Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
سنة ٣٢٤
واستأسر كاتِبَه أبا جعفر الصيمرىّ ، وكان سبب إقباله واتّصاله بمعزّ الدولة .
فكاتب ياقوت البريدىَّ ، وهو بالأهواز يعرّفه الصورة ، فقال البريدىّ : أنا
كاتبك ومدبّر أمرك، والصواب أن تَنفذ بالرّجال حتى أقرر معهم الحال ، فتقدّم
إليهم بالمصير ، فاستعولهم البريدىّ ، فانقطعوا إليه ، فسار ياقوت إليه فى ثلثمائة رجل
لئلاً يستوحش ويلقاه البريدىّ فى السواد الأعظم، وترجّل له وقبل الأرض ، ووقف
على رأسه على سماطه ، وقال الجند : إنما وافَى ياقوت ليقبض علينا .
وقد وافق البريدىّ على ذلك ، فقال له البريدىّ : اخرج أيها الأمير ، وإلاّ
قتِلنا جميعاً ، فخرج إلى تُسْتَر . وسبّب له البريدىّ على عاملها خمسين ألف دينار.
فقال لياقوت مؤنس مولاه : أيّها الأمير إنّ البريدىّ يحزّ مفاصلنا ويسخر منّا ،
وأنْتَ مغترٌّ [ به ](١)، وقد أفسد رجالَك وقوَّدك، وقد اتّصلتْ كتب الحجرية إليك،
وليس لهم شيخ سواك ، فلو دخلت بغداد ، فأَوَّل مَنْ يطيعك محمد بن رائق بالضرورة ،
ولأنك نظير أبيه وإلا فاخرج إلى الأهواز ، فاطرد البريدىّ عنها ، فأنت فى خمسمائة
وهو (٢) فى عشرة آلاف. ومعك خمسة آلاف وأنت أنت ، وقد قال عدوّك على بن بويه :
لو كان فى عسكرك مائة مثلَك ما قاومناك ، فقال : أفكّر فى هذا.
فخرج مؤنس مغضباً فى ثلاثة آلاف ، ووافى عسكر مكْرم ، وقال : أنا لا أعصى
مولاى فإنه اشترانى وربّانى واصطنعنى ولكنى أفتح الأهواز وأسلّمها إليه .
فما استقرّ مؤنس بعسكر مُكرم ثلاث ساعات ، حتى وافَى كتاب ياقوت إليه
يحذره كُفْرَ نعمه .
وكان الكتاب مع شيخه مقدّم يقال له درك ، وكانت السنّ قد أخذت منه ،
وحضر معه خادم مغفّل يقال له أبو النمر ، فقال لمؤنس : مولاك قبض على ابنيه
وهما دُرّان ، فلم يستحلَّ أن يعصى مولاه ولم يحارب لأجلهما ولا طالب بهما ، واستفتى
الفقهاء فأفتوه أنه لا يحلّ له أن يحارب الإمام، [ وقالوا ] (٣). أفأنت تعصى مولاك!
أما تخاف أن تُخْذل فى هذه الحرب فتخسر الدنيا والآخرة !
فأقام مؤنس لمّا أخذه العذل والتأنيب ، حتى وافى ياقوت واجتمع معه ، ووافى
(١) من تجارب الأمم ١ : ٣٤٢ .
(٢) كذا فى تجارب الأمم ١: ٣٤٣، وفى الأصل: ((کھو)) .
(٣) زيادة يقتضيها السياق.

٣٠٢
سنة ٣٢٤
عسكر البريدىّ، فخيَّموا ١) فى صحراء خان طوق، ومتقدّمهم أبو جعفر الجمال
غلام البريدىّ .
فقال ياقوت لمؤنس : إنَّ السلطان لنا بالنّية التى عرفتها ، ولا موضع لنا نأويه غير
هذا البلد ، والحرب سِجال، وإن حاربنا هذا الرجل وانهزمنا كُنًا بين القتلى (٢)،
فيقال : قد كَفَر نعمة مولاه فألعَنَ أو بين الأسارى ، أو أن ينفذنا إلى الحضرة
فُشْهَر بها ، والوجْه المداراة وأن نعود إلى تُسْتَر والجبل ، فإن صحّ لنا بها أمر ، وإلاّ
لحقْنا خُراسان . وشاع كلامُه. فضعفت نفوس أصحابه . وطالت الأيام ، واستأمن
من عسکره إلى البريدى خلق ، حتى بقى باقوت فى ألف رجل . وكان مؤنس یبگِّر
إليه ويقول : يا مولاى مضى أصحابنا فيقول : وأىّ خير فيمن لا يصلح لنا ؟
فلمّا علم البريدىّ من نفسه القوة ، راسل ياقوتاً بالقاضى أبى القاسم التنوخىّ ،
وأعلمه أنه على العهد ، وأنه كاتبُه وأنّ الإمارة لا تصلح له ، وسأله أن يعودَ إلى تُستعرٍ،
وأن يزوّج ابنته من أبى العباس أحمد بن ياقوت .
فقبل ياقوت الرّسالة ، وانعقد الصِّهر ، ورحل إلى تُستَر ، ووافاه ابنُه المظفّر
بها ، وأخبره أنّ الراضىَ قد منّ عليه بنفسه ، وأشار عليه بالإصعاد إليه والمُقام بدير
العاقول . وإن رأى الحجرية مبادرين إليه وإن كرهه السلطان ، تولى الموصل وديار
ربيعة ، وإن مُنِعٍ من ذلك قصد الشام .
فحالف ابنُه ابنَه فاستأذن ابنه أن يكون بعسكر مكرَم فأذن له ، واستأمن البريدىّ ،
وجاء ياقوت إلى المعسكر فنزل عند نهر جارود ، فظهرت الطَّلائع من عسكر أبى جعفر
الجمال ، وثبت ياقوت فى ألف رجل ، فأعيا مَنْ بإزائه وهم أضعاف عدّته ، وكادوا
ينهزمون، فظهر كمين البريدىّ فى ثلاثة آلاف رجل فَأَبْلَس(٣) ياقوت ، وقال:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم !
فرمى بنفسه من دابته ، وبقى بسراويل وقميص شيزى (٤)، وأوى إلى رباط يعرف
(١) فى تجارب الأمم ١: ٣٤٤: ((فذلوا))
(٢) تجارب الأمم ١: ٣٤٤: ((كنا بين الأسر والحمل إلى الحضرة وشهرت بها وأركبت الفيل)).
(٣) أبلس : سكت حيرة .
(٤) تجارب الأمم ١ : ٣٤٧: (( سينزى).
١
.

