Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
سنة ٢٦٩
إذا صرتم إلى ابن طولون ؛ فالأمر أمرُه ، وأنتم من تحت يده ومن جنده ؛
أفترضوْن بذلك؛ وقد علمتم أنه إنما هو كواحد منكم ! وجرت بينه وبينهم فى
ذلك مناظرة حتى تعالى النهار ، ولم يرتحل المعتمد بعدُ لاشتغال القوّاد بالمناظرة
بينهم بين يديه ، ولم يجتمع رأيهم بعدُ على شىء . فقال لهم ابن كنداج :
قوموا بنا حتى نتناظر فى هذا فى غير هذا الموضع ، وأكرموا مجلس أمير المؤمنين
عن ارتفاع الصوت فيه . فأخذ بأيديهم ، وأخرجهم من مضرب المعتمد
فأدخلهم مضرب نفسه ؛ لأنه لم یکن بقی مضرب إلاّ قد مضِى به غير مضربه ؛
لما كان من تقدّمه إلى فرَّاشيه وغلمانه وحاشيته وأصحابه فى ذلك اليوم ألاّ
تبرحوا إلاّ ببراحه. فلما صاروا إلى مضربه دخل عليه وعلى مَنْ معه (١) من
القواد جِلّةٌ غلمانه وأصحابه، وأحضرت القيود، وشدّ غلمانه على كلّ مَنْ كان
شخص مع المعتمد من سامُرًا من القوّاد ، فقيُّدُوهم ؛ فلما قيّدوا وفرغ
من أمرهم مضى إلى المعتمد ، فعذلَه فى شخوصه عن دار ملكه وملك آبائه
وفراقه أخاه على الحال التى هو بها من حرب مَنْ يحاول قتلَه وقتل أهل بيته
وزوال ملكهم ، ثم حمله والذين كانوا معه فى قيودهم حتى وافى بهم سامرًا .
٢٠٣٩/٣
وفيها قام رافع بن هرثمة بما كان الحُجُسْتانىّ غلب عليه من كُور خراسان
وقراها ؛ وکان رافع بن هرئمة قد اجتبی عدة من کور خراسان خراجها
سلفًا لبضع عشرة سنة ، فأفقر أهلها وخرّبها .
وفيها كانت وقعة بين الحسَيْنيّين والحسنيّين والجعفريِّين، فقتل من
الجعفريِّين ثمانية نفر، وعلا الجعفريون فتخلَّصُوا الفضل بن العباس العباسىّ
العامل على المدينة .
وفى جمادى الآخرة عقد هارون بن الموفّق لابن أبى الساج على الأنبار
وطريق الفرات ورحبةَ طوْق ، وولى أحمد بن محمد الطائىّ الكوفة وسوادها
المعاون والخراج، فصيتر المعاون باسم علىّ بن الحسين المعروف بكفتمر ، فلقى ٢٠٤٠/٣
(١) ب: ((وعلى كل من معه)).
--

٦٢٢
سنة ٢٦٩
أحمد بن محمد الهيصم العجلىّ فيها ، فانهزم الهيصم واستباح الطائىّ أمواله
وضياعه .
ولأربع خَلَوْن من شعبان منها ردّ إسحاق بن كنداج المعتمد إلى سامُرًا
فنزل الجوسق المطلّ على الحيْر.
ولمّان خَلَوْن من شعبان خلع على ابن كنداج ، وقلّد سيفين بحمائل :
أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره ، وسُمّىَ ذا السيفين، وختاع عليه بعد
ذلك بیومین قباء ديباج و وشاحان ، وتوّ ج بتاج ، وقلّد سيفاً كل ذلك منصص
بالجوهر، وشيّعه إلى منزله هارون بن الموفق وصاعد بن مخلد والقوّاد، وتغدّوا عنده .
٠
٠
[ ذكر الخبر عن إحراق قصر صاحب الزنج ]
وفى شعبان من هذه السنة أحرق أصحاب أبى أحمد قصر الفاسق، وانتهبوا
ما فيه .
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وسبب وصولهم إليه :
ذكر محمد بن الحسن ، أن أبا أحمد لما برأ الجرح الذى كان أصابه ، عاد
للذى كان عليه من مغاداة الفاسق الحرب ومراوحتيه ؛ وكان الخبيث قد أعاد
بناء بعض الثُّلَمَ التى ثُلِمِّت فى السور، فأمر الموفّق بهدم ذلك ، وهدم ما يتّصل
به ، وركب فى عشيّة من العشايا فى أوّل وقت العصر ؛ وقد كانت الحرب
متّصلة فى ذلك اليوم مما يلى نهر منكى ، والفسقة مجتمعون فى تلك الناحية قد
شغلوا أنفسهم بها ، وظنُّوا أنهم لا يحاربون إلاّ فيها ، فوافى الموفق وقد أعدّ
الفعلة ، وقرب على نهر مسنكى وناوش الفسقة فيه ؛ حتى إذا استعرت (١) الحرب
أمر الجذّافين والاشتيامين أن يحثّوا السير حتى ينتهوا إلى النّهر المعروف بجُوى كور،
وهو نهر يأخذ من دِجْلة أسفل من النهر المعروف بنهر أبى الخصيب ؛ ففعلوا
ذلك ؛ فوافتى جوى كور، وقد خلا من المقاتلة والرّجال ، فقرب وأخرج الفعلة ،
٢٠٤١/٣
(١) ابن الأثير: ((اشتدت)).

٦٢٣
سنة ٢٦٩
فهدموا من السور ما كان يلى ذلك النهر ، وصعد المقاتنة وولجوا النهر ؛ فقتلوا
فيه مقتلة عظيمة، وانتهوا إلى قصور من قصور الفَسقة ، فانتهبوا ما كان
فيها وأحرقوها ، واستنقذوا عددًا من النساء اللواتي كنّ فيها ، وأخذوا خيلا من
خيل الفجرة ، فحملوها إلى غربىّ دِجْلة ، فانصرف الموفّق فى وقت غروب
الشمس بالظفر والسلامة ، وغاداهم الحرب والقصد لهدم السور ، فأسرع فيه
حتى اتّصل بدار المعروف بأنكلاى ؛ وكانت متصلة بدار الخبيث ؛ فلما
أعيت الحيلُ الخبيث فى المنْع من هدم السور، ودفع أصحاب الموفّق عن ولوج
مدينته ، أسقط فى يديه ؛ ولم يدر كيف يحتال لحسْم ذلك ، فأشار عليه
علىّ بن أبان المهلبيّ بإجراء الماء على السباخ التى يسلكها أصحاب الموفق لئلا
يجدوا إلى ساوكها سبيلا ، وأن يحفر خنادق فى مواضع عدّة يعوقهم بها عن
دخول المدينة، فإن حملوا أنفسهم (١) على اقتحامها فوقعت عليهم هزيمة ،
لم (٢) يسهل عليهم الرجوع إلى سفنهم ؛ ففعلوا ذلك فى عدة مواضع من
مدينتهم ، وفى الميدان الذى كان الخبيث جعله طريقًا حتى انتهت تلك الخنادق
إلى قريب من داره . فرأى الموفق بعد ما هيّأ الله له من هدم سور مدينة الفاسق
ما هيّأ أن جعل قصده لطمّ الخنادق والأنهار والمواضع المعوّرة (٣) كى تصلح فيها
مسالك الخيل والرّجالة . فرام ذلك ، فحامى عنه الفسقة . ودامت الحرب
وطالت ووصل إلى الفريقين من القتل والجراح أمرٌ عظيم (٤)؛ حتى لقد عُدّ
الجرحى فى بعض تلك الأيام زُهاء ألفىْ جَريح؛ وذلك لتقارُب الفريقين فى
وقت القتال ، ومنع الخنادق كل فريق منهم عن إزالة مَنْ بإزائه عن موضعهم.
فلما رأى ذلك الموفّق قصد لإحراق دار الخبيث والهجوم عليها من دِجْلة ،
وكان يعوّق عن ذلك كثرةُ ما أعدّ الخبيث من المقاتلة والحماة عن داره ؛
فكانت الشذا إذا قربت من قَصْره رموا من سُوره ومن أعلى القصر بالحجارة
والنشّاب والمقاليع والمجانيق والعرّادات ، وأذيب الرصاص ، وأفرغ عليهم ؛
فكان إحراق داره يتعذّر عليهم لما وصفنا ؛ فأمر الموفق بإعداد ظلال من خشب
٢٠٤٢/٣
(١) ب: ((نفسهم)).
(٣) ابن الأثير: ((المنورة)).
(٢) س: ((ولم)).
(٤) س: ((غليظ)) .

