Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائتين
ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
...
[ ذكر خبر استمان جعفر بن إبراهيم إلى أبى أحمد الموفق ]
فمن ذلك ما كان من استمان جعفر بن إبراهيم المعروف بالسجّان إلى
أبى أحمد الموفّق فى يوم الثلاثاء فى غرّة المحرم منها. وذكر أن السبب كان فى ذلك ٢٠١٠/٣
الوقعة التى كانت لأبى أحمد فى آخر ذى الحجة من سنة سبع وستين ومائتين
التى ذكرناها قبلُ، وهرب ريحان بن صالح المغربىّ من عسكر الفاجر وأصحابه
ولحاقه بأبى أحمد ، فنخب قلب الخبيث لذلك ؛ وذلك أنّ السجّان كان
- فيما قيل - أحد ثقاته، فأمر أبو أحمد للسجان هذا بخلّح وجوائز وصلات
وحُملان وأرزاق، وأقيمت له أنزال ، وضُمّ إلى أبى العباس، وأمره بحمله فى
الشَّدَاة إلى إزاء قصر الفاسق؛ حتى رآه وأصحابه، وكلّمهم السّجّان، وأخبرهم
أنهم فى غرور من الخبيث ، وأعلمهم ما قد وقف عليه من كذبه وفجورِه ؛
فاستأمن فى هذا اليوم الذى حمل فيه السجان من عسكر الخبيث خلقٌ كثير
من قُوّاده الزّنج وغيرهم، وأحسين إليهم، وتتابع الناس فى طلب الأمان والخروج
من عند الخبيث ، ثم أقام أبو أحمد بعد الوقعة التى ذكرتُ أنها كانت لليلة
بقيت من ذى الحجة من سنة سبع وستين ومائتين ، لا يعبر إلى الخبيث لحرب،
يُحِمّ بذلك أصحابه إلى شهر ربيع الآخر .
وفى هذه السنة صار عمرو بن الليث إلی فارس لحرب عامله محمد بن الليث
علیها ، فهزمه عمرو ، واستباح عسكره ، وأفلت محمد بن الليث فی نفر ، ودخل
عمرو إصطَخر ، فانتهبها أصحابه ، ووجَّه عمرو فى طلب محمد بن الليث
فظفِرِ به ، وأتِى به أسيرًا ، ثم صار عمرو إلى شيراز فأقام بها .

٦٠٢
٢٠١١/٣
سنة ٢٦٨
وفى شهر ربيع الأول منها زُلزلت بغداد لثمان خلوْن منه ، وكان بعد ذلك
ثلاثة أيام مطر شديد ، ووقعت بها أربع صواعق .
وفيها زحف العباس بن أحمد بن طولون لحرب أبيه ، فخرج إليه أبوه أحمد
إلى الإسكندرية، فظفِرَ به وردّه إلى مصر فرجع معه إليها .
[ ذكر خبر عبور الموفّق إلى مدينة الزنج]
ولأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر منها عبر أبو أحمد الموفق إلى
مدينة الفاجر، بعد أن أوْهَى قوّته فى مُقامه بمدينة الموفّقية ، بالتضييق عليه
والحصار ، ومنعه وصول الميرإليه؛ حتى استأمن إليه خلق كثير من أصحابه ؛
فلما أراد العبور إليها أمر - فيما ذكر - ابنه أبا العباس بالقنَصْد للموضع الذى
كان قصده من ركن مدينة الخبيث الذى يحوطه بابنه وجلّة أصحابه وقوّاده،
وقصد أبو أحمد موضعًا من السور فيما بين النهر المعروف بمنكى والنهر المعروف
بابن سمعان ، وأمر صاعداً وزيرَه بالقصد لفوّهة النهر المعروف بجرى كور،
وتقدّم إلى زِيرك فى مكانفته ، وأمر مسروراً البلخىّ بالقَصْد لنهر الغربىّ،
وضمّ إلى كلّ واحد منهم من الفَعَلة جماعة لهدم ما يليهم من السُّور،
وتقدّم إلى جميعهم ألاّ يزيدوا على هدم السور ، وألا يدخلوا مدينة الخبيث.
ووكّل بكلّ ناحية من النواحى التى وجه إليها القوّاد شذوات فيها الرّماة ،
وأمرهم أن يحموا بالسهام مَنْ يهدم السور من الفَعَلة والرجالة الذين يخرجون
للمدافعة عنهم ، فتُلم فى السور ثلم كثيرة ، ودخل أصحابُ أبى أحمد مدينة
الفاجر من جميع تلك التُّلَم ، وجاء أصحاب الخبيث يحاربونهم ، فززمهم
أصحابُ أبى أحمد ، وأتبعوهم حتى وغلوا فى طلبهم ، واختلفت بهم طرق
المدينة ، وفرّقت بينهم السكك والفجاج ، فانتهوا إلى أبعد من الموضع
الذى كانوا وصلوا إليه فى المرّة التى قبلها ، وحرّقوا وقتَّلوا .
٢٠١٢/٣
ثم تراجع أصحاب الخبيث ، فشدّوا على أصحاب أبى أحمد ، وخرج
كمناؤهم من نواحٍ يهتدون لها ولا يعرفها الآخرون ، فتحيّر مَنْ كان داخل

*
سنة ٢٦٨
٦٠٣
المدينة من أصحاب أبى أحمد ، ودافعوا عن أنفسهم ، وتراجعوا نحو دِجْلة
حتى وافاها أكثرُهم؛ فمنهم مَنْ دخل السفينة، ومنهم مَنْ قذف نفسه فى
الماء ، فأخذه أصحاب الشَّذًا، ومنهم مَنْ قتِل . وأصاب أصحاب الخبيث
أسلحةَ وأسلاباً ، وثبت جماعة من غلمان أبى أحمد بحضرة دار ابن سمعان ،
ومعهم راشد وموسى بن أخت مفلح ، فى جماعة من قُوّاد الغلمان كانوا آخر
مَنْ ثبت من الناس، ثم أحاط بهم الزَّنَج وكشَرُوهم، وحالوا بينهم وبين
الشَّذَا ، فدافعوا عن أنفسهم وأصحابهم ، حتى وصلوا إلى الشَّذَا فركبوها .
وأقام نحو من ثلاثين غلاماً من الديالمة فى وجوه الزَّنْج وغيرهم ، يحمون الناس ،
ويدفعون عنهم حتى سلموا ، وقتل الثلاثون من الدّيالة عن آخرهم ، بعد
ما نالوا من الفجَّار ما أحبوا، وعظم على الناس ما نالهم فى هذه الوَقْعة ، وانصرف
أبو أحمد بمَنْ معه إلى مدينته الموفقيّة، وأمر يجمعهم وعَذْ لهم (١) على ما كان
منهم من مخالفة أمره ، والافتيات عليه فى رأيه وتدبيره ، وتوعدهم بأغلظ العقوبة
إن عادوا لخلاف أمره بعد ذلك، وأمر بإحصاء (٢) المفقودين من أصحابه
فأحْصُوا له، فأتِىَ بأسمائهم ، وأقرَّ ما كان جاريًا لهم على أولادهم وأهاليهم ،
فحسُن موقع ذلك منهم ، وزاد فی صحة نیاتهم لِمَا رأوْا من حياطته خلْف
مَنْ أصيب فى طاعته .
٢٠١٣/٣
[ ذكْر وقعة أبى العباس بمن كان يمدّ الزنج من الأعراب ]
وفيها كانت لأبى العباس وقعةٌ بقوم من الأعراب الذين كانوا يميرون الفاسق
اجتاحهم فيها .
* ذكر الخبر عن السبب الذى كانت من أجله هذه الوقعة :
◌ُذكر أنّ الفاسق لما خرّب البصرة ولاَّها رجلاً من قدماء أصحابه يقال
له أحمد بن موسى بن سعيد المعروف بالقتلُوص؛ فكان يتولّى أمرها ، وصارت
(١) س: ((وعدلهم)).
(٢) س: ((بإحضار)).