٣٠٣
سنة ٣٢٤
برباط الحسين بن زياد ، ولو دخله لجاز أن يسلم ، وجلَس وغطّى وجهه وجعل يسأل
ويُوهم أنه رجل من أرباب النعم متصدق(١) .
فركض إليه قوم من [ البربر من أصحاب ] (٢) البريدىّ، فَكَشَفُوا وجهه
وجزُّوا رأسه حين عرفوه ، وحملوه إلى الجمّال ، فأطلق طائراً إلى البريدى بالخبر ،
فأمر أن يُجْمع بَيْن رأسه وجثته ويُدفَن بالموضع الَّذِى قُتِل فيه ، ويعرف بين الساقيتيْن ،
ولم يجد له غير اثنى عشر ألف دينار ، ووُجد فى صناديقه كتب الحجرية إليه من
بغداد لیرشوه .
وأنفذ البريدى ابنَه المظفّر إلى الحضرة ، وكانت نفس أبى عبد الله البريدى
ضعيفة ، فقوّاها أخوه أبو يوسف حتى شهر نفسه بالعصيان .
وكانت نفقة مائدته فى كلِّ يوم ألف درهم ، وكان غلمانه خمسة ، وكسوته متوسطة .
ولم يتسرّ إلا بثلاث جوار ، ولم تكن له زوجة غير والدة ابنه أبى القاسم ، وكانت صِلاته
للجند خاصة ، ولم يُعْطِ شاعراً ولا طارقاً شيئاً .
وصادر أبو جعفر الكرخىّ ابن مقلة بعد مصادرة عبد الرحمن بن عيسى على مائة
ألف دينار. أدّى منها ابنُ قرابه عنه خمسة وأربعين ألف دينار ، ولم يُعد إليه الْعِوض.
وردَّ الوزير أبو جعفر الكرخى إلى أبى علىّ بن مقلة الإشراف على أعمال الضياع
والخراج لسِقِى الفرات ، وأجرى عليه فى كلّ شهر ألف دينار .
وقَبَض على أبى عبد الله محمد بن عبدوس الجِهْشيارى، وصادَره على مائتى ألف
دينار ، أدى منها مائة ألف .
وكان الكرخىّ غير ناهض بالوزارة ، وكان فيه إبطاء فى الكتابة والقراءة ، فلما
نَقَصت هيئته ، واحتفّ المطالبة له بالأموال ، وقد تغلّب الخوارج على الأعمال ،
فاستتر بعد ثلاثة أيام من تقلّده الوزارة ، وكان استتارُه يومَ الاثنين لثمانٍ خلوْن من شوال
فاستحضر الرّاضى أبا القاسم سليمان بن الحسن عاشر شوّال ، وخاطبه فى الوزارة ،
وخلع عليه ، فكان فى التجبّر مثل أبى جعفر ، فدفعت الرّضى الضرورة إلى أن راسل
أبا بكر بن رائق فى القدوم ، وتقلّد الإمارة ورئاسة الجيش ، وأن يخطب له على المنابر
(١) تجارب الأمم: ((مفتقر)).
(٢) من الكامل لابن الأثير ٦ : ٢٥٤.

٣٠٤
سنة ٣٢٤
[ وأن ](١) يُكَّى، وأنفذ إليه بالخلَع واللواء مع الْخَدَمْ(٢).
وانحدر إليه أصحابُ الدواوين وجميع قواد الساجيّة، فلمَّا حَصَلُوا بواسط ،
قَبَضَ على الحسن بن هارون وعلى الساجية ، وحَبَسهم فى المطامير ، ونهب رحالهم .
وخرج من بغداد منهم حين بلَغهم الخبرُ إلى الشام .
وأصعد ابنُ رائق إلى بغداد فى العشرين من ذى الحجة معه ◌َجْكَم والأتراك
والدَّيْلَم والقرامطة ، وضَرَب له الراضى مضرباً فى الحلبة ، ووصل إلى بغداد لخمٍ
بقين من ذى الحجة ، ووصل إلى الراضى ومعه تَجْكم ورؤساء أصحابه ، وصارتْ مرتبته
فوق الوزير ، وخَلَع عليه ، وصار فى الخِلَع إلى مضربه بالجلْبة ، وحُمِل إليه من دار
السلطان الطعام والشراب والفواكه .
وكانت الحجرية قد ضربوا الْخيم متوكلين بالدار ، وأمرهم بالانصراف ، فعطّل
أمر الوزارة .
ولم يكن إلى الوزير غير حضور المركب بالسَّواد والسَّيف والمنطقة .
وفى هذه السنة مَلَك أبو علىّ بن إلياس - وهو من الصُّغْد - كرمان وصَفَتْ له ،
وزالت المنازعات .
١
(١) من تجارب الأمم ١ : ٣٥١.
(٢) تجارب الأمم ١: ٣٥٠: ((وأنفذ إليه الخلع واللواء مع ماكرد الديلمى وخادم من خدم سمعثان ..
.

سنة ٣٢٥
٣٠٥
سنة خمس وعشرين وثلثمائة
انحدر ابنُ رائق مع الرّاضى لمراسلة البريدىّ فى عشرٍ من المحرم .
وكانتْ عدة الحجّاب فى دار السلطان أربعمائة وثمانين حاجباً ، فاقتصر ابنُ رائق
على ستين وأسقط الباقين ، وأسقط من الحجرية خلقًا، فحاربوه فَهَزَمَهم وأسرَ بعضَهم ،
وأَمَرَ صاحب شرطته لؤلؤْ بقبض أموالهم وإحراق دورهم ، وتقدّم بقتْل مَنْ حَبَسهم من
الساجيّة عنده .
وكان مدبّر أمر رائق أبا عبد الله النُّوبختى ، فاعتلّ بعد مصاحبته بثلاثة أشهر ،
فاستكتب مكانه أبا عبد الله الكوفىّ .
وقلِقِ البريديّ لمّا نزل الراضى وابن رائق بأذْبين، وراسَل بأن يحمِلَ فى كلّ
سنة ثلثمائة ألف وستين ألف دينار ، وأن يسلّم الجيشَ إلى جعفر بن ورقاء حتى يحملَهم
إلی فارس .
وكان أخوه أبو الحسين وأمّه ببغداد فانحدرا إلى واسط ، فخُلع عليهما وأحْدِرا
إليه .
ومضى مع جعفر بن ورقاء ، فلمّا لبس البريدى الخِلَع التى صحبت جعفرًا، وسارَ
بين يديه العسكر ، وكان لبسُه للخلع بجامع الأهواز ، فلمّا رأى طاعة الجند له ، أدهش
ذلك جعفرًا ، وولاهم البريدى عليه حتى طالبوه بالمال ، فاستجار جعفر بالبريدىّ حتى
أعاده إلى الحضرة .
وأصعد الرّاضى وابنُ رائق إلى بغداد . وكان المتولِّى للبصرة محمد بن يزداد .
واستوحش أبو الحسن بن عبد السّلام ، وأشار عليه بالتغلّب على البصرة ، فبنى
أبو عبد الله مائة قطعة من آلة الماء ، وأتاه أهلُ البصرة فى جمع عظيم للتهنئة بالولاية ،
فقرّبهم وأكرمهم ، وقال : قد اطلع ابن عبد السلام على نيتى الجميلة فيكم ، وأنى
قد أعددت آلة الماء ، أنفذ منها الجيوش لأحصِّن بلدكم من القرامطة ، وإنما ضمنت
البصرة من السلطان لظلم ابنِ رائق لكم .