٦٢٤
سنة ٢٦٩
للشّذًا وإلباسها جلود الجواميس، وتغطية ذلك بالخيش المطلىّ بصنوف العقاقير
والأدوية التى تمنع النار من الإحراق ، فعمل ذلك، وطُليت به عدّة شَد وات
ورتّب فيها جميعاً شجعاء غلمانه: الرامحة والناشبة، وجمعاً من حُذّاق النفَّطين
وأعدّهم لإحراق دار الفاسق صاحب الزَّنج .
فاستأمن إلى الموفّق محمد بن سمعان كاتب الخبيث ووزيره فى يوم الجمعة
لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة تسع وستين ومائتين، وكان سبب استثمانه
- فيما ذكر محمد بن الحسن - أنه كان ممّن امتحن بصحبته ، وهو لها كارهٌ
على علم منه بضلالته . قال : وكنتُ له على ذلك مواصلاً ، وكنّا جميعًا ندبِر
الحيلة فى التخلّص ، فيتعذّر علينا ، فلما نزل بالخبيث من الحصار ما نزل ،
وتفرّق عنه أصحابه ، وضَعُف أمره ؛ شمّر فى الحيلة للخلاص ، وأطلعنى على
ذلك، وقال : قد طبتُ نفسا بألاً أستصحب ولداً ولا أهلا ، وأن أنجوَ وحيداً ؛
فهل لك فى مثل ما عزمت عليه ؟ فقلت له : الرأى لك ما رأيت ؛ إذ كنتَ إنما
تخلّف ولداً صغيراً لا سبيل للخائن عليه إلى أن يصول به، أو أن يحدث عليك
فيه حدثًا يلزمك عاره؛ فأمّا أنا فإنّ معى نساء يلزمنى عارهنّ ، ولا يسعنى
تعريضهنّ لسطوة الفاجر؛ فامضٍ لشأنك؛ فأخبِرْ عنى بما علمت من نيّتى
فى مخالفة الفاجر وكراهة صحبته ؛ وإن هيّأ اللّه لى الخلاص بولدى، فأنا سريع
٢٠٤٤ اللحاق بك ، وإن جرت المقادير فينا بشىء كنا معًا وصبرنا.
فوجّه محمد بن سمعان وكيلاً له يعرف بالعراقىّ ، فأتى عسكر الموفّق ، فأخذ
له ما أراد من الأمان، وأعدّ له الشذا، فوافتْه فى السَّبَخة فى اليوم الذى
ذكرنا ، فصار إلى عسكر الموفق . وأعاد الموفق محاربة الخبيث والقصد للإحراق
من غد اليوم الذى استأمن فيه محمد بن سمعان ؛ وهو يوم السبت لإحدى عشرة
ليلة بقيت من شعبان سنة تسع وستين ومائتين ، فى أحسن زىّ ، وأكمل عدّة ،
ومعه الشَّذَوات المطليّة بما وصفنا، وسائر شذ واته وسُميريّاته فيها مواليه وغلمانه
والمعابر التى فيها الرَّجالة . فأمر الموفّق ابنته أبا العباس بالقصد إلى دار محمد
ابن يحيى المعروف بالكرّنبائىّ، وهى بإزاء دار الخائن فى شرقىّ النهر المعروف
بأبى الخصيب ، يشرع على النهر وعلى دجلة، وتقدّم إليها فى إحراقها وما يليها

٦٢٥
سنة ٢٦٩
من منازل قوّاد الخائن ، وشغلهم بذلك عن إنجاده ومعاونته ، وأمر المرتبين فى
الشَّذا المظلّلة بالقصد ؛ لما كان مطلاً على دِجْلة من رواشين الخبيث وأبنيته ،
ففعلوا ذلك، وألصقوا شذّواتِهم بسور القصر ، وحاربوا الفجرة أشدّ حرب ،
ونضحوهم بالنيران ، وصبر الفسقة وقاتلوا ، فرزق الله النصر عليهم ، فتزحزحوا
عن تلك الرواشين والأبنية التى كانوا يحامون عليها ، وأحرقها غلمان الموفق ،
وسِلِمٍ مَنْ كان فى الشَّذًا مما كان الخبثاء يكيدونهم به من النشاب والحجارة
وصبّ الرصاص المذاب وغير ذلك بالظلال التى كان اتّخذها على الشّذا ،
فكان ذلك سببًا لتمكنها من دار الخبيث .
٢٠٤٥/٣
وأمر الموفّق مَنْ كان فى الشَّا بالرجوع فرجعوا، فأخرج مَنْ كان
فيها من الغلمان ، ورتّب فيها آخرين ، وانتظر إقبال المدّ وعلوّه ؛ فلما تهيأ
ذلك عادت الشَّذَوَات المظلمة إلى قصر الخبيث، فأمر الموفّق مَنْ كان فيها
بإحراق بيوت كانت تشرّع على دِجْلة من قصر الفاسق ؛ ففعلوا ذلك ،
فاضطرمت النار فى هذه البيوت ، واتّصلت بما يليها من الستارات التى كان
الخبيث ظلّل بها دارَه، وستور كانت على أبوابه ، فقويت النار عند ذلك على
الإحراق ، وأعجلت الخبيث ومَنْ كان معه عن التوقّف على شىء مما كان
فى منزله من أمواله وذخائره وأثاثه وسائر أمتعته ، فخرج هارباً ، وترك ذلك كله .
وعلا غلمان الموفّق قصر الخبيث مع أصحابهم ؛ فانتهبوا ما لم تأت النار عليه
من الأمتعة الفاخرة والذهب والفضة والجوهر والحلى وغير ذلك ؛ واستنقذوا جماعة
من النساء اللواتِى كان الخبيث استرقّهنّ ، ودخل غلمان الموقّق سائرَ دور
الخبيث ودور ابنه أنكلاى ، فأضرموها ناراً ، وعظم سرور الناس بما هيأ اللّه
لهم فى هذا اليوم . فأقام جماعة يحاربون الفَسقة فى مدينتهم وعلى باب قصر
الخبيث، مما يلبى الميدان، فأثخنوا فيهم القتل والجراح والأسْر ، وفعل أبو العباس
فى دار المعروف بالكرنبائىّ وما يتصل بها من الإحراق والهدم والنهب مثل ذلك.
وقطع أبو العباس يومئذ سلسلة حديد عظيمة وثيقة كان الخبيث قطع بها نهر
أبى الخصيب ليمنع (١) الشّذا من دخوله، وحازها، فحُملت فى بعض شَذَوَاتِه
٢٠٤٦/٣
(١) ب: (ليمتنع)).

