Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ سنة ٢٥٧ [ ذكر خبر دخول الزنج البصرة هذا العام ] وفيها دخل أصحاب الخبيث البصرة . * ذكر الخبر عن سبب وصولهم إلى ذلك وما عملوا بها حين دخلوها : ذُكر أنّ سعيد بن صالح لمّا شخص من البَصْرة ضمّ السلطان عمله إلى منصور بن جعفر الخياط ؛ وكان من أمرٍ منصور وأمرٍ أصحاب الخبيث ما قد ذكرناه قبلُ، وضعف أمر منصور ، ولم يتَعُدْ لقتال الخبيث فى عسكره، واقتصر على بذْرقة(١) القَيْروانات، واتّسع أهلُ البصرة لوصول الميكر إليهم؛ وكان انقطاع ذلك عنهم قد أضرّ بهم ، وانتهى إلى الخبيث الخبر بذلك ، واتساعُ أهل البصرة ، فعظم ذلك على الخبيث، فوجه عنىّ بن أبان إلی نواحى جُبَّى، فعسكر بالخيزُرانيّة، وشغل منصور بن جعفر عن بَذْ رَقة القيْروانات إلى البصرة ، فعاد حال أهل البصرة إلى ما كانت عليه من الضيق . وألحّ أصحاب الخبيث على أهل البصرة بالحرب صباحاً ومساء . ١٨٤٨/٣ فلما كان فى شوال من هذه السنة أزمع الخبيث على جَمْع أصحابه للهجوم على أهل البصرة ، والجدّ فى خرابها، وذلك لعلمه بضعف أهلها وتفرّقهم، وإضرار الحصار بهم، وخراب ما حولها من القرى ؛ وكان قد نظر فى حساب النجوم ، ووقف على انكساف القمر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة تخلو من الشهر . فذكر عن محمد بن الحسن بن سهل أنه قال : سمعتُهُ يقول : اجتهدتُ فى الدعاء على أهل البصرة ، وابتهلت إلى اللّه فى تعجيل خرابها ، فخوطبتُ، فقيل لى : إنما البصرة خُبْزةٌ لك تأكلها من جوانبها؛ فإذا انكسر نصْفُ الرغيف خربت البصرة ؛ فأوّلْتُ انكسار نصف الرغيف انكساف القمر المتوقَّع فى هذه الأيام ، وما أخلق أمر البصرة أن يكون بعده . قال : فكان يحدّث بهذا حتى أفاض فيه أصحابه ، وكثر تردده فى أسماعهم وإحالته إياه بينهم . (١) البذرقة: الحراسة، والقيروان : القافلة. ٤٨٢ سنة ٢٥٧ ثم ندب محمد بن يزيد الدارمىّ؛ وهو أحد مَنْ كان صحبه بالبحرين للخروج إلى الأعراب ، وأنفذه فأتاه منهم خَلْق كثير ، فأناخو بالقنْدل ، ووجّه إليهم الخبيث سليمان بن موسى الشعرانىّ، وأمرهم بتطرّق البصرة، والإيقاع بها ، وتقدّم إلى سليمان بن موسى فى تمرين الأعراب على ذلك ؛ فلمّا وقع الكسوف أنهض علىّ بن أبان، وضمّ إليه طائفة من الأعراب ، وأمره بإتيان البصرة مما يلى بنى سعد ، وكتب إلى يحيى بن محمد البحرانىّ-وهو يومئذ محاصر أهل البصرة - فى إتيانها مما يلى نهر عدىّ، وضمّ سائر الأعراب إليه . قال محمد بن الحسن : قال شبل : فكان أوّل مَنْ واقع أهل البصرة علىّ بن أبان ، وبُغراج يومئذ بالبصرة فى جماعة من الجُند ، فأقام يقاتلهم يومين ، ومال الناس نحوه . وأقبل يحيى بمن معه مما يلى قصر أنس قاصداً نحو الجسر ، فدخل علىّ ابن أبان المهلبيّ وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال ، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت ويوم السبت . وغادى يحيى البصرة يوم الأحد، فتلقّه بُغراج وبُرَيْهٌ فى جَمْع فردّاه، فرجع فأقام يومه ذلك، ثم غاداهم يوم الاثنين، فدخل وقد تفرّق الجند، وهرب بُريه، وانحاز بغراج بمَن معه ، فلم يكن فى وجهه أحدٌ يدافعه، ولقيَه إبراهيم بن يحي المهلبيّ، فاستأمنه لأهل البصرة فآمنهم ، ونادى منادى إبراهيم بن يحيى: مَنْ أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم ، فحضر أهل البصرة قاطبةً حتى ملئوا الرّحاب. فلما رأى اجتماعَهم انتهز الفرصة فى ذلك منهم ، فأمر بأخذ السكك والطرق والدَّرُوب لئلا يتفرقوا، وغَدر بهم ، وأمر أصحابه بقتلهم ، فقتل كلّ مَنْ شهد ذلك المشهد إلا الشاذّ . ثم انصرف يومَه ذلك ، فأقام بقصر عيسى بن جعفر بالْحُرَيْبة . قال محمد : وحدّثنى الفضل بن عدىّ الدارمىّ، قال : أنا حين وجّه الخائن لحرب أهل البصرة فى حَيَز أهل البصرة مُقِيمٌ فى بنى سعد. قال : فأتانا آت فى الليل ؛ فذكر أنه رأى خيلاً مجتازة تؤمّ" قصر عيسى بالخريبة، ١٨٤٩/٣ ١٨٥٠/٣ ٤٨٣ سنة ٢٥٧ فقال لى أصحابى : اخرج فتعرّف لنا خَبَر هذه الخيل ، فخرجتُ فإذا جماعة من بني تميم وبنى أسد ، فسألتُهم عن حالهم ، فزعموا أنهم أصحاب العَلَوِىّ المضمومون إلى على بن أبان، وأنّ عاليًا يوافِى البصرة فى غدٍ تلك الليلة، وأنّ قصده لناحية بنى سعد، وأن يحيى بن محمد يجمعه قاصد لناحية آل المهلب. فقالوا : قل لأصحابك من بنى سعد: إن كنتم تريدون تحصينَ حُرَمكم ، فبادروا إخراجهم قبل إحاطة الجيش بكم . قال الفضل: فرجعتُ إلى أصحابى ، فأعلمتُهم خبرَ الأعراب فاستعدّوا، فوجهوا إلى بُريْه يعلمونه الخبر، فوافاهم فيمن كان بقِىَ من الخَوَل وجماعة من الجند وقت طلوع الفجر ، فساروا حتى انتهوا إلى خندق يعرف بنى حِمَّان، ووافاهم بنو تميم ومقاتلة السعديّة ، فلم يلبثوا أن طلع عليهم علىّ ابن أبان فى جماعة الزَّنْج والأعراب على مُتُون الخيل ، فذهِلِ بُريه قبل لقاء القوم ، فرجع إلى منزله ؛ فكانت هزيمةٌ ، وتفرّق مَنْ كان اجتمع من بني تميم ، ووافى علىّ فلم يدافعه أحدٌ، ومرّ قاصداً إلى المِرْبد، ووجّه بُرّيّه إلى بنى تميم يستصرخُهم ؛ فنهض إليه منهم جماعة ، فكان القتال بالمِرْبَد بحضرة دار بُرَيْه، ثم انهزم بُريه عن داره، وتفرّق الناس لانهزامه، فأحرقت الزنج دارَه ، وانتهبوا ما كان فيها ، فأقام الناس يقتلون هنالك ، وقد ضَعُف أهلُ البصرة، وقَوِى عليهم الزَّنْج، واتصلت الحرب بينهم إلى آخر ذلك اليوم ، ودخل علىّ المسجد الجامع فأحرقه ، وأدركه فتح غلام أبى شيث فى جماعة من البصريّين، فانكشف علىّ وأصحابه عنهم، وقُتِل من الزَّنْج قوم ، ورجع علىّ فعسكر فى الموضع المعروف بمقبرة بنى شيبان ، فطلب الناس سلطاناً يقاتلون معه فلم يجدوه ، وطلبوا بُريْهاً ، فوجدوه قد هرب ، وأصبح أهلُ البصرة يوم السبت ، فلم يأتهم علىّ بن أبان، وغاداهم يوم الأحد، فلم يقف له أحد ، وظفر بالبصرة . ١٨٥١/٣ قال محمد بن الحسن : وحدثنى محمد بن سمعان ، قال : كنت مقيماً بالبصرة فى الوقت الذى دخلها الزَّنْج ، وكنت أحضرُ مجلس إبراهيم بن محمد ٤٨٤ سنة ٢٥٧ ابن إسماعيل المعروف ببُريه ، فحضرته وحضر يوم الجمعة لعشر ليال خلون من شوال سنة سبع وخمسين ومائتين وعنده شهاب بن العلاء العنبرىّ ، فسمعتُ شهاباً يحدّثه أن الخائن قد وجّه بالأموال إلى البادية ليعرّض بها رجال العرب ، وأنه قد جمع جمعاً كثيرًا من الخيل ، وهو يريد تورّد البصرة بهم وبرجّالته من الزنج ، وليس بالبصرة يومئذ من جند السلطان إلا نيف وخمسون فارساً مع بُغراج، فقال بُريه لشهاب: إنّ العرب لا تقدم علىّ بمساءة ؛ وكان بُريه مطاعاً فى العرب ، محبّبًا إليهم . ١٨٥٢/٣ قال ابن سمعان : فانصرفت من مجلس بُرَيَه ، فلقيت أحمد بن أيوب الكاتب ، فسمعته يحكى عن هارون بن عبد الرحيم الشيعىّ ؛ وهو يومئذ يلى بَريد البصرة(١)، أنّه صَحّ عنده أنّ الخائن جمع لثلاث خَلَوْن من شَوّال فى تسعة أنفس ؛ فكان وجوه أهل البصرة وسلطانها المقيم بها من الغّباً عن حقيقة خبر الخائن على ما وصفت . وقد كان الحصار عضّ أهل البصرة ، وكثر الوباء بها، واستعرّت الحرب فيها بين الحز بين المعروفين بالبلالية والسعدية . فلما كان يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيَتْ من شوال من هذه السنة ، أغارت خيل الخائن على البَصْرة صبحيًا فى هذا اليوم ؛ من ثلاثة أوجه من ناحية بنى سَعْد والمربد والحُرَيبة؛ فكان يقودُ الجيش الذى سار إلى المربد علىّ بن أبان ، وقد جعل أصحابه فرقتين ؛ فرقة ولى عليها رفيقاً غلام يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان ، وأمرهم بالمصير إلى بنى سعد ، والفرقة الأخرى سار هو فيها إلى المِرْبَد ؛ وكان يقود الخيل التى أتت من ناحية الخُريبة يحيى بن محمد الأزرق البحرانيّ ، وقد جمع أصحابه من جهة واحدة ؛ وهو فيهم ؛ فخرج إلى كلّ فرقة من هؤلاء من خفّ مِن ضعفاء أهل البصرة ، وقد جَهدهم الجوع والحصار ، وتفرقت الخيل التى كانت مع بُغراج فرقتين : فرقة صارت إلى ناحية المِرْبَد وفرقة صارت إلى ناحية الخُريبة، وقاتل من ورد ناحية بنى سعد جماعة من مقاتلة السعديّة فتح غلام أبى شيث (٢) وصحبه ، فلم يُغْنِ قليلٌ من أهل البصرة إلى جموع الخبيث شيئًا ، وهجم القوم بخيلهم ورجلهم. ١٨٥٣/٣ (١) س: ((الموصل)). (٢) س: ((شبيب)). ٤٨٥ سنة ٢٥٧ قال ابن سمعان: فإنّی يومئذ لفِی المسجد الجامع، إذ ارتفعت نیران ثلاث من ثلاثة أوجه : زهران والمرْبد وبنی حمّان فى وقت واحد ؛ كأنّ موقدیها كانوا على ميعاد ؛ وذلك صدْر يوم الجمعة ، وجلّ الخطب ، وأيقن أهل البصرة