Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ سنة ٢٨٤ وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع موقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل ، وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ٢١٧٥/٣ له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراءً على اللّه، وكفراً بدينه، وعداوةً لرسوله، ومجاهدةً لعترته(١)، واستهانةً بحرمته، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قومًا من كُفَّار أهل الترك والدّيلم، لا يخاف من اللّه نقمةً، ولا يرقب منه سطوة ، فبتر اللّه عمَرَه، واجتثّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدّله من عذابه وعقوبته ما استحقَّ من الله بمعصيته . هذا إلى ما كان من بنى مَرْوان من تبديل كتاب اللّه وتعطيل أحكامه ، واتّخاذ مال اللّه دُولاً بينهم، وهَدْم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيق عليه ، ورميهم إياه بالنيران، لا يألون له إحراقًا وإخرابًا، ولما حرّم اللّه منه استباحة وانتهاكاً، ولمن لجأ إليه قتلا وتنكيلا، ولمن أمَّنْهُ اللّه به إخافة وتشريداً؛ حتى إذا حُقّت عليهم كلمة العذاب، واستحقُّوا من اللّه الانتقام، وملئوا الأرض بالجوْر والعُدْوان، وعمُّوا عباد الله بالظلم والاقتسار ، وحلَّت عليهم السخطة، ونزلت بهم من اللّه السَّطْوة، أتاح اللّه لهم من عِتْرة نبيِّه، وأهل وراثته مَن استخلصهم منهم بخلافته ؛ مثل ما أتاح اللّه من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين ، فسفك الله بهم دماءهم مرتدّين، كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين ؛ وقطع اللّه دابر القوم الظالمين ، والحمد لله رب العالمين. ومكن الله المستضعفين، وردًّ اللّه الحق إلى أهله المستحقين، كما ٢١٧٦/٣ قال جل شأنه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ عَلَى الَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا فِى الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئمةً وَنَجْعلهم الْوَارِثِين﴾(٢). واعلموا أيها الناس، أنّ الله عز وجل إنما أمر ليُطاع، ومثّل ليتمثَّل، وحكم ليُقبَل، وألزم الأخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ليُنَّع؛ وإن كثيراً ممّن ضلّ فالتوى، وانتقل من أهل الجهالة والسََّاه ممنّ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ وقد قال الله عز وجل: ﴿فَقَاتِلُوا أئمة الكفر)(٣). (١) ب: ((لحرمته)). (٢) سورة القصص .. (٣) سورة التوبة ١٢. ٦٢ سنة ٢٨٤ فانتهوا معاشر الناس عمّا يُسخط الله عليكم ، وراجعوا ما يرضيه عنكم ، وارضوْا من اللّه بما اختار لكم ، والزموا ما أمركم به ، وجانبوا ما نهاكم عنه ، واتَّعوا الصراط المستقيم، والحجة البيّنة، والسبل الواضحة، وأهل بيت الرحمة ؛ الذين هداكم الله بهم بديئًا، واستنقذكم بهم من الجوْر والعُدْوان أخيراً، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعزّ بدولتهم، وشملكم الصلاح فى أديانكم ومعايشكم فى أيامهم، والعنوا مَنْ لعنه الله ورسوله، وفارِقوا مَنْ لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته . ٢١٧٧/٣ اللهم العن أبا سفيان بن حرب ، ومعاوية ابنه ، ويزيد بن معاوية ، ومروان بن الحكم وولده ؛ اللهم العن أئمة الكفر ، وقادة الضلالة ، وأعداء الدين ، ومجاهدِى الرسول، ومغيِّرِى الأحكام، ومبدّ لِى الكتاب ، وسفَّاكِى الدّم الحرام. اللهم إنا نتبرّا (١) إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك ، كما قلتَ: (لاَ تجدُ قومًا يُؤْمِنُون باللّهِ واليومِ الآخرِ يُوادّ ون مَنْ حادّ اللّه ورسوله﴾(٢) . يأيها الناس، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله، وتأمَّلوا سبل الضلالة تعرفواسابلها، فإنه إنما يبيّن عن الناس أعمالُهم ، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم ؛ فلا يأخذكم فى الله لومة لائم، ولا يميلنّ بكم عن دين الله استهواء مَنْ يستهويكم وكيدُ مَنْ يكيدكم ، وطاعة من تُخرجكم طاعته إلى معصية ربِّكم . أيها الناس ، بنا هداكم الله، ونحن المستحفظون فيكم ، أمر الله ونحن ورثة رسول اللّه والقائمون بدين الله ، فقفوا عند ما نقفكم عليه ، وانفذوا لما نأمركم به ؛ فإنكم ما أطعتم خلفاءَ اللّه وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى، وأمير المؤمنين يستعصم الله لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب إلى اللّه فى هدايتكم لرشدكم، وفى حفظ دينه عليكم؛ حتى تلقوه به مستحقين طاعته، مستحقبين(٣) لرحمته، والله حسْب أمير المؤمنين فيكم، وعليه توكله ، وبالله على ما قدَّده من