٦٠٤
سنة ٢٦٨
فرصة للفاسق يَرِدها الأعراب والتّجار، ويأتونها بالميكر وأنواع التجارات ،
ويحمل ما يردها إلى عسكر الخبيث ، حتى فتح أبو أحمد طهِيثا ، وأسر
القَلوص. فولّى الخبيثُ ابنَ أخت القلوص-يقال له مالك بن بشرانالبَصْرة
وما يليها . فلمّا نزل أبو أحمد فرات البَصْرة خاف الفاجر إيقاع أبى أحمد
بمالك هذا ، وهو يومئذ نازل بسَيْحان على نهر يعرف بنهر ابن عتبة . فكتب
إلى مالك يأمره بنقل عسكره إلى النهر المعروف بالدينارىّ ، وأن ينفذ جماعة
ممّن معه لصيد السمك وإدرار حمله إلى عسكره ، وأن يوجّه قومًا إلى الطريق
التى يأتى منها الأعراب من البادية ، ليعرف ورود مَن يرد منهم بالميَر ،
فإذا وردت رُفقة من الأعراب خرج إليها بأصحابه ، حتى يحمل ما تأتى
به إلى الخبيث؛ ففعل ذلك مالك ابن أخت القلوص، ووجّه إلى البَطيحة رجلين
من أهل قرية بسمى، يعرف أحدهما بالرّيان والآخر الخليل ، كانا مقيمين
بعسكر الخبيث، فنهض الخليل والرّيان وجمعا جماعةً من أهل الطّفّ، وأتيا
قرية بسمى، فأقاما بها يحملان السمك من البَطيحة أوّلاً أوّلاً إلى عسكر الخبيث
فى الزواريق الصغار التى تسلك بها الأنهار الضّيقة والأرخنجان التى لا تسلكها
الشَّذَا والسُّميريّات؛ فكانت موادّ سمك البَطيحة متّصلة إلى عسكر الخبيث
بمقام هذين الرجلين بحيث ذكرنا، واتّصلت أيضا ميكر الأعراب وما كانوا يأتون
به من البادية . فاتّسع أهلُ عسكره، ودام ذلك إلى أن استأمن إلى الموفّق رجلٌ
من أصحاب الفاجر الذين كانوا مضمومين إلى القتلوص ، يقال له علىّ بن
عمر، ويعرف بالنقَّاب، فأخبر بخبر مالك بن بِشْران ومقامه بالنهر المعروف
بالدينارىّ ، وما يصل إلى عسكر الخبيث بمقامه هناك من سمك البطيحة وجلْب
الأعراب . فوجَّه الموفق زِيرك مولاه فى الشَّذا والسُّميريّات إلى الموضع الذى به
ابن أخت القطوص، فأوقع به وبأهل عسكره، فقتل منهم فريقًا وأسر فريقًا،
وتفرَّق أهلُ ذلك العسكر ، وانصرف مالك إلى الخبيث مفلولا، فردَّه الخبيث
فى جمع إلى مؤخّر النهر المعروف باليهودىّ؛ فعسكر هنالك بموضع قريب من
النهر (١) المعروف بالفيّاض، فكانت المير تتّصِل بعسكر الخبيث مما يَلِى سَبخة
٢٠١٤/٣
٢٠١٥/٣
(١) س: ((إلى النهر)).

٦٠٥
سنة ٢٦٨
الفيّاض. فانتهى خبر مالك ومقامه بمؤخّر نهر اليهودى ووقْعُ المِيَرَ من تلك
الناحية إلى عسكر الفاجر إلى الموفّق، فأمر ابنه أبا العباس بالمصير إلى نهر الأمير،
والنهر المعروف بالفيّاض لتعرّف حقيقة ما انتهى إليه من ذلك ؛ فنفذ
الجيش ، فوافق جماعةٌ من الأعراب يرأسهم رجلٌ قد أورد من البادية إبلاً
وغنمًا وطعامًا ، فأوقع بهم أبو العباس ، فقتل منهم جماعةً وأسر الباقين ،
ولم يُفلت من القوم إلا رئيسهم؛ فإنه سبق على حجر(١) كانت تحته، فأمعن
هربًا ، وأخذ كلَّ ما كان أولئك الأعراب أتوا به من الإبل والغنم والطعام ،
وقطع أبو العباس يدَ أحد الأسرى وأطلقه ، فصار إلى معسكر الخبيث ، فأخبرهم
بما نزل به، فرِيعَ مالك ابن أخت القتلوص بما كان من إيقاع أبى العباس بهؤلاء
الأعراب. فاستأمن إلى أبى أحمد، فأومن وحُبِىَ وكُسِىَ وضُمَ إلى أبى العباس
وأجريت له الأرزاق ، وأقيمت له الأنزال . وأقام الخبيث مقام مالك رجلاً
كان من أصحاب القتلوص ، ويقال له أحمد بن الجنيد ، وأمره أن يعسكر
بالموضع المعروف بالدهرشير ومؤخّر نهر أبى الخصيب ، وأن يصير فى أصحابه
إلى ما يقبل من سمك البَطيحة، فيحمله إلى عسكر الخبيث ، وتأدّى إلى
أبى أحمد خبر أحمد بن الجنيد ، فوجّه قائداً من قوّاد الموالى يقال له الترمدان
فى جيش، فعسكر بالجزيرة المعروفة بالرّوحية، فانقطع ما كان يأتى إلى
عسكر الخبيث من تسمك البَطيحة ، ووجّه الموفق شهاب بن العلاء ومحمد بن
الحسن العنبريّين فى خيل لمنع الأعراب من حمل المير إلى عسكر الخبيث ،
وأمر بإطلاق السوق لهم بالبصرة ، وحمل ما يريدون امتيارَه من التمر ؛ إذ كان
ذلك سبب مصيرهم إلى عسكر الخبيث ، فتقدّم شهاب ومحمد لما أمرا به، فأقاما
بالموضع المعروف بقصر عيسى ؛ فكان الأعراب يوردون إليهما ما يجلبونَه من
البادية ، ويمتارون التمر ممّا قبلهما .
٢٠١٦/٣
ثم صرف أبو أحمد الترمدان عن البصرة ، ووجّه مكانه قائداً من قُوّاد
الفراغنة ، يقال له قيصر بن أرْخُوز إخشاذ فَرْغانة ، ووجه نصيراً المعروف
بأبى حمزة فى الشَّدًا والسُّميريات، وأمره بالمقام بفيض البصرة ونهر دُبَيْس
(١) الحجر : الأنثى من الخيل.

