Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سنة ٢٦٧
كتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى مما ركب من سفك
١٩٨٢/٣
الدماء وانتهاك المحارم وإخراب البلدان والأمصار ، واستحلال الفروج والأموال،
وانتحال ما لم يجعله الله له أهلا من النبوة والرسالة، ويعلمه أن التوبة له(١)
مبسوطة، والأمان له موجود؛ فإن هو نزع عما هو عليه من الأمور التى يسخَطها
الله، ودخل فى جماعة المسلمين، محا ذلك ما سلف من عظيم جرائمه ؛ وكان له
به الحظّ الجزيل فى دنياه . وأنفذ ذلك مع رسوله إلى الخبيث ، والتمس الرّسول
إيصالته ، فامتنع أصحاب الخبيث من إيصال الكتاب ، فألقاه الرسول إليهم ،
فأخذوه وأتوا به إلى الخبيث ، فقرأه فلم يزدْه ما كان فيه من الوعظ إلا نفوراً
وإصراراً ، ولم يجب عن الكتاب بشىء ، وأقام على اغتراره ، ورجع الرسول
إلى أبى أحمد فأخبره بما فعل ، وترك الخبيث الإجابة عن الكتاب . وأقام
أبو أحمد يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء متشاغلاً بعرض الشَّذَا
والسُّميريّات وترتيب قوّاده ومواليه وغلمانه فيها، وتخيّر الرماة وترتيبهم فى الشَّدَا
والسُّميريّات ، فلما كان يوم الخميس سار أبو أحمد فى أصحابه، ومعه ابنه
أبو العباس الى مدينة الخبيث التى سمّاها المختارة من نهر أبى الخصيب، فأشرف
عليها وتأمّلها ، فرأى من منَعَتها وحصانتها بالسُّور والخنادق المحيطة بها وما
عوّر من الطرق المؤدية إليها وأعدّ من المجانيق والعرّادات والقسىّ الناوكيّة وسائر
الآلات على سورها ما لم ير مثله ممن تقدّم من منازعى السلطان ، ورأى من
كثرة عدد مقاتلتهم واجتماعهم ما استغلظ أمره. فلمّا عاين أصحابه أبا أحمد، ١٩٨٣/٣
ارتفعت أصواتُهم بما ارتجّت له الأرض ، فأمر أبو أحمد عند ذلك ابنه
أبا العباس بالتقدّم إلى سُور المدينة وَرْشق مَنْ عليه بالسهام ، ففعل ذلك
ودنا حتى ألصق شذواته بمسنّاة قصر الخائن ، وانحازت الفسقة إلى الموضع
الذى دنت منه الشَّذا، وتحاشدوا، وتتابعت سهامهم وحجارة مجانيقهم وعرّاداتهم
ومقاليعهم، ورمى عوامُهم بالحجارة عن أيديهم، حتى ما يقع طرف ناظر من الشذا
على موضع إلاّ رأى فيه سهمًا أو حجراً، وثبت أبو العباس ، فرأى الخائن
وأشياعه من جدّهم واجتهادهم وصّبْرهم ما لا عهد لهم بمثله من أحد حاربهم .
(١) س: ((إليه)).

٥٨٢
سنة ٢٦٧
فأمر أبو أحمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروحوا عن أنفسهم
ويداووا جراحهم ، ففعلوا ذلك .
واستأمن إلى أبى أحمد فى تلك الحال مقاتلان من مقاتلة السُّميريّات ،
فأتوه بسُمسيريتهما وما فيها من الآلات والملاّحين، فأمر للمقاتلين بخلع ديباج
ومناطق محلاّة، ووصلهما ، وأمر للملاحين بخلع من خلع الحرير الأحمر
والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعاً بصلاته، وأمر بإدنائهم من
الموضع الذى يراهم فيه نظراؤهم ؛ فكان ذلك من أنجع المكايد التى کید بها
الفاسق . فلما رأى الباقون ما صار إليه أصحابهم من العفو عنهم والإحسان
إليهم ، رغبوا فى الأمان وتنافسوا فيه ، فابتدروه مسرعين نحوه ، راغبين فيما
شرع لهم منه. فصار إلى أبى أحمد فى ذلك اليوم عدد من أصحاب السميريّات،
فأمر فيهم بمثل ما أمر به فى أصحابهم . فلما رأى الخبيثُ ركونَ أصحاب
السميريّات إلى الأمان واغتنامهم له أمر بردّ مَنْ كان منهم فى دِجْلة إلى نهر
أبى الخصيب، ووكل بفوّهة النهر مَنْ يمنعهم من الخروج ، وأمر بإظهار
شذواته، وندب لهم بتَهْبُوذ بن عبد الوهاب وهو من أشدّ حماته بأساً ، وأكثرهم
عدداً وعِدّة ، فانتدب بهبوذ لذلك فى أصحابه ، وكان ذلك فى وقت إقبال
المدّ وقوّته، وقد تفرّقت شَدَوات أبى أحمد ، ولحق أبو حمزة فيما معه
منها بشرقىّ دِ جْلة، فأقام هنالك وهو يرى أنّ الحرب قد انقضت، واستُغنى
عنه .
فلما ظهر بَهبْوذ فيما معه من الشّذَوَات أمر أبو أحمد بتقديم شكَذ ◌َوَاتِه ،
وأمر أبا العباس بالحمل على بهبوذ بما معه من الشَّذًا، وتقدّم إلى قُوّاده وغلمانه
بالحمل معه ؛ وكان الذى صَلِىَ بالحرب من الشَّذوات التى مع أبى العباس
وزيرك من الشَّذَوات التى رتب فيها قوّاد الغلمان اثنتى عشرة شذاة . فنشبت
الحرب ، وطمع أصحاب الفاسق فى أبى العباس وأصحابه لقلة عدد شذواتهم .
فلما صُدِموا انهزموا. ووجّه أبو العباس ومَنْ معه فى طلب بهبوذ، فألحئوه إلى
فناء قصر الخبيث ، وأصابتْه طعنتان ، وجُرح بالسهام جراحات ، وأوهِنت
(١) س: ((أعضاده)).
١٩٨٤/٣