أموركم استعانتُه، ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم . وكتب أبو القاسم عبيد الله بن سلمان فى سنة أربع وثمانين ومائتين . (١) ب، س: ((نبرأ)). (٢) المجادلة ٢٢. (٣) مستحقبين: حاملين. ٦٣ سنة ٢٨٤ وذكر أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضى ، وأمره أن يُعمل الحيلة فى إبطال ما عزم عليه المعتضد ؛ فمضى يوسف بن يعقوب ، فكلّم المعتضد فى ذلك ، وقال له : يا أمير المؤمنين ؛ إنى أخاف أن تضطرب ٢١٧٨/٣ العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة . فقال : إن تحركت العامة أو نطقت وضعتُ سيفى فيها ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، فما تصنع بالطالبيِّن الَّذين هم فى كل ناحية يخرجون ، ويميلُ إليهم (١) كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم ؛ وفى هذا الكتاب إطراؤهم ، أو كما قال ، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أصيل، وكانوا هم أبسط ألسنة، وأثبت حجة منهم اليوم . فأمسك المعتضد فلم يردّ عليه جوابًا، ولم يأمر فى الكتاب بعده بشىء . وفى يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من رجب منها شخص جعفر بن بغلاغز إلى عمرو بن الليث الصفار وهو بنيسابور بخلَع ولواء لولايته على الرىّ وهدايا من قبَل المعتضد . وفى هذه السنة لحق بكر بن عبد العزيز بن أبى دُلف بمحمد بن زيد العلوىّ بطبرستان ، فأقام بدر وعبيد الله بن سليمان ينتظران أمرَ بكر إلامَ يؤول وعلى إصلاح الجبل (٢). وفيها - فيما ذكر - فُتحت من بلاد الروم قرّة، على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب ، وذلك فى يوم الجمعة من رجب . وفى ليلة الأربعاء لاثنتى عشرة خلت من شعبان - أو ليلة الخميس فيما ذكر- ظهر شخص إنسان فى يده سيف فى دار المعتضد بالثريًا، فضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو ، فضربه الشخص بالسَّيف ضربة قطع بها منطقته ، ٢١٧٩/٣ ووصل السيف إلى بدن الخادم ، ورجع الخادم منصرفًا عنه هاربًا ، ودخل الشخص فى زرع فى البستان ، فتوارى فيه ، فطُلب باقى ليلته ومن غد ، فلم . . يوقف له على أثر، فاستوحش المعتضد لذلك، وكشَّر الناس فى أمره رجمًا (١) س: ((إليه)). (٢) كذا فى ط ، وفى العبارة غموض. ٦٤ سنة ٢٨٤ بالظنون ، حتى قالوا : إنه من الجنّ ، ثم عاد هذا الشخص للظهور بعد ذلك مراراً كثيرة ، حتى وكّل المعتضد بسور داره ، وأحكم السور ورأسه ، وجعل عليه كالبرابخ؛ لئلا يقع عليه الكُلاَّب إن رُمِىَ به، وجىء باللصوص من الحبس ونوظروا فى ذلك ، وهل يمكن أحد الدخول إليه بنقب أو تسلُّق . وفى يوم السبت لثمان بقين من شعبان من هذه السنة، وجلَّه كرامة بن مُرّ من الكوفة بقوم مقيَّدين، ذكر أنهم من القرامطة ، فأقرّوا على أبى هاشم بن صدقة الكاتب أنه كان يكاتبهم، وأنه أحد رؤسائهم ، فقبض على أبى هاشم، وقيّد وحبس فى المطامير . وفى يوم السبت لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنة جُمع المجانين والمعزّمون ، ومُضِىَ بهم إلى دار المعتضد فى الثريًّا بسبب الشّخص الذى كان يظهر له ، فأدخلوا الدار، وصعد المعتضدِ عِلَيّةً له، فأشرف عليهم ؛ فلما رآهم صرِعت امرأة كانت معهم من المجانين واضطربت ، وتكشفَّت ، فضجر وانصرف عنهم، ووهب لكلّ واحد منهم خمسةَ دراهم- فيما ذكر - وصُرفوا. ٢١٨٠/٣ وقد كان وجّه إلى المعزّمين قبل أن يشرف عليهم من يسألهم عن خبر الشخص الذى ظهرله : هل يمكنهم أن يعلموا علمه ؟ فذكر قومٌ منهم أنهم يعزّمون على بعض المجانين ، فإذا سقط سأل الجنّىّ عن خبر ذلك الشخص وما هو، فلما رأى المرأة التى صُرعت أمر بصرفهم . وفى ذى القعدة منها ورد الخبر من أصبهان ، بوثوب الحارث بن عبد العزيز ابن أبى دُلف المعروف بأبى ليلى بشفيع الخادم المؤكَّل كان به فقتله ، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف أخذه فقيَّده، وحمله إلى قلعة لآل أبى دلف بالزّزّ (١) ، فحبسه فيها، وكان كلّمَا لآل أبى دُلف من مال ومتاع نفيس وجوهر فى القَلْعة ، وشفيع مولاهم موكّل بحفظ ذلك وحفظ القلعة، ومعه جماعة من غلمان عمر وخاصّته ، فلما استأمن عمر إلى السلطان، وهرب بكر عاصيًا للسلطان بقيت القلعة بما فيها فى يد شفيع ، فكلّمه أبو ليلى فى إطلاقه فأبى ، وقال : لا أفعل فيك وفيما فی یدی إلا بما يأمرنى به عمر . فذكر عن جارية لأبى ليلى أنها قالت: كان مع أبى ليلى فى الحبس غلام (١) ط: ((بالدزّ))، وأثبت ما فى التصويبات. ٦٥ سنة ٢٨٤ صغير يخدمه ، وآخر يخرج ويدخل فى حوائجه ولا يبيت عنده ، ويبيت عنده الغلام الصغير، فقال أبوليلى لغلامه الذى يخرج فى حوائجه: احتلْ لى فى مِبْرد تدخله إلىّ، ففعل وأدخله فى شىء