٦٠٦
سنة ٢٦٨
وأن يخترق نهر الأبُلَة ونهر معقل ونهر غربىّ ، ففعل ذلك .
٢٠١٧/٣
قال محمد بن الحسن : وحدثنى محمد بن حماد، قال: لما انقطعت المير
عن الخبيث وأشياعه بمقام نصير وقيصر بالبصرة ، ومنعهم الميرة من البَطيحة
والبحر بالشَّذا، صرفوا الحيلة إلى سلوك نهر الأمير إلى القَنْدل ، ثم سلوك
المسيحىّ إلى الطرق المؤدية إلى البرّ والبحر؛ فكانت مِيَرهُم من البرّ والبحر،
وامتيارهم سمك البحر من هذه الجهة ، فانتهى ذلك إلى الموفّق ، فأمر رشيقاً
غلام أبى العباس باتخاذ عسكر يحَوِّيث بارويه فى الجانب الشرقى من دِجْلة
بإزاء نهر الأمير ، وأن يحفر له خندقًا حصينًا، وأمَر أبا العباس أن يضمّ
إلى رشيق من خيار أصحابه خمسة آلاف رجل وثلاثين شذاة، وتقدّم إلى
رشيق فى ترتيب هذه الشَّذًا على فُوّهة نهر الأمير، وأن يجعل على كلّ خمس
عشرة شَذّاة منها نوبة يلج فيها نهرَ الأمير ، حتى ينتهىَ إلى المعترض الذى
كان الزَّنج يسلكونه إلى دُبًّا والقَنْدل والنهر المعروف بالمسيحىّ؛ فيكون هناك ؛
فإن طلع عليهم من الحُبشَاء طالع أوقعوا به ؛ فإذا انقضت نَوْبتهم انصرفوا
وعاقبهم أصحابهم المقيمون على فُوّهة النهر ففعلوا مثل هذا الفعل ، فعسكر
رشيق فى الموضع الذى أمر بترتيبه به ، فانقطعت طرق الفَجرة التى كانوا
يسلكونها إلى دُبَّا والقَنْدل والمسيحىّ؛ فلم يكن لهم سبيل إلى برّ ولا بحر،
فضاقت عليهم المذاهب ، واشتدّ عليهم الحصار .
٠
وفيها أوقع أخو شركب بالحُجُستانىّ وأخذ أمَّه .
وفيها وثب ابن شبّث بن الحسن ، فأخذ عمر بن سيما والى حلوان .
وفيها انصرف أحمد بن أبى الأصبغ من عند عمرو بن الليث ، وكان
عمر وقد وجهه إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبى دلف ، فقدم معه بمال، فوجه
عمرومما صودر عليه ثلثمائة ألف دينار ونيفاً وهدية فيها خمسون منًّا مسكاً
وخمسون منّاً عنبراً، ومائتا منّ عوداً، وثلثمائة ثوب وشى وغيره ، وآ نية ذهب
وفضة ودواب وغلمان بقيمة مائتى ألف دينار ؛ فكان ما حمل وأهدى بقيمة
خمسمائة ألف دينار .
٢٠١٨/٣

٦٠٧
سنة ٢٦٨
وفيها ولّى كَيْفَلَغ الخليل بن ريمال حُلوان ، فنالهم بالمكاره بسبب عمر
ابن سيما وأخذهم بجريرة ابن شبَث ، فضمِنوا له خلاصَ ابن سيما وإصلاح
أمر ابن شبَث .
٠
[ ذكر خبر إيقاع رشيق بمن أعان الزنج من تميم ]
وفيها أوقع رشيق غلام أبى العباس بن الموفق بقوم من بنى تميم، كانوا أعانوا
الزّنج على دخول البصرة وإحراقها ، وكان السبب فى ذلك أنه كان انتهى إليه
أنّ قومًا من هؤلاء الأعراب قد جلبوا ميرةً من البرّ إلى مدينة الخبيث؛ طعاماً
وإبلا وغنماً، وأنهم فى مؤخر نهر الأمير ينتظرون سفنًا تأتيهم من مؤخّر عسكر
الفاجر تحملهم وما معهم . فسرَى إليهم رشيق فى الشَّذًا ، فوافى الموضع
الذى كانوا حلّوا به ، وهو النهرُ المعروف بالإسحاقىّ ، فأوقع بهم وهم غارّون ،
فقُتِل أكثرُهم وأسر جماعة منهم (١) وهم تجار كانوا خرجوا (٢) من عسكر
الخبيث الجلْب الميرة ، وحوى ما كان معهم من أصناف المير والشاء والإبل
والحمير التى كانوا حملوا عليها(٣) الميرة . فحمل الأسرى والرءوس فى الشَّذا
وفى سفن كانت معه إلى الموفقيّة ، فأمر الموفق فعلِّقت الرءوس فى الشَّذا،
وصُلِب الأسارى (٤) هنالك؛ وأظهر ما صار إلى رشيق وأصحابه ، وطيف
بذلك فى أقطار العسكر، ثم أمر بالرءوس والأسارى ، فاجتيز بهم على عسكر
الخبيث حتى عرفوا ما كان من رشيق من الإيقاع بجالبى الميتر إليهم، ففعل
ذلك . وكان فيمن ظفر به رشيق رجل من الأعراب ، كان يُسفر بين صاحب
الزَّنْج والأعراب فى جلب المِيرة ، فأمر به الموفق فقُطعت يدُه ورجله ،
وألفى فى عسكر الخبيث . ثم أمر بضرب أعناق الأسارى فضربت ، وسوّغ
أصحاب رشيق ما أصابوا من أموالهم، وأمر الرشيق بخلع وصلة ، وردّه إلى
عسكره ، فكثر المستأمنون إلى رشيق. فأمر أبو أحمد بضمّ مَنْ خرج منهم
إلى رشيق إليه ، فكثُروا حتى كان كأكثر العساكر جمعًا ، وانقطعت عن
٢٠١٩/٣
(٢) ب: ((أخرجوا)).
(١) س: ((وأسر أكثر من بقى)).
(٣) س: ((المير عليها)).
(٤) ب: ((الأسرى)).