٥٨٣
سنة ٢٦٧
أعضاؤه (١) بالحجارة، وخلّى ما كان عليه مع أصحابه، فأولجوه نهر أبى الخصيب
وقد أشفى على الموت، وقتل يومئذ ممن كان مع بهبوذ قائد من قوّاده ذو بأس ١٩٨٥/٣
ونجدة وتقدّم فى الحرب ، يقول له عميرة (١)، وظفر أصحاب أبى العباس بشذاة
من شَذَوات بهبوذ ، فقتل أهلها، وغرقوا، وأخذت الشذاة، وصار أبو العباس
ومَنْ معه بشذواتهم بعد أن أتاهم أمر أبى أحمد بذلك، وبإلحاق الشَّا بشرقىّ
د جلة وصرف الجيش . فلمّا رأى الفاسق جيش أبى أحمد منصرفًا أمر مَنْ
كان انهزم فى شد واتِه إلى نهر أبى الخصيب بالظهور ليسكن بذلك روعة
أصحابه ، وليكون صرفه إياهم إذا صرفهم عن غير هزيمة . فأمر أبو أحمد
جماعة من غلمانه بأن يثبّتوا صدور شذواتهم إليزم ؛ ويقصدوهم. فلما رأوا
ذلك ولَّوْا منهزمين مذعورين، وتأخرت عنهم شذاة من شذواتهم ، فاستأمن
أهلُها إلى أبى أحمد ، ونكوا علماً أبيض كان معهم ، فصاروا إليه فى
شذاتهم، فأومنوا وحُبُوا ووُصِلوا وكُوا . فأمر الفاسق عند ذلك بردّ شذواتهم
إلى النهر ومنعها من الخروج ، وكان ذلك فى آخر النهار ، وأمر أبو أحمد
أصحابه بالرجوع إلى معسكرهم بنهر المبارك .
واستأمن إلى أبى أحمد فى هذا اليوم عند منصرفه خَلْق كثير من الزَّنْج
وغيرهم، فقبلهم، وحملهم فى الشَّدًا(٢) والسميريّات، وأمر أن يخلع عليهم
ويوصلوا وُيُحِبَوْا، وتُكتب أسماؤهم فى المضمومين إلى أبى العباس .
وسار أبو أحمد، فوافى عسكره بعد العشاء الأخيرة (٣)، فأقام به يوم ١٩٨٦/٣
الجمعة والسبت والأحد ، ثم عزم على نقل عسكره إلى حيث يقرب منه عليه
القَصْد لحرب الخبيث ، فركب الشَّذًا فى يوم الاثنين لستّ ليال بقين من
رجب سنة سبع وستين ومائتين ، ومعه أبو العباس والقوّاد من مواليه وغلمانه ،
فيهم زيرك ولصير حتى وافى النهر المعروف بنهر جَطّى فى شرقىّ دِجْلة ، وهو
حيال النهر المعروف باليهودىّ ، فوقف عليه ، وقدّر فيه ما أراد وانصرف ،
وخلّف به أبا العباس وزیرك ونُصیراً ، وعاد إلى معسكره . فأمر فتودی فی الناس
(١) ب: ((عنترة)).
(٣) ب: ((وقت العشاء)».
(٢) س: ((الشذوات)).

٥٨٤
سنة ٢٦٧
بالرحيل إلى الموضع الذى اختار من نهر جَطَّى، وتقدّم فى قوْد الدوابّ بعد
أن أصلحت لها الطرق ، وعقدت القناطر على الأنهار، وغدا فى يوم الثلاثاء
خمس بقین من رجب فى جميع عساكره حتى نزل نهر جطى، فأقام به إلى يوم
السبت لأربع عشرة ليلة خلت من شعبان سنة سبع وستين ومائتين ، ولم
يحارب فى شىء من هذه الأيام ، وركب فى هذا اليوم فى الخيل والرجّالة،
ومعه جميع الفرسان ، وجعل الرجالة والمطوّعة فى السفن والسميريّات ، على كل
رجل منهم الأمَتُهُ وزِيته، وسار حتى وافى الفرات ، ووازى عسكر الفاسق
وأبو أحمد من أصحابه وأتباعه فى زُهاء خمسين ألف رجل أو يزيدون ،
والفاسق يومئذ فى زهاء ثلثمائة ألف إنسان ، كلهم يقاتل أو يدافع ؛ فمن ضاربٍ
بسيف (١)، وطاعن برمح، ورامٍ بقوس، وقاذف بمقلاع، ورامٍ بعرّادة
أو منجنيق ؛ وأضعفهم أمرُ الرماة بالحجارة عن أيديهم وهم النظارة المكثَر ون(٢)
السواد ، والمعتسنون بالنعير والصّياح ، والنساء يشركنهم فى ذلك .
١٩٨٧/٣
فأقام أبو أحمد فى هذا اليوم بإزاء عسكر الفاسق إلى أن أضحى ، وأمر
فنودى أنّ الأمان مبسوط للناس ؛ أسودِهم وأحمرٍ هم إلاّ الخبيث، وأمر بسهام
فعلقت فيها رقاعمكتوب فيها من الأمان مثل الذی نودی به ، و وعد الناس فيها
الإحسان ، ورمى بها إلى عسكر الخبيث ، فمالت إليه قلوب أصحاب المارق
بالرّهبة والطمع فيما وعدهم من إحسانه وعفوه ؛ فأتاه فى ذلك اليوم جمع كثير
يحملهم الشَّذا إليه ، فوصلهم وحباهم. ثم انصرف إلى معسكره بنهر جطّى،
ولم يكن فى هذا اليوم حرب .
وقدم عليه قائدان من مواليه ؛ أحدهما بكتمر والآخر جعفر بن بغلاغز ،
فى جمع من أصحابهما فکان ورودهما زائداً فی قوّة من مع أبى أحمد .
ورحل أبو أحمدعن نهر جطتی إلى معسكر قد کان تقدم فى إصلاحه،
وعقد القناطر على أنهاره ، وقطع النهر ليوسعه بفرات البصرة بإزاء مدينة الفاسق ؛
فكان نزوله هذا المعسكر فى يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وستين
(١) س: ((بالسيف)).
(٢) س: ((والمكثرون)).

٥٨٥
سنة ٢٦٧
ومائتين ، وأوطن هذا المعسكر ، وأقام به ، ورتب قوّاده ورؤساء أصحابه
مراتبهم فيه ، فجعل نُصيراً صاحب الشَّذا والسميريات فى جيشه فى أوّل العسكر
وآخره بالموضع الموازى النهر المعروف بحُوى كور، وجعل زيرك التركىّ صاحب ١٩٨٨/٣
مقدّمة أبى العباس فى أصحابه موازيًا ما بين نهر أبى الخصيب وهو النور الموسوم
بنهر الأتراك والنهر المعروف بالمغيرة ، ثم تلاه علىّ بن جهشيار حاجبه فى
جيشه .
وكانت مضاربُ أبى أحمد وابنيه حيالَ الموضع المعروف بديْر جابِيل ،
وأنزل راشداً مولاه فى مواليه وغلمانه الأتراك والخزر والرّوم والديالمة والطبرية
والمغاربة والزّنج على النهر المعروف بهَطَمة، وجعل صاعد بن مَخْلَد وزيره
فى جيشه من الموالى والغلمان فُويق عسكر راشد ، وأنزل مسروراً البلخىّ فى
جيشه على النهر المعروف بسنْداد ان ، وأنزل الفضل ومحمداً ، ابنى موسى
ابن بُغا فى جيشهما على النهر المعروف بهالة ، وتلاهما موسى دالجويه فى جيشه
وأصحابه ، وجعل بُغْراج التركىّ على ساقته نازلا على نهر جَطَّى، وأوطنوه ،
وأقاموا به . ورأى أبو أحمد من حال الخبيث وحصانة موضعه وكثرة جمعه
ما علم أنه لا بدّ له من الصبر عليه ومحاصرته وتفريق أصحابه عنه؛ ببذل الأمان
لهم، والإحسان إلى مَنْ أناب منهم، والغلظة على مَنْ أقام على غيّه منهم ،
واحتاج إلى الاستكثار من الشَّذًا وما يحارب به فى الماء .
فأمر بإنفاذ الرّسل فى حمل(١) المِيَر فى البرّ والبحر وإدرارها إلى معسكره ١٩٨٩/٣
بالمدينة التى سماها الموفَّقيّة ، وكتب إلى عماله فى النواحى فى حمل الأموال إلى
بيت ماله فى هذه المدينة. وأنفذ رسولا إلى سيراف وجنّابا فى بناء الشذًا والاستكثار
منها لما احتاج إليه من ترتيبها فى المواضع التى يقطع بها الميتر عن الخائن وأشياعه .
وأمر بالكتاب إلى عمّاله فى النواحى بإنفاذ كل مَنْ يصلح للإثبات فى الديوان ،
ويرغب فى ذلك ، وأقام ينتظر شهراً أو نحوه؛ فوردت الميَر متتابعةً يتلو بعضها
بعضًا ، وجهّز التجار صنوف التجارات والأمتعة وحملوها إلى المدينة الموفقيّة ،
واتخذت بها الأسواق ، وکثر بها التجار والمتجهزون من كلّ بلد، ووردتها
(١) ط: (حمد))، تصحيف.