من طعامه . وكان شفيع الخادم يجىء فی کل ليلة إذا أراد أن ينام إلى البيت الذى فيه أبو ليلى حتى يراه ، ثم يقفل عليه باب ٢١٨١/٣ البيت هو بيده(١) ويمضى فينام ، وتحت فراشه سيف مسلول . وكان أبو ليلى قد سأل أن تُدخَل إليه جارية، فأدخلت إليه جارية حديثة السنّ ، فذكر عن ذلفاء جارية أبى ليلى عن هذه الجارية أنها قالت: بَرّدَ أبو ليلى المسمار الذى فى القيد، حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء. قالت: وجاء شفيع الخادم عشيّةً من العشايا إلى أبى ليلى ، فقعد معه يحدّثه، فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحًا ، ففعل ، ثم قام الخادم لحاجته . قالت : فأمرنى أبو ليلى ، ففرشتُ فراشه ، فجعل عليه ثيابا فى موضع الإنسان من الفراش، وغطّى على الثياب باللِّحاف ، وأمرنى أن أقعد عند رِجْل الفراش ، وقال لى: إذا جاء شفيع لينظر إلىّ ويقفل الباب ، فسألك عنّى فقولى : هو نائم. وخرج أبو ليلى من البيت، فاختفى فى جوف فرش ومتاع فى صُفَّة فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر إلى الفراش، وسأل الجارية فأخبرته أنه قد نام ، فأقفل الباب ؛ فلمَّا نام الخادم ومَنْ معه فى الدار التى فى القلعة خرج أبو ليلى، فأخذ السيف من تحت فراش شفيع ، وشدّ علیه فقتله، فوثب الغلمان الذین کانوا ینامون حوله فزعین، فاعتزهم أبو ليلى والسيف فى يده ، وقال لهم : أنا أبو ليلى قد قتلتُ شفيعًا، ولئن تقدم إلىّ منكم أحد لأقتلنَّه وأنتم آمنون ؛ فاخرجوا من الدار حتى أكلِّمَكم بما أريد ، ففتحوا باب القلعة(٢)، وخرجوا، وجاء حتى قعد على باب القلعة، واجتمع الناس ممَّن ٢١٨٢/٣ كان فى القلعة(٣)، فكلّمهم ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الأيْمان. فلمَّا أصبح نزل من القَلْعة ، ووجَّه إلى الأكراد وأهل الزّموم ، فجمعهم وأعطاهم، وخرج مخالفًا على السلطان . وقيل إن قتله الخادم كان فى ليلة السبت لاثنتى عشرة بقيت من ذى القعدة من هذه السنة ، وقيل: إنه ذبح الخادم ذبحاً ] (١) ب: ((بنفسه)) . (٣) س: ((بالقلعة)). (٢) س: ((الباب)). ٦٦ سنة ٢٨٤ بسكين كان أدخلها إليه غلامه ، ثم أخذ السيف من تحت فراش الخادم وقام به إلى الغلمان . وفى هذه السنة - وهى سنة أربع وثمانين ومائتين - كان المنجّمون يوعدون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وأنّ إقليم بابل لا يسلم منه إلا اليسير، وأنّ ذلكيكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه فى الأنهار والعيون والآبار ، فقحط الناس فيها فلم يروْا فيها من المطر (١) إلا اليسير، وغارت المياه فى الأنهار، والعيون والآبار، حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرات . ولليلة بقيت من ذى الحجة من هذه السنة كانت - فيما ذكر - وقعة بين عيسى النُّوشرىّ وبين أبى ليلى بن عبد العزيز بن أبى دلف، وذلك يوم الخميس دون أصبهان بفرسخین ، فأصاب أبا لیلی سھم فی حلقه - فیما ذكر- فنحره ، فسقط عن دابّته ، وانهزم أصحابه ، وأخِذ رأسه فحُمِل إلى أصبهان . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمىّ المعروف بأترجمَّة . (١) س: ((شيئاً من المطر)). ٦٧ ٢١٨٣/٣ ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من قطع صالح بن مُدرك الطائىّ فى جماعة من طَيِّئ على الحاجّ بالأجفُريوم الأربعاء لاثنتى عشرة بقَيْت من المحرم ، فحاربه الجنّىّ الكبير، وهو أمير القافلة، فظفر الأعراب بالقافلة؛ فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتِّجارات ، وأخذوا جماعة من النِّساء الحرائر والممالك . وقيل إنّ الذى أخذوا من الناس بقيمة ألفى ألف دينار . ولسبع بقين من المحرم منها قُرئ على جماعة من حاجّ خُراسان فى دار المعتضد بتولية عمرو بن الليث الصّفَّار ما وراء نهر بلخ ، وعزل إسماعيل بن أحمد عنه . ولخمس خلون من صفر منها ورد مدينة السلام وصيف كامه مع جماعة من القوّاد من قِبَل بدر مولى المعتضد وعبيد الله بن سليمان من الجبل ، معهم رأس الحارث بن عبد العزيز بن أبى دُلف المعروف بأبى ليلى، فمضوا به إلى دار المعتضد بالثريًا ، فاستوهبه أخوه فوهبه ، واستأذنه فى دفنه فأذن له ، وخلع على عمر بن عبد العزيز فى هذا اليوم وعلى جماعة من القواد القادمين (١). وفيها - فيما ذكر- كتب صاحب البريد من الكوفة، يذكر أن ريحًا صفراء ٢١٨٤/٣ ارتفعت بنواحى الكوفة فى ليلة الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأول ، فلم تزل إلى وقت صلاة المغرب، ثم استحالت سوداءَ، فلم يزل الناس فى تضرّع إلى الله. وإنّ السماء مطرت بعقب ذلك مطراً شديداً برعود هائلة وبروق متصلة، ثم سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمدأباذ ونواحيها حجارة بيض وسود مختلفة الألوان، فى أوساطها ضَغْطة شبه أفهار العطارين ، فأنفذ منها حَجَراً ، فأخرج إلى الدواوين والناس حتى رأوه . (١) ب: ((والقادمين)). ٦٨ سنة ٢٨٥ ولتسع بقين منه شخص ابن الإخشاد أميراً على طَرَسوس من بغداد مع النَّفْر الذين كانوا قدموا منها يسألون أن يولّى عليهم والٍ . وخرج أيضًا فى هذا اليوم من بغداد فاتك مولى المعتضد للنّظر فى أمور العمّال بالموصل وديار ربيعة وديار مضر والثغور الشأمية والجزرية وإصلاح الأمور بها إلى ما كان يتقلده من أعمال البريد بهذه النواحى . وفى هذه السنة ورد الخبر - فيما ذُكر - من البصرة أن ريحًا ارتفعت بها بعد صلاة الجمعة لخمس بقين من شهر ربيع الأول صفراء ، ثم استحالت خضراء ثم سوداء ، ثم تتابعت الأمطار بما لم يرْوا مثلَها ، ثم وقع بردٌ كبار كان وزن البَرَدَة الواحدة مائة وخمسين درهمًا - فيما قيل - وأن الربح أقلعت من نهر الحسين خمسمائة نخلة وأكثر، ومن نهر معقل مائة نخلة عدداً . وفيها كانت وفاة الخليل بن ريمال (١) بحلوان . ٢١٨٥/٣ ولخمس خلوْن من جمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان أن بكر بن عبد العزيز بن أبى دُلف تُوُفِّىَ بطَبَرِستان من علَّة أصابته ، ودفن هنالك. فأعطى الذى جاء بالخبر - فيما ذكر - ألف دينار. وفيها ولّى المعتضد محمد بن أبى الساج أعمال أَذْرَبيجان وأرمينية، وكان قد تغلَّب عليها وخالف ، وبعث إليه بخلع وحُملان . وفيها ورد الخبر لثلاث خلوْن من شعبان أنّ راغبًا الخادم مولى الموفَّق غزا فى البحر، فأظفره اللّه بمراكب كثيرة، وبجميع مَنْ فيها من الرُّوم ، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الرّوم الذين كانوا فى المراكب، وأحرق المراكب ، وفتح حصونًا كثيرة من حصون الروم ، وانصرفوا سالمين . وفى ذى الحجّة منها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عيسى بن شيْخ وقيام ابنه محمد بن أحمد بن عيسى بما كان فى يد أبيه بآمد ، وما يليها على سبيل التغلب . ولإحدى عشرة بقيت من ذى الحجة منها خرج المعتضد من بغداد قاصداً إلى آمِدٍ ، وخرج معه ابنه أبو محمد والقوّاد والغلمان ، واستخلف ببغداد صالحاً (٢) ابن الأثير: ((رمال)). ٦٩ سنة ٢٨٥ الأمين الحاجب ، وقلَّده النَّظر فى المظالم وأمر الجسرين وغير ذلك . وفيها وجَّه هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ومَنْ معه من قوّاد المصريين إلى المعتضد وصيفَ قاطرميز، يسألونه مقاطعتهم(١) عمّا فى أيديهم من مصر والشأم ، وأجرى هارون على ما كان يجرى عليه أبوه ، فقدم وصيف بغداد، فردّه المعتضد، ووجَّه معه عبد الله بن الفتح ليشافههم برسائل، ويشترط ٢١٨٦/٣ عليهم شروطًا، فخرجا لذلك فى آخر هذه السنة . وفيها غزا ابن الأخشاد بأهل طَرَسُوس وغيرهم فى ذى الحجة، وبلغ سلنْدُو، وفتح عليه ، وكان انصرافه إلى طرسوس فى سنة ست وثمانين ومائتين . وحجّ بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمىّ . (١) ب: ((معاطفتهم)). ٧٠ ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث الجليلة فمن ذلك ما كان من توجيه محمد بن أبى الساج ابنه المعروف بأبى المسافر إلى بغداد رهينةً بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة، فقدم - فيما ذكر - يوم الثلاثاءِ ، لسبع خلوْن من المحرّم منها ، معه هدايا من الدواب" والمتاع وغير ذلك، والمعتضد يومئذ غائب عن بغداد . وفى شهر ربيع الآخر منها ورد الخبر أنّ المعتضد بالله وصل إلى آمد ، فأناخ بجنده عليها ، وأغلق محمد بن أحمد بن عيسى بن شيخ عليه أبواب مدينة آمد، وعلى من فيها من أشياءه . ففرّق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم ، وذلك لأيام بقيَتْ من شهر ربيع الأول ، ثم جرت بينهم حروب ، ونَصِب عليهم المجانيق ، ونَصب أهل آمد على سورهم المجانيق ، وتراموا بها . وفى يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى وجّه محمد بن أحمد ابن عيسى (١) إلى المعتضد يطلب لنفسه ولأهله ولأهل آمد الأمان، فأجابه إلى ذلك ، فخرج محمد بن أحمد بن عيسى فى هذا اليوم ومَنْ معه من أصحابه وأوليائه فوصلوا إلى المعتضد، فخلع عليه (٢) وعلى رؤساء أصحابه، وانصرفوا إلى مضرب قد أعِدّ لهم، وتحوّل المعتضد من عسكره إلى منازل ابن عيسى ٢١٨٧/٣ ابن شيخ ودوره؛ وكتب بذلك كتابًا إلى مدينة السَّلام مؤرّخًا بيوم الأحد لعشر بقين من جمادى الأولى . ولخمس بقين من جمادى الأولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد إلى مدينة السلام ، وقرئ على المنبر بالجامع . وفيها انصرف عبد اللّه بن الفتح إلى المعتضد وهو مقيم بآمد من مصر بأجوبة كتُبه إلى هارون بن