٦٠٨
٢٠٢٠/٣
سنة ٢٦٨
الخبيث وأصحابه الميكر من الوجوه كلّها ، وانسدّ عليهم كلُّ مسلك كان لهم ،
فأضرّ بهم الحصار، وأضعف أبدانهم ؛ فكان الأسير منهم يُؤسر ؛ والمستأمِنِ
يُستَأمَن، فيسألُ عن عهده بالخبز ، فيعجب من ذلك ؛ ويذكر أنّ عهده
بالخبز مذ سنة وسنتين. فلما صار أصحاب الخائن إلى هذه الحال ، رأى الموفق
أن يتابع الإيقاع بهم ، ليزيدهم بذلك ضُرّاً وجهداً ، فخرج إلى أبى أحمد
فى هذا الوقت فى الأمان خلق كثير ، واحتاج مَنْ كان مقيمًا فى حيز الفاسق
إلى الحيلة لقوّته ، فتفرّقوا فى القُرى والأنهار النائية عن معسكرهم فى طلب
القوت ، فتأدّى الخبر بذلك إلى أبى أحمد ، فأمر جماعةً من قوّاد غلمانه
السودان وعُرفائهم بأن يقصدوا المواضع التى يعتادها الزَّنْج ، وأن يستميلوهم
ويستدعوا طاعتَّهم؛ فمَنْ أبَى الدّخولَ منهم فى ذلك قتلوه وحملوا رأسه ،
وجعل لهم (١) جُعْلا؛ فحرصوا وواظبوا على الغدوّ والرواح؛ فكانوا لا يخلون فى
يوم من الأيام من جماعة يجلبونهم، و رءوس يأتون بها ، وأسارى يأسرونهم .
قال محمد بن الحسن : قال محمد بن حمّاد: ولمّا كثر أسارى الزَّنج
عند الموفّق، أمر باعتراضهم ؛ فمَنْ كان منهم ذا قوّة وجلد ونهوض بالسلاح
منّ عليه، وأحسن إليه ، وخلطه بغلمانه السودان ، وعرّفهم ما لهم عنده من
البرّ والإحسان، ومَن كان منهم ضعيفًا لا حَرَاك به ، أو شيخًا فانيًا لا
يُطيق حمل السلاح ، أو مجروحًا جراحة قد أزمَنَتْه ، أمر بأن يُكْسِىَ ثوبين،
ويوصّل بدراهم ، ويزوّد ويحمل إلى عسكر الخبيث؛ فيلقى هناك بعد ما يؤمر
بوصف ما عاين من إحسان الموفّق إلى كلّ مَنْ يصير إليه، وأنّ ذلك رأيه
فى جميع مَنْ يأتيه مستأمِنًا ويأسره منهم ؛ فتهيأ له من ذلك ما أراد من
استمالة أصحاب صاحب الزَّنْج ؛ حتى استشعروا الميل إلى ناحيته(٢) والدخول
فى سلْمه(٣) وطاعته ؛ وجعل الموفق وابنه أبو العباس يغاديان حرب الخبيث
ومَنْ معه، ويراوحانها بأنفسهما ومَنْ معهما ، فيقتلان ويأسران ويجرحان،
وأصاب أبا العباس فى بعض تلك الوقعات سهم جرحه فبرأ منه .
٢٠٢١/٣
#
(١) ب: ((وجعلوا له)).
(٣) س: ((إلى سلمه)).
(٢) س: ((طاعته)).

٦٠٩
سنة ٢٦٨
[ ذكر الخبر عن قتل بهبوذ بن عبد الوهاب]
وفى رجب من هذه السنة قتل بهبوذ صاحب الخبيث.
* ذكر الخبر عن سبب مقتله :
"ذكر أن أكثر أصحاب الفاسق غارات، وأرشدهم (١) تعرّضًا لقطع السبيل
وأخذ الأموال ، كان بهبوذ بن عبد الوهاب ، وكان قد جمع من ذلك مالاً
جليلا ، وكان كثير الخروج فى السميريّات الخفاف ، فيخترق الأنهار المؤدّية
إلى دِجْلة، فإذا صادف سفينةً لأصحاب الموفّق أخذها فأدخلها النهر الذى
خرج منه ، فإن تبعه تابع حتى توغَّل فى طلبه خرج عليه من النّهر قوم من
أصحابه قد أعدَّهم لذلك، فاقتطعوه وأوقعوا به؛ فلما كثر ذلك وتُحُرِّزَ منه
ركب شذاةً، وشبّهها بشذوات الموفّق ، ونصب عليها مثل أعلامه، وسار بها
فى دِجْلة ، فإذا ظفر بِغِرّة من أهل العسكر أوْقع بهم ، فقتَل وأسر ،
ويتجاوز إلى نهر الأبُلّة ونهر مَعْقِل وبَثْق شيرين ونهر الدير فيقطع السبل،
ويعبث فى أموال السابلة ودمائهم؛ فرأى الموفق عند ما انتهى(٢) إليه من أفعال (٣)
بتَهْبوذ أن يسكر جميع الأنهار التى يخفّ سَكْرُها، ويرتّبَ الشذاة على
فُوّهة الأنهار العظام ؛ ليأمن عبث بهبوذ وأشياعه ، ويأمن سُبَل الناس
ومسالكهم . فلمّا حُرست هذه المسالك، وسُكر ما أمكن سكرُه من الأنهار ،
وحيل بين بهبوذ وبين ما كان يفعل ؛ أقام منتهزًا فرْصة فى غفلة أصحاب
الشَّدا الموكلين بفوّهة نهر الأبُلّة؛ حتى إذا وجد ذلك اجتاز من مؤخر نهر
أبى الخصيب فى شذوات مثل أصحاب الموفق وسُميريّاتهم ، ونصب عليها
مثل أعلامهم، وشحنها بحُلد أصحابه وأنجادهم وشجعانهم، واعترض بها فى
معترض يؤدّى إلى النهر المعروف باليهودىّ ، ثم سلك نهر نافذ حتى خرج
منه إلى نهر الأبُلّة، وانتهى إلى الشَّدَوات والسميريّات المرتبة لحفظ النهر،
وأهلها غارُّون غافلون ، فأوقع بهم ، وقتل جَمْعًا ، وأسر أسرى ، وأخذ
ستّ شَذَوَات، وكرّ راجعًا فى نهر الأبُلّة، وانتهى الخبر بما كان من بتهبوذ
٢٠٢٢/٣
(١) س: ((أرشدهم)).
(٢) س: ((فعال)).
(٣) س: ((أنهى)).

٦١٠
سنة ٢٦٨
إلى الموفق ، فأمر أبا العباس بمعارضته فى الشَّذًا من النَّهر المعروف باليهودىّ،
ورجا أن يسبقه إلى المعترض فيقطعه عن الطريق المؤدّى إلى مأمنه .
٢٠٢٣/٣
فوافى أبو العباس الموضع (١) المعروف بالمطوّعة، وقد سبق بهبوذ، فَوَلَج
النهر المعروف بالسعيدىّ ؛ وهو نهر يؤدىّ إلى نهر أبى الخصيب. وبصر
أبو العباس بشذوات بهبوذ ، وطمع فى إدراكها ، فجدّ فى طلبها ، فأدركها
ونشبت الحرب ، فقتل أبو العباس من أصحاب بَهْبوذ جَمْعًا، وأسر جمعًا،
واستأمن إليه فريق منهم، وتلقى بهبوذَ من أشياعه خلق (٢) كثير ، فعاونوه ودافعوا
عنه دفعًاً شديداً، وقد كان الماء جزر ، فجرتْ شذواتُه فى الطين فى
المواضع التى (٣) نَضَبَ الماء عنها من تلك الأنهار والمعترضات، فأفلت بهبوذ
والباقون من أصحابه بجُريعة الذَّقَن .
وأقام الموفق على حصار الخبيث ومَن معه، وسدّ المسالك التى كانت المِيتر
تأتيهم منها ، وكثر المستأمنون منهم ، فأمر الموفّق لهم بالخلَع والجوائز،
وحملوا على الخيل الجياد بسروجها ولحمها وآلتها ، وأجريت لهم الأرزاق ،
وانتهى الخبر إلى الموفق بعد ذلك أن الضرّ والبؤس قد أحوج جماعةً من أصحاب
الخبيث إلى التفرّق فى القرى لطلب القوت من السمك والتمر ، فأمرابنه
أبا العباس بالمصير إلى تلك القرى والنواحى والإسراع إليها فى الشذًا والسميريّات،
وما خفّ من الزواريق وأن يستصحب جُلْد أصحابه (٤) وشجعانهم وأبطالهم
ليحول بين هؤلاء الرّجال والرجوع إلى مدينة صاحب الزَّنج؛ فتوجّه أبو العباس
لذلك ، وعلم الخبيث بمسير أبى العباس له ، فأمر بهبوذ أن يسيرفى أصحابه فى
المعترضات والأنهار الغامضة ليخفى خبره، إلى أن يوافى القَنْدل وأبراسان
ونواحيها، فنهض بهبوذ لما أمره (٥) به الخبيث من ذلك فاعترضت له فى طريقه
سميرية من سُميريات أبى العباس ، فيها غلمان من غلمانه (٦) الناشبة فى
جماعة الزَّنْج، فقصد بهبوذ لهذه السميريّة طامعًا فيها ، فحاربه أهلُها ،
٢٠٢٤/٣
(١) ب: ((بالموضع))
(٣) ب: ((فى الموضع الذى)).
(٥) س: ((أمر)).
(٢) ب: ((جمع)).
(٤) ب: ((جلة أصحابه)).
(٦) ب، س: ((غلام من غلمانه)).