٥٨٦
سنة ٢٦٧
مراكب البحر ؛ وقد كانت انقطعت لقطع الفاسق وأصحابه سبلها قبل ذلك
بأكثر من عشر سنين ، وبنى أبو أحمد مسجد الجامع ، وأمر الناس بالصَّلاة
فيه ، واتَّخذ دُورَ الضَّرْب ، فضرب فيها الدنانير والدراهم ، فجمعت مدينة
أبى أحمد جميع المرافق ، وسيق إليها صنوف المنافع حتى كان ساكنوها
لايفقدون بها شيئًا مما يوجد فى الأمصار العظيمة القديمة، وحملت الأموال ،
وأدرّ للناس العطاء فى أوقاته، فاتّسعوا وحسنت أحوالهم ، ورغب الناس جميعًا
فى المصير إلى المدينة الموفقيّة والمقام فيها .
١٩٩٠/٣
وكان الخبيت بعد ليلتين من نزول أبى أحمد مدينته الموفقيّة أمر بهوذ بن
عبد الوهاب ، فعبر والناس غارُّون فى ◌ُسميريّات إلى طرف عسكر أبى حمزة،
فأوقع به ، وقتل جماعة من أصحابه ، وأسر جماعة ، وأحرق كوخات كانت
لهم قبل أن يبنى الناس هنالك. فأمر أبو أحمد نصيراً عند ذلك بجمع أصحابه،
وألاّ يطلق لأحد مفارقة عسكره، وأن يحرس أقطار عسكره بالشّذا والسميريّات
والزّواريق فيها الرجّالة إلى آخر مسَيَان رُوذان والقَنْدل وأبرسان، للإيقاع بمن
هنالك من أصحاب الفاسق .
وكان بميان روذان من قوّاده أيضًا إبراهيم بن جعفر الهمدانىّ فى أربعة
آلاف من الزَّنج، ومحمد بن أبان المعروف بأبى الحسن أخو علىّ بن أبان
بالقَنْدل فى ثلاثة آلاف ، والمعروف بالدّور فى أبرسان فى ألف وخمسمائة
منالزَّنج والجبائیین، فبدأ أبو العباس بالهمدانىّ فأوقع به، وجرت بينهما حروب،
قُتِل فيها خلق كثير من أصحاب الهمدانىّ، وأسر منزم جماعة ، وأفلت
الهمدانىّ فى سميريّة قد كان أعدّها لنفسه ، فلحق فيها بأخى المهلىّ المكنى
بأبى الحسن ، واحتوى أصحاب أبى العباس على ما كان فى أيدى الزَّنج وحملوه
إلى عسكرهم .
وقد كان أبو أحمد تقدم إلى ابنه أبى العباس فى بذل الأمان من رغب فيه ،
وأن يضمن لمن صار إليه الإحسان، فصار إليه طائفة منهم فى الأمان فآمنهم،
فصار بهم إلى أبيه ، فأمر لكل واحد منهم من الخِلَع والصلات على أقدارهم
فى أنفسهم ، وأن يوقفوا بإزاء نهر أبى الخصيب ليعاينهم أصحابهم .. وأقام
١٩٩١/٣

٥٨٧
سنة ٢٦٧
أبو أحمد يكايد الخائن ببذل الأمان لمن صار إليه من الزّنج وغيرهم ، ومحاصرة
الباقين والتضييق عليهم ، وقطع الميكر والمنافع عنهم ؛ وكانت ميرة الأهواز
وما يرد من صنوف التجارات منها ومن كورها ونواحى أعمالها يسلتك به النهر
المعروف ببيان ، فسرى بهبوذ فى جُلد رجاله ليلة من الليالى ، وقد نمِى إليه
خبر قيروان(١) ورد بصنوف من التجارات والميروكمن فى النخل ؛ فلما ورد
القسَيْروان خرج إلى أهله، وهم غارّون، فقتَل منهم وأسَر، وأخذ ما أحبّ أن
يأخذ من الأموال .
وقد كان أبو أحمد أنفذ لبذرقة(٢) ذلك القَيْروان رجلاً من أصحابه
فى جمع، فلم يكن للموجَّه لذلك بيهبوذ طاقة ، لكثرة عدد مَنْ معه وضيق
الموقع على الفرسان ، وأنه لم يكن بهم فيه غناء . فلما انتهى ذلك إلى أبى أحمد ،
غلظ عليه ما نال الناس فى أموالهم وأنفسهم وتجارتهم ، وأمر بتعويضهم ،
وأخلف عليهم مثل الذى ذهب لهم، ورتّب الشذا على فوّهة بيان وغيره من
الأنهار التى لا يتهيّأ للفرسان ساوكُها فى بنائها والإقبال بها إليه ، فورد عليه
منها عددٌ صالح، فرّتب فيها الرجال ، وقلّد أمرها أبا العباس ابنه ، وأمره أن
يوكل بكل موضع يرد إلى الفَقة منه مِيرة ، فانحدر أبو العباس لذلك إلى
فُوّهة البحر فى الشذوات ، ورتب فى جميع تلك المسالك القوّاد ، وأحكم
الأمر فيه غاية الإحكام .
#
#
وفى شهر رمضان منها كانت وقعة بين إسحق بن كُنْدَاج وإسحاق بن ١٩٩٢/٣
أيوب وعيسى بن الشيخ وأبى المغراء وحمدان الشارى ومن تأشّب (٣) إليهم من
قبائل ربيعة وتَغْلِب وبكْر واليمن، فهزمهم ابن كُنْدَاج إلى نتَصِيِين،
وتَبِعِهم إلى قريب من آمد ، واحتوى على أموالهم ، ونزلوا آمِد ، فكانت
بينه وبينهم وقعات .
(١) القيروان: القافلة .
(٣) ابن الأثير: ((اجتمع)).
(٢) البذرقة: الحفارة.