خمارويه، وأعلمه أنّ هارون قد بذل أن يسلم أعمال قِنَّسرين والعواصم ، ويحمل إلى بيت المال ببغداد فى كلّ سنة أربعمائة ألف (١) ب: ((ابن الشيخ)). (٢) ب: ((عليهم)). ٧١ سنة ٢٨٦ وخمسين ألف دينار، وأنه يسأل أن يجدّد له ولاية على مصر والشام، وأن يوجَّه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك ؛ فأجابه إلى ما سأل ، وأنفذ إليه بدراً القدامىّ وعبد الله بن الفتح بالولاية والخلع، فخرجا من آمد إلى مصر بذلك، وتسلم عمّال المعتضد أعمال قِنَّسرين والعواصم من أصحاب هارون فى جُمادى الأولى ، وأقام المعتضد بآمدبقيّة جُمادى الأولى وثلاثة وعشرين يومًا من جمادى الآخرة . ثم ارتحل منها يومَ السَّبت لسبع بَقين منها نحو الرَّقة، وخلّف ابنه عليًّاً بآمد مع جيوش ضمَّهم إليه لضبط الناحية وأعمال قِنَّسرين والعواصم وديار ربيعة وديار مُضر (١). وكان كاتب علىّ بن المعتضد يومئذ الحسين بن ٢١٨٨/٣ عمرو النّصرانىّ ، وقلد الحسين بن عمرو النظر فى أمور هذه النواحى ومكاتبة العمّال بها ، وأمر المعتضد بهدم سور آمد فهُدم . ۔ وفيها وافتْ هديّة عمرو بن الليث الصفّار من نيسابور إلى بغداد ، فكان مبلغ المال الذى وجّهه أربعة آلاف ألف درهم، وعشرين من الدواب، بسروج ولُجم محلاّة مغرّقة ومائة وخمسين دابة بجلال مشهرة وكسوة وطيب وبُزاة ، وذلك فى يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة . وفى هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبى سعيد الجنّابىّ بالبحرين ، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة ؛ وكان خروجه - فيما ذُكر- فى أول هذه السنة، وكثر أصحابه فى جمادى الآخرة، وقوى أمرُه، فقتل من حوله من أهل القرى ، ثم صار إلى موضع يقال له القَطيف، بينه وبين البصرة مراحل، فقَّل مَنْ بها. وذكر أنه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمد بن يحيى الواثقىّ - وكان يتقلّد معاون البصرة وكور دجلة فى ذلك الوقت - إلى السلطان بما اتَّصل به من عَزْم هؤلاء القرامطة ؛ فكتب إليه وإلى محمد بن هشام المتولِى أعمالَ الصّدقات والخراج والضّياع بها، فى عمل سور على البصرة، فقُدّرت (٢) النفقة على ذلك أربعة عشر ألف دينار، فأمر بالإنفاق عليه فبُنِى . وفى رجب من هذه السّنة صار إلى الأنبار جماعة من أعراب بنى شيبان، ٢١٨٩/٣ (١) ب: ((ومضر)). (٢) س: ((فقدر)). ١ ٧٢ سنة ٢٨٦٠ فأغاروا على القرى ، وقتلوا من لحقوا من الناس ، واستاقوا المواشىَ . فخرج إليهم أحمد بن محمد بن كُمُشْجور المتولّى المعاون بها، فلم يُطقهم . فكتب إلى السلطان يخبره بأمورهم . فوجّه من مدينة السلام نفيسًا المولدىّ وأحمد بن محمد الزَّرَنْجِىّ والمظفّر بن حاجّ مددًا له فى زُهاء ألف رجل؛ فصاروا إلى موضع الأعراب ، فواقعوهم بموضع يعرف بالمنقبة من الأنبار، فهزمهم الأعراب، وقتلوا أصحابتهم وغَرِق أكثرهم فى الفرات ، وتفرّقُوا . فورد كتاب ابن حاجٌ يوم الاثنين لستّ بقين من رجب بخبر هذه الوقعة وهزيمة الأعراب إياهم ، فأقام الأعراب يعيثُون فى الناحية، ويتخفّرون القرى، فكُتب إلى المعتضد بخبرهم، فوجّه إليهم لقتالهم من الرّقة العباس بن عمرو الغَنَوىّ وخفيفًا الأذكوتكينىّ وجماعة من القوّاد. فصار هؤلاء القوّاد إلى هيت فى آخر شعبان من هذه السنة . وبلغ الأعرابَ خبرُهم ، فارتحلوا عن موضعهم من سواد الأنبار، وتوجهوا نحو عين التّمر، فنزلوها(١) ودخل القواد الأنبار ، فأقاموا بها ، وعاث الأعراب بعين التّمر ونواحى الكوفة ؛ مثل عيثهم بنواحى الأنبار، وذلك بقية شعبان وشهر رمضان . ٢١٩٠/٣ وفيها وجّه المعتضد إلى راغب مولى أبى أحمد وهو بَطَرسُوس ، يأمره بالمصير إليه بالرّقة (٢)، فصار إليه وهو بها، فلمّا وصل إليه تركه فى عسكره يومًا ثم أخذه من الغد فحبسه ؛ وأخذ جميع ما كان معه (٣)؛ وورد الخبر بذلك] مدينة السلام يوم الاثنين لتسع خلون من شعبان ، ثم مات راغب بعد أيام، وقُبض على مكنون غلام راغب وعلى أصحابه، وأخذ ماله بَطَرَسُوس يوم الثلاثاء لستّ بقين من رجب ، وكان المتولّى أخذهم ابن الإخشاد . ولعشر بقين من شهر رمضان منها وجه المعتضد مؤنسًا الخازن إلى الأعراب بنواحى الكوفة وعين التَّمر، وضم إليه العباس بن عمرو وخفيفًا الأذكوتكينىّ وغيرهما من القوّاد ، فسار مؤنس ومَنْ معه حتى بلغ الموضع المعروف بِنِينوَى ، فوجد الأعراب قد ارتحلوا عن موضعهم ، ودخل بعضهم إلى برّيّة طريق مكة (١) ب: ((فنزلوه)). (٢) ب: ((إلى الرقة)). (٣) ابن الأثير: ((له)). ٧٣ سنة ٠٢٨٦ وبعضهم إلى برّية الشأم ، فأقام بموضعه أيامًا ، ثم شخص إلى مدينة السلام . وفى شوال منها قلّد المعتضد وعبيد الله بن سليمان ديوان المشرق محمدَ بن داود ابن الجراح، وعزل