٣٠٦
سنة ٣٢٥
وكان ابن رائق قد امتنع من إجابة أبى يوسف البريدى إلى ضمان البصرة ، وبَذَل
فيها أربعة آلاف ألف درهم ، وما زال به الكوفىّ وابن مقاتل حتى ضَمِنه إياها ، وقد
أَزَلْت عنكم يا أهل البصرة، الشّرطة والمآصير(١) والشرك(٢). وتحمّلت ذلك من مالى.
وكتب توقيعاً بخطّه برفعها عنهم - وسيبلغ ابنَ رائق فعلى بكم فيعادِينى ، وما أبالى ولو
عادانى إخوانى فى صلاحكم ، وإنى لأرجو المغفرة بإزالة الرسوم الجائرة عنكم ، وإن
عزم ابنُ رائق على ردّ ذلك. فأين السّواعد القويَّةَ والأكفّ التى حاربتْ علىّ
ابن أبى طالب عليه السلام. وما فكّرتُ فى مكاشفته ، فَمَتَّى رام ابنُ رائق ذلك ، فاضربوا
وجهَه بالسيف وأنا من ورائكم .
يا أهل البصرة ، لقد فشلتم ! أين يومُكم مع ابن الأشعث (٣؟ أين يومكم مع
إبراهيم ومحمد ابنىْ عبد اللّه بن حسن بن حسن ٣)، متى أخذكم ضيْم فصبرتُمْ! ثم
هذا عسكرى سائر معكم فلتكن آمالكم ممتدة وقلوبكم قوية .
ووقّع للنفقة على الجامع بألفى دينار ، ووقّع لهم بتخفيف معاملاتهم بألف ألف
درهم ، وانصرفوا وقد صاروا سيوة (٤).
وسَيَّر [ البريدى](٥) إقبالا غلامه، فى ألفى رجل ، وتقدم إليهم أن يقيموا بحصن
مهدىّ ، إلى أن يأتيهم إقبال ، واتّصل الخبر بابن يزداد فقامت قيامتُه .
ولما وصل الراضى وابنُ رائق إلى بغداد ، قلّد ابنُ رائق يَجْكم الشرطة ، وأنزله فى دار
محمد بن خلف النيرمانىّ على دِجْلة ، وقلّد القاضى أبا الحسين عمر بن محمد قضاءً
القضاة .
وأثبت ابن رائق من الحجرية ألفَىْ رجل ، وأمرهم بالمسير إلى الجبل ، فلما صاروا
بالنّهروان(٦)، أجمع رأيهم على المضىّ إلى الأهواز، فقبلهم البريدىّ وأضعف أرزاقهم ،
(١) المأصير: جمع مأصر؛ وهو سلسلة تمدّ على النهر لمنع السفن من المرور.
(٢) تجارب الأمم ١: ٢٦٤: ((والشوك)).
(٣ - ٣) كذا فى تجارب الأمم وهو الصواب، وفى الأصل: («أين يومكم مع إبراهيم بن محمد أبى عبد الله بن
حسن بن حسن )) .
(٤) فى الأصل: ((سيوفهم)) وما أثبته من تجارب الأمم ١ : ٣٦٥.
(٥) زيادة يقتضيها السياق .
(٦) فى الأصل: (( بالمزدان )» تحريف .

٣٠٧
سنة ٣٢٥
وأظهر للسلطان وابنٍ رائق، أنه لم تكن له قدرة بدفعهم [ واضطر لقبولهم](١).
وغلبتْ على الدّنيا الطوائف ، فصارت واسط والبصرة والأهواز فى يدى البريدىّ ،
وفارس فى يد على بن بويه ، وكِرْمان فى يد أبى علىّ بن إلياس ، والرّى وأصبهان والجبل
فى يد ركن الدولة أبى على بن بويه وَوَشْكَمير ، والموصل وديار ربيعة وديار بكر فى يد
بِى حَمْدان ، ومصر والشام فى يد محمد بن طُغْج، والمغرب وإفريقية فى يد أبى تميم(٢)،
والأندلس فى يدى الأموىّ (٣)، وخُراسان [ وما وراء النهر ](٤) فى يد نصر بن أحمد ،
وطَبَرَستان وجرجان فى يد الدَّلِم ، واليمامة والبحرين فى يد أبى طاهر الجنّابى .
ولم يبق فى يد الرّاضى وابن رائق غير السََّاد .
وكان بَدْرُ الخرشىّ بديار مصر ، فضاق مالُها عن رجاله ، فانحدر عنها ، وحصل
بهيت ، فقَصد تلك الديار سيف الدولة فغلّب عليها .
وقبض أبو عبد الله أحمد بن على الكوفى على أبى محمد بن شيرزاد . وصادره على
مائة وعشرين ألف دينار .
ووافى أبو طاهر القرمطى إلى الكوفة فخرج ابنُ رائق من بغداد ، لثلاث خَلَوْن
من جمادى الأولى . ونزل بستان ابن أبى الشوارب بالياسريّة ، وراسَل أبا طاهر وقّر
معه أن يحمل إليه فى كلّ سنة - إذا دخل فى الطاعة - طعاماً ومالاً قدره مائة وعشرون
ألف دينار، وسار أبو طاهر إلى بلده، وسار ابنُ رائق إلى واسط ، وقد جاهر البريدىَّ
بالخلاف .
وعزل الراضى سليمان بن الحسين عن وزارته ، وكانت مدّتها عشرة أشهر وثلاثة
أيام .
وأشار ابن رائق على الراضى باستيزار أبى الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات ،
وكان بالشام فاستقدمه واستعتبه .
(١) من تجارب الأمم ١ : ٣٦٦.
(٢) ابن كثير ١١: ١٨٤ ((فى يد القائم بأمر الله بن المهدى، وتلقب بأمير المؤمنين)).
(٣) ابن كثير: ((فى يد عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر الأموىّ)).
(٤) من ابن کثیر.