;
٥٨٨
سنة ٢٦٧
[ ذكر خبر مقتل صندل الزنجى]
وفى شهر رمضان منها قُتل صندل الزنجىّ، وكان سبب قتله أن أصحاب
الخبيث عَبَرُوا لليلتين خلتا من شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكر - أغنى
سنة سبع وستين ومائتين - يريدون الإيقاع بعسكر نصير وعسكر زيرك ، فنذر
بهم الناس ، فخرجوا إليهم، فردّ وهم خائبين ، وظفروا بصندل هذا . وكان
- فيما ذكروا - يكشف وجوه الحرائر المسلمات ورءوسهنّ ويقلّبهنّ تقليب
الإماء، فإن امتنعت منهنّ امرأة ضرب وجهها ودفعها إلى بعض علوج الزّنج
يبيعها بأوكس الثمن. فلما أتِىَ به أبو أحمد، أمر به فشُدّ بين يديه، ثم رمى
بالسهام ، ثم أمر به فقتل .
[ ذكر خبر استئمان الزنج إلى أبى أحمد ]
وفى شهر رمضان من هذه السنة استأمن إلى أبى أحمد خلْق كثير من
عند الزنج(١) .
* ذكر سبب ذلك :
و کان السبب فى ذلك أنه کان - فیما ذکر - استأمن إلی آبى أحمد
رجلٌّ من مذكورى أصحاب الخبيث ورؤسائهم وشجعانهم ، يقال له مهذَّب ،
فحميل فى الشذا إلى أبى أحمد ، فأتِىَ به فى وقت إفطاره ، فأعلمه أنه جاء
متنصّحًا راغبًا فى الأمان ، وأن الزّنج على العبور فى ساعتهم تلك إلى عسكره
للبيات ، وأنّ الذين ندب الفاسق لذلك أنجادهم وأبطالهم ؛ فأمر أبو أحمد
بتوجيه مَنْ يحاربهم إليهم ومن يمنعهم من العبور وأن يعارضوا بالشَّذًا . فلما
علم الزَّنج أن قد نذِر (٢) بهم انصرفوا منهزمين، فكثر المستأمنة من الزّنج وغيرهم
وتتابعوا ؛ فبلغ عدد من وافی عسکر أبى أحمد منهم إلى آخر شهر رمضان
سنة سبع وستين ومائتين خمسة آلاف رجل من بين أبيض وأسود .
١٩٩٣/٣
(١) س: (عدد)).
(٢) س: ((شعر)).

٥٨٩
سنة ٢٦٧
وفى شوال من هذه السنة ورد الخبر بدخول الخجُستانىّ نيسابور وانهزام
عمرو بن الليث وأصحابه ، فأساء السيرة فى أهلها ، وهدم دور آل مُعاذ بن
مسلم ، وضرب من قدر عليه منهم واقتطع ضياعهم ، وترك ذكر محمد بن
طاهر، ودعا له على منابر ما غلب عليه من مدن خراسان وللمعتمد ، وترك الدعاء
لغيرهما.
٠
٥
[ ذكرخبر الإيقاع بالزنج فى هذا العام ]
وفى شوال من هذه السنة كانت لأبى العباس وقعة بالزّج ، قُتِل فيها
منهم جمع كثير .
• ذكر سبب ذلك :
وكان السبب فى ذلك - فيما بلغنى - أنّ الفاسق انتخب من كلّ قيادة
من أصحابه أهل الجلد والبأس منهم ، وأمر المهلىّ بالعبور بهم ليبيّت عسكر
أبى أحمد، ففعل ذلك، وكانت عِدّة مَنْ عَبَر من الزَّنج وغيرهم زهاء خمسة
آلاف رجل أكثرهم من الزنج، وفيهم(١) نحو من مائتى قائد ، فعَبرُوا إلى
شرقىّ دجْلة، وعزموا على أن يصير (٢) القوّاد منهم إلى آخر النخل مما يلى
السَّبَخة ؛ فيكونوا فى ظهر عسكر أبى أحمد ، ويعبر جماعة كثيرة منهم فى
الشَّذَا والسُّميريّات والمعابر قبالة عسكر أبى أحمد ، فإذا نشبت الحرب بينهم
انكبّ مَنْ كان عبر من قوّاد الخبيث، فصار إلى السَّبخة على عسكر
أبىأحمد الموفق،وهم غارون مشاغیل بحرب من بازائهم، وقدّر أن يتهيأ له فى
ذلك ما أحبه. فأقام الجيش فى الفُرات ليلتهم ، ليغادوا الإيقاع بالعسكر .
فاستأمن إلى أبى أحمد غلام كان معهم من الملاحين ، فأنهى إليه خبرهم .
وما اجتمعت عليه آراؤهم ، فأمر أبو أحمد أبا العباس والقُوّاد والغلمان بالنهوض
إليهم ؛ وقصد الناحية التى فيها أصحاب الخبيث ، وأنفذ جماعة من قُوّاد
غلمانه فى الخيل إلى السََّخة التى فى مؤخّر النخل بالفرات ، لتقطعهم عن
١٩٩٤/٣
(١) س: ((ومعهم).
(٢) س: ((يصيروا)).

٥٩٠
سنة ٢٦٧
الخروج إليها، وأمر أصحاب الشَّذّا والسميرّيات، فاعترضوا فى دجلة،
وأمر الرّجالة بالزَّحْف إليهم من النخل. فلما رأى الفجّار(١) ما أتاهم من
التدبير الذى لم يحتسبوه كرّوا راجعين فى الطريق الذى أقبلوا منه طالبين التخلص،
فكان قصدهم لحوِّيث باروَيْه ، وانتهى خبر رجوعهم إلى الموفّق، فأمر أبا العباس
وزيرك بالانحدار فى الشَّذَّوات يسبقونهم إلى النهر؛ ليمنعوهم من عبوره .
وأمر غلاماً من غلمانه ، يقال له ثابت، له قيادة على جمْع كثير من غلمانه
السودان أن يحمل أصحابه فى المعابر والزّواريق وينحدر معهم إلى الموضع الذى
فيه أعداء اللّه للإيقاع بهم حيث كانوا ، فأدركهم ثابت فى أصحابه يجوِّيث
بارويه، فخرج إليهم فحاربهم محاربة طويلة ، وثبتوا له، واستقبلوا جمعه وهو
من أصحابه فى زهاء خمسمائة رجل ، لأنهم لم يكونوا تكاملوا وطمعوا فيه ، ثم
صدقهم وأكبَّ عليهم، فمنحه اللّه أكتافَهم ؛ فمِنْ مقتول وأسير وغريق
وملجتج فى الماء بقدر اقتداره على السباحة التقطته الشذا والسميريّات فى دِجْلة
والنهر، فلم يفلت من ذلك الجيش إلا أقله . وانصرف أبو العباس بالفَتْح ،
ومعه ثابت وقد عُلِّقْت الرءوس فى الشّذَوات وصُلب الأسارى فيها ، فاعترضوا
بهم مدينتهم ليرهبوا بهم أشياءهم؛ فلما رأوْهم أبْلسوا وأيقنوا بالبَوار، وأدخل
الأسارى والرءوس إلى الموفقيّة، وانتهى إلى أبى أحمد أن صاحب الزّنج موّه
على أصحابه، وأوهمهم أن الرءوس المرفوعة مُثُلٌ مثِّلت لهم ليراعُوا(٢)، وأن
الأسارى من المستأمنة . فأمر الموفق عند ذلك أبا العباس بجمع الرءوس والمسير
بها إلى إزاء قصر الفاسق والقذف بها فى منجنيق منصوب فى سفينة إلى عسكره ،
ففعل أبو العباس ذلك، فلما سقطت الرءوس فى مدينتهم، عرف أولياء القتلى
رءوس أصحابهم ، فظهر بكاؤهم ، وتبين (٣) لهم كذب انفاجر وتمويهه .
#
وفى شوال من هذه السنة كانت لأصحاب ابن أبى الساج وقعة بالهيصم
العجلىّ ، قتلوا فيها مقدّمته ، وغلبوا على عسكره فاحتووه .
(١) ب: ((الفاجر)).
(٣) س: ((وظهر)).
(٢) س: ((لكم لتراعوا)).
١٩٩٥/٣
١٩٩٦/٣