بالهلاك، وسَعَّى مَنْ كان فى المسجد (١) الجامع إلى منازلهم، ومضيتُ مبادراً إلى منزلى ؛ وهو يومئذ فى سكة المِرْبد ، فلقينى منهزمو أهل البصرة فى السكة راجعين نحو المسجد الجامع ، وفى أخراهم القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشمىّ ؛ وهو على بغل متقلّد سيفاً يصيح بالناس: ويحكم ! أتسلمون بلد كم وحرمكم ! هذا عدوّ كم قد دخل البلد، فلم يلووا عليه ، ولم يسمعوا منه ، فمضى وانكشفت سكة المِرْبد ؛ فصار بين المنهزمين والزّنج فيها فضاء يسافر فيه البصر . قال محمد : فلما رأيتُ ذلك دخلت منزلى ، وأغلقت بابى ، وأشرفتُ فإذا خيل من الأعراب ورجّالة الزنج، تقدّمهم رجل على حصان كُميت، بيده رمح ، عليه عَذَبَة صفراء ؛ فسألت بعد أن صيربى إلى مدينة الخائن عن ذلك الرجل، فادّعى علىّ بن أبان أنه ذلك الرجل، وأنَّ الراية الصفراء رايتُه ، ودخل القوم ، فغابوا فى سكة المِرْبد إلى أن بلغوا باب عثمان ؛ وذلك بعد الزوال ثم انصرفوا ، فظنّ الناس من رعاع أهل البصرة وجهالهم أنّ القوم قد مضوا ١٨٥٤/٣ لصلاة الجمعة؛ وكان الذى صرفهم أنهم خشوا أن يخرج عليهم جمع السعديّة والبلالية من المربّعة، وخافوا الكمناء هناك، فانصرفوا وانصرف من كان بناحية زَهْران وبنى حصن ؛ وذلك بعد أن أحرقوا وأنهبوا واقتدروا على البلد ، وعلموا أنه لا مانع لهم منه، فأغبُّوا السبت والأحد، ثم غادوا البصرة يوم الاثنين، فلم يجدوا عنها مدافعًا، وجُمع الناس إلى باب إبراهيم بن يحي المهلبيّ وأعطوا الأمان . قال محمد بن سمعان: فحدثنى الحسن بن عثمان المهلبيّ الملقب بمُنْدَلِقَة - وكان من أصحاب يحيى بن محمد - قال: أمرنى يحيى فى تلك الغداة بالمصير (١) ب: ((مسجد). ٤٨٦ ١٨٥٥/٣ ١٨٥٦/٣ سنة ٢٥٧ إلى مقبرة بنى يَشْكر، وحَمْل ما كان هناك من التنانير ، فصرتُ إليها ، فحملتُ نَيّقًا وعشرين تَنّوراً على رءوس الرجال ، حتى أتيت بها دار إبراهيم ابن يحيى ، والناس يظنّون أنها تعدّ لاتخاذ طعام لهم ؛ وهم من الجوع وشدة الحصار والجهد على أمر عظيم ، وكثر الجمع بباب إبراهيم بن يحيى ، وجعلوا ينوبون ويزدادون ؛ حتى أصبحوا وارتفعت الشمس . قال ابن سمعان : وأنا يومئذ قد انتقلت من سكة المزيد من منزلى إلى دار جدّ أمى هشام المعروف بالدافّ، وكانت فى بنى تميم ، وذلك للذى استفاض فى الناس من دخول بني تميم فى سلْ الخائن ؛ فإنى لهناك إذا أتى المخبرون بخبر الوَقْعة بحضرة دار إبراهيم بن يحيى ، فذكروا أن يحيى بن محمد البحرانيّ أمر الزَّنج، فأحاطوا بذلك الجمع، ثم قال : مَنْ كان من آل المهلب فلْيُدخل دار إبراهيم بن يحيى ، فدخلتْ جماعة قليلة، وأغلقوا الباب دونهم. ثم قيل للزَّج: دونكم الناس فاقتلوهم، ولا تُبقوا منهم أحداً . فخرج إليهم محمد بن عبد الله المعروف بأبى الليث الأصبهانى، فقال للزَّج: كيلوا - وهى العلامة التى