٦٢٦
سنة ٢٦٩
وانصرف الموفّق بالناس صلاة المغرب بأجمل ظفر، وقد نال الفاسقَ فى ذلك
اليوم فى نفسه وماله وولده وما كان غلب عليه من نساء المسلمين مثل الذى
أصاب المسلمين منه من الذّعر والجلاء وتشتيت الشمل والمصيبة فى الأهل
والولد ، وجُرح ابنه المعروف بأنكلاى فى هذا اليوم جراحة شديدة فى بطنه
أشفى منها على التلف (١).
٥
٥
[ ذكر الخبر عن غرق نصير المعروف بأبى حمزة ]
وفى غد هذا اليوم وهو يوم الأحد لعشر بقين من شعبان من هذه السنة
غرق نصير .
. ذكر سبب غرقه :
ذكر محمد بن الحسن أنه لما كان غد هذا اليوم(٢)، باكر الموفّق محاربة
الخبيث ، وأمر نصيراً المعروف بأبى حمزة بالقَصْد لقنطرة كان الخائن عملها
بالسياج على النهر المعروف بأبى الخصيب، دون الجسريْن اللذيْن اتخذهما
عليه، وأمر زِيَرَك بإخراج أصحابه مما يلى دار الجُبّانِىّ لمحاربة مَنْ هناك من
الفَجرة، وأخرج(٣) جمعًا من قوّادها مما يلى دار أنكلاى لمحار بتهم أيضًا ،
فتسرّع نُصير ، فدخل نهر أبى الخَصِيب فى أوّل المدّ فى عدّة من شَذَواته ،
فحملها المدّ فألصقها بالقنطرة، ودخلت عِدّة من شَذَوَات موالى الموفّق
وغلمانه ممن لم يكن أمير بالدخول، فحملهم المدّ فألقاهم على شَذَوات نصير،
فصكّت الشَّذوات بعضها بعضًا ؛ حتى لم يكن للاشتيامين والجذّافين فيها
حيلة ولا عمل . ورأى الزّنج ذلك، فاجتمعوا على الشَّذوات، وأحاطوا بها من
جانبى نهر أبى الخصيب، فألقى الجذَّافُون أنفستهم فى الماء ذعراً ووجلاً ،
٢٠٤٧/٣
(١) ب: ((الموت))، ابن الأثير: ((الهلاك)).
(٢) بعدها فى س: ((وهو يوم الأحد)).
(٣) ط: ((وإخراجا))، وما أثبته من س.

٦٢٧
سنة ٢٦٩
ودخل الزَّنِج الشّذَوات، فقتلوا بعض المقاتلة، وغرق أكثرُهم، وحاربهم
نصير فى شَدَوَاته حتى خاف الأسر، فقذف نفسه فى الماء فغرق ، وأقام
الموفق فى يومه يحارب الفَّقة ، وينهب ويحرق منازلتهم ، ولم ينزل باقى يومه
مستعليًا عليهم ؛ وكان ممن حامى على قصر الخائن يومئذ وثبت فى أصحابه
سليمان بن جامع ، فلم تزل الحرب بين أصحاب الموفّق وبينه ، وهو مقيم بموضعه
لم يَزُل عنه إلى أن خرج فى ظهره كمين من غلمانِ الموفّق السودان ، فانهزم
لذلك ، واتَّبعه الغلمان يقتلون أصحابه ، ويأسرون منهم ، وأصابت سليمان فى
هذا الوقت جراحة فى ساقه ، فهوی لفيه فى موضع؛ قد كان الحريق ناله ببعض
جمْر فيه ، فاحترق بعض جسده ، وحامى عليه جماعة من أصحابه ، فنجا
بعد أن كاد الأسر يحيط به ، وانصرف الموفق ظافرًا سالمًا، وضعفت الفسقة ،
واشتدَ خوفُهم لمّا رأوا من إدبار أمرهم ، وعرضت لأبى أحمد عِلّة من وجع
المفاصل ؛ فأقام فيها بقية شعبان وشهر رمضان وأيامًا من شوال ممسكاً عن
حرب الفاسق . فلما استبلَّ من عِلّته وتماثل، أمر بإعداد ما يحتاج إليه للقاء
الفسقة ، فتأهّب لذلك جميع أصحابه .
٢٠٤٨/٣
وفى هذه السنة كانت وفاة عيسى بن الشيخ بن السليل .
وفيها لعن ابن طولون المعتمد فى دار العامّة ، وأمر بلعنه على المنابر ، وصار
جعفر المفوّض إلى مسجد الجامع يوم الجمعة ، ولعن ابن طولون وعقد
لإسحاق ابن كنداج على أعمال ابن طولون، وولىَ من باب الشماسية إلى إفريقية
ووَلِىَ شُرْطة الخاصة .
وفى شهر رمضان منها كتب أحمد بن طولون إلى أهل الشأم يدعوهم إلى
نصر الخليفة ، ووُجد فَيْجٌ يريد ابن طولون معه كتُب من خليفته ، جوّاب
بأخبار، فأخذ جوّاب فحبس وأخذ له مال ورقيق ودوابٌ .
وفى شوال منها كانت وقعة بين أبى السَّاج والأعراب، فهزموه فيها ، ثم بيّتهم
فقتل منهم وأسر، ووجّه بالرءوس والأسارى إلى بغداد ، فوصلت فى شوال منها .

٦٢٨
سنة ٢٦٩
٢٠١٩/٣
ولإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال منها عقد جعفر المفوّض لصاعد بن
معتد على شهرزور وداباذ والصامغان وحلوان وماسبذان ومهرجانقذف وأعمال
الفرات ، وضمّ إليه قوّاد موسى بن بغا خلا أحمد بن موسى وكَيْغَلغ وإسحاق
ابن كُنداجيق (١) وأساتكين ، فعقد صاعد للؤلؤ على ما عهد له عليه من ذلك
المفوّض يوم السبت لثمان بقين من شوال ، وبعث إلى ابن أبى الساج بعقد من
قِبَله على العمل الذى كان يتولاه ، وكان يتولى الأنبار وطريق الفرات ورحبة
طوق بن مالك من قبل هارون بن الموفّق ، و کان شخص إليها فى شهر رمضان،
فلمّا ضُمّ ذلك إلى صاعد أقرّه صاعد على ما كان إليه من ذلك .
وفى آخر شوّال منها دخل ابن أبى الساج رحبة طوق بن مالك بعد أن
حاربه أهلُها ، فغلبهم وهرب أحمد بن مالك بن طَوْق إلى الشأم. ثم صار
ابن أبى الساج إلى قَرْقِيسياء ؛ فدخلها وتنحّى عنها ابن صفوان العُقيلىّ.
٠
#
[ ذكر الخبر عن الوقعة التى كانت بين الموفّق وبين الزنج ]
وفىيوم الثلاثاء لعشر خلون من شوال من هذه السنة ، کانت بین آبى أحمد
وبين الزَّنْج وقعة فى مدينة الفاسق أثّر فيها آثاراً، وصل بها إلى مراده منها.
* ذكر السبب فى هذه الوقعة وما كان منها :
ذكر محمد بن الحسن أنّ الخبيث عدوّ اللّه كان فى مدّة اشتغال الموفق
بعلّته أعاد القنطرة التى كانت شذوات نصير لجّجت (٢) فيها ، وزاد فيها
ما ظنّ أنه قد أحكمها ، ونصب دونها أدقال ساج وصل بعضها ببعض ،
وألبسها الحديد ، وسكر أمام ذلك سِكْراً بالحجارة ليضيق المدخل على
الشَّذًا، وتحتدّ جرية الماء فى النهر المعروف بأبى الخضيب ، فيهاب الناس
دخولَه ، فندب الموفَّق قائديْن من قُوّاد غلمانه فى أربعة آلاف من الغلمان،
وأمرهما أن يأتيا نهر أبى الخصيب؛ فيكون أحدهما فى شرقيه والآخر (٣) فى
٢٠٥٠/٣
(١) س: ((كنداج)).
(٣) س: ((وأحدهما)).
(٢) ط: ((لحجت)) وما أثبته من ن .