٣٠٨٠
سنة ٣٢٥
.. وزارة أبى الفتح بن الفرات للراضى بالله
كانت عند قدومه من الشام ، لستِّ خلوْن من شوال ، فقيل لابن مقلة: القه
فقالَ :
وإن کان قولك الا سدیدا
فقلت لهَا لا عَدَاكُ الصَّوَابُ.
على أن يُرَى خاضعاً مستزيدا
أمثلى تطاوعه نفسُه
وبلغ ابنَ رائق ما خاطب به البريدىُّ أهلَ البصرة ، فأتاهم الكوفىّ وقال له اكتب
إليه : إنّنى أنكرت قبولَك للحجرية، فإمّا رددتَّهم وإما طردتَهم ، وأمّا مَنْ أنفذْتُ
به من أصحابك إلى البصرة ، فإنما فعلت ذلك لحفظها من القرامطة ، وقد كُفينَا
أمَرَهم ونَفَذوا إلى بلادهم .
وكان قصد ابن رائق المغالطة ، وألاَّ يكاشفه بالعداوة .
فكان جواب البريدىّ ، إن أصحابه يتمسكون بالحجريّة لقربى بينهم ، وإنه وإن
أبعدهم أوحش للجميع ، لكنّه يقطع أرزاقهم حتى يتصرّفوا .
وكان أصحاب البريدىّ الذين أنفذهم مع إقبال غلامه ، قد وقعتْ بينهم وبين
أصحاب محمد بن يزداد وتكين الصغدى شُحْنة (١) البصرة [لحربهم ، فوقعت
بينهم ](٢) ، حرب بنهر الأمير ، انهزم فيها أصحابُ ابن رائق ، وانهزموا ثانية بسكرابان ،
على فراسخ من الآبّة .
ودخل إقبال البصرة ، وخرج عنها محمد بن يزداد ، سالكاً طريق البّ إلى الكوفة ،
وأصعِد منها تكين ونيال الصُّغْدى فى الماء إلى واسط .
وأنفذ ابنُ رائق - وقد عظم عنده الأمر - أبا عمرو والعاقولى برسالة البريدىّ،
تتضمن وعداً ووعيداً ، فكان جوابُه أنه لا يمكنه ردّ أصحابه عن البصرة لأن أهلها
قد تمسّکوا بهم .
ولكنِ البصريون قد استوحشوا من محمد بن يزداد ، لِمَا عاملهم به من سوء السيرة ،
(١) الشحنة : الجماعة يقيمها السلطان فى بلد لضبطه .
(٢) من تجارب الأمم ١ : ٣٦٩.
٠

٣٠٩
سنة ٣٢٥
فكانوا يظنّون عند البريدىّ خيراً ، فرأوا منه ما تمنّوا يوماً من أيام ابن رائق ، فاستدعى
ابن رائق بدْراً الخرشنى من هِيَت ، فخلَع عليه خلعاً سلطانية .
وعوّل ابن رائق على طرد الكوفىّ وقال : ظننت أنى أتَالَف به البريدىّ فحسْنى
من ذنوبه شؤمه عَلَىّ .
وعَوَّل على إعادة الحسين بن علىّ النُّوبحتى ، وقال : أوْجهُ شُفعائه عندى بركته
على دَوْلَتِى ، فقال ابن مقاتل: لا ذنب للكوفى فى هذا، ولا فائدة فى استعادة العحسين
ابن علىّ ، وهو سَقِيم طريح ، وأنت ذاكر قولى لك : احفظ البصرة ، فقلت إن تكين
ونيال لَیحفظانِها .
فأحضر الكوفىّ ، واستخلفه على موالاته ومعاداة البريدىّ .
وخلع ابنُ رائق على بَجْكم، وسيَّره وأنفذ بعده بدراً الخرشنىّ إلى الأهواز ، وأنفذ
معهما ابن أبى عدنان الراسبى مشيراً ودليلاً ، وأمر أحمد بن نصر القشورىّ بالمقام
بالجامدة ، وأمر بَحْكم أن يسير إلى البصرة ، فیصیِّر البريدىّ بينه وبين بدر.
وبادَرَ بَحْكم ولم ينتظر بدراً، وسار فى ثلثمائة غلام أتراكاً ، فلقيه أبو جعفر الجمال
فى عشرة آلاف رجل بأتَمّ آلَةٍ وأكمل سلاح ، فانهزموا من بين يدى بَجْكم .
وأراد أن ينفرد بالفتح دون بَدْر ، فلمّا أتى أبو جعفر البريدىّ قام فلكمه وقال :
ظنَنْتُ أنك تحارب ياقوتاً ، وقد أدبر بلقاء الأتراك بسودان باب عمّار والمولّدين ،
وضمّ إليه ثلاثة آلاف . فقال أبو جعفر : قد تمكنتْ هيبةُ الأتراك فى قلوب أصحابنا ،
وستعلم حالهم .
فطرح بَحْكم نفسَه فى الماء بُتُسْتَر ، فانهزم أصحاب البريدىّ بغير قتال ، فخرج
أبو عبد اللّه ومعه أخوه فى طيَّار، وحملوا معهم ثلثمائة ألف دينار ، كانت فى خزانتهم ،
فغرقوا بالَّهْرَ وَان (١) فأخرجهم الْغَوَاصون، وأخرج لبجْكَم بعضُ المال ، فقال أبو عبد اللّه:
والله ما نجونا بصالح أعمالنا من الغرق، ولكن لصاعقةٍ يُريدها اللّه تعالى بهذه الدنيا،
وقال له أخوه أبو يوسف : ويحك ! ما تدع التّطايُب فى كلّ حال . ودخل بَجْكم
الأهواز وكتب ابنُ رائق بالفتح .
(١) فى الأصل: بالهندوان، وصوابه من تجارب الأمم ١ : ٣٧١.

٣١٠
سنة ٣٢٥
ولما وصل أبو عبد اللّه إلى الآبّة ومعه أخواه)، أنفذ إقبالا غلامَه إلى مطارة(١)، وأقام
هو وأخواه فى طَيَّاراتهم ، وأعدُّوا ثلاثة مراكب للهَرب خوفاً من أن تتمّ على إقبال من
عسكر الجامدة بمطايا ما تمّ على أبى جعفر بالسُّوس .
فأخرج البريدىّ أبا الحسين بن عبد السلام لمعاضدة إقبال ، فانهزم أصحابُ
ابن رائق ومتقدّمهم أحمد بن نصر القشورىّ ، وأُسرَ برغوت غلام ابنِ رائق ، فأطلقه
البريدىّ وكتب معه كتاباً يستعطف فيه ابنَ رائق .
ودخل البريديون البصرة ، فاطمأنُّوا، ولم يمكن بَجْكم أن يسير إلى البصرة لخلوّها
من آلة الماء .
وعاد بدر الخرشنى إلى واسط ، فأنفذه ابنُ رائق فى الطيّارات إلى البصرة للحرب .
وأنفذ أبا العباس أحمد بن خاقان إلى المذار ، فلقيه أصحاب البريدىّ فأسروه
وحملوه إليه ، فأطلقه واستحلفه ألاّ يعود إلى حر به .
فلما اتصلت الهزيمة بابن رائق ، سار من واسط إلى البصرة على الظّهر للنصف
من شوال ، وكتب إلى بَحْكم أن يلحق به (٢) بعسكر أبى جعفر. وأنفذ بدراً إلى ابن عمر
وأنفذ البريدىّ غلامه إقبالا بواسط، فحصل بدر فى الكلا(٣) وحصل إقبال بالرّصافة.
ولما مَلَك بدْر الْكَلأ هرب البريدىّ إلى جزيرة أوال ، وخرج الجند والعامّة لدفع بدر.
ووافَى ابنُ رائق وبجْكم إلى عسكر أبى جعفر ضحوة النهار من يوم ورود بَدْرٍ
الكلأ، وعبر ابن رائق وبجْكم دجلَة البصرة ، وتبعهما أحمد بن نصر ، فرأوا من العامة
ما بهرهم، حتَّى رجموا طيار أحمد فغرّقوه .
وهرب أبو عبد الله من جزيرة أوال إلى فارس ، واستجار بعماد الدولة فأنفذ معه أخاه
معزّ الدولة .
ووردت الأخبار بذلك ، فتقدم ابن رائق إلى بَحْكم بالانصراف إلى الأهواز
ليحميَها ، فقال: لستُ أحارب الدَّيْلِم إلا بعد أن تحصل لى إمارة الأهواز ، فضمنَه
إياها بمائة وثلاثين ألف دينار محمولة ، وأقطعه أَقطاعاً بخمسين ألف دينار ونفذ .
( ١) مطارة. من قرى الطائف ، ذكره ياقوت
(٢) تجارب الأمم ١: ٣٧٢: ((إلى عسكر))
(٣) الكلأ : مرفأ للسفن بالبصرة .

