقوت .
(٢) تجارب الأمم ٢: ١٢٣: ((بالبزبونى)).

٣٧٠
سنة ٣٣٨
للصيمرى : أريد خمسمائة ألف درهم لمهمٌّ ، فقال: من أين؟ ودَخْلك لا يِفِى بَخّرْجك ،
فقال : الساعة أحْبِسك فى الْكَنِيف ، حتى تحضر ما طلبتُه ، فقال : إذا حبستَنى
فى الكنيف ، خريت لك بَقَرة وضربْتُها دراهم ، فضحك منه وأمسك .
ولما خرج الصيمرى فى هذا الوجه ، استخلف أبا محمد المهلبيّ ، فلما علم
نفاقه عَلَى معزّ الدولة ، أطلق لسانه فيه ، فكان أبو محمد قد تیَقَّن أنه يهلكه على بد
الصّيمرىّ، فأنفذ إلى معسكره طُيوراً، وأَوْقَف مَنْ يكتب عليها أخباره، فأتاه البَرّاج
بِطَّيْر قد ابتلَ بالماء بكتاب لم يقف عليه ، فقال للصائى: تلطّفْ فى قراءته ، فقرأه
بعد جَهد ، فإذا فيه هلاكُ الصَّيْمِرِىّ، فدخل إلى معزّ الدولة، وعزَّه وجلس للعزاء به .
وترشح للوزارة أبو علىّ الطبرىّ وهو عامل للأهواز.
قال التنوخى : من أعظم المصادرات مصادرة معزّ الدولة لأبى علىّ الحسن
ابن محمد الطَّبِىّ، صادره على خمسمائة ألف دينار ، فلما مات الصيمرىّ، طمع
فى الوزارة، وبَذَل فيها مَالاً عظيماً، قَدَّم منه أُول نوبة ثلثمائة ألف دينار، فلم بين (١)
عليه خروجُها ، فأخذها منه وقلّد المهاَّبِىّ .
1
٠
١
(١) كذا فى الأصل.
-----

سنة ٣٣٩
٣٧١
سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
فى هذه السنة، رَدّ القرامطة الحجر الأسود إلى مكة ، وكان بَجْكم قد بذَل
لهم إن ردُّوه خمسين ألف دينار، فلم يُجيبوه، وكان بين قَلْعه وَردُّه اثنتان وعشرون سنة .
وفى هذه السنة ، كانت وزارة أبى محمد الحسن بن محمد بن هارون المهلبيّ
لمعزّ الدولة ، خلع عليه معزّ الدولة القَباء والسيف والمنطقة ، وسارَ سُبَكْتِكِين بين يديْه
إلى دار الخلافة ، فخلع عليه السَّادِ والسَّف والمنطقة .
وكان المهلبيّ ثقيل البدن ، ومشَى فى صحون الخلافة ، وقد أثقله ما عليه من
اللباس ، فسقط بين يدى المطيع اللّه عند دخوله من ذلك ، ومن شدّة الحر، ووقَع
على ظهره، فأقيم وظن من معه أنه يُحْصر (١) بما جرى، فتكلّم وأحسن وأطال فى
الشُكر والقول، وتمثَّل بأبيات ، فتعجَّب الناس من بديهته ، وركب إلى داره ،
ومعه جميع الجيش وحجَّاب الخلافة، وداره هى الدار المعروفة بالمرشد ، ونزلها
السّلطان ركن الدولة فى سنة سبع وأربعين وأربعمائة عند دخوله بغداد ، ونقضَها
موقّق ، خادم القائم بأمرِ اللّه رضوان اللّه عليه فى سنة خمس وخمسين وأربعمائة
وبنى بآلتها حجُرة للطيور، بباب النوبىّ، وعمّرها سعد الدولة الكهورانيّ ، فى سنة
تسعين وأربعمائة، ولما قُتِل وقفتها زَوْجَتُهُ نَقْد(٢) ما كان نُقِضَ ما بقى فى الدّور الشاطبية
بباب الطاق ، وما امتدَّت يده من قصر بنى المأمون رضى الله عنه. ثم نَزَلها قَوام الدولة
کریغا ، فی سنة ثلاث وتسعین وأربعمائة ، ثم خلتْ بعد خروجه .
وقال أبو نصر عبد العزيز بن عمر بن نباتة السعدىّ يمدح المهلّبِى بقصائد منها :
شخصاً بصد فوارسی وچیادی
دَعْ بین أثوابی وبیْن ◌ِسَادی
وقال فيه من أخرى :
وفى قوله أىّ الرجال المهذب(٣)
أذم زياداً فى ركاكة رأيه
وكلُّ مليكٍ عِنْدَ نعمان كَوْكَبُ
تكلّم والنّعمان شمسُ سمائِه
(١) فى الأصل: ((يحضر)) بالضاد .
(٣) نقله فى مختارات البارودى ٢ : ١٧١.
(٢) كذا فى الأصل
1
٠