٦٢٩
سنة ٢٦٩
غربيه ؛ حتى يوافيا القنطرة التى أصلحها الفاجر وما عمل فى وجهها (١) من
السّكْر (٢) فيحاربا أصحاب الخبيث حتى يجلياهم عن القنطرة، وأعدّ معهما
النجارين والفعلة لقطع القنطرة والبدود التى كانت جعلت أمامها ، وأمر بإعداد
سفن محشوّة بالقصب المصبوب عليه النّفط ، لتدخل ذلك النهر المعروف
بأبى الخصيب ، وتضرم ناراً لتحترق بها القنطرة فى وقت المدّ. فركب الموفق فى هذا
اليوم فى الجيش حتى وافى فوّهة نهر أبى الخصيب ، وأمر بإخراج المقاتلة فى
عدّة مواضع من أعلى عسكر الخبيث وأسفله ، ليشغلهم بذلك عن التعاون على
المنع عن القنطرة ، وتقدّم القائدان فى أصحابهما ، وتلقاهما أصحاب الخائن
من الزَّنْج وغيرهم، يقودهم ابنه أنكلاى وعلىّ بن أبان المهلبيّ وسليمان بن جامع ،
فاشتبكت الحرب بين الفريقيْن، ودامت ، وقاتل الفسقة أشدّ قتال، محاماةً
عن القنطرة، وعلموا ما عليهم فى قطعها من الضّرر، وأنّ الوصول (٣) إلى
ما بعدها من الجسرين العظيمين اللذيْن كان الخبيث اتخذهما على نهر أبى الخصيب ٢٠٥١/٣
سهْل مرامه ، فكثر القتل والجراح بين الفريقين ، واتّصلت الحرب إلى وقت
صلاة العصر. ثم إنّ غلمان الموفق أزالوا الفَسقة عن القنطرة وجاوزوها،
فقطعها النّجارون والفَعلة ، ونقضوها وما كان اتخذ من البدود التى ذكرناها .
وكان الفاسق أحكم أمر هذه القنطرة والبدود إحكامًا تعذّر على الفَعلة
والنّجارين الإسراع فى قطعها ، فأمر الموفّق عند ذلك بإدخال السفن التى فيها
القصب والنّفط ، وضربها بالنار وإرسالها مع الماء ؛ ففعل ذلك ، فوافت
السفن القنطرة فأحرقتها ، ووصل النَّجارون إلى ما أرادوا من قطع البدود فقطعوها،
وأمكن أصحاب الشّذا دخول النهر فدخلوه، وقوِىَ نشاطُ الغلمان بدخول الشَّذًا؛
فكشفوا أصحاب الفاجر عن مواقفهم حتى بلغوا بهم الجسر الأوّل الذى يتلُو
هذه القنطرة ، وقُتِل من الفجرة خلق كثير ، واستأمن فريق منهم ؛ فأمر
الموفّق أن يخلع عليهم فى ساعتهم تلك ، وأن يوقفوا بحيث يراهم أصحابُهم ،
ليرغبوا فى مثل ما صاروا إليه ؛ وانتهى الغلمان إلى الجسر الأوّل ، وكان ذلك
(٢) السكر: سد فى النهر.
(١) ب: ((بوجوهها)).
(٣) س: ((والوصول)).

٦٣٠
سنة ٢٦٩
قبيل المغرب، فكر الموفّق أن يُظلم الليل، والجيش موغل فى نهر أبى الخصيب،
فيتهيّأ للهجرة بذلك انتهازُ فرصة ، فأمر الناسَ بالانصراف، فانصرفوا سالمين
إلى المدينة الموفقيّة، وأمر الموفق بالكتاب إلى النواحى بما هيأ الله له من الفتح
والظّفْر؛ ليقرأ بذلك على المنابر ، وأمر بإثابة المحسنين من غلمانه على قدر
غنائهم وبلائهم وحسن طاعتهم ؛ ليزدادوا بذلك جدًّا واجتهاداً فى حرب
عدوّهم .
ففعل ذلك، وعبر الموفّق فى نفر من مواليه وغلمانه فى الشَّذَوات والسمبريّات
وما خفّ من الزّواريق إلى فُوّهة نهر أبى الخصيب ؛ وقد كان الخبيث ضيقها
ببرجين عملهما بالحجارة ليضيّق المدخل وتحتدَّ الحرية ، فإذا دخلت الشَّذّا
النهر لحَّجتْ فيه، ولم يسهل السبيل إلى إخراجها منه؛ فأمر الموفَّق بقطع ذينك
البُرْجين ، فعمل فيهما نهار ذلك اليوم ؛ ثم انصرف العمال وعادوا من غد
لاستمام قلع ما بقى من ذلك ؛ فوجدوا الفَجَرة قد أعادوا ما قاع منهما فى ليلتهم
تلك ؛ فأمر بنصب عرّادتين قد كانتا أعدّتًا فى سفينتين ، نُصِبتا حيال نهر
أبی الخصيب، وطرحت لهما الأناجر حتى استقرتا ؛ وو کل بهما من أصحاب
الشَّذَا، وأمر بقطع هذين البُرْجَيْن ، وتقدّم إلى أصحاب العرّادتين فى .
رَمَنْى كلّ من دنا من أصحاب الفاسق ؛ لإعادة شىء من ذلك فى ليل أو
نهار ؛ فتحامى الفجرة الدنوَّ من الموضع، وأحجموا عنه، وألحّ المودَّاون بقاع
هذه الحجارة بعد ذلك، حتى استتمّوا ما أرادوا، واتَّسع المسْلَك للشذا فى دخول
النهر والخروج منه .
*
[ خبر انتقال صاحب الزنج إلى شرقىّ نهر أبى الخصيب]
وفى هذه السنة تحوَّل الفاسق من غربىّ نهر أبى الخصيب إلى شرقيّه وانقطعت
عنه الميرة من كلّ وجهة .
٢٠٥٢/٣

