Indexed OCR Text
Pages 141-160
شئة ٣١٩ وانصرف إلى داره ، واستقرّ فيها (١) فأمر الخليفة بحفظها وصيانتها . وكان أبو الجمال الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب يَسْعِى دَهْرَه فى طلب الوزارة ، ويتقرّب إلى مؤنس وحاشيته ويصانعهم حتى جاز عندهم ، وملأ عيونهم ، وكان يتقرّب إلى النصارى الكتّاب بأن يقول لهم: إنّ أهلى منكم وأجدادى من كباركم، وإن صليباً سقط من يد عبيد الله بن سليمان جدّه فى أيام المعتصد . فلما رآه الناس، قال : هذا شىء تتبرك به عجائزنا، فتجعله فى ثيابنا من حيث لا نعلم ، تقرباً إليهم بهذا وشبهه ، يعنى إلى مؤنس وأصحابه .... وقّد الوزارة يوم السبت سلخ شهر رمضان وخلع عليه فى هذا اليوم، ورکب فى خلعه وسائر القواد والنّاس على طبقاتهم معه وأخذه بوله فى الطريق، فنزل وهو فى خلع الخليفة إلى دار محمد بن فتح السعدى قبال عنده ، وأمر له بزيادة فى رزقه ونزله ، وركب منها إلى داره . ولسبع بقين من شوال أخرج علىّ بن عيسى إلى ديرقٌنًا .. وفيه قرئت كتب فى جامع الرّضافة بما فتحه الله لثمل بطرسوس فى البرّ والبحر. وفيه خُلع على أبى العباس أحمد بن كيغلغ وطوّق وسور ، وعقد لابن الخال على أعمال فارس ، ولياقوت على أصبهان ، ولابنه محمد على الجبل ، وأخرجت إليهما الخلع للولاية .. وفى شوّال من هذه السنة خلع على الوزير عميد الدولة وابن ولىّ الدولة الحسين بن القاسم لمنادمة المقتدر . وفى يوم الجمعة لخمس بَقينَ منه ظهرت فى السماء فيما يلى القبلة من مدينه السلام حمرة نارية شديدة لم يُرَمثلها ، وصلّى فى هذا النهار الوزير عميد الدولة وابن ولىّ الدولة الحسين بن القاسم ، فى مسجد الرّصافة ، وعليه شاشيّة وسيف بحمائل ، فعجب الناس منه . وَحَجّ بالناس فى هذه السنة جعفر بن علىّ الهاشمىّ من أهل مكة المعروف برقطة خليفة لأبى حفص عمر بن الحسن بن عبد العزيز . (١) فى الفخرى ٢٤٢: ((انقطع بداره وأغلق بابه، فكانت وزارته مدة شهرين)). 1 ١٤٢ سنة ٣٢٠ ثم دخلت سنة عشرين وثلثمائة ذكر ما دار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس فيها خالف(١) مؤنس المظفّر على المقتدر ، وخرج من بغداد إلى الموصل ، ثم . خلعه بعد ذلك وقتله ، وكان السبب فى ذلك أن مؤنساً لما أبعد ياقوتاً وولده عن الحجابة ، وأخرجهما عن مدينة السلام ، وأختار ابنى رائق لملازمة المقتدر وحجابته ، ورجا طَوّعهما له وقلة مخالفتهما إيّاه ، وكان مؤنس عليلاً من النِّفْرس قاعداً فى منزله كالمقعد ، وكان يلبق غلامه الذى صيّه مقام نفسه وعقد له الجيش، وضمّه إليه ينوب عنه فى لقاء الخليفة وإقامة أسباب الجند والأمر والنهى ، فقوِىَ أمُرُ ابنى رائق وتمكّنا من الخليفة لقربهما منه ، وقيل لهما : إن مؤنساً يريد أن يصيّر الحجابة إلى يليق ، فالتاثا على مؤنس واستوحشا منه ، وباطنا عليه مَنْ كان بحضرة الخليفة مثل مُفْلح والوزير ابن القاسم وغيرهما ، وراسلا ياقوتاً وولده وابن الخال وغيرهم . واتصل ذلك بمؤنس وصحّ عنده، فأوحشه ذلك من المقتدر وممين كان معه ، ثم سألت الحجرية والساجيّة المقتدر بما أحكمه لها ابنا رائق ، بأن يَصلُوا إليه كلّما جلس للسلام ، واستعفوْه من يلبق ، وطعنوا على مؤنس فى ضمّهم إليه . فلما كان يوم الاثنين لخمس خلوْن من المحرم جلس المقتدر أيضاً للسلام. ووصل إليه الناس ، ووصلت إليه الحجرية والساجيّة وصرِف عنهم يلبق ولم يخلع عليه ، وأظهر المقتدر الانفراد بأمره والاستبداد برأيه، فانكشف لمؤنس الأمر ، وصحّ عنده مادُبَر عليه ، وعلم أنه مطلوب . ولما كان يوم الخميس لثمان خلوْن من الشهر جلس المقتدبر أيضاً للسلام ، فخرج مؤنس إلى باب الشماسية وعسكربها ونهب أصحابه دار الوزير الحسين بن القاسم . وبلغ ذلك المقتدر ، فأمر بشحن القصر بالرّجال ونُودى فيمن سخط عليه من (١) ابن الأثير: ((فى هذه السنة فى المحرّم سار مؤنس المظفر إلى الموصل مغاضباً للمقتدر)). : : ١٤٣ سنة ٣٢٠ الرجّالة بالرضا عنهم، فظفروا ووعدوا بزيادة دينار على النوبة ، ووُعد الفرسان بزيادة خمسة دنانير على الرزق ، فظهر الرجّالة ، وقوىَ أمر الخليفة واستتر أصحاب مؤنس ولحق به خاصته وخرج إليه يلبق . فلمّا كان يوم الجمعة لتسع خلوْن من الشهر ، وتمت صلاة الناس فى الجامع ، ركب المقتدر بين الظهر والعصر فى قباء تاختج وعمامة سوداء وعلى رأسه شمسة تظله وبين يديه أولاده الكبار ركباناً ، وهم سبعة وجميع الأمراء والقواد معه وبين يديه ، فسار من باب الخاصة إلى المجلس الذى فى طرف الميدان ، وقد ضُرب له قُبَّة شراع ديباجٍ فدخلها ، ثم انصرف وظهر للعامّة ودعا الناس له ، وبعث مؤنس بشرى خليفته إلى المقتدر يوم السبت مترضِّياً له ، ومعتذراً إليه بأنه لم يخرج خالعاً ولا عاصياً ، وإنما خرج