٦١١
سنة ٢٦٨
فأصابته طعنة فى بطنه من يد غلام من مقاتلة السميرية أسود، فهوى إلى الماء،
فابتدره أصحابُه ، فحملوه، وولّوْا منهزمين إلى عسكر الخبيث ، فلم يصلوا به
إليه ؛ حتى أراح الله منه؛ فعظُمت الفجيعة به على الفاسق وأوليائِه ، واشتدّ
عليه جزعُهم ، وكان قتلُه الخبيثَ من أعظم الفتوح ، وخفىَ هلاكُه على
أبى أحمد؛ حتى استأمن رجلٌ من الملاحين، فأنهى إليه الخبر، فسُرّ بذلك،
وأمر بإحضار الغلام الذى وَلِىَ قَتْلَه ، فأحضر، فوصله وكساه وطوّقه ،
وزاد فى أرزاقه، وأمر لجميع مَنْ كان فى تلك السميريّة بجوائز وخلع وصلات.
#
*
وفى هذه السنة كان أول شهر رمضان منها يوم الأحد، وكان الأحد الثانى
من السَّعانين(١) وفى الأحد الثالث الفِصْح، وفى الأحد الرابع النيروز (٢)،
وفى الأحد الخامس انسلاخ الشهر .
وفيها ظفر أبو أحمد بالذوائبِىّ ، وكان ممايلاً لصاحب الزَّنج .
وفيها كانت وقعة بين يدكوتكين بن إساتكين وأحمد بن عبد العزيز ،
فهزمه يدكوتكين وغلبه على ثُمّ .
وفيها وجّه عمرو بن الليث قائداً بأمر أبى أحمد إلى محمد بن عبيد الله بن
أزار مرد الكردىّ ، فأسره القائد وحمله إليه.
٢٠٢٠/٣
وفى ذى القعدة منها خرج رجل من ولد عبد الملك بن صالح الهاشمى
بالشام يقال له بكّار بين سلمية وحلب وحمْص؛ فدعا لأبى أحمد، فحار به
ابنُ عباس الكلابىّ ، فانهزم الكلاب، ووجّه إلیه لؤلؤ صاحب ابن طولون
قائداً يقال له بودن فى عسکر وجيش كثيف ، فرجع وليس معه كثير أحد .
وفيها أظهر لؤلؤ الخلاف على ابن طولون .
وفيها قتل صاحب الزنج ابنَ ملك الزّنج، وكان بلغه أنه يريد اللحاق
بأبی أحمد .
(١) السعانين: عيد للنصارى قبل الفصح بأسبوع ، يخرجون فيه بصلبانهم.
(٢) النيروز: أول يوم من السنة، معرب: ((فوروزا)).

٦١٢
سنة ٢٦٨
وفيها قتيل أحمد بن عبد اللّه الحُجُسْتانىّ، قتله غلام له فى ذى الحجة:
وفيها قتَل أصحاب ابن أبى الساج محمدَ بن علىّ بن حبيب الشكرىَّ بالقرية
ناحيةَ واسط، وَنُصِب رأسُه ببغداد .
وفيها حارب محمد بن كمُشْجور علىّ بن الحسين كفْتمر، فأسر ابنُ
كُمُشْجُور كفتمر ثم أطلقه ، وذلك فى ذى الحجة .
وفيها أسر العلوىُّ الذى يعرف بالحُرُون، وذلك أنه اعترض الخريطة التى
٢٠٢٠ يوجَّه بها بخبر الموسم فأخذها ، فوجلَّه خليفة ابن أبى الساج على طريق مكة
مَنْ أخذ الحُرُون، ووجَّهَهُ إلى الموفق.
وفيها كان مصير أبى المغيرة المخرومىّ إلى مكة ، وعاملها هارون بن محمد بن
إسحاق الهاشمىّ، فجمع هارون جمعاً (١) نحواً من ألفين، فامتنع بهم منه (٢)
فصار المخزومىّ إلى عين مُشَاش فعوّرها، وإلى جُدَّة، فنهب الطعام، وحرّق
بيوت أهلها ، فصار الخبز بمكة أوقيّتان(٣) بدرهم.
وفيها خرج ابن الصّقْلبيّة طاغية الرّوم ، فأناخ على مَكتَطْيّة ، وأعانهم
أهل مَرْعش والحدّث، فانهزم الطاغية ، وتبعوه إلى السريع .
وغزا الصائفة من ناحية الثغور الشأمية خلف الفرغانىّ عامل ابن طولون،
فقتل من الرّوم بضعة عشر ألفًا ، وغنم الناس ، فبلغ السهم أربعين ديناراً .
٠
٠
وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق الهاشمىّ، وابن أبى الساج
على الأحداث والطريق .
(١) س: ((جماعة)).
(٣) ط: ((أوقتين)).
(٢) ب: ((منهم)).

٦١٣
ثمدخلت سنةتسع وستین ومائتين
ذکر الخبر عما کان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من إدخال العلوىّ المعروف بالحرُون عسكر أبى أحمد
فى المحرّم على جمل، وعليه قبَاء ديباج وقلنسوة طويلة، ثم حُمل فى شذاة، ومُضِىَ
به حتى وُقِف به حيث يراه صاحب الزنج ، ويسمع كلام الرسل .
وفى المحرّم منها قطع الأعراب على قافلة من الحاجّ بين تُوز وسَمِيراء، ٢٠٢٧/٣
فسليوهم واستاقوا نحوًا من خمسة آلاف بعير بأحْمالها وأناساً كثيرين.
وفى المحرّم منها فى ليلة أربع عشرة انخسف القمر وغاب منخسفًا،
وانكسفت الشمس يوم الجمعة لليلتين بقيتًا من المحرّم وقت المغيب ، وغابت
منكسفة ، فاجتمع فى المحرّم كسوف الشمس والقمر .
وفى صفر منها كان ببغداد وثوب العامّة بإبراهيم الخليجىّ ، فانتهبوا دارَه ؛
وكان السبب فى ذلك أنّ غلامًا له ربى امرأة بسهم فقتلها ، فاستعدّى السلطان
عليه ؛ فبعث إليه فى إخراج الغلام ، فامتنع ورمى غلمانه الناس ، فقتلوا جماعة
وجرحوا جماعة ؛ فمنعهم من أعوان السلطان رجلان ، فهرب وأخذ غلمانه ،
ونُھیب متزله ودوابه ، فجمع محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر - وكان
على الجسر من قبَل أبيه -دوابَّ إبراهيم، وما قدر عليه مما نُهب له، وأمر عبيدُ الله
بتسليم ذلك إليه ، وأشهد عليه بردّه عليه .
وفيها وجه ابن أبى الساج بعد ما صار إلى الطائف منصرفًا من مكة إلى جُدّة
جيشًاً، فأخذوا للمخزومىّ مركبين فيهما (١) مالٌ وسلاح.
وفيها أخذ رومىّ بن حَسنج (٢) ثلاثة نفر من قُوّاد الفراغنة ، يقال لأحدهم
صديق ، والآخر طخشى ، والثالث طُغّان ، فقيَّدهم ، وجرح صديق
جراحات وأفلت .
وفيها كان وثوب خلَف صاحب أحمد بن طولون فى شهر ربيع الأول
(١) س: ((فيها)).
(٢) ط: ((خشنج»، وانظر الفهرس.