٦٣١
سنة ٢٦٩
ذكر الخبر عن حاله وحال أصحابه وما آل إليه أمرهم
عند انتقاله من الجانب الغربيّ
٢٠٥٣/٣
"ذكر أن الموفّق لما أخرب منازل صاحب (١) الزَّنج وحرّقها، لجأ إلى
التحصّن فى المنازل الواغلة فى نهر أبى الخصيب ، فنزل منزلاً كان لأحمد بن
موسى المعروف بالقَلُوص ، وجمع عيالَه وولده حوله هناك ، ونقل أسواقه
إلى السوق القريبة من الموضع الذى اعتصم به ؛ وهى سوق كانت تعرف بسوق
الحسين، وضعُف أمره ضعفاً شديداً، وتبين للناس (٢) زوالُ أمره، فتهيّبُوا
جلْب الميرة إليه، فانقطعت عنه كلّ مادّة ، فبلغ عنده الرَّطل من خبز البرّ
عشرة دراهم ؛ فأكلوا الشعير ، ثم أكلوا أصناف الحبوب ، ثم لم يزل الأمر بهم
إلى أن كانوا يتبعون الناس؛ فإذا خلا أحدُ هم (٣) بامرأة أو صبيّ أو رجل ذبحه
وأكله ، ثم صار قوىّ الزَّنْج يَعْدو على ضعيفهم ؛ فكان إذا خلا به ذبحه
وأكل لحمه ؛ ثم أكلوا لحوم أولادهم، ثم كانوا ينبشون الموقى ، فيبيعون أكفانهم
ويأكلون لحومهم ، وكان لا يعاقب الخبيثُ أحداً ممن فعل شيئًا من ذلك
إلاّ بالحبس ، فإذا تطاول حبسُه أطلقه .
وذكر أن الفاسق لما هُدمت داره وأحرِقت، وانتُهب ما فيها ، وأخرِج
طريداً سليبًا من غربىّ نهر أبى الخصيب ، تحوّل إلى شرقيته ، فرأى أبو أحمد
أن يخرب عليه الجانب الشرقىّ لتصير حال الخبيث فيه كحاله فى الغربىّ فى
الجلاء عنه ، فأمر ابنه أبا العباس بالوقوف فى جمع من أصحابه فى الشَّذّا فى
نهر أبى الخصيب ، وأن يختار من أصحابه وغلمانه جمعًا يخرجهم فى الموضع
الذى كانت فيه دار الكرنبائىّ من شرقىّ نهر أبى الخصيب، ويخرج معزم الفعلة
لهدم كلّ ما يلقاهم من دور أصحاب الفاجر ومنازلهم ، ووقف الموفّق على قصر
المعروف بالهمدانىّ - وكان الهمدانىّ يتولى حياطة هذا الموضع ، وهو أحد قادة
جيوش الخبيث وقدماء أصحابه - وأمر الموفق جماعة من قوّاده ومواليه فقصدوا
٣ /٢٠٥٤
(١) ب: ((أصحاب)).
(٣) س: ((أحدثهم)).
(٢) س: ((الناس)).

٦٣٢
سنة ٢٦٩
لدار الهَمْدانىّ ، ومعهم الفعلة ؛ وقد كان هذا الموضع محصّنًا بجمع كثير
من أصحاب الخبيث من الزَّنْج وغيرهم ، وعليه عرّادات ومجانيق منصوبة وقسىّ
ناوكية، فاشتبكت الحرب وكثُر القتلى والجراح إلى أن كشف أصحاب الموفق
الخبثاءَ ، ووضعوا فيهم السلاح ، فقتل منهم مقتلة عظيمة ، وفعل أصحاب
أبى العباس مثل ذلك بمن مرّ بهم من الفَسقة .
والتّى أصحابُ الموفّق وأصحاب أبى العباس ؛ فكانوا يدًا واحدة على
الخبثاء، فولّوْا منهزمين، وانتهوا إلى دار الهمدانىّ ، وقد حصّتها ونصب عليها
العرّادات ، وحفّها بأعلام بيض من أعلام الفاجر ، مكتوب عليها اسمه ،
فتعذّر على أصحاب الموفق تسوّر هذه الدار لعلوّ سورها وحضانتها ، فوضعوا
عليها السلاليم الطوال ، فلم تبلغ آخره ، فرمى بعضُ غلمان الموفق بكلاليب
كانوا أعدُّوها ، وجعلوا فيها الحبال لمثل هذا الموضع ، فأثبتوها فى أعلام الفاسق (١)
وجذبوها ، فانقلبت الأعلام منكوسة من أعلى السور ؛ حتى صارت فی أیدی
أصحاب الموفّق ، فلم يشكّ المحامون عن هذه الدار أنّ أصحاب أبى أحمد
قد علوْها ، فوجَلوا فانهزموا ، وأسلموها وما حولها ، وصعد النّفّاطون فأحرقوا
ما كان عليها من المجانيق والعرّادات ، وما كان فيها للهمدانىّ من متاع وأثاث،
وأحرقوا ما كان حولها من دور الفجرة ، واستنقذوا فى هذا اليوم من نساء المسلمين
المأسورات عددًا كثيراً، فأمر الموفّق بحملهنّ فى الشّذًا والسميريّات والمعابر
إلى الموفقية والإحسان إليهنّ .
ولم تزل الحرب فى هذا اليوم قائمةً من أوّل النهار إلى بعد صلاة العصر ،
واستأمن يومئذ جماعةٌ من أصحاب الفاسق وجماعة من خاصّة غلمانه الذين
كانوا فى داره يلون خدمته والوقوف على رأسه ؛ فآمنهم الموفّق وأمر بالإحسان
إليهم ، وأن يُخلَع عليهم ، ويوصلوا وتُجرى لهم الأرزاق ، وانصرف الموفق ،
وأمرأن تنكَس أعلام الفاسق فى صدور الشَّذَوات ليراها أصحابه ، ودلّت
جماعة من المستأمنة الموفَّق على سوق عظيمة كانت للخبيث فى ظهر دار
(١) س: ((الفاجر)).
٢٠٠٥/٣

٦٣٣
سنة ٢٦٩
الهمدانىّ متصلةً بالجسر الأوّل المعقود على نهر أبى الخصيب ، كان الخبيث
سّاها المباركة ، وأعلموه أنه إن تهيأ له إحراقها لم يبق لهم سوق ، وخرج عنهم
تجّارهم الذين بهم قوامهم؛ واستوحشوا لذلك. واضطروا إلى الخروج فى الأمان.
فعزم الموفّق عند ذلك على قصد هذه السوق وما يليها بالجيوش من ثلاثة أوجه؛
فأمر أبا العباس بقصدجانب (١) من هذه السوق مما يلى الجسر الأول ؛ وأمر
راشداً مولاه بقصدها مما يلِى دار الهمدانىّ، وأمر قوّاداً من قواد غلمانه السودان
بالقصدلها من نهر أبى شاكر، ففعل كلُّ فريق ما أمر به ، ونذر الزَّنج بمسير
الجيوش إليهم ، فنهضوا فى وجوههم ، واستعرت الحرب وغلظتْ، فأمدّ الفاجر
أصحابه . وكان المهلبيّ وأنكلاى وسليمان بن جامع فى جميع أصحابهم بعد
أن تكاملوا ووافتْهم أمداد الخبيث بهذه السوق يحامون عنها، ويحاربون فيها
أشدّ حرب .
٢٠٥٦/٣
وقد كان أصحاب الموفق فى أول خروجهم إلى هذا الموضع وصلوا إلى
طرف من أطراف هذه السوق ، فأضرموه ناراً فاحترق ، فاتصلت النار بأكثر
السُّوق ، فكان الفريقان يتحاربون والنار محيطة بهم ؛ ولقد كان ما علا من
ظلالٍ يحترق فيقع على رءوس المقاتلة ؛ فربما أحرق بعضَهم، وكانت هذه حالهم
إلى مغيب الشمس وإقبال الليل . ثم تحاجزوا، وانصرف الموفّق وأصحابه إلى
سفنهم ، ورجع الفسقة إلى طاغيتهم بعد أن احترق السوق ، وجلا عنها أهلُها
ومَن كان فيها من تجار عسكر الخائن وسُوقتهم ، فصاروا فى أعلى مدينته
بما تخلّصوا به من أموالهم وأمتعتهم . وقد كانوا تقدّموا فى نقل جلّ تجارتهم
وبضائعهم من هذه السوق خوفًا من مثل الذى نالهم فى اليوم الذى أظفر الله فيه
الموفّق بدار الهَمْدانىّ وهيّاً له إحراق ما أحرق حولها .
٢٠٠٧/٣
ثم إن الخبيث فعل فى الجانب الشرقىّ من حفر الخنادق وتعوير الطرق
ما كان فعل فى الجانب الغربيّ بعد هذه الرقعة ، واحتفر خندقًا عريضًا من
حدّ جوی کور إلى نهر الغربىّ ، وکان أکثر عنايته بتحصین ما بين دار
(١) س: ((بالقصد لجانب)).