٣١١
سنة ٣٢٥
· ومن عجيب الاتفاق أن طاهراً الجبلىّ قصد ابنَ رائق إلى واسط مستأمناً ، فلم
يجده ، فانحدر إليه إلى عسكر أبى جعفر ، فتلقّاه كتابُ جاريته وابنه أنهما حصلا
فى يد أبى عبد الله البريديّ بفارس فأكرمهما.
فعند ذلك ، سارَ طاهر فى مائتى رجل ، وتَبعه عسكر البريدىّ فى الماء ، فانهزم
بدر إلى واسط ، وانهزم ابنُ رائق إلى الأهواز ، فأشير على يحكم بالقبض عليه فلم يفعل ،
وأقام عنده مكرّما ، حتَّى وافاه فاتك غلامه من واسط ، فرجع معه إليها ، وخلّف
بَحَكم بالأهواز ، وخلّف أبو عبد الله البريدى عند عماد الدولة ابنَه أبا الحسين محمدا،
وأبا جعفر الفيّاض رهينةً، وسار مع أبى الحسين معزّ الدولة إلى الأهواز. فلما نَزَلُوا
أرجان ، خرج بحكم لحربهم فعاد بعد ثلاثة أيام منهزماً ، وسبب انهزامه أنّ المطر انَّصل
أياماً كثيرة ، فمنع الأتراك أن يرمُوا بالنّشاب ، فعاد بَحْكم وقطع قنطرة نهر أرْبق ورَّب
عليها جماعة ، فكانت المنازلة بين معزِّ الدولة وبينهم ثلاثَةُ عشر يوماً . وعَبَرَ معز الدولة
فى خمسة نفر فى سميرية ، فهزَمِ مَنْ كان هناك من أصحاب بجْكم ، فعند ذلك قبض
يحكم على وجوه أهل الأهواز، فيهم ابن أبى علاَّن ويحيى بن سعيد السُّوسى، وسار
بعسكره إلى واسط ، وكاتب ابن رائق وهو بها ، إن كان عنده مائة ألف دينار يفرّقها
فى عسكره ، فالوجْهُ أن يقيم ، وإلاّ فالصواب أن يصعد إلى بغداد .
فعند ذلك أصعد ، وطالب بَجْكم حين دخل واسطاً مَن اعتقله من أهل الأهواز
بخمسين ألف دينار ، فقال أبو زكريا يحيى بن سعيد السُّوسِى: أردتُ، أن أخبُر ما
فى نفسه من طلب العراق ، فراسلتُه على لسان المؤكّل بى: أيها الأمير أنت طالبٌ
للملك ، معوّل على خدمة الخلافة ، تطالب قوماً منكرين(١) فى بلاد غربة ، ولقد
حُمِّىَ فى أمسنا طست ، وجُعل على بطن سهل بن قطين اليهودىّ ، أفما تعلم أنه إذا سمع
هذا عنك أوحش الأباعد منك ! وما تذكر إنكارك على ابن رائق إيحاشَه أهل البصرة
وأهل بغداد ، وقد حملت نفسك على مثل ما كان يعمل مزداويج بأهل الجبل وبغداد ،
هى دار الخلافة لا تحتمل هذه الأخلاق .
فلمَّا سمِع بهذا الكلام رَقّ وأمر بحلّ قيودنا ، واستعقل يحيى بن سعيد السَّوسى
وأطلقه ، فشفع فى الباقين ، وكان طاهر الجبلى قد فارقَ الأمير عماد الدولة بأرجان ،
(١) تجارب الأمم ١: ٣٧٩: ((منكوبين)).

٣١٢
سسنة ٣٢٥
فكتب إلى أخيه معزّ الدولة أن يطالب أبا عبد الله البريدىّ ، فكتب البريدىّ إلى أخيه
أبى يوسف ، بالْقَبْض عليه وإنفاذه إلى فارس ففعل ذلك .
ووصل معزّ الدولة الأهواز، ونزل البريدىّ دار أبى علىّ المسروقان، ووافاه أهلُ
الأهواز داعين مهنئين ، وكان [ البريدى] (١) يحمى الرّبع ، فدخل عليه يوحنا الطبيب
وكان حاذقاً ، فقال له : ما تشير علىّ ؟ قال أن تخلِّط - وعنى بذلك فى المأكولات -
لتُرمَى بالأخلاط ، فقال: أعظم مما خلّطت يا أبا زكريا لا يكون، قد أرهجت (٢)
ما بين فارس والحضرة، فإن أقنعك هذا، وإلّ ملت إلى الجانب الآخر ، وأرهجتها إلى
خراسان .
٠
وسَبَّب معز الدولة على البريدىّ بعد أن أقام معه خمسة وثلاثين يوماً بخمسة آلاف
ألف درهم ، بإحضار عسكره لينفذهم إلى الأمير ركن الدّولة بأصبهان ، فأحضر أربعة
آلاف رجل، وقال [ لمعز الدولة )(١): إن أقاموا بالأهواز جرى بينهم وبين الديلم فتنة ،
والوجه أن أنفذهم مع صاحبى أبى جعفر الجمال المسوس ، فأمره بذلك ثم طالبه أن
يحضر رجال الماه إلى حصن مهدىّ ، ليشاهدهم ، فينفذهم إلى واسط . فاستوحش
البريدىّ وقال: هكذا عملت بياقوت ، فلو لم أتعلّم إلاّ من قصَتى لكفانى ..
وكان الدّيلم يهينونه ويزعجونه من منامه وهو محموم ، وكان الأمير أبو الحسين
ابن بویه یکرمه وأبو علىالعارض الکاتب یجلس بين يديه ويخاطبه بسيدنا .
فأما بقية القواد من الديلم فكان عندهم بمنزلة دنيّة ..
وهرب البريدى [ من ابن بويه ](١) فى الماء إلى الباسيان (٣)، وتبعه جيشه، وكاتبه
البريدىّ أنه يضمن منه الأهواز فى كلِّ سنة بثمانية عشر ألف ألف درهم ، فأجابه
الأمير أبو الحسين إلى هذا .. وراسله البريدىّ بالقاضى أبى القاسم التّنُوخى وأبى علىّ
العارض : إنَّ نفسَه لا تطيب بقرب داره منه .
واستقرّ الأمر أن يحمل إلى معزّ الدولة ثلاثين ألف دينار لنفقة الطريق ، فأجاب.
إلى ذلك معزّ الدولة ، فأنفذ البريدىّ منها ستة عشر ألفاً مع التنوخىّ ، فاحتبسه معزّ
الدولة على الباقى ثم أطلقه، وقال دلان للأمير أبى الحسين وهو كاتب جيش معزّ
(١٠١) زيادة من الكامل ٦ : ٢٦٣.
(٢) تجارب الأمم: ((وأرهجت)).
(٣) الباسيان : قرية بخورستان
١