٥٩١
سنة ٢٦٧
[ ذكر خبر الوقعة مع الزنج بنهر ابن عمر ]
وفى ذى القعدة منها كانت لزيرك وقعة مع جيش لصاحب الزنج بنهر ابن
عمر ، قتل زيرك منهم فيها خلقاً كثيراً .
• ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة :
ذكر أن صاحب الزَّنج كان أمر باتخاذ شَذَوات، فعُمِلت له، فضمها
إلى ما كان يحارب به، وقسم شذواته ثلاثة أقسام بين بَهْبوذ ونصر الرومىّ وأحمد
ابن الزرَنجىّ، وألزم كلّ واحد منهم غرْمَ ما يصنع على يديه منها، وكانت
زهاء خمسين شذاة، ورتّب فيها الرّماة وأصحاب الرماح، واجتهدوا فى إكمال
عُدّتهم وسلاحهم، وأمرهم بالمسير فى دِجْلة والعبور إلى الجانب الشرقىّ
والتعرّض لحرب أصحاب الموفق، وعدّة شذوات الموفّق يومئذ قايلة ، لأنه لم يكن
وافاه كلّ ما كان أمر باتّخاذه ، وما كان عنده منها فمتفرّق فى فُوّهة الأنهار
التى يأتى الزَّنج منها المِيَر. فغلظ أمر أعوان الفاجر ، وتهيّأ له أخذ شذاة
بعد شذاة من شذا الموفّق، وأحجم نصير المعروف بأبى حمزة عن قتالهم والإقدام ١٩٩٧/٣
عليهم ، كما كان يفعل لقلة ما معه من الشَّذا، وأكثر شذوات الموفق يومئذ
مع نصير، وهو المتولِّى لأمرها . فارتاع لذلك أهلُ عسكر الموفق ، وخافوا
أن يقدم على عسكرهم الزَّنج بما معهم من فضل الشَّذًا ، فورد عليهم فى هذه
الحال شذوات كان الموفّق تقدّم فى بنائها يحنّابًا ، فأمر أبا العباس بتلقيها
فيما معه من الشَّذّا حتى يوردها العسكر، إشفاقًا من اعتراض الزَّنْج عليها فى
دِجْلة، فسلمت، وأتى بها حتى إذا وافت عسكر نُصير، فبصر بها الزنج طمعوا
فيها ، فأمر الخبيث بإخراج شذواته ، وأمر أصحابه بمعارضتها والاجتهاد فى
اقتطاعها، فنهضوا (١) لذلك . فتسرّع غلام من غلمان أبى العباس شجاع
يقال له وصيف يعرف بالحِجْراى، فى شذوات كُنّ معه ، فشدّ على الزنج
فانكشفوا ، وتبعهم حتى وافى بهم نهر أبى الخصيب ، وانقطع عن أصحابه ،
فكرُّوا عليه شذواتهم ، وانتهى إلى مضيق ، فعلقت مجاديف بعض شذواته
(١) س: ((فنهض)).

٥٩٢
سنة ٢٦٧
بمجاديف بعض شذواتهم ، فجنحت وتقصّفت بالشطّ، وأحاط به الآخرون
واكتنفوه من جوانبه ، وانحدر عليه الزَّنْج من السور، فحاربهم بمَنْ كان
معه حرباً شديداً حتى قتلوا .
١٩٩٨/٣
وأخذ الزّنج شذواتِهِم، فأدخلوها نهر أبى الخصيب . ووافى أبو العباس
بالشذوات الجنّابية سالمة بما فيها من السلاح والرجال ، فأمر أبو أحمد أبا العباس
بتقلّد أمر الشَّذَوات كلها والمحاربة بها، وقطع مواد المِير عنهم من كلّ جهة.
ففعل ذلك ، فأصلحت (١) الشذوات، ورتّب فيها المختارون من الناشبة والرّامحة؛
حتى إذا أحكم أمرها أجمع، ورتبها فى المواضع التى كانت تقصد إليها شذوات
الخبيث، وتعيث فيها ، أقبلت شذواته على عادتها التى كانت قد جرت عليها.
فخرج إليهم أبو العباس فى شَذَواته ، وأمر سائر أصحاب الشَّذا أن يحملوا
بحملته ، ففعلوا ذلك وخالطوهم ، وطفقوا يرشُقونهم بالسهام ، ويطعنونهم
بالرماح ، ويقذفونهم بالحجارة ؛ وضرب الله وجوهَهم ، فولوا منهزمين ،
وتبعهم أبو العباس وأصحابه حتّى أو لحوهم نهر أبى الخصيب، وغرق لهم ثلاث
شَدَوَات، وظفر بشذاتَين من شَذَواتهم بما فيها من المقاتلة والملّحين .
فأمر أبو العباس بضرب أعناق مَنْ ظفر به منهم .
فلما رأى الخبيث ما نزل بأصحابه ، امتنع من إخراج الشَّذا عن فناء
قصره ، ومنع أصحابه أن يجاوزوا بها الشطّ إلا فى الأوقات التى يخلو دِجْلة
فيها من شَذَوات الموفّق .
فلمّا أوقع بهم أبو العباس هذه الوقعة اشتدّ جزعُهم ، وطلب وجوه
أصحاب الخبيث الأمانَ فأومنوا، فكان ممن استأمن من وجوههم - فيما ذكر-
محمد بن الحارث العمىّ، وكان إليه حفظ عسكر منكى والسور الذى يلى عسكر
الموفّق ، وكان خروجُه ليلاً مع عدة من أصحابه ، فوصله الموفّق بصلات
كثيرة، وخلع عليه ، وحمله على عدّة دوابّ بخليتها وآلتها، وأسنى له الرّزق ،
و کان محمد بن الحارث حاول إخراج زوجته معه ، وهی إحدى بنات عمه ،
١٩٩٩/٣
(١) ب: ((فأصبحت)).