٦٣٤
سنة ٢٦٩
الكرْنبائىّ إلى النهر المعروف بحُوى كور؛ لأنه كان فى هذا الموضع جبُلّ منازل
أصحابه ومساكنهم ، وكان من حدّ جوى كور إلى نهر الغربىّ بساتين
ومواضع قد أخلَوْها، والسُور والخندق محيطان بها ، وكانت الحرب إذا وقعت
فى هذا الموضع قصدوا من موضعهم إليه للمحاماة عنه والمنع منه ؛ فرأى الموفّق
عند ذلك أن يخرِب باقى السور إلى نهر الغربىّ ، ففعل ذلك بعد حرب طويلة
فى مدة بعيدة .
وكان الفاسق فى الجانب الشرقى من نهر الغربيّ فى عسكر فيه جمع من
الزَّنْج وغيرهم متحصّنين بسور منيع وخنادق ، وهم أجلد أصحاب الخبيث
وشجعانهم ، فكانوا يحامون عما قَرُّب من سور نهر الغربىّ ، وكانوا يخرجون
فى ظهور أصحاب الموفق فى وقت الحرب على جوى كور وما يليه ، فأمر الموقّق
بقصد هذا الموضع ومحاربة مَنْ فيه وهدم سُوره وإزالة المتحصّنين به ، فتقدّم
عند ذلك إلى أبى العباس وعِدّة من قوّاد غلمانه ومواليه فى التأهّب لذلك ،
ففعلوا ما أمِرُوا به، وصار الموفق بمَنْ أعدّه إلى نهر الغربىّ، وأمر بالشَّذَا
فنُظمت من حدّ النهر المعروف بجوى كور إلى الموضع المعروف بالدبّاسين ،
وخرج المقاتلة على جنبتى نهر الغربىّ، ووُضعِت السلاليم على السور.
وقد كانت لهم عليه عدّة عرّادات ، ونشبت الحرب ، ودامت مذ أول
النهار إلى بعد الظهر ، وهُدم من السور مواضع ، وأحرق ما كان عليه من
العرّادات، وتحاجز الفريقان ، وليس لأحدهما فضل على صاحبه إلاّ ما وصل
إليه أصحاب الموفّق من هذه المواضع التى هدموها وإحراق العرّادات ، ونال
الفريقين من ألم الجراح أمرٌ غليظ موجع .
فانصرف الموفّق وجميعُ أصحابه إلى الموفقيّة ، فأمر بمداواة الجرحى ،
ووصلَ كلّ امرئ على قدر الجراح التى أصابته ؛ وعلى ذلك كان أجرى
التدبير فى جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق إلى أن قتله اللّه .
وأقام الموفّق بعد هذه الوقعة مدّة ، ثم رأى معاودة هذا الموضع والتشاغل
به دون المواضع ، لما رأى من حصانته وشجاعة مَنْ فيه وصبرهم ، وأنه لا يتهيأ
٢٠٥٨/٣

٦٣٥
سنة ٢٦٩
ما يقدر فيما بين نهر الغربىّ وجوى كور إلا بعد إزالة هؤلاء، فأعدّ ما يحتاج
إليه من آلات الهدم ، واستكثر من الفعلة ، وانتخب المقاتلة الناشبة والرّامحة
والسودان أصحاب السيوف ، وقصد هذا الموضع على مثل قصده له المرّة الأولى ،
فأخرج الرجّالة فى المواضع التى رأى إخراجتهم فيها ، وأدخل عدداً من الشَّذّا
النهر ، ونشبت الحرب ودامت ، وصَبر الفسقة أشدّ صبر، وصبر لهم
أصحاب الموفق .
٢٠٥٩/٣
واستمدّ الفسقة طاغيتهم، فوافاهم المهلبيّ وسليمان بن جامع فى جيشهما (١)،
فقويت قلوبُهم عند ذلك ، وحملوا على أصحاب الموفق ، وخرج سليمان كميناً
مما يلى جوى كور، فأزالوا (٢) أصحاب الموفق حتى انتهوا إلى سفنهم، وقتلوا
منهم جماعة وانصرف الموفق ولم يبلغ كلّ الذى أراد ، وتبين أنه قد كان
يجب أن يحارب الفسقة من عدّة مواضع ، ليفرّق جمعتهم ، فيخفّ وطؤهم
على مَنْ يقصد لهذا الموضع الصعب، وينال منه ما يحبّ ، فعزم على معاودتهم،
وتقدّم إلى أبى العباس وغيره من قوّاده فى العبور واختيار أنجاد رجالهم ، ووكّل
مسروراً مولاه بالنهر المعروف بمنكى، وأمره أن يخرج رجاله فى ذلك الموضع
وما يتصل به من الجبال والنخل، لتشتغل (٣) قلوب الفَجَرة، وليرْوا أنّ عليهم
تدبيراً من تلك الجهة . وأمر أبا العباس بإخراج أصحابه على جوى كور ،
ونظم الشذا على هذه المواضع حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالدّباسين ؛ وهو
أسفل نهر الغربىّ، وصار الموفّق إلى نهر الغربىّ، وأمر قوّاده وغلماته أن يخرجوا
فى أصحابهم فيحاربوا الفسَقة فى حصنهم ومعقلهم ، وألا ينصرفوا عنهم حتى
يفتح الله لهم، أو يبلغ إرادته منهم، ووكل بالسور مَنْ يهدمه، وتسرّع
الفَسقة كعادتهم ، وأطمعهم ما تقدّم من الوقعتين اللتيْن ذكرناهما ، فثبت
لهم غلمان الموفق ، وصدقوهم اللقاء ؛ فأنزل الله عليهم نصره، فأزالوا الفسقة
عن مواقفهم ، وقوِىَ أصحابُ الموفق ، فحملوا عليهم حملةً كشفوهم بها ،
فانهزموا وخَلَّوْا عن حصنهم ، وصار فى أيدى غلمان الموفق فهدموه ، وأحرقوا
(١) س: ((جيوشهما).
(٣) س: ((لتشغل)).
(٢) س: ((فأزال)).