٦١٤
سنة ٢٦٩
منها بالثغور الشأمية ؛ وهو عامله عليها، بيازمان الخادم مولى الفتح (١) بن خاقان
فحبسه ، فوثبت جماعة من أهل الثَّغْر بخلَف ، وتخلّصوا يازمان ، وهرب
خلف، وتركوا الدّعاء لابن طولون ، ولعنوه على المنابر؛ فبلغ ذلك ابن طرلون،
فخرج من مصر ، حتى صار إلى دمشق ، ثم صار إلى الثغور الشأميّة ، فنزل
أُذَنَة، وسد يازمان وأهلُ طَرّ سُوس أبوابتها، خلا باب الجهاد وباب البحر،
وبثَقُوا الماء، فجرى إلى قرب أذنة وما حولها، فتحصّنوا بها ، فأقام ابن طولون
بأذَنة ، ثم انصرف فرجع إلى أنطاكية ، ثم مضى إلى حِمْص، ثم إلى دمشق
فأقام بها .
وفيها خالف لؤلؤ غلام ابن طولون مولاه ؛ وثی یدہ حین خالفه حمْص
وحلب وقِنّرين وديار مُضر، وسار لؤلؤ إلى بالس فنهبها ، وأسر سعيداً
وأخاه ابنى العباس الكلابىّ . ثم كاتب لؤلؤ أبا أحمد فى المصير إليه ومفارقة
ابن طولون ، ويشترط لنفسه شروطًا ، فأجابه أبو أحمد إلى ما سأله ؛ وكان
مقيماً بالرَّفَّة ، فشخص عنها ، وحمل جماعة من أهل الرَّافقة(٢) وغيرهم
معه، وصار إلى قرقيسيا ، وبها ابن صفوان العُقَيلىّ ، فحاربه فأخد لؤلؤ
قرْقِيسيا، وسلّمها إلى أحمد بن مالك بن طوْق ، وهرب ابن صفوان ، وأقبل
لؤلؤ یرید بغداد .
٢٠٢٩/٣
#
[ ذكر خبر إصابة الموفّق ]
وفيهارُمِىَ أبو أحمد الموفّق بسهم-رماه غلام رومى، يقال له قرطاس- للخبيث
بعد ما دخل أبو أحمد مدينته التى كان بناها لهدم سورها ، وكان السبب فى
ذلك - فيما ذُكر - أنّ الخبيث بهبوذ لمّا هلك، طمع الزَّنْج فيما كان بهبوذ قد
جمع من الكنوز والأموال ، وکان قد صحّ عنده أن ملكه قد حوى مائتى ألف
دينار وجوهراً وذهبًا وفضّة لها قدر، فطلب ذلك بكلّ حيلة، وحَرَص عليه ،
(١) س: ((فتح))، ابن الأثير: ((مفلح)).
(٢) س: ((الرقة)).
%,

٦١٥
سنة ٢٦٩
وحبس أولياءه وقرابته وأصحابه ، وضربهم بالسّياط، وأثار دوراً من ◌ُدُوره،
وهدم أبنيةً من أبنيته؛ طمعًا فى أن يجد فى شىء(١) منها دفيناً، فلم يجد من ذلك
شيئًا ؛ وكان فعله الذى فعله بأولياء بهبوذ فى طلب المال أحد ما أفسد قلوب
أصحابه، ودعاهم إلى الهرب (٢) منه والزّهد فى صحيته، فأمر الموفق بالنداء
فى أصحاب بهبوذ بالأمان ، فنُودى بذلك، فسارعوا إليه راغبين فيه ، فألحقوا
فى الصِّلات والجوائز والخلَ والأرزاق بنظرائهم . ورأى أبو أحمد لما كان
يتعذّر عليه من العُبور إلى عسكر الفاجر فى الأوقات التى تهبّ فيها الرياح
وتحرّك فيها الأمواج فى دِجِئْلة أن يوسع لنفسه وأصحابه موضعًا فى الجانب
الغربىّ من دِجْلة ليعسكر به فيما بين ديْر جابيل ونهر المغيرة ، وأمر بقطع
النخل وإصلاح موضع الخندق ، وأن يحفّ بالخنادق ، ويحصّن بالسور ليأمن
بيات الفجّار واغتيالهم إياه ، وجعل على قُوّاده نوائب؛ فكان لكل واحد منهم
نوْبة يغدو إليها برجاله ، ومعه العمال فى كلّ يوم لإحكام أمر العسكر الذى
عزم على اتّخاذه هنالك ، فقابل الفاسق ذلك بأن جعل على علىّ بن أبان
المهلّيّ وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمدانىّ نُوبًا، فكان لكلّ واحد
منهم يوم ينوب فيه .
٢٠٣٠/٣
وكان ابنُ الخبيث المعروف بأنكلاى يحضرُ فى كلّ يوم نوبة سليمان ،
وربما حضر فى نوبة إبراهيم . ثم أقامه الخبيث مقام إبراهيم بن جعفر ، وكان
سليمان بن جامع يحضُر معه فى نوبته ، وضم إليه الخبيث سليمان بن موسى
الشعرانىَّ وأخويه ، وكانوا يحضرُون بحضوره، ويغيبون بغيبته . وعلم الخبيثُ
أن الموفّق إذا جاوره فى محاربته، وقرب على مَن يريد اللحاق به المسافةُ فيما
يحاول من الهرب إليه ، مع ما يدخل قلوبَ أصحابه من الرهبة بتقارب العسكرين
أنّ فى ذلك انتقاضَ تدبيره، وفسادَ جميع أموره؛ فأمر أصحابَه بمحاربة ٢٠٣١/٣
من يعبر من القوّاد فى كلّ يوم، ومنعهم من إصلاح ما يحاولون إصلاحه
من أمر عسكرهم الذى يريدون الانتقال إليه ، وعصفت الرياح فى بعض تلك
(١) س: ((يجد فيها)).
(٢) كذا فى ابن الأثير وفى ط: ((الحرب)).