فارًا من المطالبة له . فقُبِض على بشرى وصُفع وقَيِّد ، فلما اتصل الخبر بمؤنس زاد فى إيحاشه ونفاره ، وأمر بوضع العطاء فى أصحابه ، ودخلوا السوق ليبتاعوا السلاح وما يحتاجون إليه ، فمُنعوا من ذلك حتى وجّه مؤنس من قواده إلى المدينة مَنْ حضر ابتياعهم لما أرادوا ، ثم انتقل مؤنس إلى البردان ، وزال عنه كثير من جيشه إلى دار السلطان . وكان ممنّ رجع عنه أبو دلف القاسم بن دلف ومحمد بن القاسم بن سيما وغيرهم من قوّده، ودخل هارون بن غريب الخال إلى بغداد للنصف من المحرّم ، ونزل فى النّجمى ، ودخل ابن عمرويه قافلاً من البصرة ، ودخل نسيم الشرائى من الثغر ، وخلع على سرور ، وُجُمعت له الشرطتان. ثم دخل محمد بن ياقوت لثمان بقين من المحرم ، فتجمع للمقتدر قُواده وقوىَ أمره . وخلع على الوزير أبى الجمال ، ولقِّبَ عميد الدولة ، وكنى ونفذت الكتب بذلك إلى العمال من الوزير أبى علىّ عميد الدولة بن ولىّ الدولة القاسم بن عبيد الله، وكتب اسمه على السكك ، وخلع على ابته لكتابة الأمير أبى العباس بن المقتدر ، وهو الراضى. وما اجتمع الجيش ببغداد ، واتّفقت كلمة أصحاب المقتدر وانتقل عن مؤنس كثيرٌ من أصحابه إلى دار السلطان ، قلع مؤنس عن البردان فى الماء مضطرًا ومعه نحو مائة غلام أكابر وأصاغر من غلمانه وأربعمائة غلام سودان ، كانوا له . وسار يلبق وابنه وباقى غلمان مؤنس على الظهر فى نحو ألف وخمسمائة رجل ، وكان معه من وجوه القرامطة نحو سبعين رجلاً ، منهم خطا أخو هند وزید بن صدام وأسد بن جهور ، وکلهم أنجاد مبرّزون فى البأس ٦٤٤ سنة ٣٢٠ لا يتردّ أحدهم وجهاً عن عدو، فسار مؤنس إلى سرّ من رأى، وعسكر بالجانب الشرق خفضا بارية . قاه جانه ، ١٨:٥ رة واجتمع الناس بقصر الجصّ إلى مؤنس فكلّمهم ووعدهم ، وقال لهم: ما أنا بعاٍّ لولاى، ولا هاربَ عنه ، وإنما هذه طبقة عادتْنى، وغليت على مَوْلاَي، فَآثرتُ التباعد- إلى أن يُفيقوا) من سكرتهم.، وأتأمل أمرى معهم،. وليستُ مع هذا أتجاوز الموصل. اللهم إلا أن يختار مولاى مسيرى إلى الشام، فأسير إليها. وقال لهم فى خلال ذلك: مَنْ أراد الرجوع إلى باب الخليفة فليرجع ، ومن أراد المسير معى فليسرْ، فردُّوا عليه أحسن مَرد. وقالوا له: نحن فى طاعتكٍ، إن سرت سيرنا، وإن عدت عدنا . وبعث مؤنسق أبا علىّ المعروف بزعفران مع عشرة من القرامطة فى مال كان له مودَعاً عند بعض ش وكلائه بعُكْبراءَ ه فأتادٍ منها بخمسين ألف دينار، فدفع منها مؤنس أرزاق من كان معها، وزادهم خمسة دنانير. وأقام مؤنس يومه ذلك بقصر الحصّ، فاحترق سقف من سقوف القصر ، فشقّ ذلك على مؤنس، واجتهد فى إطفاء النار. فتعذّر ذلك عليه ، ثم تسار وهو مغموم لما دار من الحريق فى القصر، يريد الموصل . ونفذت كتبها الوزير ابن القاسم من المقتدر إلى جميع مَنْ فى الغرب من القواد كيفى حملان وابنطفح صاحب دمشق، وإلى تكين صاحب مصر، وإلى ولاةٍ ديار ربيعة والجزيرة وآذر بيجان وملوك أرمينية والثغور الجزرية والشامية يأمرهم، بأخذ الطُرق على مؤنس ويلبق وولده وزعفران، ومَنْ كان معهم ومحاربتهم والقبض عليهمجانا ٤٤ نه، وبلغ ذلك مؤنساً ، فغمه الأمر، وکتمه عن جميع من كان معه وسار إلى تكريت ، وقد انصرف عنه أ کثر من كان معه . ثم إن مؤسساً فگّر فی أمره وإلی أین یکون توجّهه ، فلم يجد فى نفسه أوثق عندهولا أشکر لیده من بنی حمدان فإنه کان عند ذ کره ایاهم يقول: هم أولادى ، وأنا أظهرتهم . وكانت له عند حسين بن حمدان وديعة، فأراد أن يجتاز به ويأخذها ويسير بها إلى الرّقة ، وقد كان بلغه تجمّع بنى حمدان وحشدهم لمحاربته، فلم يصدق ذلك ، ثقةً منه بهم ، فرحل عن تكريت إلى بن حَمْدان ، بعد أن شاور مَنْ حضره فى الطرق التى يأخذ عليها ، فأشارت عليه طائفة بقطع البريّة والخروج إلى هيب، ثم الميسير إلى شطّ الفرات . وقال يلبق وزعفران لمؤنس: ١٤٥ سنة ٣٢٠ الصواب مسيرُك إلى الموصل كيف تصرّفَتِ الحال لوجوه من المصالح ، أمّا واحدة فلعجزك عن ركوب البرّة فتتعجّل الرفاهية فى الماء، وأخرى لئلا يقال : جزع لما بلغه خبر بنى حمدان وتجمّعهم ، وثالثة أنّك إن بليت بقتالهم كانوا أسهَل عليك من غيرهم ، فوقع هذا الرأى من مؤنس بالموافقة ، وسار يريد بنى حمدان فلم يلق لهم فى طريقه رسولاً ، ولا سمع لهم خبراً إلى أن وافَى عليه بشرى النصرانىّ كاتب أبى سليمان داود بن حمدان ، فاستأذن عليه يوم السبت لليلة بقيت من المحرم ، وخلاً بمؤنس وأدّى إليه رسالة صاحبه ورسالة الحسين بن حمدان وأبى العلاء وأبى السرايا بأنهم على شكره ومعرفة حق يده ؛ ولكنهم لا يدرون كيف الخلاص مما وقعوا فيه ، فإن أطاعوا سلطانهم كانوا قد كفروا نعمةَ مؤنس إليهم ، وإن أطاعوا مؤنساً وعصوْا سلطانهم ، نُسِبوا إلى الخلعان، وسألوه أن يعدل