٥٩٣
سنة ٢٦٧
فعجزت المرأة عن اللحاق به، فأخذها الزنج فردّوها إلى الخبيث ، فحبسها مدّة،
ثم أمر بإخراجها والنداء عليها فى السوق، فبيعت؛ ومنهم أحمد المعروف بالبَرذعىّ.
وكان - فيما قيل - من أشجع رجال الخبيث الذين كانوا فى حيِّز المهلبىّ
ومن قوّاده الزنج مدبد وابن أنكلويه ومنينة ، فخلع عليهم جميعًا ، ووصلوا
بصلات كثيرة، وحُمِلوا على الخيل، وأحسن إلى جميع من جاءوا به معهم
من أصحابهم ، وانقطعت عن الخبيث موادّ الميرة ، وسُدّت عليه وعلى من
أقام معه المذاهب. وأمر شبلا وأبا النداء - وهما من رؤساء قوّاده وقدماء أصحابه
الذين كان يعتمد عليهم ويثق بمناصحتهم - بالخروج فى عشرة آلاف من
الزّنج وغيرهم، والقصد لنهر الدير ونهر المرأة ونهر أبى الأسد، والخروج من هذه
الأنهار إلى البتَطيحة للغارة على المسلمين، وأخذ ما وجدا من طعام وميرة ليُقطع
عن عسكر الموفق ما يرده من الميرة وغيرها من مدينة السلام وواسط ونواحيها .
فندب الموفق لقصدهم حين انتهى إليه خبر مسيرهم مولاه زيرك صاحب مقدمة
أبى العباس ، وأمره بالنهوض فى أصحابه إليهم ، وضمّ إليه من اختار من
الرجال ، فمضى فى الشََّوَات والسُّميريتات، وحمل الرجّالة فى الزواريق والسفن
الخفاف حثيثًا ، حتى صار إلى نهر الدير ، فلم يعرِف لهم هنالك خبراً ،
فصار منه إلى بشق شیرین . ثم سلك فى نهر عدى حتى خرج إلى نهر ابن
عمر ، فالتّى به(١) جيش الرَّنْج فى جمع راعتْه كثرته، فاستخار اللّه فى
مجاهدتهم (٢)، وحمل عليهم فى ذوى البصائر والثبات من أصحابه، فقذف الله
الرعب فى قلوبهم ، فانفضّوا ، ووضع فيهم السلاح ، فقتَّل منهم مقتلةٌ
عظيمة ، وغرِق منهم مثل ذلك ، وأسَر خلقًا كثيراً ، وأخذ مِن سفنهم
ما أمكنه أخذه ، وغرق منها ما أمكن تغريقه ؛ فكان ما أخذ من سفنهم
نحواً من أربعمائة سفينة ، وأقبل بمن معه من الأسارى وبالرءوس إلى عسكر
الموفق .
٢٠٠٠/٣
(١) س: ((فيه)).
(٢) ب: ((محاربتهم)).

٥٩٤
سنة ٢٦٧
[خبر عبور الموفق إلى مدينة صاحب الزنج لحربه]
وفى ذى الحجة لست بقين منه عبر الموفق بنفسه إلى مدينة الفاسق وجيشه
لحربه .
* ذكر السبب الذی من أجله كان عبورُه إليها:
وكان السبب فى ذلك - فيما ذكر - أنّ الرؤساء من أصحاب الفاسق،
لمّا رأوْا ما قد حلّ بهم من البلاء مِنْ قتل مَنْ يظهر منهم وشدّة الحصار
على مَنْ لزم المدينة ؛ فلم يظهر منهم أحد، وحالَ مَنْ خرج منهم بالأمان
من الإحسان إليه ، والصفح عن جُرْمه ، مالوا إلى الأمان ، وجعلوا يهربون فى
كلّ وجه ، ويخرجون إلى أبى أحمد فى الأمان كُلَّما وجدوا إليه السبيل .
فلِئ الخبيث من ذلك رُعْبًا، وأيقن الهلاك ، فوكّل بكلّ ناحية كان يرى
أنّ فيها طريقًا للهرب من عسكره أحراسًا وحفظة (١)، وأمرهم بضبط تلك
النواحى، ووكّل بفُوّهة الأنهار منْ يمنع السفن من الخروج منها ، واجتهد
فى سدّ كلّ مسلك وطريق وثلمة؛ لئلا يطمع فى الخروج عن مدينته.
وأرسل جماعة من قوّاد الفاجر صاحب الزنج إلى الموفق يسألونه الأمان ،
وأن يوجه لمحاربة الخبيث جيشًا ليجدوا إلى المصير إليه سبيلاً ، فأمر الموفق
أبا العباس بالمصير فى جماعة من أصحابه إلى الموضع المعروف بنهر الغربىّ ،
وعلىّ بن أبان حينئذ يحوط ذلك النهر ؛ فنهض أبو العباس فى المختارين من
أصحابه ، ومعه الشَّذَا والسُّميريّات والمعابر، فقصد النهر الغربىّ، وانتدب
المهلىّ وأصحابه لحربه ، فاستعرت الحرب بين الفريقين ، وعلا أصحاب
أبى العباس ، وقهر الزّنْج، وأمدّ الفاسق المهلىِّ بسليمان بن جامع فى جمع
من الزّنْج كثير ، واتصلت الحرب يومئذ من أوّل النهار إلى وقت العصر ؛
وكان الظفر فى ذلك اليوم لأبى العباس وأصحابِه ، وصار إليه القوم الذين
كانوا طلبوا الأمان من قُوّاد الخبيث ، ومعهم جمع كثير من الفرسان وغيرهم
من الزَّنْج ، فأمر أبو العباس عند ذلك أصحابه بالرجوع إلى الشَّذا والسفن ،
(١) س: ((وحفظا)).
٢٠٠١/٣

٥٩٥
سنة ٢٦٧
وانصرف فاجتاز فى منصرفه بمدينة الخبيث ، حتى انتهى إلى الموضع المعروف
بنهر الأتراك ، فرأى أصحابه من قلة عدد الزَّنْج فى هذا الموضع من النهر
ما طمعوا له فيمن كان هناك ، فقصدوا نحوهم ، وقد انصرف أكثر أصحابهم
إلى المدينة الموفّقية ، فقربوا إلى الأرض، وصعدوا وأمعنوا فى دخول تلك المسانك،
وعلَتْ جماعةٌ منهم السور، وعليه فريق من الزّنج وأشياعهم، فقتلوا مَنْ
أصابوا منهم هنالك ، ونذرِ الفاسق بهم ، فاجتمعوا لحربهم ، وأنجد بعضهم
بعضًا .
٢٠٠٢/٣
فلمّا رأى أبو العباس اجتماعَ الخبثاء وتحاشد هم وكثرة مَن ثاب إلى ذلك
الموضع منهم ، مع قلة عدد مَنْ هنالك(١) من أصحابه، كرّ راجعًا إليهم
فيمن كان معه فى الشَّذّا، وأرسل إلى الموفّق يستمدّه ، فوافاه لمعونته من
خفّ لذلك من الغلمان فى الشَّذَا والسُّميريّات، فظهروا على الزَّنْج وهزموهم؛
وقد كان سليمان بن جامع لما رأى ظهور أصحاب أبى العباس على الزَّنْج ،
وغل فى النهر مصاعداً فى جمع كثير ؛ فانتهى إلى الشَّهر المعروف بعبد اللّه ،
واستدير أصحاب أبى العباس وهم فى حربيهم، مقبلين على مَنْ بإزائهم ممّن
يحاربهم ، فيمعنون فى طلب من انهزم عنهم من الزَّنْج . فخرج عليهم
من ورائهم ، وخفقت طبونه ، فانكشف أصحاب أبى العباس ، ورجع عليهم
مَنْ كان انهزم عنهم من الزَّنْج ، فأصيبت جماعة من غلمان الموفّق وغيرهم
من جُنده ، وصار فى أيدى الزَّنْج عدّة أعلام ومطارد ، وحامى أبو العباس
عن الباقين من أصحابه ، فسلم أكثرُهم ، فانصرف بهم ؛ فأطمعت هذه
الوقعة الزَّنْج وتباعهم (٢)، وشدّت قلوبهم ، فأجمع الموفَّق على العبور بجيشه
أجمع لمحاربة الخبيث، وأمر أبا العباس وسائر القوّاد والغلمان بالتأهّب للعبور ،
وأمر بجمع السفن والمعابر وتفريقها عليهم، ووقف على يوم بعينه أراد العبور
فيه ، فعصفت رياحٌ منعت من ذلك، واتصل عصوفها أيامًا كثيرة ؛ فأمهل
الموفّق حتى انقضى هبوب تلك الرياح ، ثم أخذ فى الاستعداد للعبور ومناجزة
الفاجر .
٢٠٠٣/٣
(١) س: ((هناك)).
(٢) س: ((وأتباعهم)).