٣٧٢
سنة ٣٣٩
لأبصر منه شمسَه وهو غَيْهَبُ
ولو أبصرَتْ عيناه شخصَك مَرَّةً .
وفيها :
بأنّك منهم حين تُعْزَى وتُنْسَبُ
كَفَى وُزراء المُلْكِ فى الناس مَفْخَراً
بأن قيل منهم فى الْهَيَاج المهلَّبُ
كان قد كَفَى الأبطال بأساً ونجدة
وانحدر المهلّى وروزهان لمحاربة عمران ، فهزمَهما واستأسر قُوَّادهما .
ومضى المهلّبى إلى البصرة .
وكاتب سيفُ الدولة الخليفة ، يستأذِنه فى الْغَزْو، فأذن له ، فأوْغَلَ فى بلاد
الرُّوم ، وسبى وافتتح حُصوناً، وعاد فى ثلاثين ألفاً، فأخذ عليه الرُّوم الدّب،
فلم يُفْلِتْ إلاّ فى عدد يسير ، وقال المتنبى قصيدة مِنْها:
قُلْ للدُّمُسْتِقِ إن المسلمين لَكُمْ خانوا الأمير فجازاهم بما صَنَعُوا(١)
(١) ديوانه ٢ : ٢٢٩.

-...
سنة ٣٤٠
٣٧٣
سنة أربعين وثلثمائة
٠
فيها تمّ الصلح بين عمران ومعزّ الدولة ، وقّده البطائح ، وأطلق عياله المأسورين
وأطلق القوّاد .
وورد الخبر بمعاودة ابن قراتكين(١) حربَ ركن الدولة بعد انهزامه ، ودخول
ركن الدولة الرّىّ بعد أن تقابلا سبعة أيام .
وواصل ابن قراتكين الشُّرْب أياماً، فمات فجأة، وكُفِى ركن الدولة خَطْبَه بعد
ما حلّ به وبعسكره من البلاء بحصاره .
وورد ابن وجيه صاحب عمان البصرة فقاتله المهلَّىّ ، وأخذ منه خمسةً مراكب
وهَزَمه ، ووصل المهلّبِى إلى بغداد ومعه الأسارى والمراكب .
وفيها مات أبو القاسم الكلواذى بعد الفقر ، وقد مضَتْ أخبارُه .
وفيها مات أبو الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخى ، إمام أصحاب أبى حنيفة .
قال الخطيب : كان مع غَزارة علمه ، وكَثْرة روايته ، عظيمَ العِبادة ، كثيرَ
الصَّلاة، صبوراً على الفقر والحاجة ، عزوفاً عما فى أيدى الناس. ولمّا أصابه الفالح
فى آخر عمره ، حضره أصحابه فقالوا : هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاجٍ ، وهو
مُقِلٌّ ، ويجب ألا نبذله إلى الناس ، ونكتب إلى سيف الدولة فنطلب منه ما نُنْفِق
عليه ، ففعلوا ، وأحس أبو الحسن بما هم عليه ، فسأل عن ذلك ، فأخبر به فبكى
وقال : اللهمَّ لاتجعل رزقى إلاّ من حيث عَّدَتَنِ ، فمات قبل أن يحمِل إليه سيف
الدولة شيئاً. ثم ورد كتاب سيف الدولة ومعه عشرة آلاف درهم ، ووعد أن يُمِدّهُ بأمثالها،
فتصدَّق أصحابُه بها .
ومات ليلة النصف من شعبان من هذه السنة ، ومولده سنة ستّين ومائتين ،
وصلّى عليه القاضى أبو تَمّاء الحسن بزم محمد الهاشمى الزينىّ - وكان من أصحابه -
بحذاء مسجده فى دوب أبى زيد ، على نهر الواسطيِّين ، وقد بقىَ من مسجده اليوم
(١) فى ابن الأثير ٦: ٣٣٨ (( وهو المنصور بن قراتكين)).
١