٦١٦
سنة ٢٦٩
الأيام وبعض قوّاد الموفّق فى الجانب الغربىّ لِمَا كان يعبر له . فانتهز الفاسق
الفرصةَ فى انفراد هذا القائد وانقطاعه عن أصحابه ، وامتناع دِجْلة بعصوف
الربح من أن يرام عبُورها ، فرمى القائد المقيم فى غربى دِجْلة بجميع جيشه ،
وكاثره برجاله (١)، ولم تجد الشَّدَوات التى كانت تكون مع القائد الموجه سبيلا
إلى الوقوف بحيث كانت تقف لحمل الرياح إياها على الحجارة ، وما خاف
أصحابها عليها من التكسّر، فقوىَ الزَّنْج على ذلك القائد وأصحابه ، فأزالوهم
من موضعهم ، وأدركوا طائفةً منهم ، فثبتوا فقُتلوا عن آخرهم ؛ ولجأت
طائفةٌ إلى الماء ، فتبعهم الزَّنْج ، فأسروا منهم أسارى ، وقتلوا منهم نفراً ،
وأفلت أكثرُهم، وأدركوا سفنَهم ، فألقوا أنفسهم فيها ، وعَبَروا إلى المدينة
الموفقيّة ، فاشتدّ جزع الناس لما تهيّأ للفسقة، وعَظُ بذلك اهتمامُهم. وتأمّل
أبو أحمد فيما كان دبّر من النزول فى الجانب الغربىّ من دِجْلة أنه أكدى،
وما لا يؤمن من حيلة الفاسق وأصحابه فى انتهاز فرصة ، فيوقع (٢) بالعسكر
بياتًا ، أو يجد مساغًا إلى شىء مما يكون له فيه متنفَّس؛ لكثرة الأدغال فى
٢٠٣١ ذلك الموضع وصعوبة المسالك، وأنّ الزنج على التوغّل إلى المواضع الوحشة أقدرُ،
وهو عليهم (٣) أسهل من أصحابه .
فانصرف عن رأيه فى نزول غربىّ دِجْلة ، وجعل قصده لهدم سور الفاسق
وتوسّعه الطرق والمسالك منها (٤) لأصحابه ، فأمر عند ذلك أن يبدأ بهدْم
السور مما يلِى النهر المعروف بمنكى ؛ فكان تدبير الخبيث فى ذلك توجيه ابنه
المعروف بأنكلاى وعلىّ بن أبان وسليمان بن جامع للمنع من ذلك ؛ كلّ واحد
منهم فى نَوْبته فى ذلك اليوم ، فإذا كثر عليهم أصحابُ الموفق اجتمعوا
· جميعًا لمدافعة مَنْ يأتيهم.
فلمّا رأى الموفّق تحاشُدَ الخبثاء وتعاونَهم على المنع من الهدم للسور،
أَزْمَعَ على مباشرة ذلك وحضوره ليستدعىَّ به جِدَّ أصحابه واجتهادهم ،
(١) س: ((برجالته)).
(٣) ب: ((وهم عليه)).
(٢) س: ((فنوقع)).
(٤) س: ((فيها)).

٦١٧
سنة ٢٦٩
ويزيدَ فى عنايتهم ومجاهدتهم ؛ ففعل ذلك ، واتّصلت الحرب، وغَلُظت
على الفريقين ؛ وكثر القتلى والجراح فى الحزبَيْن كليْهما ، فأقام الموفق أياماً
يغادِى الفسقة ويراوحهم ؛ فكانوا لا يفتَرُون من الحرب فى يوم من الأيام ،
وكان أصحاب أبى أحمد لا يستطيعون الوُلوج على الحبئة لقنطرتين كانتا على
نهر منكى كان الزّنج يسلكونهما فى وقت استعار الحرب ، فينتهون منهما إلى
طریق یخرجهم فى ظهور أصحاب أبى أحمد ، فينالون منهم، ويحجزونهم عن
استمام ما يحاولون من هدم السور ، فرأى الموفَّق إعمال الحيلة فى هدم هاتيْن
القنطرتين ليمنع الفسقة عن الطّريق الذى كانوا يصيرون (١) منه إلى استدبار
أصحابه فى وقت احتدام الحرب ؛ فأمر قوّاداً من قوّاد غلمانه بقصد هاتين
القنطرتين ، وأن يختلوا الزنج ، وينتهزوا الفرصة فى غفلتهم عن حراستهما ؛
وتقدّم إليهم فى أن يُعِدُّوا لهما من الفؤوس والمناشير والآلات التى يحتاج إليها
لقطعهما ما يكون عونًا لهم على الإسراع فيما يقصدون له من ذلك .
٢٠٣٣/٣
فانتھی الغلمان إلى ما أمروا به ، وصاروا إلى نهر منکی وقت نصف النهار،
فبرزلهم الزّنْج ، فبادروا وتسرّعوا ، فكان ممّن تسرع إليهم أبو النداء فى جماعة
من أصحابه يزيدون على الخمسمائة ، ونشبت الحرب بين أصحاب الموفق والزّنج،
فاقتتلوا صدرَ النهار ، ثم ظهر غلمان أبى أحمد على الفسقة فكشفوهم عن
القنطرتين، فأصاب المعروف بأبى النداء سهمٌ فى صدره وصل إلى قلبه فصرعه ،
وحامى أصابه على جيفته فاحتملوها ، وولَّوْا منهزمين ، وتمكن قوّاد غلمان
الموفَّق من قطع القنطرتين ، فقطعوهما وأخرجوهما إلى دِجْلة ، وحملوا خشبهما
إلى أبى أحمد ، وانصرفوا على حال سلامة ، وأخبر وا الموفّق بقتل أبى النداء وقَطْع
القنطرتين ، فعظم سروره وسرورُ أهل العسكر بذلك ، وأمر لرامى أبى النداء
بصلة وافرة .
وألحّ أبو أحمد على الخبيث وأشياعه بالحرب ، وهدم من السور ما أمكنهم به
الولوج عليهم ، فشغلوهم بالحرب فى مدينتهم عن المدافعة عن سورهم ، فأسرع
(١) س: ((يصلون)).
٢٠٣٤/٣

٦١٨
سنة ٢٦٩
الهدْم فيه ، وانتهى منه إلى دارَى ابن سمعان وسليمان بن جامع ، فصار ذلك
أجمع فى أيدى (١) أصحاب الموفّق ، لا يستطيع الفسقة دفعتهم عنه ولا منعتهم
من الوصول إليه، وهُد مت هاتان الداران ، وانْتُهِب ما فيهما، وانتهى أصحاب
الموفّق إلى سوق لصاحب الزَّنج كان اتخذها مظلة على دجلة ، سماها الميمونة ،
فأمر الموفّق زيرك صاحب مقدّمة أبى العباس بالقصْد لهذه السوق ، فقصد
بأصحابه لذلك، وأكبَ عليها ، فهدمت تلك السوق وأخرِبَتْ ، فقصد
الموفّق الدار التى كان صاحب الزنج اتّخذها للجُبّائىّ فهدمها، وانتهب ما كان
فيها وفى خزائن الفاسق كانت متّصلة بها .
وأمر أصحابه بالقصد إلى الموضع الذى كان الخبيث اتخذ فيه بناء سماه
مسجد الجامع ، فاشتدّت محاماة الفسقة عن ذلك والذبّ عنه ؛ بما كان الخبيث
يحضّهم عليه، ويُوهمهم أنه يجب عليهم من نُصرة المسجد وتعظيمه؛ فيصدّ قُون
قولتَه فى ذلك ، ويتبعون فيه رأيه . وصعُب على أصحاب الموفّق ما كانوا يرومون
من ذلك ؛ وتطاولت الأيام بالحرب على ذلك الموضع . والذى حصل مع الفاسق
يومئذ نخبة أصحابه وأبطالُهم والموطنون أنفسهم على الصبر معه ، فحاموا
جهدهم ؛ حتى لقد كانوا يقفون الموقف فيصيب أحدهم السهمُ أو الطعنة
أو الضربة فيسقط، فيجذبه الذى إلى جنبه ويقف موقفه (٢) إشفاقًا من أن
يخْدُوَ موقف رجل منهم ؛ فيدخل الخلل على سائر أصحابه .
فلمّا رأى أبو أحمد صبر هذه العصابة ومحاماتها، وتطاول الأيام بمدافعتها(٣)،
أمر أبا العباس بالقصد لركن البناء الذى سماها الخبيث مسجداً ، وأن يندب
لذلك أنجادَ أصحابِه وغلمانه ، وأضاف إليهم الفعلة الذين كانوا أعدّوا
للهدم ، فإذا تهيّأ لهم هدمُ شىء أسرعوا فيه ، وأمر بوضع السلاليم على السور
فوضعوها ، وصعد الرماة فجعلوا يرشقون بالسهام من وراء السور من الفَسقة،
ونظم الرجال من حدّ الدار المعروفة بالجُبّائىّ إلى الموضع الذى رتّب فيه أبا العباس،
وبذل الموفق الأموال والأطوقة والأسورة لمن سارع إلى هدم سور الفاسق وأسواقيه
٢٠٣٥/٣
(١) س: ((فى يدى)).
(٣) س: ((ومدافعتها).
(٢) س: ((فى موضعه)).