٥٩٦
سنة ٢٦٧
فلما تهيّأ له ما أراد من ذلك عبر يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذى الحجة
من سنة سبع وستين ومائتين فى أكثف جمْع وأكمل عدّة ، وأمر بحمل خيل
كثيرة فى السفن ، وتقدّم إلى أبى العباس فى المسير فى الخيل ومعه جميع قوّاده
الفرسان ورجَّالتهم ، ليأتىَ الفجرة مِن ورائهم من مؤخر النهر المعروف
بمنكى ، وأمر مسروراً البلخىّ مولاه بالقصد إلى نهر الغربىّ ليضطر الخبيث
بذلك إلى تفريق أصحابه ، وتقدّم إلى نصير المعروف بأبى حمزة ورشيق غلام
أبى العباس وهو من أصحابه - وشذواتُه فى مثل العدّة التى فيها نصير - بالقصد
النموّهة نهر أبى الخصيب والمحاربة لما يظهر من شَدَوات الخبيث ، وقد كان
استكثر منها ، وأعدّ فيها المقاتلة وانتخبهم. وقصد أبو أحمد بجميع مَنْ معه
لركن من أركان مدينة الخبيث قد كان حصّنه بابنه المعروف بأنكلاى، وكنفه
بعلىّ بن أبان وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمدانىّ وحفّه بالمجانيق
والعرّادات والقسىّ الناكيّة، وأعدّ فيه الناشبة وجمع فيه أكثر جيشه .
فلما التقى الجمعان أمر الموفّق غلمانه: الناشبة والرامحة والسودان، بالدنوّ من
الركن الذى فيه جمع الفسقة، وبينه وبينهم النهر المعروف بنهر الأتراك ؛ وهو
نهر عريض غزير الماء . فلما انتهوا إليه أحجموا عنه، فصيح بهم، وحُرُّضوا
على العبور فعبروا سباحة، والفسقة يرمونهم بالمجانيق والعرّادات والمقاليع والحجارة
عن الأيدى، وبالسهام عن القسىّ الناوكية، وقسىّ الرِّجْل وصنوف الآلات
التى يرمَى عنها ؛ فصبروا على جميع ذلك حتى جاوزوا النهر، وانتهوا إلى
السور، ولم يكن لحقهم من الفعلة من كان أعِدَّ لهدمه . فتولّى الغلمان تشعيث
السور بما كان معهم من سلاحهم ويسَّرِ اللّه ذلك، وسهّلوا لأنفسهم السبيل
إلى عُلوّه، وحضرهم بعض السلاليم التى كانت أعِدّت لذلك، فعلَوا الركن،
ونصبوا هنالك علمًا من أعلام الموفق ، وأسلم الفسقة سورهم ، وخلوْا عنه بعد
أن حوربوا عليه أشدّ حرب، وقتل من الفريقين خلقٌ كثير، وأصيب غلام"
من غلمان الموفق يقال له ثابت بسهم فى بطنه فمات ، وكان من قوّاد الغلمان
وجِلّتهم .
ولما تمكن أصحاب الموفّق من سُور الفسقة، أحرقوا ما كان عليه من منجنيق
٢٠٠٤/٣

٥٩٧
سنة ٢٦٧
وعرّادة وقوس ناوكيّة ، وخلّوْا عن تلك الناحية وأساموها. وقد كان أبو العباس
قصد بأصحابه فى الخيل النهر المعروف بمنكى ، فمضى علىّ بن أبان المهامىّ
فى أصحابه ، قاصداً لمعارضته ودفعه عمّا صمد له ، والتقيا ، فظهر أبو العباس
عليه وهزمه ، وقتل جمعًاً كثيراً من أصحابه ، وأفلت المهلبيّ راجعًا، وانتهى
أبو العباس إلى الموضع الذى قدّر أن يصل منه إلى مدينة الفاسق من مؤخر نهر
منكى، وهو يرى أنّ المدخل من ذلك الموضع سهلٌ ، فدخل إلى الخندق
فوجده عريضًا ممتنعاً ، فحمل أصحابه على أن يعبروه بخيولهم، وعبره الرّجّالة
سباحةً حتى وافوا السور ، فتلموا فيه ثلماً اتّسع لهم منه الدخول فدخلوا ، فلقى
أوائلُهم سليمان بن جامع ، وقد أقبل للمدافعة عن تلك الناحية لمّا انتهى إليه
انهزام المهلبيّ عنها ، فحاربوه ، وكان إمام القوم عشرة من غلمان الموفق ،
فدافعوا سليمان وأصحابته ؛ وهم خلق كثير ، وكشفوهم مراراً كثيرة ، وحاموا
عن سائر أصحابهم حتى رجعوا إلى مواضعهم (١).
وقال محمد بن حمّاد : لما غلب أصحاب الموفّق على الموضع الذى كان
الفاسق حرسه بابنه والمذكورين من أصحابه وقوّاده، وشعّئوا من السور الذى
أفضوا إليه ما أمكنهم تشعيشُه، وافاهم الذين كانوا أعيدوا للهدم بمعاوهم وآ لاتهم،
فتلموا فى السور عدّة ثلم، وقد كان الموفّق أعدّ لخندق الفسقة جسرًاً يمتدّ
عليه ، فمُدّ عليه ، وعبر جمهور الناس . فلما عاين الحبئة ذلك ، ارتاعوا
فانهزموا عن سورلهم ثان قد كانوا اعتصموا به ، ودخل أصحابُ الموفق مدينة
الخائن، فولَّى الفاجرُ وأشياعُه منهزمين، وأصحابُ الموفق يتبعونهم ويقتلون مسن
انتهوا إلیه منهم ؛ حتى انتهوا إلى النهر المعروف بابن سمعان ، وصارتدار ابن
سمعان فى أيدى أصحاب الموفق ، وأحرقوا ما كان فيها وهدموها ، ووقف الفجرة
على نهر ابن سمعان وقوفاً طويلا ، ودافعوا مدافعة شديدة، وشدّ بعض غلمان
الموفق على علىّ بن أبان المهلبي، فأدبر عنه هارباً، فقبض على مئزره ، فخلّى
عن المئزر، ونبذه إلى الغلام ، ونجا بعد أن أشفى على الهَلكة، وحمل أصحاب
الموفق على الزَّنج حملةً صادقة ، فكشفوهم عن النهر المعروف بابن سمعان ،
(١) س: ((موضعهم)).
٢٠٠٥/٣
٢٠٠٦/٣