٣١٣
سنة ٣٢٥
الدولة ، وكان الصيمرى من أتباعه ، فقال : إن البريدىّ قد سلك معك طريقته مع
ياقوت . وغرضه إبعادك إلى السُّوس .
واستحكمت الوحشة بين معزّ الدولة والبريدىّ، وأنفذ بحكم قائداً من قواده
فى ألفى رجلٍ من الأكراد والأعراب ، فغلبوا على السُّوس وجُنْديسابور
وأقام البريدى ببنات أدر ، غالباً على أسافل الأهواز ، وبقى معز الدولة لا يملك
غير عسكر مُكرَم ، وقد احتاط به الأعداء من كل جانب ، واضطرب عسكره وفارقوه
حتى أتْبعهم وترضّاهم، وكاتب عماد الدولة بالصورة . فأنفذ إليه قائدا من قواده(١) وكان
شجاعاً ، فى ثلثمائة ديلمىّ ، وخمسمائة ألف درهم .
وكان أبو على العارض معتقلا بين يدى البريدىّ ، واتّهم معز الدولة أنه واطأه
على ما فعله ، وكان يُبغض العارض لأنه شاهده وزير ما كان الديلمىّ ، وكان يَجْكم
مملوكه ، فطلبَه منه ما كان صاحبه ، فأهداه إليه .
فعند وصول الرّجال والمال، أنفذ معزّ الدولة الصيمرىّ إلى السّوس عاملاً عليها ،
وأنفذ ثلثمائة رجل إلى بنات أدر ، فهرب البريدىّ إلى البصرة ، فحصلت الأهواز بيد
الأمير أبى الحسين ، وحصل البريدىّ بالبصرة، واستقرّ بَجْكم بواسط وأقام. ابن رائق
ببغداد ، وهو الذى وضع المآصير ببغداد ، وما كانت سمعتْ بالضرائب من قبله .
وحكى بحكم ، أن ابن مقاتل قال لابن رائق : أخطأت حين قلّدْتَ بَحْكم الأهواز ،
لأنه إذا حصل بها نازَعك فى أمرك ، وقد عرفت منازعةَ البريدىّ لك ، وهم أصحاب
دراريع ، قال : بلغنى ذلك، فأخذتُ معى عشرة آلاف دينار ، وجئتُه ليلاً وقد نام
النّاسُ ، فقلت فى مهمٌّ لم يعلم به أحد ، ولولا أنّ التّرجمان محمد بن نيال يخبر عنِّى
ما استصحبتُه ، وقد توقّف الأمير عن تقليدى للأهواز ، وأسألك أن تأخذ هذه العشرة
آلاف دينار، وتُمْضِى عزمه فيما نواه .
فلمّا رأى الدنانیر مال إليها ، وكان ذلك سبب ولایتی .
(١) كذا فى تجارب الأمم، وفى الأصل: ((الساربان))
·

٣١٤
سنة ٣٢٦
سنة ست وعشرين وثلثمائة
لمّا ورد ابنُ رائق بغداد، أطمعه الوزير أبو الفضل فى أموال مصر والشام ، وزوَّج
ابنَه أبا القاسم بابنة ابن رائق ، وزوّج ابنُ رائق ابنَه بابنة طُغْج .
وخرج الوزير أبو الفضل إلى الشام ، واستخلف بالحضرة أبا بكر البقرىّ ،
فلما بلغَ هِيت ضَعُف أمُرُه ، وَقَوِىَ أمُرُ أبى عبد اللّه الكوفىّ، وقُلُّد ابن رائق أعمال
الأهواز ، فدعاه بحكم إلى كتابته فأجابه .
وَسَفَر أبو جعفر بن شيرزاد فى الصَّلح بين ابن رائق والبريدىّ وأخذ خَطّ الراضى
بالرّضا عنهم، وقُطِعت لهم الخِلَع ، على أن يقيموا الخطبة بالبصرة لابن رائق ، وأن
يَفْتَحوا الأهواز وأن يحملوا ثلاثين ألف دينار ، وأُطلقت ضياعُهم بالحضرة . وبلغ
ذلك بحْكم فجزع لهذا الصلح .
وأشار عليه يَحْبِى بن سَعيد السّوسى ، بحرب البريدىّ ، فأنفذ إليه البريدىّ
أبا جعفر الجمّال، فالتقيا بشابرزَان (١). فانهزمَ الجمّال، وأنفذ يعاتب البريدىّ ويقول
له : جَنّيْتَ على نفسك باستجلاب الدّيْلم أولاً ، وبمظافرة ابن رائق ثانياً ، وأنا أعاهدك
أن أولِّك وسطا إذا ملكت الحضْرة، فسجد البريدى لمّا بلغته رسالته شكراً لله تعالى ،
ووصل رسولَه بثلاثة آلاف دينار ، وحلَف بمحضر من القاضى أبى القاسم التنوخى
والقاضى أبى القاسم بن عبد الواحد بالوفاء لبجكم .
وكان ابنُ مقلة يسأل ابنَ مقاتل والكوفىّ فى ردّ ضياعه ، فيمطلونه ، فكتب إلى
يَحْكم وإلى أخى مزداويج يُطْمِعُهما فى الحضرة ، وكاتب الراضى باللّه يُشير بالقبض
على ابنٍ رائق ، وتولية بَحْكم ، وكتب إلى بحكم أنّ الراضى قد استجاب لذلك .
وظنّ ابنُ مقلة أنه قد توثَّقَ من الراضى ، وبذل له استخراجَ ثلاثة آلاف ألف
دينار ، إنّ قلّده الوزارة ، فوافقه على أن ينحدر إليه سرًّا، إلى أن يتم التدبير على ابن
رائق ، فركب من داره فى سوق العطش فى طَيّلسان، وسار إلى الأَزَج بباب البستان ،
(١) تجارب الأمم ١: ٣٨٤: ((بناحية الدرمكان)).
.
٠
٠
١