عنه أحمد بن محمد بن الفرات، وقُلِّد ديوان المغرب علىّ بن عيسى بن داود بن الجراح ، وعُزِل عنه ابن الفرات . ٠٠٠ ٠٫٧٠ ,٠٠ ٧٤ ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٢١٩١/٣ فمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمد بن أحمد بن عيسى بن شيخ وعلى جماعة من أهله وتقييده إياهم ، وحبسه لهم فى دار ابن طاهر ؛ وذلك أنه صار بعض أقربائه - فيما ذُكر - إلى عبيد الله بن سليمان، فأعلمه أنّ محمداً على الهرب فى جماعة من أصحابه وأهله ، فكتب بذلك عُبيد الله إلى المعتضد، فكتب إليه المعتضد يأمره بالقبض عليه ، ففعل ذلك يوم الأربعاء لأربع خلوْن من المحرم منها . وفى هذا الشهر من هذه السنة ورد كتاب أبى الأغرّ على السلطان أنّ طيّئًا تجمّعت له ، وحشدوا(١) واستعانوا بمَنْ قدروا عليه من الأعراب، واعترضوا قافلة الحاجّ ، فواقعوهم لمّا جاوزوا المعدن منصرفين إلى مدينة السلام من مكة ببضعة عشر ميلا ، وأقبل إليهم فرسان الأعراب ورجّالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وإبلهم ؛ وكانت رَجّالتهم أكثر من ثلاثة آلاف ، فالتحمت الحرب بينهم ، ولم تنزل الحرب بينهم يومهم أجمع ، وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذى الحجّة ، فلما جنّهم الليل باينوهم ؛ فلمّا أصبحوا غادوْهم الحرب غداةَ يوم الجمعة إلى حين انتصاف النهار . ثم أنزل الله النصر على أوليائه وولّى الأعراب منهزمين، فما اجتمعوا بعد تفرّقهم (٢)، وأنه سار هووجميع الحاجّ سالمين ، وأنفذ كتابه مع سعيد بن الأصفر بن عبد الأعلى ، وهو أحد وجوه بنى عمه والمتولىّ كان للقبض على صالح بن مدرك . وفى يوم السبت لثلاث بقين من المحرّم وافى أبو الأغرّ مدينة السلام، وبين يديه رأس صالح بن مدرك ، ورأس جحْنَش ، ورأس غلام لصالح أسود، وأربعة أسارى من بنى عمّ صالح ، فمضى إلى دار المعتضدِ ، فخلع ٢١٩٢/٣ (١) س: ((وحشدت)). (٢) ب: ((تفريقهم)). ٠ سنة ٢٨٧ ٧٥ عليه ، وطُوّق بطوْق من ذهب ، ونُصِبت الرءوس على رأس الجسر الأعلى بالجانب الشرقىّ ، وأدخل الأسرى المطامير . ولأربع ليال بقين من صفر منها، دخل المعتضد من متنزّهِه ببرَازِ الرّوز إلى بغداد ، وأمر ببناء قصر فى موضع اختاره من براز الرّوز، فحمل إليه الآلات ، وابتدأ فى عمله. وفى شهر ربيع الأول منها غَلُظ أمر القرامطة بالبحرين ، فأغاروا على نواحی ھجر ، وقرب بعضهم من نواحى البصرة ، فكتب أحمد بن محمد بن يحيى الواثقىّ يسأل المددَ، فوجه إليه فى آخر هذا الشهر بثمانى شَذَوَات ، فيها ثلثمائة رجل ، وأمر المعتضد باختيار جيش لينفذه إلى البصرة . وفى يوم الأحد لعشرٍ خلوْن من شهر ربيع الآخر ، قعد بدر مولى المعتضد فى داره ، ونظر فى أمور الخاصّة والعامة من الناس والخراج والضياع والمعاون . وفى يوم الاثنين لإحدى عشرة خلْت من شهر ربيع الآخر ، مات محمد بن عبد الحميد الكاتب المتولى ديوانَ زمام المشرق والمغرب . وفى يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه ولّى جعفر بن محمد بن حفص هذا الديوان، فصار من يومه إلى الديوان وقعد فيه . وفى شهر ربيع الآخر منها ولتى المعتضدُ عبّاسَ بن عمرو الغَنَوىّ اليمامة ٢١٩٣/٣ والبحرين ومحاربة أبى سعيد الجنّابىّ ومَنْ معه من القرامطةَ، وضمّ (١) إليه زُهاء ألفيْ رجل ، فعسكر العبّاس بالفِرْكِ أيامًا حتى اجتمع إليه أصحابُه ، ثم مضى إلى البصرة ، ثم شخص منها إلى البحرين واليمامة . وفيها - فيما ذكر - وافى العدوّ باب قلمية من طَرَسُوس، فنفر أبو ثابت وهو أمير طرسوس بعد موت(٢) ابن الإخشاد - وكان استخلفه على البلد حین غزا- فمات وهو على ذلك؛ فبلغ فى نفيره إلى نهر الرَّيحَان فى طلب العدوّ ، فَأسِرّ أبو ثابت وأصيب الناس ؛ فكان ابن كلوب غازيًا فى درب السلامة ؛ فلمّا (١) ب: ((فضم)). (٢) س: ((موافاة)). ٧٦ : سنة ٢٨٧ قفل من غَزَاتِه جمع المشايخ من أهل الثغر ليتراضوا بأميرٍ يلى أمورهم، فاتّفق رأيُهم على علىّ بن الأعرابىّ ، فولّوه أمرهم بعد اختلاف من ابن أبى ثابت . وذكر أن أباه استخلفه، وجمع جمعًا لمحاربة أهل البلد حتى توسّط الأمرَ ابن كلوب ، فرضَ ابنُ ثابت ؛ وذلك فى شهر ربيع الآخر ، وكان النُّغَيْل حينئذ غازيًا ببلاد الروم ، فانصرف إلى طَرَسُوس ، وجاء الخبر أن أبا ثابت حُمِل إلى القسطنطينية من حصن قُونِيّة ، ومعه جماعة من المسلمين . ٢١٩٤/٣ وفى شهر ربيع الآخر مات إسحاق بن أيوب الذى كان إليه المعاون بديار ربيعة ، فقلّد ما كان إليه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر (١). وفى يوم الأربعاء لخمس بقين من جمادى الأولى ، ورد كتاب - فيما ذكر - على السلطان بأنّ إسماعيل بن أحمد أسرّ عمراً الصفار، واستباح