كانوا يعرفونها فيمن يؤمرون بقتله - فأخذ الناس السيف . قال الحسن بن عثمان: فإنى لأسمع تشهّدهم وضجيجهم، وهم يقتلون، ولقد ارتفعت أصواتهم بالتشهّد ؛ حتى لقد سمعت بالطَّفاوة ، وهم على بُعد من الموضع الذى كانوا به . قال: ولما أتىَ على الجمع الذى ذكرنا أقبل الزّنج على قتل مَنْ أصابوا، ودخل علىّ بن أبان يومئذ، فأحرق المسجد الجامع ، وراح إلى الكتلآء، فأحرقه من الجبل(١) إلى الجسر، والنار فى كلّ ذلك تأخذ فى كلّ شىء مَرّت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومتاع، ثم ألحّوا بالغُدوّ والرّواح على مَنْ وجدوا يسوقونهم إلى يحيى بن محمّد؛ وهو يومئذ نازلٌ بسَيْحان؛ فمن كان ذا مال قرّره حتى يستخرج ماله، ويقتله، ومن كان ◌ُمْلِقًا قتله . وُذُكِرَ عن شبْل أنه قال: با كريحمي البصْرة يوم الثلاثاء بعد قتل مَنْ قتل بباب إبراهيم بن يحيى ، فجعل ينادى بالأمان فى الناس ليظهروا، فلم يظهر له أحدٌ، وانتهى الخبر إلى الخبيث ، فصرف علىّ بن أبان عن البصرة، وأفرد (١) ط: ((الحبل)). ٤٨٧ سنة ٢٥٧ يحي بها لموافقة ما كان أتى يحيى من القتل إياه ووقوعه لمحبّته ، وأنه استقصر ما كان من علىّ بن أبان المهلبيّ من الإمساك عن العيْث بناحية بنى سعد. وقد كان علىّ بن أبان أوفد إلى الخبيث من بنى سعد وفداً ، فصاروا إليه ، فلم يجدوا عنده خيراً، فخرجوا إلى عبّادان، وأقام يحيى بالبصرة، فكتب إليه الخبيث يأمره بإظهار استخلاف شِبْل على البصرة ليسكن الناس ، ويظهر المستخفى ومَنْ قد عُرف بكثرة المال، فإذا ظهروا أخذوا بالدلالة على مادفنوا وأخفَوْا من أموالهم . ففعل ذلك يحيى؛ فكان لا يخلو فى يوم من الأيام من جماعة يُؤْتى بهم، فمَنْ عُرف منهم باليسار استنظف ما عنده وقتله ، ومن ظهرت له خَلّتهُ عاجله بالقتل؛ حتى لم يدع أحداً ظهر (١) له إلا أتى عليه ، وهرب الناس على وجوههم ، وصرف الخبيث جيشه عن البصرة . قال محمد بن الحسن : ولما أخرب الخائن البصرة ، وانتهى إليه عظيم ما فعل أصحابه فيها ، سمعته يقول: دعوتُ على أهل البصرة فى غداة اليوم الذى دخلها أصحابى ، واجتهدت فى الدعاء ، وسجدت، وجعلت أدعو فى "سجودى، فرُفعتْ إلىّ البصرة، فرأيتها ورأيت أصحابى يقاتلون فيها ، ورأيت بين السماء والأرض رجلاً واقفا فى الهواءفى صورة جعفر المعلوف المتولى كان للاستخراج فى ديوان الخراج بسامُرًا ، وهو قائم قد خفض يده اليسرى ، ورفع يده اليمنى، يريد قلب البصرة بأهلها ، فعلمتُ أن الملائكة تولّت إخرابها دون أصحابى، ولو كان أصحابى تولَّوْا ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم الذى يحكى عنها . وإن الملائكة لتنصرنى وتؤيدنى فى حربى (٢)، وتثبّت مَن ضعُف قلبه من أصحابى . ١٨٥٧/٣ قال محمد بن الحسن : وانتسب الخبيث إلى يحيى بن زيد بن علىّ بعد إخرابه بالبصرة ، وذلك لمصير جماعة