٦٣٦
٢٠٦٠/٣
سنة ٢٦٩
منازلهم ، وغنموا ما كان فيها ، واتّبعوا المنهزمين منهم ، فقتلوا منهم مقتلة
عظيمة وأسروا ، واستنقذوا من هذا الحصن من النساء المأسورات خَلْقًا
كثيراً، فأمر الموفّق بحملهنّ والإحسان إليهنّ، وأمر أصحابه بالرجوع إلى
سفنهم ففعلوا ، وانصرف إلى عسكره بالموفقيّة، وقد بلغ ما حاول من هذا الموضع .
[ ذكر خبر دخول الموفق مدينة صاحب الزنج ]
وفيها دخل الموفق مدينة الفاسق ، وأحرق منازله من الجانب الشرقىّ من
نهر أبى الخصيب .
* ذكر الخبر عن سبب وصوله إلى ذلك :
◌ُذكر أنّ أبا أحمد لما أراد ذلك بعد هدمه سورَ داره ذلك ، أقام يصلح
المسالك فى جنبى نهر أبى الخصيب وفى قصر الفاسق ، ليتسع على المقاتلة
الطريق فى الدخول والخروج للحرب ، وأمر بقلع باب قصر الخبيث الذى كان
انتزعه من حصن أرْوَخ بالبصرة ، فقُلع وحمل إلى مدينة السلام . ثم رأى القصد
لقطع الجسر الأوّل الذى كان على نهر أبى الخصيب ، لما فى ذلك من منع
معاونة بعضهم بعضًا عند وقوع الحرب فى نواحى عسكرهم ، فأمر بإعداد سفينة
كبيرة تُملأ قصبًا قد سُقِىَ النّفْط، وأن يُنْصَب فى وسط السفينة دَقْلٌ طويل
يمنعها من مجاوزة الجسر إذا لصقت به، وانتهز الفرصة فى غفلة الفسقة وتفرَّقهم .
٢٠٦١/٢
فلما وجد ذلك فى آخر النهار قُدِّمت السفينة ، فجرَّها الشذا حتى وردت
النهر، وأشعل فيها النيران، وأرسلت وقد قوى المدّ، فوافت القنطرة، ونَذر
الزَّنج بها ، وتجمعوا وكثروا حتى ستروا الجسر وما يليه ، وجعلوا يقذفون السفينة
بالحجارة والآجرّ، ويهيلون عليها التراب ، ويصبّون الماء ، وغاص بعضهم
فنقبها ؛ وقد كانت أحرقت من الجسر شيئًا يسيراً، فأطفأه الفسقة ، وغرّقوا
السفينة وحازوها ؛ فصارت فى أيديهم .
فلما رأى أبو أحمد فعلتهم ذلك ، عزم على مجاهدتهم على هذا الجسر

٠
٦٣٧
سنة ٢٦٩
حتى يقطعه ، فسمّى لذلك قائدين من قوّاد غلمانه ، وأمرهما بالعبور فى جميع
أصحابهما فى السلاح الشاك والَّلأمة الحصينة والآلات المحكمة ، وإعداد النفاطين
والآلات التى تُقْطع بها الجسور ، فأمر أحد القائدين أن يقصد غربىَّ النهر ،
وجعل الآخر فى شرقيّه ، وركب الموفّق فى مواليه وخدّامه وغلمانه الشَّذَوات
والسُّميريّات، وقصد فُوّهَة نهر أبى الخصيب ؛ وذلك فى غداة يوم السبت
لأربع عشرة ليلة خلت من شوّال سنة تسع وستين ومائتين ، فسبق إلى الجسر
القائد الذى كان أمر بالقصد له من غربىّ نهر أبى الخصيب ، فأوقع بمن
كان موكَّلا به من أصحاب الفاسق ، وقُتلت منهم جماعة ، وضُرب الجسر
بالنار ، وطرح عليه القصب وما كان أعدّ له من الأشياء المحرقة ، فانكشف
مَن كان هناك من أعوان الخبيث ، ووافى بعد ذلك مَنْ كان (١) أمر بالقصد
للجسر من الجانب الشرقىّ ، ففعلوا ما أمر وا به من إحراقه .
٢٠٦٢/٣
وقد كان الخبيث أمر ابنه أنكلاى وسليمان بن جامع بالمقام فى جيشهما
للمحاماة عن الجسر ، والمنع من قطعه ؛ ففعلا ذلك ، فقصد إليهما (٢) مَنْ
كان بإزائهما، وحاربوهم حرباً غليظاً حتى انكشفا، وتمكنوا من إحراق الجسر
فأحرقوه، وتجاوزوه إلى الحظيرة التى كان يعمل فيها شَذَوَات الفاسق وُسُميِريّاته
وجميع الآلات التى كان يحارب بها ، فأحرِق ذلك عن آخره إلا شيئًاً يسيراً
من الشّذوات والسميريّات كان فى النهر، وانهزم أنكلاى وسليمان بن جامع ،
وانتهى غلمان الموفق إلى سجْن كان للخبيث فى غربىّ نهر أبى الخصيب ،
فحامى عنه (٣) الزَّنج ساعة من النهار حتى أخرجوا منه جماعة ، وغلبهم عليه
غلمان الموفّق ، فتخلّصوا مَنْ كان فيه من الرجال والنساء ، وتجاوز من كان
فى الجانب الشرقىّ من غلمان الموفق ، بعد أن أحرقوا ما وُلُّوا من الجسر إلى
الموضع المعروف بدار مصلح ؛ وهو من قدماء قوّاد الفاسق ، فدخلوا داره
وأنهبوها ، وسَبَوْا ولده ونساءه، وأحرقوا ما تهيأ لهم إحراقه فى طريقهم(٤)،
وبقيت من الجسر فى وسط منه أدقال قد كان الخبيث أحكمها ، فأمر
(١) ب: ((الذين كانوا)).
(٣) س: ((عليه)).
(٢) س: ((لهما)).
(٤) ب: ((طريقه)).

٦٣٨
٢٠٦٣/٣
٢٠٦٤/٣
سنة ٢٦٩
الموفق أبا العباس بتقديم عدّة من الشَّذا إلى ذلك الموضع ، ففعل ذلك ؛ فكان
فيمن تقدّم زيرك (١) فى عدد من أصحابه ، فوافى هذه الأدقال ، وأخرجوا
إليها قوماً قد كانوا أعدّوهم لها معهم الفئوس والمناشير ، فقطعوها ، وجُذْبت
وأخرِجت عن النهر ، وسقط ما بقى من القنطرة ، ودخلت شذوات الموفّق النهر،
وسار القائدان فى جميع أصحابهما على حافتيه (٢) فهُزُم أصحاب الفاجرِ فى
الجانبين ، وانصرف الموفّق وجميع أصحابه سالمين، واستُنقذ خلق كثير . وأتىَ
الموفق بعدد كثير من رءوس الفسقة، فأثاب مَنْ أتاه بها، وأحسن إليه ووصله .
وكان انصرافه فى هذا اليوم على ثلاث ساعات من النهار ، بعد أن انحاز
الفاسقِ وجميع أصحابه من الزَّنْج وغيرهم إلى الجانب الشرقىّ من نهر
أبى الخصيب، وأخلوا غربيه ، واحتوى عليه أصحاب الموفق ، فهدموا ما كان
يعوق عن محاربة الفجرة من قصور الفاسق وقصور أصحابه ، ووسَّعوا مخترقات
ضيّقة كانت على نهر أبى الخصيب ، فكان ذلك مما زاد فى رعب أصحاب
الخائن . ومال جمع کثیر من قوّاده وأصحابه الذین کان لا یری أنهم يفارقونه
إلى طلب الأمان ، فبُذل ذلك لهم ، فخرجوا أرسالا، فقبلوا ، وأحسِن إليهم
وألحقوا بنظرائهم فى الأرزاق والصُّلات والخلع .
ثم إن الموفق واظب على إدخال الشذا النهر ، وتقحّمه فى غلمانه . وأمر
بإحراق ما على حافتيه من منازل الفجرة ومافى بطنه من السفن ، وأحبّ تمرين
أصحابه على دخول النهر وتسهيل سلوكه لهم لما كان يقدّر من إحراق الجسر
الثانى، والتوصّل (٣) إلى أقصى مواضع الفجرة.
فبينا الموفق فى بعض أيامه ۔ الی ألحّ فيها على حرب الخبيث وولوج نهر
أبى الخصيب - واقف فى موضع من النهر؛ وذلك فى يوم جمعة ، إذ استأمن إليه
رجل من أصحاب الفاجر ، وأتاه بمنبر كان للخبيث فى الجانب الغربىّ ،
فأمره بنقله إليه ، ومعه قاض كان للخبيث فى مدينته ؛ فكان ذلك مما فتّ فى
أعضادهم ؛ وكان الخبيث جمع ما كان بقىَ له من السفن البحرية وغيرها ،
(١) س: ((ونزل)).
(٣) س: ((التوغل)).
(٢) س: ((على حافى النهر)).