سنة ٣٢٦
٣١٥
فانحدر فى سميريّة (١) ليلة الاثنين لليلة بقيت من شهر رمضان، وتعمّد تلك الليلة
أن يكون القمر تحت الشعاع ، وذلك يُختار للأمور المستورة .
فلمَّا وصل إلى دار السلطان ، لم يصله الراضى واعتقله فى حجرة ، وبَعَث
بأبى الحسن سعيد بن سنجلا إلى ابن رائق وأخبره بما جرى ، وأظهر للناس حاله
رابع عشر شوّال ، واستفتَى الفقهاء فى حاله ، وعَّفهم ما كاتب به بحكم ، فيقال
إنّ القاضى أبا الحسين عمر بن محمد أفتى بقطع يدِه ، لأنه سعى فى الأرض فساداً ،
فأمر الرّاضى بإخراجه إلى دهليز التّسعينى ، وحضر فاتك حاجب ابن رائق والقوّاد ،
فقُطِعت يده اليمنى ، وردّ إلى محبسه من دار السلطان ، وأمر الراضى بمداواته ، فكان
ينوح على بده ويقول : يدٌ قد خدمتُ بها الخلفاء ثلاث دفعات ، وَكُتِب بها القرآن
دَفْعتين ، تُقْطَع كما تقطع أيدى اللصوص! ثم قال : إن المحنة قد تشبّئَتْ بِى(٢)
وهى تُؤدّينى إلى التلف وتمثَّل :
إذا مَا ماتَ بعضُك فابِك بعضاً فإنّ الشيءَ من بعضِ قريبُ (٣)
وقُطِع لسانه لَمّا قُب بحكم الحضرة ، ومات فدفن فى دار(٤) السلطان ، ثم
طلبه أهله فُنُبِش وسلِم إليهم ، نبشتْه زوجتُه الدينارية فدفنتْه بدارها بغلّة صافى ، فَنُبِش
بعد موته ثلاث دَفَعاتٍ فهذا عجب .
ومن العجائب أنه (٥) وزر لثلاث خلفاء، وابن الفرات وَزَر لخليفةٍ واحد ثلاث
دفعات ، وابن مقلةَ وَزَرَ ثلاث دفعات لثلاث خلفاء ، ودفِن بعد موته ثلاث دَفَنات .
(١) السميرية : نوع من السفن .
(٢) كذا فى تجارب الأمم ١: ٣٨٨، وفى الأصل: (( تشبهت)).
(٣) للخريمى. الشعر والشعراء : ٨٥٥.
(٤) فى تجارب الأمم ١: ٣٩١: ((ولما قرب يحكم من بغداد نقل من ذلك الموضع إلى موضع أغمض منه
فلم يوقف له على خبر ومنعت من الدخول إليه )» .
(٥) من المنتظم ٦. ١١٠ وموضعها عبارة غامضة.
١

٣١٦
سنة ٣٢٧
وصول بجكم إلى الحضرة وتفرّده بالإمْرة
ولمَّا وافى بَحْكَمْ دَيَالِ . انهزم ابنُ رائق بعد أن فتح من الَّهْروان بَثْقًا إلى ديالى
ليكثر ماؤه ، فعبَر أصحابُه سباحةً، وصار ابْنُ رائق إلى عُكْبَرا ، واستتر الكوفىّ وابنُ
مقاتل .
ووصل بَحْكم إلى الراضى ثانى عشر ذى القعدة ، فخلَع عليه والطالع العقرب ،
وسار بالخلع إلی مضربه بدیالی ، وانفضّ جیشُ ابنٍ رائق عنه ، فدخل بغداد واستتر.
وخلع على بَجْكم دفعتين بعد ذلك ، ومضى إلى دار مؤنس بسوق الثلاثاء ، وهى الّتى
كان ينزلها ابنُ رائق فَتَزلها .
فكانتْ إمارة ابن رائق سنة وعشرة أشهر وستة عشر يوماً ، ومدّة كتابة الكوفى له
وتدبيره المملكة تسعة عشر شهراً وثمانية أيام .
قال أبو سعيد السّوسى: قال لى بَحْكم بحضرة أصحابه : معى خمسون ألف دينار
لا أحتاج إليها ، فلمّا کان بعد ذلك قال لى : تَدْرِی کم کان معی ذلك اليوم ؟ قلت :
لا ، قال : كان معى خمسون ألف درهم ، فقلت : أتراك لم تثق بى فكنتَ تطلعنى
على الحالِ ! فقال : لو أطلعتك ضعفتْ نفسُك وضعُف كلامك ، وعوّلت عليك
فی رسالة ، فعجبتُ من دهائه .
ومات أبو عبد الله النُّوبحتى بعلّة السّل.
وظفِرِ الرّاضى بأبى عبد الله الكوفىّ ، فسأله فيه أبو الحسن سعيد بن سنجلا حتى
صادره على أربعين ألف دينار.
وأقرّ الراضى الوزيرَ أبا الفتح على الوزارة وهو بمصر.
وفى شهر رمضان أنفذ ملك الروم كتاباً بالرومية يتضمّن سؤال الراضى الفداء ،
وكانتِ الترجمة بالعربية مكتوبةً بالفضة ، وأنفذ مع الكتاب هديّةً جليلة ، فأجاب
ابن ثوابة عن الكتاب ، وفى آخره : وقد أسعفكم أمير المؤمنين بما أحببتم من هديّتكم وردّ
الرسائل بما سنح من مروءتكم ، صيانةً لكم عن الاحتشام ، ورفعاً عندكم من الاغتنام .
وخاطَبه ملك الروم بالشريف البهىّ ضابط سلطان المسلمين ، وخاطبهم الرّاضى
برؤساء الروم.
أ
٠

سنة ٣٢٦
٣١٧
سنة سبع وعشرين وثلثمائة
وأخر الحسن بن عبد الله بن حمدان مال ضمان الموصل ، فصار الراضى إلى
تَكْريت ، وأنفذَ بَحْكم إلى الموصل ، فلقيه زَواريقُ فيها هديّة ابن حمدان ، فأخذها
بَحْكم، وعَبر فيها جيشه إلى الجانب الغربىّ، وسار فالتقى هو وابن حمدان بالكُحَيَل (١)،
فانهزم أصحاب بَجْكم واستُؤسر أبو حامد الطالقانى، ثم حمل بَحْكمْ بنفسه على
ابن حمدان حملةَ صادقة ، فانهزم ابن حمدان رابع المحرّم ومضى إلى آمِد ، وأتبعه بَجْكم
إلى نصيبين ، فسار حينئذ الراضى فى المساء إلى الموصل ، وانصرف عنه منْ تَكُريت
القرامطة ، الّذين تبعوه إلى بغداد مغضَبين لتأخر أرزاقهم ، فظهر ابن رائق (٢) وانضمُّوا
إليه .
وكتب الراضى حين بلغتْه الصورة إلى بحكم ، فاستخلف على أصحابه ، وجاء إلى
الموصل ، فجرى بين أصحابه وبين أهلها فتنة ، فركب ووضع فيها السيف ، وأحرق
مواضع فى البلد .
ورجع الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى نصيبين ، وانصرف عنها من خلّفه بَحْكم
بها ، فأخذ أصحاب بَحْكم يتسلّلون من الموصل إلى بغداد ، وينضمَّون إلى ابن رائق ،
فزاد فى قلق بحكم ، ولم يعرف ذلك ابن حمدان ، فأطلق أبا حامد الطالقانيّ ، وسأله أن
يسعى فى الصّلح ، وبذل له ألف ألف درهم فاستأذن بَحْكم الراضى فى ذلك ، فأذن له
فى إمضائه ، فردّ الطالقانى وأبا الحسين بن أبى الشوارب ، وأنفذ معهما باللواء والخِلَع .
وصاهر بحكم أبا محمد بن حمدان .
وأنفذ ابن رائق أبا جعفر بن شيرزاد إلى يَحْكم يلتمس الصُّلح .
وانحدر الراضى وَتَجْكم إلى بغداد ، بعد أن راسلا ابنَ رائق بقاضى القضاة
أبى الحسين (٣)، فى تمام الصّلح، وولُّوه طريقَ الفرات وجنديسابور وديار مُضَر
(١ ) الكحيل : مدينة على دجلة . ياقوت.
(٢) الكاملى ٦: ٢٩٦: ((فظهر من استتاره)).
(٣) فى الكامل ٦ : ٢٧٩: ((أبو الحسين عمر بن محمد)).