٣٧٤
سنة ٣٤٠
قطعةٌ من حائط القِبْلة ، يعرف اليوم بمقلع ابن صابر.
قال التَّنُوخِىّ : كان أبو زهير الجنّابى الفقيه ورعاً عارفاً بمذهب أبى حنيفة ،
فدخل بغداد ، فبلَغه أخبارُ أبى الحسن الكرخِىّ فى وَرَعه ، فلقيَه ، فقال: يا أبا الحسن ،
بَغنى أنك تأخذ من السلطان رزقاً فى الفقهاء ، قال : نعم ، قال : ومثلُك فى علمِك
ودينك يفعل هذا ؟ قال له أبو الحسن : أوليس قد أخذ الحسن البصرىّ فى زمنِه ،
وفلان وفلان ، فعدَّد خَلْقاً من الصَّالحين الفقهاء مِمّن أخذ من بنى أمية ، فقال
أبوزهير : ذهاب هذا عليك أطرف ،، بنو أمية كانَتْ مصائبهم فى أديانهم ، وجباياتهم
الأموال سليمة ، لم يظلموا فى العُشْر ولا الخراج، فكان الفقهاء يأخذون منهم الأموال
مع سلامتها ، وهؤلاء الأمراء الذين تأخذ منهم أموالهم فاسدة ، مع أديانهم وجباتهم
لها بالظُّلم والغَتْم، فسكت أبو الحسن ، ولم يأخذ شيئاً إلى أن مات .
criروب

سنة ٣٤١
٣٧٥
سنة إحدى وأربعين وثلثمائة
ورد الخبر بدخول الرّوم سَروج، وإحراقهم مساجدها وسَبِىَ أهلها .
وفيها بنى سيف الدولةَ مَرْعشاً(١). فقال أبو الطيب المتنبى يمدحه بقصيدة:
فَدَيْنَاكَ مِنْ رَبْع وإنْ زِدْتَنَاكَرْبا (٢)
يقول فيها :
وأَنَّك حزبُ اللّهَ صِرْتَ له حِزْبا
هنيئاً لِهذا الثّغر(٣) رأيكَ فِيهِمُ
ويوماً بجودٍ تطُرُد الْفَقْرِ والْجَدْبا
فَيَوماً لخيلٍ تَطْرد الرومَ عنهم
سَرَاياك تَتْرَى والدُّمُستُق هـارب
أتي مَرْعشاً يَسْتَقِب الْبُعْد مُقْبِلاً
وهَلْ رِدَّ عنه بالَّلِقان(٤) وقُوفُه
أرى كُلُنا يبغى الحياة لِسَغْيِه
فحبُّ الجبانِ النَّفْسَ أورده البقا(*)
ويَخْتُلِفُ الرِّزْقَان والفعل واحد
كَفَى عجباً أن يَعْجَبَ النَّاسِ أَنّه
وما الْفَرّقُ ما بين الأنام وبينهُ
لأمرِ أعدَّهُ الخلافة للعدَى
وأصحابه قَتْلَى وأمواله نُهْى
وأَدْبَرِ إذْ أقبلت يستبعِدُ الْقُربا
صدورَ العوالى والمطهَّمة القُبًّا
حريصاً عليها مستهاماً بها صَبًّا
وحبّ الشجاع الحزبَ أورده الْحَرْبا
إلى أن يرى إحسان هذا لذا ذَنْبًا
أتى مَرْعَشاً تَبَّ لأَرْبابِها ◌َّا
إذا حَذِرِ المحذورَ واسْتَصْعَبَ الصَّعْبَا
وسَمّتْه دون العالم الصَّارِمَ الْعَضْبَا
(١) مرعش: حصن بناه سيف الدولة.
(٢) القصيدة فى ديوانه ١ : ٦٢ .
(٣) الديوان: ((لأهل الثغر)).
( ٤) اللقان : ثغر ببلاد الروم .
(٥) الديوان : التقى .
1