عن بلدهم لئلا يلتقوا به ولا يمتحنوا بحر به فقال له مؤنس : قل لهم عنى : قد كنتُ ظننت بكم غير هذا ، وما أخذت نحوكم إلا لثقتى بكم ، وطمعى فى شكركم ؛ فإذا خالفتم الظن فليس إلى العدول عنكم سبيل ، ونحن سائرون نحوكم بالغد ؛ كائناً ماكان منكم . وأرجو أنّ إحسانى إليكم سيكون من أنصارى عليكم، وخذلانكم لى غير صارف لفضل اللّه عنّى. وبات مؤنس بقصور مَرَج جهينة ، وكان عسكر بنى حمدان بحصْبَاء الموصل ، وبات المحسّن زعفران فى الطلائع على المضيق الذى منه المدخل إلى الموصل ، وباكر مؤنس المسير فى الماء على رسمه قبل ذلك. وسار أهلُ العسكر على الظهر ؛ ووقع أبو على المحّن زعفران فى آخر الليل على مقدِّمة بنى حمدان التى كانوا أنفذوها نحو المضيق ، فقتل منهم جماعة وأسر نحو ثلاثين رجلاً ، وملك المضيق وأمدّه يلبق برجال زيادة على مَنْ كان معه . وصبح الناس القتال يوم الأحد لثلاث خلوْن من صفر ، وما كان جميع من يضمّه عسكر مؤنس إلا ثمانمائة وثلاثة وأربعين فارساً، وستمائة وثلاثين راجلاً بين أسود وأبيض . هكذا حكى الفرغانىّ عن أحمد بن المحسن زعفران وكان شاهداً مع أبيه فى عسكر مؤنس، وعنه ينقل أكثر الحكايات وكان بنو حمدان فى عساكر عظيمة قد حشدوها من العرب والعجم وقبائل الأعراب وغيرهم ، فتلاقى الفريقان على تعبئة ، وأخذ مؤنس ويلبق وابنه ومَنْ كان معهم من القوّاد فى حربهم أحْزَم مأخذ ، وتوزعوا على مقدّمة وميمنة وميسرة وقلب ، وجعلوا فى كلّ مصافّ منها ثقاتهم وأكابر قوّادهم ثم ١٤٦ سنة ٣٢٠ حملت مقدمتهم على مُقدمة بنى حمدان ، فضرب داود بن حمدان بنبلة دخلت من كمّ درعه ، فصرعته وحملت ميمنة يلبق على ميسرة بنى حمدان فقلعتها وطحنتْها وغَرِق أكثرهم فى دجلة . ثم حمل يلبق بنفسه ورجاله الذين كانوا فى القلب على قلب عسكر بنى حمدان ، فهزموا مَنْ كان فيه ، واتصل القتل فيهم ، وأُسر ابنٌ لأبى السرايا ابن حمدان وغنم عسكرهم وتفرق جميعهم ، ودخل مؤنس الموصل لأربع خلون من صفر وأعطى أصحابه الصلات التى كان وعدهم بها مع الزيادة ، وصار فى عسكره خلق كثير من غلمان ابن حمدان ورجاله ، وتوجّه أبو العلاء بن حمدان وأبو السرايا إلى بغداد مستنجدين للسلطان ، وانحاز الحسين بن عبد الله بن حمدان إلى جبال مَعْلَثَایا (١) واجتمع إليه بها بعض غلمانه وغلمان أهله ، فسار إليه يلبق فهزمه وفرق جمعه ، وعبر الحسين إلى الجانب الغربىّ هارباً مفلولاً، وقلّد يلبق ابنه نصيبين وما والاها، وانصرف هو إلى موضع يلبق وقلّدها يمناً الأعور ، وقلّد يانساً جزيرة بنى عمر ، وأبا عبيد الله بن خفيف الحديثة . وبلغ أهل بغداد أخبار مؤنس وغلبته وفتوحاته ، فأخذ كل مَنْ زال عنه فى الرجوع إليه . واتصل بمؤنس أن جيوشاً اجتمعت للروم ، وفيها بنوابن نفيس وكانوا قد هربوا إلى بلاد الروم عند خلع المقتدر أولا، وأنهم قاصدون مَلَطْية للغارة على المسلمين ، فكتب مؤنس إلى بلد الروم يستدعى بُنىّ ابن نفيس ويَعده ويمنّه ، ويسألة صرف الروم عن مَلَطْية، فأقبل بُنىّ إلى الموصل وصرف الجيش عن مَلَطْية ، فسرٌ به مؤنس سروراً شديداً ، وخلع عليه ، وأكرمه وأنس به ؛ فكان يعاشره ويشار به . ووافاه أيضاً بدر الخرشنى من أرْزَن فى نحو ثلثمائة رجل ، فسُرٌ به مؤنس ويلبق ومَنْ كان معهما ، وقدم عليهم طريف السّبكرىّ من حلب فى نحو أربعمائة فارس ، فسُرّوا به أيضاً ، وتوالت الفتوحات على مؤنس ويلبق . فلما طال مقام مؤنس بالموصل ، ودامت فتوحه وعَظُمتْ هيبته ، ابتدأ رجال السلطان الذين كانوا بالحضرة بالهرب إليه ، وتأكدت محبتهم له ، فكان أحد من جاءه بالدُوَا غلام ابن أبى الساج - (١) معلئايا، بالفتح ثم السكون وبالثاء مثلثة وياء: بلد له ذكر فى الأخبار المتأخرة قرب جزيرة ابن عمر من أعمال الموصل . باقوت . ٠ ١٤٧ سنة ٣٢٠ وكان بطلاً شجاعاً - فى نحو مائتى فارس، ولقى بالدُوَا فى طريقه عسكراً للسلطان فكسره ، وأخذ أحمال مال كانت معهم يريدون بها بغداد فجاء بها بالدُوا إلى مؤنس ووهبها له ولرجاله ، ثم استأمنه الحسين بن عبد الله بن حمدان لما ضاقت به الأرض ، وانقطع رجاؤه من أمداد السلطان ، وآمنه مؤنس ، وقدم عليه ، ففرح مُؤنس بقدومه ، وقال له : نحن فى ضيافتك منذ سبعة أشهر على كره لك، فشكره الحسين ولم يزل يخدم واقفاً بين يدى مُؤنس فى درَاعة وعمامة بغير سيف مدة مقام مؤنس بالموصل . ٠ ٤ ذكر عزل الوزير الحسن بن القاسم وتقديم الفضل بن جعفر مكانه والتياث الأحوال ببغداد ولما ظن الوزير أبو الجمال الحسين بن القاسم أنّ الأمر قد صفا له بخروج مؤنس من بغداد ، وأنْ قد تمَ له ما أراد ، وقع فيما تكره ، فكثر عليه الشغب ، واشتدت مطالبة الجند له بالأموال ، وخيّب اللّه ظنه فيما أراد ، ولازمه الحشم فى دار الخليفة ملازمةً قبيحة ، وأهانوه وأهانوا الخليفة بسببه ، فتقُل على قلب المقتدر ، ولم يزل يقاسى منه كل صعب وذَلول ، فأمر بالقبض عليه فى عَقِب ربيع الآخر ، وولى الفضل بن جعفر ابن الفرات مكانه ، وقد كان مشهوراً عند الخاص والعام بالفضل والعلم والكتابة وترك الهزل واللهو ، وكان هو وأبو الخطاب من خيار ال الفرات . فلمّا صارت إليه الوزارة أظهر الحبّ له والرغبة فيها، فعجب الناس من ذلك ، وقال فيه بعض الشعراء : وقد أعيا على الوُزَراءِ قَبَلَهْ أتَطمَعُ فى الَّذِى أعيا ابنَ مقلَهْ لَمَا نُرْجو معّ الأدبارِ مَهلهْ وأدْبَرَ أمُرُ مَنْ ولَاكَ حتى عليكَ وجاءكَ المكرُوهُ جملهْ كأنكَ بالحوادِثِ قد توالتْ ولمّا خلع على الفضل بن جعفر سار فى خلعه إلى الدار التى بسوق العطش ، فعطش فى الطريق ، واستسقى ماء ، فشربه فأنكر ذلك عليه ، إذ لم يكن فى رسم مَنْ تقدّمه . ١٤٨ سنة ٣٢٠ وفى مستهلّ جمادى الأولى اجتمع أهل الثغور والجبال إلى دار السلطان ، واستنفروا الناس ببغداد ، وذكروا ما ينالهم من الدّيلم والروم وأن الخراج إنما يؤخذ منهم ومن غيرهم ليصُان به عامة الناس ، ويدفع عدوّهم عنهم، وأنهم قد ضاعوا وضاعت ثغورهم، واستطال عليهم عدوّهم ورقّقوا القلوب بهذا وأشباهه ، فثار الناس معهم وساروا إلى الجامع بمدينة المنصور وكسروا درابزين المقصورة وأعواد المنبر ، ومنعوا من الخطبة ، ووثبوا بحمزة الخطيب، ورجموه حتى أدموه ، وسلَخُوا وجهه ، وجرُّوا برجله، وقالوا له : يافاجر ، تدعو لرجل لا ينظر فى أمور المسلمين ، قد اشتعل بالغناء والزنا عن النظر فى أمور الحرمين والثغور يفرق مال الله فى أعداء الله، ولا يخاف عقاباً، ولا ينتظر معاداً . فلم يزالوا فى هذه الحال إلى وقت صلاة العصر ، وفعلوا بعد ذلك مثل فعلهم الأول فى أول جمادى الآخرة ونهضوا إلى باب الوزير الفضل بن جعفر وراموا كسره ، فرموا بالسهام أعلى الدار، وقتل منهم نفر ، فركب أحمد بن خاقان وتوسّط أمرهم ، وضمن لهم مايصلحهم . وفى ثمان خلون من رجب نقب الحسين بن القاسم فى دار الحاجبين نقبا أخرج منه غلمانه ، وأراد الخروج بنفسه فقطن به وقبض عليه ، وحدر إلى البصرة. ذكر مسير مؤنس إلى بغداد وقتل المقتدر ولما كثر عند مؤنس من استأمن إليه من قوّاد العراق ورجال الخليفة . وبلغه الاضطرابُ بها ، وأنس إلى الوزير الفضل بن جعفر ، لِماَ كان عليه من ترك المطالبة للناس ، ودارت بين مؤنس وبين الوزير مكاتبات ، ورجا الوزير أن تُصلِح الأحوال بمجىء مؤنس ويتأيد به على قمع المفسدين ، ويتمكّن بحضوره من صلاح أمور الخليفة التى قد اضطربت ، فراسل مؤنساً فى القدوم ورغّبه فى الصّلاح ، وجَنَح مؤنس إلى ذلك ورغب فيه ، ورجا ما لم يعنه المقدار عليه . فخرج مؤنس من الموصل يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال بعد أن ضمّ إلى نفسه قواده ورجاله ، وقلّد مَنْ وثق به الموصل ونصيبين وبعَرْبايا وسائر الأعمال فى تلك الناحية ، فلمّا ٠ ١٤٩ سنة ٣٢٠ انتهى مؤنس إلى البرَدان ، خرج إليه القواد وغيرهم مستأمنين إليه ، مثل مفلح وبدر الحمال وأبو على كاتب بشر الأفشينى وابن هود وجماعة . وبقى الغلمان الحجرية على الوزير وابن الخال فى الشعيبي يطالبونهما بالمال والزيادة لما علموا به من إقبال مؤنس . وكتب مؤنس إلى المقتدر كتباً يقول فيها : لستُ بعاص لأمير المؤمنين ولا شققت عصاه ، وإنما تنحيّت عنه لمطالبة أعدائى لى عنده ، وقد جئت إلى بابه برجاله ، وليسن مذهبى الفتن ولا إراقة الدماء ، وقد بلغنى أن مولاى يُحمل على محاربتى، ولا حظّ فى ذلك للفريقين ، بل فيه الشتات والفُرقة وذهاب العدد وحدوث البلاء ، وفناء الرجال ، فيأمر مولاى للجند الذين معى بأرزاقهم فُتُدفع إليهم ، ثم يصيرون إليه وتطيب نفوسهم عليه . فأصغى المقتدر إلى قوله وسُرّبه ، وقيل إنه اصطبح مفلح وابن الخال فى دورهما سروراً بذلك. ثم قال للمقتدر ابنا رائق وياقوت ومفلح وغيرهم ، فمن كان يكره مؤنساً ، ولا يريد رجوعه : هذا عجز منك ، ونقص بك ، ولعلّها حيلة عليك وخدعة لك، وحمل على إخراج مضاربه إلى باب الشّماسية والعزم على قتاله ، وقالوا له : لو قدرآك كلّ من مع مؤنس لانصرفوا عنه ، وتركوه وحده ، وأخذوه فى ذلك بالوعيد والترهيب ، فأخرج المقتدر مضاربه إلى الشّاسية يوم الثلاثاء لأربع بقين من شوال وخرج بنفسه يوم الأربعاء لثلاثٍ بقين منه بعد أن توضّأ للصلاة ، وبرز إلى دار العامة ، فصلّى بها ، وكان كارهاً للخروج ومتثبّطاً فيه، وإنما خرج مكرهاً حتى لقد حُدّثت بأنهم قالوا له : إن خرجتَ معنا إلى حرب مؤنس وإلا تقَّرْنا بك إليه . وحدث ذكىّ عن المقتدر أنه رأى فى الليلة التى خرج فى صبيحتها إلى مؤنس كأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول له: ياجعفر ، اجعل