من العلويّة الذين كانوا بالبصرة إليه ، وأنه كان فيمن أتاه منهم علىّ بن أحمد بن عيسى بن زيد، وعبد الله بن علىّ فى (١) س: ((أنظهر)). (٢) س: ((خروبى)). ١ ٠ ٤٨٨ سنة ٢٥٧ جماعة من نسائهم وحُرّمهم ، فلمّا جاءوه ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى، وانتسب إلى يحي بن زيد . قال محمد بن الحسن : سمعتُ الخبيث وقد حضره جماعة من النوفليّين ، فقال القاسم بن الحسن النوفلىّ : إنه قد كان انتهى إلينا أنك من ولد أحمد بن عيسى بن زيد ، فقال : لست من ولد عيسى ، أنا من ولد يحي بن زيد . وهو فى ذلك كاذب، لأن الإجماع فى يحيى أنه لم يعقِب إلا بنتًا ماتت وهى ترضع . [ ذكر الخبر عن الحرب بين محمد المولَّد والزنج ] وفيها أشخص السلطان محمداً المؤلّد إلى البصرة لحرب صاحب الزَّنْج ، فشخص من سامُرًا يوم الجمعة لليلة خلت من ذى القعدة . . ذكر الخبر عما كان من أمر المولَّد هناك : ذكر أن محمداً المعروف بالمولّد لما صار إلى ما هنالك نزل الأبُلّة، ١٨٥٨/٣ وجاء بُرَيه، فنزل البصرة، واجتمع إلى بُريه من أهل البصرة خلق كثير ممن كان هرب ، وكان يحيى حين انصرف عن البصرة أقام بالنهر المعروف بالغوثىّ. قال محمد : قال شبئل : فلما قدم محمد المولد كتب الخبيث إلى يحيى يأمره بالمصير إلى نهر أوًّا، فصار إليه بالجيش، وأقام يحارب المولّد عشرة أيام ، ثم أوطن المؤلّد المقام ، واستقرّ وفتر عن الحرب، فكتب الخبيث إلى يحي یأمره بتبییته، ووجه إلیه الشذامع المعروف بأبى الليث الأصبهانيّ، فبيته ونهض المولّد بأصحابه ، فقاتلهم بقية ليلته ومن غدٍ إلى العصر ، ثم ولى منصرفًا، ودخل الزّنج عسكره، فغنموا ما فيه . فكتب يحيى إلى الخبيث بخبره ، فكتب إليه يأمره باتباعه ، فاتبعه إلى الحوانيت، وانصرف، فمرّ بالجامدة ، فأوقع بأهلها ، وانتهب كلَّ ما كان فى تلك القرى، وسفَك ما قدر على سفكه من الدماء ، ثم عسكر بالجالة ، فأقام هناك مدّة، ثمّ عاد إلى نهر معقل. ٤٨٩ سنة ٢٥٧ وفيها أخذ محمد المؤلّد سعيد بن أحمد بن سعيد بن سَلْ الباهلىّ ، وكان قد تغلّب على البطائح ، هو وأصحابه من باهلة وأفسدوا الطريق . وفيها خالف محمد بن واصل السلطان بفارس ، وغلب عليها . وحجّ بالناس فى هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس . وفيها وثب بسيل المعروف بالصقلى - وقيل له الصقلى وهو من أهل بيت ١٨٥٩/٣ المملكة، لأن أمه صقلبيَّة- على ميخائيل بن توفيل ملك الروم فقتله ، وكان ميخائيل منفرداً بالمملكة أربعًا وعشرين سنة، وتملّك الصقلىّ بعده على الروم. ٤٩٠ ١ ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة فمن ذلك ما كان من الموافاة بسعيد بن أحمد بن سعيد بن سلم الباهلى باب السلطان(١)، وأمر السلطان بضربه بالسياط ، فضرب سبعمائة سوط - فيما قيل - فى شهر ربيع الآخر منها ، فمات فصُلِب. وفيها