٣٧٦
سنة ٣٤٢
سنة اثنتين وأربعين وثلثمائة
ورد الخبر فى شهر ربيع الآخر ، بغزَاة سيف الدولة وغنيمته وأسره لقسطنطين
ابن الدُّمستق ، فقال النَّامِى يمدحه بقصيدة منها :
وفَخْر أبى الهيجاء كان بلا نِدٍّ
ومن جَمَعَ الفخريْنِ فخر ربيعةٍ
يَمُرُ عليكَ الْحَوْلُ سيفُك فى الطّلا
ويمضِى عليك الدَّهْرُ فِعِلْك لِلْعُلَا
بنى الأصفر اصفرّت وجوهُ حُماتكْ
فلم ترَ يوماً مثلكَ الخيلُ فارساً
وقد سارَ فى الرُّومِ الدُّمستق باغياً
فتسْقِى دمَ الأكباد وهى على ظماً
إذا حَبَسَتْ فى حدّ سيفك سخطّها
وكمِّن قسطنطين تَحْتَ صليِه
كَأَنَّك قد قَدَّمْت جنداً لهزيها .
وأسلم قسطنطين للأسر بُرْدَسُ
وقال أبو الطيب قصيدة :
وطِرْفُك ما بين الشَّكيمة والَّبْدِ
وقولُك للتقوى وَكَفُّك للَّقْدِ
وقد رَدّهَا فى البِيض تحمرٌ فى الرَّدُّ
أجْرٌ لخيلٍ فى الجهاد على الجُهْدِ
له ساعةٌ نَكْرَاءُ فِى نُوَبِ نُكْدِ
وتحترم الأعمار وهى على حِقْد
توّب أو تَلْقَى الظُّبِى مطلقَ الحدِّ
ومَدّ القنا من فَوْقِ أرْعَن مُعْتَدٌ
وقد سِرْتَ فی جُنْدٍ وَحَزْمُك فِى جُنْدِ
ووَلَ وقد خَدَّتْه فَوْهَاءُ فى الْخَدّ
• ليالىَّ بَعْدَ الظّاعِنِین شُگُولُ(١) .
فيها :
وما قَيّلَ سَيْفِ الدّولة اثََّرَ عَاشِقٌ ولا طُلِبَتْ عند الظَّلاَمِ ذُحُول
- قال ابن جنى: ((اثَّارِ افتعل)) من الثأر، وأصله اتثأر فأبدلت التاء ثاء لتوافقهما
فى الشدّة وقرب مخرجهما، وقال قيس (٢):
(١) القصيدة فى ديوانه ٣ : ٩٥ - ١١١.
(٢) هو قيس بن الخطيم والبيت فى ديوانه ٥

٣٧٧
سنة ٣٤٢
وصيّةَ أشياخِ جُعِلْت إزاءها
ثَأَرْتُ عديًّا والْخَطَمَ فلم أضِعْ
والدُّحول : جمع ذَخْل وهو الثأر.
فيها :
وإن كانَ فى سَاقَّيْهِ مِنْه ◌ُبُولُ
عَلَى قَلْبٍ قُسْطَنْطِين منه تعجُّبٌ
فهلْ (١) هاربٌ مما إليه يؤُول
لعلَّك يوماً يادُمُسْتُقِ عائدٌ
وخلّفت إحدى مُهْجَتَيّك تَسِيل
نَجَوْتَ بإحدى مُهْجَتَيّك جريحةً
علىٌّ شروبٌ للجيوش أكُول
أغرَّكُمُ طول الجيوش وعَرْضُها
وورد الخبر بموت أبى الفضل العباس بن فسانحس، بالبصرة ، وسنّه سبع وسبعون
سنة ، وحُمِل تابوتُه إلى الكوفة .
وتقلّد الديوان بعده ابنُه أبو الفرج محمد .
وورد الخبرُ بتمام الصُّلح بين ركن الدولة وبين أبى علىّ بن محتاج ، بعد حُرُوب
جَرَتْ بينهما على باب الرىّ ، ومنازلة ثلاثة أشهر، وانصرف ابنُ محتاج إلى خُراسان
وركن الدولة إلى الرىّ .
وفى شوّال مات أبو عبد الله بن فَهْدٍ الموصلىّ .
وفى هذه السنة ماتَتْ بدعة الصَّغِيرة والمعروفة بالحمدونية عن اثنتين وتسعين
سنة .
(١) الديوان: ((وكم هارب)).