1
٣١٨
سنة ٣٢٧
والعواصم ، فسار إليها قبل وصولهم .
وبَلَغ الراضىَ أنّ عبد الصمد بن المكتفى راسل ابنَ رائق أن يتقلّد الخلافة ، فقبض
عليه ، ويقال قتله .
وفى جمادى (١) مات الوزير أبو الفتح بن جعفر بن الفرات بالرَّمْلة ، ودُفِن هناك.
وشرع ابنُ شيرزاد فى الصلح ، بين بَجْكم والبريدى [ ثم ضمِن البريدى](٢) أعمال
واسط بستمائة ألف دينار.
وزارة البريدىّ أبى عبد الله للراضى بالله
فلمّا مات أبو الفتح ، شرع ابن شيرزاد للبريدىّ فى الوزارة ، فأنفذ إليه الراضى
بقاضی القضاة أبی الحسین فامتنع من تقلّدها ، ثم استجاب لذلك ، ووليها فی رجب ،
وخَلُفه أبو بكر محمد بن علىّ البقرى بالحضرة ، كما كان ابن الفرات .
ولما تقلد البريدى الوزارة ، قال فيه أبو الفرج الأصفهانى قصيدة أولها :
قد تولى الوزارةَ ابن البِرِيدِی (٢)
یا سماء اسقطی ویا أرضُ میدی
جلَّ خطبٌ وجلّ أمُرُ عضال وبداءٍ أشاب رأسَ الوليد (٣)
هُدَّ ركنُ الإسلامِ وانهتك الْمُذْ ك ومُخَّتْ آثاره فهو مُودِى
أخلقت بهجة الزمان كما أخلق طولُ الزمانِ وَشْىَ البُرُود
وغليلى وقلبيَ المعمود
يا لقَومى لِحرِّ صدرى وعَوْلى
فى البريدىّ فى ثيابٍ سود
حین سار الخمیسُ یوم خميس
إذا عَلَتْه بِذِلَّةٍ. وهُود
سُوَدَتْ أوْجُهُ الورى وعلّتْهُمْ
واعتماداً منه بغير عَمِيد
قد حَبَاه بها الإمام اصطفاءً
عَقْدُه حَلَّ عُرْوَةَ الْمَعْقُودِ
خِلَجٌ تَحْلَعُ العُلا ولواءٌ
كان أوْلى منْ لبسه خلع الملك بغُلِّ يسودُه وقيودٍ
(١) كذا فى الأصل .
(٢) من الكامل ٦ : ٢٧٠.
(٣) أشاب الرجل : شاب ولده .

٣١٩
سنة ٣٢٧
وهى قصيدة طويلة آخرها :
محو رَسْمِ الإسلامِ والتَّوْحِيدِ
فى سبيل الإسلامِ خيرُ سبيلٍ
بوليدٍ لا يُرَغْ لِفَقِيد
لا يُسَرَّنَ غافلٌ بعد هذا
وقليلٌ أن تَذْرِفِى وَجُودِى
فاستهلى يا عين بالدمع سحًا
وحُكى أنّ البريدىّ أبو عبد الله قال لنُدمائه: مَنْ فيكم يحفظ قصيدة الأصفهانىّ
التى هجانى بها؟ فأنكُرُوا مع معرفتها ، فقال: بحقِّى عليكم أنشِدونى إيّاها. فقال
أحدهم: أمَّا مَعَ قَسَمِك فنعم. فلما بلَغ إلى قَوْلهِ(١) .
وكان أحد قواد بحكم إبراهيم بن أحمد أخو نصر بن أحمد ، صاحب خُراسان فقلّده
يحكم الشّرطة ببغداد .
وعمل إبراهيم لبحكم دَعْوةً ، جمع طباخى دار الخلافةِ لها ، وأنّفق فيها زيادةً على
عشرين ألف دينار.
(١) بعدها بياض بالأصل.

٣٢٠
سنة ٣٢٨
سنة ثمان وعشرين وثلثمائة
فى مستهل المحرم ورد خبر ، بأن أبا الحسن على بن عبد الله بن حمدان ، أوْقع
بالدُّمستق وهَزَمه .
وفى آخرِه تزوج بحكم سارة ، بنت الوزير أبى عبد الله البريدىّ ، بحضرة الراضى ،
والصَّداق مائة ألف درهم .
وكان جيشُ البريدىّ قد قَتَل قائديْن من الدّيْلِم ، فاستنجد معزّ الدولة ، أخاه
ركن المدولة ، وكان مقيماً بإصطخر ، فأتاه طاوياً للمنازل ، فوصل إلى واسط فى عشرة
أيام ، والبريدى مقيمُ بغربيها ، فانحدر لحر به بجْكم مع الراضى ، فانصرف عنها ، ومضى
من فوره إلى أصبهان ففتحها . فعاد عند مضيّه الراضى وَبَحْكم إلى بغداد .
وفى رجب ، ڤُتِل طريف السبكرىّ بطرسوس .
وفى شعبان تُوُقِىَ قاضى القضاة أبو الحسين ، فتوسط أبو عبد الله بن أبى موسى الهاشمى
أمر ابنه أبى نصر، على عشرين ألف دينار، حتى وُّ مكانه .
روى الخطيب عن القاضى أبى الطيب قال : سمعت أبا الفرج المعاقى بن زكريا
الجريرى يقول : كنت أحضر مجلس أبى الحسين بن أبى عمر يوم النظر، فحضرْت أنا
وأهل العلم ، فدخل أعرابىٌّ له حاجة ، فجلس فجاء غراب فقعد على تَحْلةٍ فى الدار ،
وصاح وطار، فقال الأعرابى : هذا الغراب يقول : إن صاحب هذه الدار ، يموت بعد
سبعة أيام، وقال: فصِحْنا عليه، وزَبرْناه ، فقام وانصرف .
واحتبس خروجُ أبى الحسين ، فإذا به قد خرج إلينا الغلام وقال : القاضى
يستدعيكم ، فقمنا فدخلنا ، فإذا به متغيّر اللون منكسف البال مغتمّ ، فقال : اعلموا
آتى أحدثكم بشىء قد شَغَل قلبى ، وهو أنى رأيت البارحة فى المنام شخصاً وهو يقول :
منازلَ آل حَمَّاد بن زيد على أهلِيك والنّعمِ السَّلامُ
وقد ضاق صدرى ، فدعوْنا له وانصرفنا ، فلما كان فى اليوم السابع من ذلك اليوم
دُفِن رحمه الله .
٠