إفطارك الليلة عندى ، ففزع له وحدّث به والدته ، فجهدت به ألا يخرج ، وكشفت عن ثدييها ، وبكت ، فغلب القضاء ونزل البلاء . قال : فحدثنى أحد خلفاء الحجاب ممن أثق به ، قال : رأيت المقتدر قبل خر وجه إلى مؤنس فى دار العامة وابن رائق يستحثه ويقول له:عجّل یاسیدی لیراك الناس ، فقال له : إلى أين أعجل باوجه الشؤم ! قال: وحدثنى ابن زعفران عن تكين الخادم أن المقتدر لما عمل على الخروج ١٥٠ سنة ٣٢٠ إلى مؤنس لبس ثيابه ، وجلس على مسوّرة وقال لأمه : يا أمه أستودعك اللّه هذا يوم الحسين بن علىّ،ثم تمثل بقول علىّ بن الرومى: طَأْمِنْ حَشَاكَ فإن دَهَرَكَ مُوقِعٌ بك ما تحبُّ من الأمور وتَكرَهُ فَهَربتَ منه فنحْوَهُ تتوجّهُ وإذا حَذِرْتَ من الأمورِ مقَدَّراً قال : وأخبرنى جماعة من أهل بغداد من عاين المقتدر خارجاً من داره وقد شق المدينة يريد رقّة الشّمّاسية، فقالوا : كان عليه خفتان ديباج فضّى تستَرِىُّ، وعليه عمامة سوداء مصمت والبردة التى كانت للنبي صلَّى اللّه عليه وسلم على كَتِفَيْه وصدره وظهره ، وهو متقلّد بذى الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمائله أدم أحمر ، وفى يده اليمنى الخاتم والقضيب ، وتحته الفرس المعروف بالإقبال ويعرف بالقابوس ، لأنّ أبا قابوس أهداه إليه، وعلى الفرس سَرْج مغربى أحمر ، بحلية جديدة ، وتحت فَخِذه الأيسر سيف للركاب وبين يديه ابنه أبو أحمد عبد الواحد عليه خفتان ديباج رومى منقوش ، وعمامة بيضاء ، وخلفه وزيره الفضل بن جعفر بن الفرات ، وقدامه لواء أبيض وراية سوداء يحملها ابن نصر الّلابىّ، واللواء يحمله أحمد بن خفيف السمرقندى ، وعَلَمان أبيضان وعَلَمان أصفران ، يحملها الأنصار ومعهم رماح فى رءوسها مصاحف ، وسار المقتدر على حاله هذه حتى وافى الرّقة بالشماسية ، وقد وقعت الحرب بين العسكرين ، وكان الظهور أول النهار لعسكر المقتدرَ ثم عادت بعد ساعة لأصحاب مؤنس عليهم ، فَأُسِرَ أبو الوليد بن حمدان وأحمد بن كيغلغ وكانا فى ميمنة المقتدر فى جماعة من قواد بغداد، فثبتا بأنفسهما لما خان المقتدرَ من كان حوله ، حتى أخذا أسيرين ، وكانا فى القلب من عسكر مؤنس بدر الخرشنى وعلىّ بن يلبق ويُمن الأعور وبإزائهم المقتدر وعبد الواحد ابنه ومفلح الأسود ، وشفيع المقتدرى ، وابنا رائق ، وهارون بن غريب الخال ومحمد بن ياقوت والحجرية ، وكان فى ميمنة مؤنس يلبق ويانس المونسىّ وغلمان يلبق ومَن استأمن إليهم من عسكر بغداد . فلما اشتدّت الحرب انكشف ابن يلبق قليلاً، فراسله أبوه بالتوقف والانحياز إليه ، وأرسل إلى ميمنته بأن يحملوا ، فحملوا وأخذوا على شطّ دجلة ليخرجوا فى ظهر عسكر المقتدر ، فتشوش العسكر ، وحمل يلبق وابنه ومَنْ كان معهما حملة ١٥١ سنة ٣٢٠ واحدة، فانهزم جميع مَنْ كان مع المقتدر حتى لم يبق إلا هو وحده ، ولم يُقْتَلْ بين يديه من غلمانه وأوليائه أحد إلا رجل من خلفاء الحجاب ، يقال له رشيق الهروىّ وقد كان المقتدر لما رأى الحرب قد وقعت بين علىّ بن يلبق وبين ابن الخال وابن ياقوت أراد العدول إلى المضرب ، أو إلى الحراقة (١) فلقيه سعيد بن حمدان ، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد وقعت العين على العين ؛ فإن رآك مَنْ حولك قد زلت انهزموا وانفلُّوا فرجع إلى المصافّ وذلك وقت صلاة الظهر ولم يكن فى موكبه أحد من أهله إلا هارون بن عبدالعزيز بن المعتمد على الله وعبدالعزيز بن علىّ بن المنتصر بالله وإبراهيم بن قصىّ بن المؤيد بالله وإبراهيم بن عيسى بن موسى بن المتوكل على الله . وكان أوّل من انهزم من أصحابه الحجرية ثم سائر الناس ، وحمل عبد الواحد بن المقتدر فى جماعة من الرجّالة عدة حملات ، فأسِرٍ مِنْ رجال مؤنس يلبق النعمانى الصفعان ، وكان فارساً جيداً، فأرادوا قتله فنهاهم المقتدر عنه،ولم يزل ابن ياقوت فى ذلك اليوم ثابتاً بعد أن انهزم ابن الخال ، وأبْلَى بلاء حسناً . فلمّا لم يجد ابن ياقوت مساعداً انهزم وانهزم عبد الواحد بن المقتدر، وبقى المقتدر وحده وحوله جماعة من العامة وهو يحضّ الناس على القتال، ويسألهم الثبات معه ، ويتوسّل إليهم باللّه وبنبيه وببردته ، ويمسح المصحف على وجهه إلى أن أقبل موكب علىّ بن يلبق - وكان قد أصابته جراح فى الحرب فلم يهن لها - وأقبل معه فارس تحته فرس أدهم ، وعليه درع على رأسه زَرَدِيّة ، فضرب المقتدر ضربة بالسيف فى عاتقه الأيمن ، فقطعت الضربة طاقاً من حمائل السيف ، وأثخنْته الضربة ، وكان السيف بيد المقتدر مجرداً وقد كان نافع صاحب ركاب مؤنس ضرب بيده إلى عنان دابة المقتدر ليسيربه إلى مؤنس ، فلمًا ضربه الفارس خلّى نافع عنانه ، ومضى الفارس بعد أنْ ضربه ولم يقف عليه ، ووافى بعد هذا الفارس ثلاثة فوارس ، يقال لأحدهم: بهلول ، والثانى : سيمجور ورفيق لهما لم أحفظ اسمه ، فوقفوا بالمقتدر يخاطبونه ويسمعون منه ، فأخذ أحدهم السيف من يده وانترع الآخر البردة والخفتان(٢) منه، وطالب الثالث بخاتمه فدفعه إليه ، وكان الخاتم ياقوتاً أحمر مربَّعاً ، فضربه أحد الثلاثة بالسيف على جبينه فَآلمه (١) الحراقة : نوع من السفن ، كان على عهد بنى العباس . (٢) الخفتان : لفظ فارسى محض ، وهو ثوب قطن يلبس فوق الدروع . ادی شیر. --- --- ------ . ... ١٥٢ سنة ٣٢٠ فأخرج المقتدر كم قميصه ليمسح الدم عن وجهه، فضربه الآخر ضربة ثالثة ، فتلقاها المقتدر بيده اليسرى، فقُطعت إبهامه وانقلبت الإيهام إلى ذراعه ، وسقط إلى الأرض ، واجتمعت عليه جماعة رجالة فاحتّزوا رأسه ، وحمل إلى مؤنس وذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلثمائة، وكان الذى حمله سراج البكتمرى . فلما نظر إليه مؤنس اشتد جزعه ، وغمه وناله عليه أمر عظيم . وقيل : إن الذى قتل المقتدر نقيط غلام مؤنس ، وأن جثته بقيت مجردة ، فطرح بعض المطوّعة على سوءته خرقة ثم أخذها رجل من العجم ، وألقى عليها حشيشاً ، إلى أن حملت الجثة إلى مؤنس، فأضاف إليها الرأس ومنه إلى ابن أبى الشوارب القاضى ليتولى أمره ، فقيل إنه دفن مع أبيه ، وقيل إنه دفن فى رَقَّة الشماسية ، وقيل أيضاً إنه طرح فى دجلة، ولم تزل الرعيّة يصلُّون فى مصرعه ويدعون على قاتله . وبنى فى الموضع مسجد وحظيرة كبيرة ، وكان عمر المقتدر يوم قتل ثمانيةً وثلاثين سنة وشهر وستة أيام وكانت ولايته الخلافة أربعاً وعشرين سنة وأحد عشر شهراً . وولد أبا العباس الراضى محمداً والعباس أبا أحمد، وهارون أبا عبد الله، وعبد الواحد أبا علىّ وإبراهيم أبا إسحاق المتقى ، والفضل أبا القاسم المطيع، وعليًّا أبا الحسن ، وإسحاق أبا يعقوب وعبد الملك أبا محمد وعبد الصمد. ولم يذكر الفرغانى جميعهم وإنما ذكر ستة منهم . وبقى مؤنس فى مضار به بباب الشمَّاسية ، ولم يدخل بغداد حتى أقام القاهر للخلافة . واستأمن إليه القواد المنهزمون عن المقتدر ، فآمنهم وانقطع الطلب عن جميعهم وسكَّن الناس ، وهدّنهم وأظهر الأسف ، لما دار فى أمر المقتدر وجمع القواد للمشورة فى الخليفة بعده ، ودار الرأى بينهم فى ذلك . وأمر مؤنس بإحضار بلال بواب دار ابن طاهر التى كان فيها أولاد الخلفاء ، وسأله عمّنَ فيها من أولاد الخلفاء ، فذكر جماعة فيهم محمد القاهر ، فمال هواهم إليه - وكان مؤنس قد كرهه ونهاهم عنه - فقالوا : هو كهل ، ولا أمّ له ، ونرجو أن تستقيم أمورنا معه ، فأطاعهم فيه، وأجابهم إليه وأحضروه على ماسيقع بعد هذا ذكره . قال : وحدثنى أبو الفهم ذكىّ أن رشيقاً الأيسر وكان الذى أقبل بالقاهر ١٥٣ سنة ٣٢٠ من دار ابن طاهر لولاية الخلافة ، وكانُ مقدماً على الحرم، حكى له بأنّ رأيهم اجتمع بعد مفاوضة طويلة على القاهر وعلى أبى أحمد بن المكتفى . قال ذكىّ : ووجّهونى فيهما ليتكلم مؤنس مع كلّ واحد منهما خالياً ، فمن ظهر لهم تقديمه منهما قُدِّم ، فتوجّه ذكىّ فيهما ، فلما صار بهما فى بعض الطريق قال القاهر لأبى أحمد بن المكتفى : لستُ أشكّ فى أنّا إنّما دعينا لتعرض على كلّ واحد منا الخلافة ، فعرِّفنى بما عندك ، فإن كنت راغباً فيها أبيت أنا منها ، إذا دعيتُ إليها ثم كنتُ أُوَلَ من يبايعك ، فقال له أبوأحمد : ماكنتُ بالذى أتقدّمك ، وأنت عمى وكبيرى وشيخى ، بل أنا أوَّلَ مَنْ يبايعك . فلما تحقق عند القاهر مذهبه بنی أمره علیه ، ثم لما صار إلى مؤنس وحاشيته بدءوا بمخاطبة أبى أحمد لفضل كان فيه، وعرضوا الأمر عليه فأبى مِنْ تقلّده، ولم تكن رغبتهم فيه ثابتة إذ كانت له والدة ، وقد علموا ما كانت تحدّثه والدة المقتدر فى الخلافة . فعقدوا الأمر للقاهر باللّه . قال : وذكرلى ابن زعفران أنه حضر ذلك ، وأنَّ القاهر أُجلس فى خيمة بإزاء خيمة مؤنس، ولم تزل المراسلات بينهما الشروط متّخذة على القاهر إلى أن أجاب إلى جميعها إلا النفقة التى كلّفوه للجند على البيعة فإنه ذكر ألَّا مال له فعذروه . قال : ولم يكن عليه يوم أحضر للبيعة إلا قميصان ورداء، فطلب مايلبس من الثياب التى تشاركه للجلوس للعامة ، وسيف ومنطقة ، فلم يوجد ما يصلح لذلك ، فنزع جعفر بن ورقاء ثيابَه التى كان يلبسها ، ولبسها القاهر، وهى عطاف وعمامة ومنطقة وسيف بحمائل ، ثم قعد فى الخيمة وسلّموا عليه بالخلافة ، وبويع له على ماسیأتی ذ کره . ٠ ١٥٤ سنة ٣٢٠ ذكر البيعة لمحمد القاهر بالله وهو محمد بن أحمد المعتضد بن طلحة الموفق بن جعفر المتوكل ، وكنية محمد القاهر أبو منصور ، وكانت أمه تسمىّ بقْبُول ، وبويع بالخلافة يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلثمائة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة ، وذلك أنه لما