٦٣٩
سنة ٢٦٩
فجعلها عند الجسر الثانى ، وجمع قوّاده وأصحابه وأنجاد رجاله هنالك ؛
فأمر الموفّق بعض غلمانه بالدنوّ من الجسر وإحراق ما تهيأ إحراقُه من المراكب
البحرية التى تليه ، وأخذ ما أمكن أخذُه منها . ففعل ذلك المأمورون به من
الغلمان ، فزاد فعلهم فى تحرّز الفاجر ومحاماته عن الجسر الثانى ، فألزم نفسه
وجميع أصحابه حفظه وحراسته خوفًا من أن تتهيّأ حيلة ، فيخرج الجانب
الغربىّ عن يده ، ويُوطئه أصحاب الموفّق ؛ فيكون ذلك سببًا لاستئصاله ،
فأقام الموفّق بعد إحراق الجسر الأول أيامًا يعبرُ يجمع بعد جمع من غلمانه إلى
الجانب الغربيّ من نهر أبى الخصيب ، فيحرقون ما بقى من منازل الفجرة ،
ويقرُبون من الجسر الثانى فيحاربهم عليه الزنج .
وقد كان تخلّف (١) منهم جمعٌ فى منازلهم فى الجانب الغربيّ المقاربة للجسر
الثانى ، وكان غلمان الموفق يأتون هذا الموضع ويقفون على الطرق والمسالك التى
كانت تخفى عليهم من عسكر الخبيث ؛ فلما وقف الموفّق على معرفة غلمانه
وأصحابه بهذه الطريق واهتدائهم لسلوكها ، عزم على القصد لإحراق الجسر
الثانى ليحوز الجانب الغربيّ من عسكر الخبيث ، وليتهيأ لأصحابه مساواتُهم
على أرض واحدة ، لا يكون بينهما (٢) فيها حائل غير نهر أبى الخصيب ؛ فأمر
الموفّق عند ذلك أبا العباس بقصد الجانب الغربيّ فى أصحابه وغلمانه ، وذلك
فى يوم السبت لثمان بقين من شوال سنة تسع وستين ومائتين ، وتقدّم إليه أن
يجعل خروجه بأصحابه فى موضع البناء الذى كان الفاجر سماه (٣) مسجد الجامع،
وأن يأخذ(٤) الشارع المؤدى إلى الموضع الذى كان الخبيث اتخذه مصلّى يحضره
فى أعياده ؛ فإذا انتهى إلى موضع المصلى عطف منه إلى الجبل المعروف بجبل
المكتنى بأبى عمرو أخى المهلبيّ، وضمّ إليه من قُوّاد غلمانه الفرسان والرّجالة
زُهاء عشرة آلاف ، وأمره أن يرتّب زيرك صاحب مقدّمّته فى أصحابه فى
صحراء المصلى ، ليأمن خروج كمين إن كان للفسقة (٥) من ذلك الموضع، وأمر
٢٠٦٥/٣
(١) س: ((يختلف)).
(٣) س: ((سماه الفاجر)).
(٥) ب، س: ((الفسقه)).
(٢) س: ((بينهم).
(٤) ب، س: ((يجعل)).

٦٤٠
٢٠٦٦/٣
سنة ٢٦٩
جماعة من قوّاد الغلمان أن يتفرقوا فى الجبال التى فيها بين الجبل المعروف
بالمكتنى بأبى عمرو وبين الجبل المعروف بالمكتنى أبا مقاتل الزنجىّ ، حتى
توافَوْا جميعًا من هذه الجبال موضع الجسر الثانى فى نهر أبى الخصيب، وتقدّم
إلى جماعة من قوّاد الغلمان المضمومين إلى أبى العباس أن يخرجوا فى أصحابهم
بین دار الفاسق ودار ابنه أنكلای ، فیکون مسیرهم على شاطئ نهر أبى الخصيب
وما قاربه ؛ ليتصلوا بأوائل الغلمان الذين يأتون على الجبال ، ويكون قصدُ
الجميع إلى الجسر . وأمرهم بحمل الآلات من المعاول والفؤوس والمناشير مع
جمع (١) من النَّفاطين لقطع ما يتهيّأ قطعُه ، وإحراق ما يتهيأ إحراقه، وأمر
راشداً مولاه بقصد الجانب الشرقىّ من نهر أبى الخصيب فى مثل العدّة التى كانت
مع أبى العباس وقصد الجسر ومحاربة مَنْ يدافع عنه ، ودخل أبو أحمد نهر
أبى الخصيب فى الشّذا، وقد أعدّ منها شد وات رتّب فيها من أنجاد غلمانه الناشبة
والرّامحة من ارتضاه ، وأعدّ معهم من الآلات التى يقطع بها الجسر ما يحتاج
إليه لذلك ؛ وقدّمهم أمامه فى نهر أبى الخصيب ، واشتبكت الحرب فى الجانبين
جميعًا بين الفريقين ، واشتدّ القتال .
وكان فى الجانب الغربىّ بإزاء أبى العباس ومَنْ معه أنكلاى ابن الفاسق
فى جيشه ، وسليمان بن جامع فى جيشه ، وفى الجانب الشرقى بإزاء راشد ومن
معه الفاجر صاحب الزَّنْج والمهلّبيّ فى باقى جيشهم، فكانت الحرب فى ذلك
اليوم إلى مقدار ثلاث ساعات من النهار . ثم انهزمت الفسقة لا يلوُون على
شىء ، وأخذت السيوفُ منهم مأخذها ، وأخذ من رءوس الفسقة ما لم يقع
علیه إحصاء لگرته؛فکان الموفّق إذا أتیبرأس من الرءوس(٢) أمربإلقائه فى نهر
أبى الخصيب ، ليدع المقاتلة الشغل بالرءوس ، ويجدّوا فى اتباع عدوّهم، وأمر
أصحاب الشذا الذين رتبهم فى نهر أبى الخصيب بالدنوّ من الجسر وإحراقه ،
ودفع مَنْ تحامى عنه من الزَّنْج بالسهام ؛ ففعلوا ذلك وأضرموا الجسر ناراً، ووافى
أنكلاى وسليمان فى ذلك الوقت جريحيْن مهزومين (٣)، يريدان العبور إلى
٢٠٦٧/٣
(١) ب: ((جميع)).
(٣) س: ((منهزمين)).
(٢) س: ((من الرءوس بشىء)).