٦١٩
سنة ٢٦٩
ودور أصحابه ، فتسهّل ما كان يصعُب بعد محاربة طويلة وشدّة ، فهدم
البناء الذى كان الخبيث سماه مسجداً ، ووصل إلى مِنْبره فاحتُمِل ، فأتِىّ
به الموفّق، وانصرف به إلى مدينته الموفقيّة جذٍلاً مسروراً . ثم عاد الموفَّق لهدم
السور فهدَمَه من حدّ الدار المعروفة بأنكلاى إلى الدار المعروفة بالجُبّائىّ.
وأفضى أصحاب الموفّق إلى دواوين من دواوين الخبيث وخزائن من خزائنه ؛
فانتُهبت وأحرقت ؛ وكان ذلك فی یوم ذی ضباب شديد ، قد ستر بعضّ
الناس عن بعض ؛ فما يكاد الرجل يبصره صاحبُه . فظهر فى هذا اليوم للموفّق
تباشير الفتح ، فإنهم لعلَى ذلك ؛ حتى وصل سهمٌ من سهام الفسقة إلى
الموفّق، رماه به غلام رومىّ كان مع الفاسق يقال له قرطاس، فأصابه فى صدره، ٢٠٣٦/٣
وذلك فى يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الأولى سنة تسع وستين ومائتين،
فستر الموفّق ما ناله من ذلك السهم ، وانصرف إلى المدينة مع الموفقية ، فعُواج
فى ليلته تلك من جراحته(١)، وبات ثم عاد إلى الحرب على ما به من ألم الجراح(٢)،
يشدّ(٣) بذلك قلوب أوليائه من أن يدخلها وَهْ أو ضعف، فزاد ما حمل نفسه
عليه من الحركة فى قوه عِلَّته، فغلُظت وعظم أمرُها حتى خيف عليه، واحتاج
إلى علاجه بأعظم ما يعالج به الجراح ؛ واضطرب لذلك العسكر والجند والرعية ،
وخافوا قوّة الفاسق عليهم ؛ حتى خرج عن مدينته جماعةٌ ممن كان مقيماً بها،
لما وصل إلى قلوبهم من الرَّهبة، وحدَ ثَت فى حال صعوبة العلّة عليه حادثة
فى سلطانه ، فأشار عليه مشيرون من أصحابه وثقاته بالرحلة عن معسكره إلى
مدينة السلام ، ويخلّفمن يقوم مقامه ؛ فأبى ذلك، وخاف أن يكون فيه ائتلاف
ما قد تفرّق من شمل الخبيث. فأقام على صعوبة علّته عليه ، وغلظ الأمر
الحادث فى سلطانه ؛ فمنّ اللّه بعافيته، وظهر لقوّاده وخاصته؛ وقد كان أطال
الاحتجاب عنهم ، فقويَتْ بذلك مُنّتُهم، وأقام متماثلاً مودّعًا نفسه إلى
شعبان من هذه السنة ، فلمّا أبلّ وقوى على النهوض لحرب الفاسق ، تيقظ
لذلك، وعاود ما كان مواظبًا عليه من الحرب، وجعل الخبيث لمّا صحّ عنده ٢٠٣٧/٣
(١) س: ((جراحه).
(٢) ابن الأثير: ((ليشتد)).
(٢) س: ((الجرح)).

٦٢٠
سنة ٢٦٩
الخبرعما أصاب أبا أحمد يعدُ أصحابَه العدات، ويمنّيهم الأمانىّ الكاذبة ،
وجعل يحلف على منبره-بعد ما اتّصل به الخبر بظهور أبى أحمد وركوبه الشّذ]-
أن ذلك باطلٌ لا أصل له، وأن الذى رأوه فى الشذا مثال مُوَّ لهم وشبّه لهم .
٠
٠
[ ذكر عزم المعتمد على اللحاق بمصر]
وفيها فى يوم السبت للنصف من جمادى الأولى ، شخص المعتمد يريد
اللّحاق بمصر، وأقام يتصيّد بالكُحيل ، وقدم صاعد بن مخلد من عند
أبى أحمد ؛ ثم شخص إلى سامُرًا فى جماعة من القوّاد فى جمادى الآخرة ، وقدم
قائدان لابن طولون - يقال لأحدهما أحمد بن جبغَ وَيْه وللآخر محمد بن
عباس الكلابىّ - الرّقة، فلما صار المعتمد إلى عمل إسحاق بن كنداج
-وكان العاملَ على الموصل وعامّة الجزيرة - وثب ابن كنداج بمَنْ شخص مع
المعتمد مِنْ سامُرًا يريد مصر ، وهم تينك وأحمد بن خاقان وخطارمِش ،
فقيدهم وأخذ أموالهم ودوابّهم ورقيقهم . وكان قد كتب إليه بالقبض عليهم
وعلى المعتمد ، وأقطع إسحاق بن كنداج ضياعهم وضياع فارس بن بغا .
وکان سبب وصوله إلىالقبض على من ذكرتُ ، أنّ ابن کنداج لما صار إلى
عمله ، وقد نفذت إليه الكتب من قِبَل صاعد بالقبض عليهم ، أظهر أنه
معهم ، وعلى مثل رأيهم فى طاعة المعتمد ؛ إذ كان الخليفة ، وأنه غير جائز له
الخلاف عليه. وقد كان مَنْ مع المعتمد من القوّاد حذّروا المعتمد المرور به،
وخوّفوه وثوبه بهم؛ فأبى إلّ المرورَ به - فيما ذكر (١) - وقال لهم: إنما هو مولاى
وغلامى، وأريد أن أتصيّد؛ فإنّ فى الطريق إليه صيداً كثيراً . فلما صاروا فى
عمله ، لقيتهم وسار معهم کی یردَ المعتمد - فيما ذكر - منزلاً قبل وصوله
إلى عمل ابن طولون ، فلمّا أصبح ارتحل التبّاع والغلمان الذين كانوا مع المعتمد
ومن شخص معه من سامُرًا ، وخلا ابن كنداج بالقُوّاد الذين مع المعتمد ،
فقال لهم: إنكم قد قريتم من عمل ابن طولون والمقيم بالرّقة من قوّاده؛ وأنتم
٢٠٣٨/٣
(١) س: ((فيما ذكروا)).