أحضر من دار عبدالله بن طاهر التى كان فيها مع أولاد الخلفاء ، ودار بينه وبين مؤنس المظفر ما تقدّم ذكره من الشروط ، وتمّ الأمر بينهم ، انحدروا بها إلى دار الخلافة ، فى اليوم المؤرخ ، فلما دخلها دعا بحصير فصلّى أربع ركعات ، وجلس على سرير الملك . ولقّب القاهرِ بالله . وحضر عبيد الله بن محمد الكلواذىّ فاستخلفه على الوزارة لمحمدبن علىّ بن مقلة إذا كان غائباً بفارس ، وأمر بأن تكتب الكتب إلى العمّال باسم ابن مقلة، وولَّ الحجابة علىّ بن يلبق ، ولم يمكنه الحضور لجراح كانت به ، فخلَّف على الحجابة بدر الخرشنى ، وقُلّد أحمد بن خاقان شرطة الجانبين . ولما كان يوم الاثنين لليلتين خلتا من ذى القعدة ، بعث القاهر فى أولاد المتوكل على اللّه وغيرهم من أبناء الخلفاء وأبناء أبنائهم ، فأوصلهم إليه واستدناهم ، وأمرهم بالجلوس ، وأخذ عليهم الكلواذى البيعة ، وخاطبه هارون بن عبدالعزيز بن المعتمد بعد أن صافحه وهنأه ودعا له ، فقال : قد نالت يا أمير المؤمنين أهلك جفوة أضرتْ بهم وأثّرت فى أحوالهم ، وليس يسألون أقطاعاً وردَ ضيعةٍ وأحوالهم تصلح بإدرار أرزاقهم، فقال: أنا آمر بإذْرارها ، ولا أقنع لكم بها ، وقد كان يتصل بى من أمركم ما يغمّنى، فشكرتْه العامة على هذا القول، وتكلم منهم أبو عبدالله محمد بن المنتصر ودعوا له جميعاً . ثم إن القاهر أظهر فى أوّل قعوده فى الخلافة من الجدّ وبعد الهمة والاختصار والقناعة ماهابه به الناس ، وأراد قطع ثوب يلبسه ، فخيل إليه من داره ، فقيل له : لو أُخِذلك ثوب من خزانة الكسوة ، فقال: لا تمسّوا لهم شيئاً، وعرضت عليه صنوف ١٥٥ سنة ٣٢٠ الألوان والحلواء والفواكه التى كانت توضع بين أيدى الخلفاء فى كلّ يوم فاستكثرها ، وقال فى الفاكهة: بكم تبتاع هذه كلّ يوم ؟ فقيل له : بثلاثين ديناراً ، فقال : نقتصر من ذلك على دينار واحد ومن الطعام على اثنى عشر لوناً، وكان يصلح لغيره كلّ يوم ثلاثون لوناً من حلواء ، فاقتصر علی الکافی له . وفى يوم الخميس لخمس خلوْن من ذى القعدة حمل أبو العباس وأبو عبد الله ابنَا المقتدر مع أمهما إلى دار عبدالله بن طاهر بعد عَتَمَةً . وفيه طولبت أم المقتدر بالأموال وضُربت وعلّقت ؛ قال الفرغانىّ: حدثنى أبو الحسين ابن العجمى قال حدثْنا ذلفاء المنجمة التى كانت مع المقتدر ، قالت : لما أراد المقتدر الخروج لمحاربة مؤنس قال لأمه : قد تریْن ماوقعتُ فیه وليس معی دینار ولا درهم ، ولا بدّ من مال يكون معى ، فأعينينى بما معك ، فقالت له : قد أخذتْ منى یوم سار القرمطی إلى بغداد ثلاثة آلاف ألف دینار ، وما بقيت لى بعدها ذخيرة إلا ما ترى ، وأحضرته خمسين ألف دينار ، فقال المقتدر : وأى شىء تغنى عنى هذه الدنانير ؟ وأىّ مقام تقوم لى فى عظيم ما أستقبله؟ ثم قال لها: أما أنا فخارج كيف كنت وعلى ما استطعت ، ولعلّ أقتل فأستريح ، ولكن الشأن فيمن يبقى بعدى، ويقبض عليها ويُعذّب ويعلّق فى هذه الشجرة دراجيّة . فقالت ذلفاء : وكانت فى بعض دور الخلافة شجرة فوالله لقد قُبِض على أم المقتدر وعلّقت فى تلك الشجرة بعينها . وفيه ضُرِب شفيع وطُولب بمال ، وصيّر بيع أملاكه إلى بشرى الخادم ، فضاع أكثر ذلك ، وُقُبض أيضاً على أسباب خالة المقتدر، وقُبض على شفيع المقتدرىّ ، وسلَّم المطبخ والبساتين إلى رشيق الأيسر الحرمىّ ، وسلّم البريد والإصطبل إلى علىّ بن يلبق ، وصرف أحمد بن خاقان عن الشُّرْطة فى الجانبين وقلّدها يمن الأعور وقُبض الأعور ، وقبض على يانس الخادم ، ولم تزل الأمور مضطربة بقلة المال ومطالبة الجند بالأرزاق ومطالبتهم بمال البيعة حتى إنهم شغبوا واجتمعوا إلى باب الخليفة، ودخلوا إلى الدهليز الشعيبي من باب العامة وفتح السجن وحُورب المؤكّلون عليه ، وأيّدتهم العامة على ذلك ، فخرج يمن الأعور وأخذ رجلاً من العامة وضربه بالسياط وصلبه ، فتفرّق العوام ، وزاد أمر الجند شغَباً وجدًّا فأرسل القاهر إليهم : ليس ١٥٦ سنة ٣٢٠ عندى مال ، والمال عند يلبق ، وأوصى القاهر إلى مؤنس إمّا أن يُرْضى يلبق الرجال ويكفّهم عنّى وإلا اعتزلت ، فليس على هذا الشرط تقلدت . وقدِم ابن مقلة بغداد لتسع خَلَوْن من ذى الحجة وخلع عليه وقعد ودفع إلى الجيش الذى بالحضرة عن البيعة لكلّ واحد منهم رزقاً واحداً ، وللجند أصحاب مؤنس ثلاثة أرزاق لكلّ واحد . ثم إنّ ابن مقلة بسط يده على الناس فأخذ أموالهم ، وقبض على عيسى الطبيب ، فأخذ أملاكه ، ثم بدأ فى بيع أملاك السلطان وأخذ المال من حيث لاح له ، وابتدأ بإنشاء داره ، وأدخل فيها من بستان الزاهر نحو عشرين جزيباً ، ونقض دور بنى المقتدر ، واستولى ابنُ يلبق وحاشية مؤنس على القاهر ؛ حتى صار لا يجوز له أمرٌ ولا نهى إلا على أهل بيته ، وأولاد المقتدر المحبوسين عنده . قال : وكان القاهر مستهتراً بالشراب لايكاد يُقيق منه ، فإذا شرب أقبل إلى أولاد المقتدر وإلى الراضى وإخوته ، وكان قد أخذهم وضمّهم إلى دارتعرف بالفاخر ، وأحضر أبا أحمد بن المكتفى واعتقله معهم ؛ فكان القاهر يدخل عليهم بالليل ويتخلّق لأولاد المقتدر ولأبى أحمد بن المكتفى ، ويسقيهم بيده ، وكان يقول للراضى : أنت المرشّح للأمر ، والمسمى له ، ثم يومى إليه بحربة كانت فى يده ، وبما قفع أصابعه بقضيب كان معه ، والراضى فى كلّ ذلك لا يخضع له ولا يقبّل يده، والمقادير تدفعه عنه ، وأقام علىّ بن يلبق وهو الجاجب يفتِّش جميع ما يدخل الدار على القاهر ويضيّق عليه، والقاهر فى ذلك يزداد غضباً وكمداً. ثم إن الراضى دسّ إلى يلبق وابنه وأهدى إليهما جوهراً وعرّفهما أنه وإخوته خائفون على أنفسهم من القاهر ، وسألهما تخليص هؤلاء المحبوسين من يده . فأجمع رأى يلبق وابنه على تخليصهم، وقعد يلبق فى بعض العشايا فى بعض مجالس الدار وأخرجهم على غيبة ، وأخرج الجدة معهم ، وكان القاهر قد سامها سُوء العذاب ، وطالبها بالأموال ، فوجّه بهم إلى داره، وأفرد لهم موضعاً فى دار حرمه، وماتت الجدة بها، فكفنها فى أحسن كفن، ودفنها بشارع الرصافة . وفيها صُرف أبوعثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد عن القضاء بمصر . وقّد القضاء بها عبدالله بن أحمد بن زيد . وفى ذى القعدة من هذه السنة ورد الخبر بمصر بقتل المقتدر، فاضطربت الأحوال ١٥٧ سنة ٣٢٠. بها، وشغَب الجند ، ووكّل التجار وطُولبوا بالأموال ، وشغب الجند على تكين وطالبوه بمال البيعة ، فجمع التجار بمصر واستسلف منهم الأموال بسبب البيعة على أن يطالب بدم المقتدر . وحج بالناس فى هذه السنة أبوحفص عمر بن حسن الهاشمى. ٠ وهذا ما انتهى إلينا من هذا التاريخ والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى وآله الطاهرين الطيبين وسلم تسليماً . فرغ من نسخه الفقير المشكر المعترف بذنبه يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور ابن المعمر بن عبد السلام الزريرانى فى شهر ربيع الآخر من سنة سبع وعشرين وستمائة . ٠ ----- الفهارس العامة ١ - فهرس الموضوعات ستة إحدی وتسعین ومائتين ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . سنة اتنتین ومائتين ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . سنة ثلاث وتسعین ومائتين ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . سنة أربع وتسعين ومائتين ذ کر مادار فی هذه السنة من اخبار بنى العباس . سنة خمس وتسعین ومائتين ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . . ذ کر علة المکتفى بالله وما كان من أمره إلى وقت وفاته . ٢٦ ذكر وفاته المكتفى بالله . ٠ . ٠ ٠ ٢٧ ذكر خلافة المقتدر . ٢٨ سنة ست وتسعین ومائتين ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . ٣٠ ذكر البيعة لابن المعتز. . ٠ ٣١ سنة سبع وتسعين ومائتين ذكر مادار فى هذه السنة من اخبار بنى العباس ٠ ٣٥ سنة ثمان وتسعین ومائتین ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . ٣٧ سنة تسع وتسعين ومائتين ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس ذكر القبض على ابن الفرات . ٣٩ ٣٩ سنة ثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . . ٤١ ١٥٩ ٠ ١١ ١٦ . ٠ ١٨ ٠ ٢٢ . ٢٥ ٠ . ٠ ٠ الصفحة ٠ ١٦٠ الصفحة سنة إحدى وثلثمائة ٤٣ ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس سنة اثنتين وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس .. سنة ثلاث وثلثمائة ٤٨ ٥٤ ۔ ذ کر مادار فى هذه السنة من اخبار بنى العباس ذكر التقبض على علىّ بن عيسى وولاية علىّ بن الفرات ثانية ٥٩ سنة خمس وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس سنة ست وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . ٦٧ سنة سبع وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . ٧٢ سنة ثمان وثلثمائة ٧٥ سنة تسع وثلثمائة ٧٨ ذکر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس ٧٩ ذكر خبر الحسين بن المنصور الحلاج ٨٩ سنة عشر وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . سنة إحدى عشرة وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس سنة اثنتى عشرة وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس ٠ ١٠٤ سنة ثلاث عشرة وثلثمائة ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . . ٩٥ ٩٧ ١٤٣ ذكر القبض على ابن الفرات وابنه وقتلهما . ذكر من مات فى هذه السنة . ١ ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس . . ذكر مادار فى هذه السنة من أخبار بنى العباس سنة أربع وثلثمائة ٥٨ ٦٢ ١٠٨