٥٩٨
سنة ٢٦٧
حتى وافَوْا بهم طرف ميدان الفاسق ، وانتهى إليه خبرُ هزيمة أصحابه ودخول
أصحاب الموفّق مدينته من أقطارها ، فركب فى جمع من أصحابه ، فتلقّاه
أصحاب الموفق ، وهم يعرفونه فى طرف ميدانه ، فحملوا عليه ، فتفرّق عنه
أصحابُه ومن كان معه وأفردوه ، وقَرُب منه بعض الرجّالة حتى ضرب
وجه فرسه بتُرسه؛ وكان ذلك مع مغيب الشمس، فأمر الموفّق أصحابه بالرجوع
إلى سفنهم ، فرجعوا سالمين ، قد حملوا من رءوس الخبثاء شيئًا كثيراً ، ونالوا
كلّ الذى أحبُّوا منهم من قتل وجراح وتحريق منازل وأسواق، وقد كان استأمن
إلى أبى العباس فى أول النهار عدد من قوّاد الفاجر وفرسانه، فاحتاج إلى التوقف على
حملهم فى السفن ، وأظلم الليل ، وهبّت ريح شمال عاصف ، وقوٍىّ الجزر ،
فلصِقِ أكثر السفن بالطين .
وحرّض الخبيث أشياعته واستنجدهم ، فبانت منهم جماعة ، وشدّوا
على السفن المتخلفة، فنالوا منها نَيْلاً، وقتلوا فيها نفراً؛ وقد كان بهبوذ بإزاء
مسرور البلخىّ وأصحابه فى هذا اليوم فى نهر الغربىّ ، فأوقع بهم ، وقتل
جماعة منهم ، وأسر أسارى ، وصارت فى يده دوابٌ من دوابهم ، فكسر
ذلك نشاط أصحاب الموفّق . وقد كان الخبيثُ أخرجَ فى هذا اليوم (١) جميع
شَذَ واته إلى دجْلة محاربين فيها رشيقاً، وضرب منها رشيق على عدّة شَذّوات،
وغرّق منها وحرّق ، وانهزم الباقون إلى نهر أبى الخصيب .
٢٠٠٧/٣
وذكر أنه نزل فى هذا اليوم بالفاسق وأصحابه مادعاهم إلى التفرّق والهرب
على وجوههم نحو نهر الأمير والقندل وإبرسان وعبّادان وسائر القرى ، وهرب
يومئذ أخوا سليمان بن موسى الشعرانىّ: محمد وعيسى، فمضيا يؤمّان البادية ، حتى
انتهى إليهما رجوع أصحاب الموفق ، فرجعا ، وهرب جماعة من العرب الذين
كانوا فى عسكر الفاسق ، وصاروا إلى البصرة ، وبعثوا يطلبون الأمان من
أبى أحمد ، فآمنهم، ووجّه إليهم السفن ، فحملهم إلى الموفقيّة، وأمر
أن يخلَحَ عليهم، ويوصلوا، ويجرى عليهم الأرزاق والأنزال ، ففعل ذلك بهم .
(١) س: ((الموضع)).

٥٩٩
سنة ٢٦٧
وكان فيمن رغب فى الأمان من جلّة قوّاد الفاجر ريحان بن صالح المغربىّ،
وكانت له رياسة وقيادة ، وكان يتولّى حجبة ابن الخبيث المعروف بأنكلاى،
فكتب ريحان يطلب الأمان لنفسه ولجماعة من أصحابه ، فأجيب إلى ذلك ،
وأنفذ إليه عدد كثير من الشذا والسميريّات والمعابر مع زيرك القائد صاحب
مقدّمة أبى العباس ، فسلك النهر المعروف باليهودىّ ؛ حتى وافى الموضع المعروف
بالمطوعة ، فألفى به ريحان ومن معه من أصحابه ، وقد كان الموعد تقدم فى ٢٠٠٨/٣
موافاة ذلك الموضع زيرك ريحان ومن معه ، فوافى بهم دار الموفق ، فأمر لريحان
بخلع ، وحمل على عدّة من أفراس بآلتها ، وأجيز بجائزة سنية ، وخلع على
أصحابه ، وأجيزوا على أقدارهم، وضُمّ إلى أبى العباس ، وأمر بحمله وحمل
أصحابه والمصير بهم إلى إزاء دار الخبيث ، فوقفوا هنالك فى الشَّذَا ، فعرفوا
خروج ريحان وأصحابه فى الأمان ، وما صاروا إليه من الإحسان ، فاستأمن
فى ساعتهم تلك من أصحاب ريحان الذين كانوا تخلّقوا وغيرهم جماعة، فألحقوا
فى البرّ والإحسان بأصحابهم ؛ وكان خروج ريحان بعد الوقعة التى كانت يوم
الأربعاء فى يوم الأحد لليلة بقيت من ذى الحجة سنة سبع وستين ومائتين .
وفى هذه السنة أقبل أحمد بن عبد الله الخُجُستانىّ يريد العراق بزعمه؛
حتى صار إلى سِمْنان، وتحصّن منه أهل الرّىّ وحصّنوا مدينتهم؛ ثم انصرف
من سِمِسْان راجعًا إلى خُراسان .
وفيها انصرف خلقٌ كثير من طريق مكة فى البدأة لشدّة الحرّ ، ومضى
خلق كثير ، فمات ممن مضى خَلْقٌ كثير من شدّة الحرّ ، وكثير منهم من
العطش ، وذلك كله فى البدأة ، وأوقعت فزارةُ فيها بالتجار ، فأخذوا - فيما
ذكر - منهم سبعمائة حمل بزٌ .
وفيها اجتمع بالموسم عامل لأحمد بن طولون فى خيله وعامل لعمرو بن
الليث فى خيله ، فنازع كلّ واحد منهما صاحبه فى ركز علمه على يمين
المنبر فى مسجد إبراهيم خليل الرحمن ، وادّعى كلّ واحد منهما أنّ الولاية

٦٠٠
سنة ٢٦٧
لصاحبه ، وسلاً السيوف ، فخرج معظم الناس من المسجد ، وأعان موالى هارون
ابن محمد من الزَّنْج صاحبة عمرو بن الليث ، فوقف حيث أراد ، وقصر
هارون - وكان عامل مكة - الخطبةَ وسلم الناس ، وكان المعروف بأبى المغيرة
المخزومىّ حينئذ بحرس فى جميِّعة .
٢٠٠٩/٣
وفيها نُفِى الطباع عن سامُرًا .
وفيها ضرب الخُجُستانىّ لنفسه دنانير ودراهم ووزن الدينار(١) منها عشرة
دوانيق، ووزن الدرهم ثمانية دوانيق، عليه: ((المُلْك والقدرة للّه، والحوْل والقوّة
بالله؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله))، وعلى جانب منه: ((المعتمد على الله باليمن
والسعادة))، وعلى الجانب الآخر: (( الوافى أحمد بن عبد اللّه)).
وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمىّ .
(١) ب: ((الدراهم)).