٣٧٨
سنة ٣٤٣
سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة
فى هذه السَّنة، وردَ رسولُ أبى علىّ بن محتاج إلى معزّ الدولة، فأوصلَهُ إلى
الخليفة ، وذلك بعد موت نوحٍ بن نصر ، فعُقِدٍ لأبى علىُّ عَلَى خُراسان، وسُلُّم إليه
العَهْد والْخَلْع ، وضم إليه أبا بكر بن أبى عمرو الشرابىّ ، وأقام الخطبة للمطيع فى
هذه السنة ، ولم تكن قد أقيمت له ببلاد خُراسان إلى هذه الغاية .
٠
وبلغ الخبر بموت موسى قُنادة ، فانْحدر المهلِى لحيازةِ تَرِكَتِهِ وَكانتْ عَظِيمة .
وفى مستهلّ شَعْبان ، ورد الخبر بوقْعة كانَتْ بين الدُّمستق وبين سيف الدولة
بالْحَدَث (١)، وقَتَل سيف الدولة خَلْقاً من أصحاب الدّمستق، وأسر ابنَ ابنه وصهرَه
وبطارقته ، وبَنَى الْحَدَث بعد أن أخربوها ، وقال السَّرىّ مذكِّراً إخراجهم لها :
سعى بها خائِن منهمْ وَمَغْرُور (٢)
إِن تَشْتَكِ الْحَدثُ الحسناء حادثةً
وخَرَ ذو التاج عَنْها وهو مَخْمُور
فإنّها نشوةٌ وَلَتْ عُذُوبتها
عدَّه حيث كانَ الدَّهْرَ مَقْهُور
سَنْقِضِ الوَثْرَ من أعدائه مَلِكٌ
والسَّيْف فى يدِ سَيْفِ اللهِ مشهورُ !
فحاذروا وَزَراً منه وهل وُزَرٌ
وقال أبو الطيب قصيدته :
هكَذا هكذا وإلا فَلا لا (٣)
ذِى المعالى فليعلُونْ مَنْ تَعَالَى
- قال ابن جِنَى : يريد أنهم بعثوا سيف الدولة على إتمام بنائه وإعلائِه ،
;
فکانوا سبب ذلك ، يقول فيها :
وأتَوْا كَىْ يُقَصِّروه فَطَالاَ
قَصَدُوا هَدْمِ سُورِها فَبَنَوْهُ
تَرَكُوها لهم عَلَيْه وَبَالَا
واستجُرُّوا مكايدَ الحرْب حَتّى
لُ فيه وتَحْمَد الأفعالا
رُبَ أمرٍ أَتَاك لا تَحْمَدِ الفُعَّا
(١) الحدث ، بالتحريك: قلعة حصينة بين ملطية وسميساط . ياقوت .
(٢) ديوانه ١٠٢ .
(٣) ديوانه ٣ : ١٣٤.
أ
!
1
أ

سنة ٣٤٣
٣٧٩
- قال ابن جنى : الفُعّال : الهرّاب ، والأفعال انهزامهم - .
فى قلوب الرُّماة عنك النَّصالا
وقِىُّ رُمِيتَ عنها فرَدَّتْ
سْلَ فكانَ انقطاعهمْ أَرْسَالا
أخذُوا الطُّرْق يَقْطَعون بها الرُّ
أنّه صارَ عند بَحْرِك آلا(١)
وهُمُ الْبَحِْرُ ذو الغوارب إلاّ
الغوارب : الأمواج.
وفى شوال مات أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخىّ .
وعُرِض لمعزّ الدولة مرضٌ فى إحليله، وهو الإنعاظ الدّائم.
وورد الخبر بدخول ركن الدولة وابن محتاج جُرجان ومضى وشمكير هارباً إلى
خراسان .
(١) الآل: السراب فى آخر النهار .

٣٨٠
سنة ٣٤٤
سنة أربع وأربعين وثلاثمائة
عَقَد معزّ الدولة لابنه بَخْتِيار الرئاسة .
وأَرْجف على معزّ الدولة عند عِمْران، فاجْتَاز به مائة ألف دينار، قد حُمِلت .
من الأهواز وأمثالها للتّجار فأخَذَها معزّ الدولة الكوكبيّ نقيب الطالبيين برسالته فى إطلاق
ماله وأموال التّجار، فردّ ما يتعلق بمعزّ الدولة ، ومضَتْ أمتعةُ النّجار.
وفى هذه السنة سدَّ معزّ الدولة فُوهَةَ نهر الرّفيل، وسَدٌ بثق النّهر وانات، وحَفَر
للخالصُ(١) فحوّله، وشَرَع فى سدّ يَثْق الروبانية ببادُوريا .
وفی رجب ورد الخبر بموت أبی علی بن محتاج بالری ، فی وباء حَدَث بالبلد .
وورد رسولُ أبى الفوارس عبد الملك بن نوح ، فعقد الخليفة له على خُراسان .
وانحدر روزهان فى شَهْر رمضان لقتال عمران ، وجاء المهلّبِىّ إلى زاوطا لِمُعاونته .
(١) الخالص : اسم كورة ببغداد ويبدو أن هناك نهراً باسمها .