عسكره ؛ وكان من خبر عمرو وإسماعيل ، أن عمراً سأل السلطانَ أن يولِّيه ما وراء النهر ، فولاَه ذلك، ووجّه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع ، واللواء على ما وراء النهر ، فخرج لمحاربة إسماعيل بن أحمد ، فكتب إليه إسماعيل بن أحمد : إنك قد وليت دنيا عريضة ، وإنما فى يدى ما وراء النهر ، وأنا فى ثغر ؛ فاقنع بما فى يدك، واتركنى مقيمًا بهذا الثغر. فأبى إجابته إلى ذلك ؛ فذكر له أمر نور بلخ وشدة عبوره، فقال: لو أشاء أن أسكره ببِدَرِ الأموال وأعبره لفعلتُ ؛ فلما أيس إسماعيل من انصرافه عنه جمع مَنْ معه والتّنّاءِ(٢) والدّهاقين ، وعبر النهر إلى الجانب الغربىّ ؛ وجاء عمرو فنزلَ بَلْخ ، وأخذ إسماعيل عليه النواحى ، فصار كالمحاصَر ، وندم على ما فعل ، وطلب المحاجزة - فيما ذكر - فأبى إسماعيل عليه ذلك ، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هُزم عمرو فولتى هاربًا ، ومرّ بأجمة فى طريقه، قيل له إنها أقرب ، فقال لعامّة مَنْ معه: امضُوا فى الطريق الواضح . ومضى فى نفر يسير ، فدخل الأجمة، فوحلت دابته؛ فوقعت،ولم یکن لهفىنفسه حيلة، ومضى من معه، ٢١٩٥/٣ ولم يلوُوا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل، فأخذوه أسيراً. ولما وصل الخبرُ إلى (١) ب: ((المعمر ). (٢) التناء : المقيمون فى البلاد لا يبرحونها . ٧٧ سنة ٢٨٧ المعتضد بما كان من أمر عمرو وإسماعيل ، مدح إسماعيل - فيما ذُكر - وذمّ عمراً. ولليلة بقيتْ من جمادى الأولى من هذه السنة ، ورد الخبر على السلطان أن وصيفًا خادم ابن أبى الساج ، هرب من بَرْذَعة ، ومضى إلى مَلَطْية مراغمًا لمحمد بن أبى الساج فى أصحابه(١)، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يوليه الثغور ، ليقوم بها ، فكتب إليه المعتضد يأمره بالمصير إليه ، ووجّه إليه رشيقاً الحرمىّ . ولسبع خلوْن من رَجب من هذه السنة تُوفّيَّتْ ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون ، زوجة المعتضد، ودفنت داخل قصر الرصافة . ولعشر خلون من رجب وفد على السلطان ثلاثة أنفس وجّههم وصيف خادم ابن أبى الساج إلى المعتضد، يسأله أن يوَلِّيّة الثغور، ويوجّه إليه الخلع، فذكرأنّ المعتضد أمر بتقرير الرُّسل بالسبب الذى من أجله فارق وصيف صاحبه ابن أبى الساج ، وقصد الثغور، فقُرِّروا بالضرب ، فذكروا أنه فارقه على مواطأة بينه وبین صاحبه، على أنه متی صار إلى الموضع الذى هو به متی لحق به صاحبه، فصارا جميعاً إلى مُضَر وتغلّبًا عليها ، وشاع ذلك فى الناس وتحدّثوا به . ز ولإحدى عشرة خلتْ من رَجب من هذه السنة وُلَِّ حامد بن العباس الخراج والضّياع بفارس؛ وكانت فى يد عمرو بن الليْث الصفار، ودُفعت كتبه بالولاية إلى أخيه أحمد بن العباس ، وكان حامد مقيمًا بواسط ، لأنه ٢١٩٦/٣ كان يليها وكور دجلة ، وكتب إلى عيسى النُّوشرىّ وهو بإصبهان بالمصير إلى فارس واليًا على معونتها . * [ خروج العباس بن عمرو الغنوىّ من البصرة ] وفى هذه السنة كان خروج العباس بن عمرو الغَنَوىّ - فيما ذكر - من البصرة بمن ضُّ إليه من الجند ، مع من خَفّ معه من مطوَّعة البصرة نحو أبى سعيد الجنّابىّ ومَن انضوى إليه من القرامطة، فلقيتهم (٢) طلائع لأبى سعيد ، فخلّف العباس سوادَه، وسار نحوهم ، فلقىَ أباسعيد ومَنْ (١) ب: ((وأصحابه)). (٢) س: ((فلقتّهم)). ٧٨ سنة ٢٨٧ معه مساء ، فتناوشوا القتال ، ثم حجز بينهم الليل ، فانصرف كلّ فريق منهما إلى موضعهم . فلمّا كان الليل انصرف مَن كان مع العباس من أعراب بنى ضَبّة - وكانوا زهاء ثلثمائة - إلى البصرة ، ثم تبعهم مطّوّعة البصرة ؛ فلما أصبح العباس غادى القرامطةَ الحرب ، فاقتتلوا قتالا شديداً . ثم إنّ صاحب ميسرة العباس - وهو نجاح غلام أحمد بن عيسى بن شيخ - حمل فى جماعة من أصحابه زُهاء مائة رجل على ميمنة أبى سعيد ؛ فوغَلُوا فيهم ، فقتِل وجميعُ من معه، وحمل الجنّابىّ وأصحابه على أصحاب العباس ، فانهزموا ، فاستأسر العباس ، وأسر من أصحابه زهاء سبعمائة رجل ، واحتوى الجنّابىّ على ما كان فى عسكر العباس ؛ فلما كان من غد يوم الوقعة أحضر الجنابىّ منْ كان أسر من أصحاب العباس ، فقتلهم جميعاً ، ثم أمر بحطب فطرٍ ح عليهم ، وأحرقهم . وكانت هذه الوقعةفيما ذكر - فى آخر رجب، وورد خبرها بغداد لأربع خلون من شعبان . ٢١٩٧/٣ وفيها - فيما ذكر - صار الجنّابىّ إلى هَجَر، فدخلها وآمن أهلها؛ وذلك بعد منصرفه من وقعة العباس ، وانصرفَ فَلُّ أصحاب العباس بن عمرو يريدون البصرة ، ولم يكن أفلت منهم إلاّ القليل بغير أزواد ولا كاً، فخرج إليهم من البصرة جماعة بنحو من أربعمائة راحلة ، عليها الأطعمة والكسا والماء ، فخرج عليهم - فيما ذكر - بنو أسد ، فأخذوا تلك الرواحل بما عليها ، وقتلوا جماعة ممن كان مع تلك الرواحل ومن أفلت من أصحاب العبّاس ؛ وذلك فى شهر رمضان ؛ فاضطربت البصرة لذلك اضطراباً شديداً وهمُّوا بالانتقال عنها، فمنعهم أحمد بن محمد الواثقىّ المتولّى لمعاونها من ذلك ، وتخوّفوا هجومَ القرامطة عليهم . ولثمان خَلَوْن من شهر رمضان منها - فيما ذكر - وردت خريطة على السلطان من الأبُلّة بموافاة العباس بن عمرو فى مركب من مراكب البحر ، وأن أبا سعيد الجنّابىّ أطلقه وخادمًا له . ولإحدى عشرة خلتْ من. شهر رمضان ، وافى العباس بن عمرو مدينة ٧٩ سنة ٢٨٧ السلام ، وصار إلى دار المعتضد بالثّريا ، فذكر أنه بقى عند الجنّابىّ أيامًا بعد الوقعة ، ثم دعا به ، فقال له : أتحبّ أن أطلقك؟ ، قال : نعم ، قال : امض وعرِّف الذى وجّه بك إلىّ ما رأيت . وحمله على رواحل ، وضمّ إليه رجالا من أصحابه ، وحمّلهم ما يحتاجون إليه من الزاد والماء ، وأمر الرجال الذين وجّههم معه أن يؤدّوه إلى مأمنه ، فساروا به حتى وصل إلى بعض السواحل ، فصادف به مركبًا ، فحمله ، فصار إلى الأبلة ، فخلع عليه المعتضد وصرفه إلى منزله . وفى يوم الخميس لإحدى عشرة خلتْ من شوّال ارتحل المعتضد من ٢١٩٨/٣ مَضْرَبَه بباب الشماسية فى طلب وصيف خادم ابن أبى الساج ، وكتم ذلك ، وأظهر أنه يريد ناحية ديار مُضَر . وفى يوم الجمعة لاثنتى عشرة خلتْ منه، ورد الخبر - فيما ذُكر- على السلطان أن القرامطة بالسواد من أهل جُنُبلاء وثبوا بواليهم بدر غلام الطائىّ ، فقتلوا من المسلمين جمعًا فيهم النساء والصبيان ، وأحرقوا المنازل . ولأربع عشرة خلت من ذى القعدة نزل المعتضد كنيسة السوداء فى طلب وصيف الخادم ، فأقام بها يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، حتى تلاحق به الناس ، وأراد الرحيل فى طريق المصيصة، فأتته العيون أنّ الخادم يريد عين زربة ، فأحضر الركّاضة الثغريّين وأهل الخبرة ، فسألهم عن أقصد الطريق إلى عين زربة ، فقطعوا به جيحان غداة الخميس لسبع عشرة خلت من ذى القعدة ، فقدّم ابنه عليًّا ومعه الحسن بن علىّ كوره ، وأتبعه بيجعفر بن سِعْر، ثم أتبع جعفراً محمد بن كُمُشْجور، ثم أتبعه خاقان المفلحىّ ، ثم مؤنس الخادم ، ثم مؤنس الخازن ، ثم مضى فى آثارهم مع غلمان الحجر، ومرّبعين زَرْبة؛ وضرب له بها مضرب، وخلّف بها خفيفًا السَّمْرقندىّ مع سواده ، وسار هو قاصداً للخادم فى أثر القوّاد ، فلما كان بعد صلاة العصر جاءته البشارات بأخذ الخادم ، ووافْوا به المعتضد ، فسلمه إلى مؤنس الخادم (١) ٢١٩٩/٣ (١) س: ((الخازن)). ٨٠ سنة ٢٨٧ وهو يومئذ صاحب شرطة العسكر، وأمر ببذل الأمان لأصحاب الخادم والنّداء فى العسكر ببراءة الذمة ممن وُجد فى رحله شىء من نهب عسكر الخادم ، ولم يردّه على أصحابه؛ فردّ الناس على كثير منهم ما انتهبوا من عسكرهم . وكانت الوقعة وأسرُ وصيف الخادم - فيما قيل- يوم الخميس لثلاث عشرة بقیت من ذى القعدة، وكان من اليوم الذى ارتحل المعتضد فيه من مضربه بباب الشماسيّة إلى أن قبض على الخادم ستة وثلاثون يوماً. ولما قبض المعتضد على الخادم انصرف فيما ذكر - إلى عين زربة، فأقام بها يومين، فلمّا كان فى صبيحة الثالث؛ اجتمع إليه أهل عين زربة، وسألوه أن يرحل عنهم لضيق المِيرة ببلدهم، فرحل عنها فى اليوم الثالث، فنزل المصّيصة يجميع عساكره إلاّ أبا الأغرّ خليفة بن المبارك؛ فإنه كان وجهه ليأخذ على الخادم الطريق لئلاً يصير إلى مرعش وناحية مَكْطية ، وكان الخادم قد أنفذ عياله وعيال أصحابه إلى مَرْعش ، وبلغ أصحاب الخادم الذين كانوا قد هربوا ما بذل لهم المعتضد من الأمان ، وما أمر بردّه عليهم من أمتعتهم ، فلحقوا بعسكر المعتضد داخلين فى أمانه . وكان نزول المعتضد بالمصيصة - فيما قيل - يوم الأحد لعشر بقين من ذى القعدة ، فأقام بها إلى الأحد الآخر ، وكتب إلى وجوه أهل طَرَسُوس فى المصِير إليه ، فأقبلوا إليهم منهم النُّغيل - وكان من رؤساء الثغر - وابن له ، ورجل يقال له ابن المهندس، وجماعة معهم، ٢٢٠٠/٣ فحبس هؤلاء مع آخرين، وأطلق أكثرهم . فحمل الذين حبسهم معه إلى بغداد ، وکان قد وجّد علیھم لأنھم - فیما ذ کر۔ کانوا کاتبوا وصيفًا الخادم، وأمر المعتضد بإحراق جميع المراكب البحرية التى كان المسلمون يغزون فيها وجميع آلاتها . وذكر أن دميانة غلام يازمان هو الذى أشار عليه لشىء کان فى نفسه على أهل طرسوس، فأحرق ذلك كله ، وكان فى المراكب نحو من خمسين مركبًا قديماً قد أنفق عليها أموالٌ جليلة لا يُعمل مثلها فى هذا الوقت فأحرقت ، فأضرّ ذلك بالمسلمين ، وكسر ذلك فى أعضادهم ، وقوِىّ به الروم ، وأمِنوا أن يُغْزوا فى البحر . وقلّد المعتضد الحسن بن علىّ كورة الثغور الشأمية بمسألة