ضُرب عنق قاضٍ لصاحب الزَّنِج ، كان يقضى له بعبّادان، وأعناق أربعة عشر رجلا من الزَّنْج بباب العامة بسامُرًا؛ كانوا أسِرُوا من ناحية البصرة . وفيها أوقع مُفْلح بأعراب بتكريت ، ذكر أنهم كانوا مايَلوا(٢) الشارى مساوراً . وفيها أوقع مسرور البلخىّ بالأكراد اليعقوبيّة فهزمهم، وأصاب فيهم. وفيها دخل محمد بن واصل فى طاعة السلطان ، وسلم الخراج والضياع بفارس إلى محمد بن الحسين بن الفيّاض . وعقد المعتمد يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول لأبى أحمد أخيه على ديار مُضر وقتَّسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس (٣) مستهل" شهر ربيع الآخر ، فخلع عليه وعلى مُفلِح، فشخصا نحو البصرة وركب ركوباً عامًا، وشيع أبا أحمد إلى بَرْ كُوَار ، وانصرف . ١٨٦٠/٣ (١) ب: ((الأحداث)). (٢) ابن الأثير: ((أعانوا)). (٣) س: ((الجمعة)). ٤٩١ سنة ٢٥٨ [ ذكر الخبر عن قتل منصور بن جعفر الخياط ] وفيها قُتِل منصور بن جعفر بن دينار الخياط . * ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان أمره : ذكر أن الخبيث لما فرغ أصحابه من أمر البصرة ، أمر علىّ بن أبان المهلبيّ بالمصير إلى جُبِّ لحرب منصور بن جعفر ، وهو يومئذ بالأهواز ، فخرج إليه ، فأقام بإزائه شهراً ، وجعل منصور يأتى عسكر علىّ وهو مقيم بالخيزُرانيّة ، ومنصور إذ ذاك فى خفّ من الرجال، فوجّه الخبيث إلى على ابن أبانِ باثنتى عشرة شذاة مشحونة بحُلْدٍ (١) أصحابه، وولّى أمرها المعروف بأبى الليث الأصبهانيّ، وأمره بالسمع والطاعة لعلىّ بن أبان ، فصار المعروف بأبى الليث إلى علىّ ، فأقام مخالفًا له ، مستبدًا بالرأى عليه ، وجاء منصور كما كان يجىء للحرب، ومعه شذوات ، فبدر إليه أبو الليث عن غير مؤامرة منه لعلىّ بن أبان، فظفر منصور بالشَّدَوات التى كانت معه ، وقَتّل فيها من البيضان والزَّنِج خلقاً كثيرًاً ، وأفلت أبو الليث ، فانصرف إلى الخبيث ، فانصرف علىّ بن أبان وجميع مَنْ كان معه، فأقاموا شهراً، ثم رجع علىّ لمحاربة منصور فی رجاله، فلما استقرّ على وجه طلائع يأتونه بأخبار منصور وعسا كره، وكان لمنصور وال مقيم بَكْرنبا، فبيّت علىّ بن أبان ذلك القائد، فقتله ١٨٦١/٣ وقتل عامّة مَنْ كان معه ، وغنم ما كان فى عسكره ، وأصاب أفراساً ، وأحرق العسكر ، وانصرف من ليلته حتى صار فى ذُنابة نهر جُبَّى . وبلغ الخبر منصورًا، فسار حتى انتهى إلى الخيزرانية، فخرج إليه علىّ فى نُفَير من أصحابه ، وكانت الحرب بينهما منذ ضحى ذلك اليوم إلى وقت الظهر، ثم انهزم منصورٌ، وتفرق عنه أصحابُه، وانقطع عنهم، وأدركته طائفة من الزَّنْج اتبعوا أثره إلى نهر يعرف بعمر بن مهْران، فلم يزل يكرّ عليهم حتى تقصّفت رماحه ، ونفدت سهامه ، ولم يبق معه سلاح ، ثم حمل نفسه على (١) س: ((مجلّة أصحابه)). ٤٩٢ سنة ٢٥٨ النهر ليعبر ، فصاح بحصان كان تحته ، فوثب وقصرت رجلاه ، فانغمس فى الماء . قال شبل : كان سبب تقصير الفرس عن عبور النهر بمنصور، أنّ رجلا من الزّنْج كان ألقى نفسه لمَّا رأى منصوراً قاصداً نحو النهر يريد عبوره فسبقه سباحةً ، فلمّا وثب الفرس تلقاه الأسود ، فنكص به، فغاضا معاً ، ثم أطلع منصور رأسه ، فنزل إليه غلام من السودان من عُرفاء مصلح يقال له أبرون، فاحتزَّ رأسه، وأخذ سَلبه، وقُتل ممن كان معه جماعة كثيرة ، وقُتل مع منصور أخوه خَلَف بن جعفر ، فولّى يارجوخ ما كان إلى منصور من العمل أصغجون . ٠ # (ذكر الخبر عن قتل مفلح ] ولاثنتى عشرة بقيتْ من جمادى الأولى منها ، قُتِلِ مُفلِح بسهم أصابه بغير نصل فى صُدغه يوم الثلاثاء ، فأصبح ميتاً يوم الأربعاء فى غدٍ ذلك اليوم ، وحُمِلت جنّته إلى سامُرًّا ، فدفن بها . * ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان الوصول إليه : قد مضى ذكرى شخوص أبى أحمد بن المتوكل من سامُرًا إلى البصرة لحرب اللعين لمّا تناهى إليه وإلى المعتمد ما كان من فظيع ما ركب من المسلمين بالبصرة ، وما قرب منها من سائر أرض الإسلام ، فعاينتُ أنا الجيش الذى شخص فيه أبو أحمد ومفلح ببغداد ، وقد اجتازوا بباب الطاق، وأنا يومئذ نازلٌ هنالك، فسمعت جماعةً من مشايخ أهل بغداد يقولون: قد رأينا جيوشًا كثيرة من الخلفاء ، فما رأينا مثلَ هذا الجيش أحسن عُدّة ، وأكمل سلاحًا وعتاداً ، وأكثر عدداً وجمعاً ، وأتبع ذلك الجيش من متسوّقة(١) أهل بغداد خلق كثير . (١) ابن الأثير: ((سوقة)). ١٨٦٢/٣ ٤٩٣ سنة ٢٥٨ وذكر عن محمد بن الحسن أن يحيى بن محمد البحرانيّ كان مقيمًا بنهر معقل قبل موافاة أبى أحمد موضعَ الخبيث ، فاستأذنه فى المصير إلى نهر العباس ، فكره ذلك، وخاف أن يوافيه جيشُ السلطان، وأصحابه متفرّقون ، فألحّ عليه يحيى حتى أذن له ، فخرج واتّبعه أكثر أهل عسكر الخبيث . ١٨٦٣/٣ وكان علىّ بن أبان مقيماً يُحُبَّى فى جمع كثير من الزَّنج ، والبصرة قد صارت مغنماً لأهل عسكر الخبيث ؛ فهم يغادونها ويراوحونها لنقل ما نالته أيديهم منها ، فليس بعسكر الخبيث يومئذ من أصحابه إلاّ القليل ؛ فهو على ذلك من حاله حتى وافى أبو أحمد فى الجيش الذى كان معه فيه مفلح ، فوا فى جيشٌ عظيم هائل لم يرد على الخبيث مثله؛ فلما انتهى إلى نهر معقِل هرب مَنْ كان هناك من جيش الخبيث ، فلحقوا به مرعوبين، فراع ذلك الخبيث ، فدعا برئيسين من رؤساء جيشه الذى كان هناك ، فسألهما عن السبب الذى له تركا موضعهما ؛ فأخبراه بما عاينا من عظم (١) أمر الجيش الوارد، وكثرة عدد أهله(٢) وإحكام عُدّتهم؛ وأنّ الذى عاينا من ذلك لم يكن فى قوتهما الوقوف له فى العدّة التى كانا فيها ، فسألهما: هل علما مَنْ يقود الجيش؟ فقالا: لا قد اجتهدنا فى علم ذلك ، فلم نجد من يصدُقُنا عنه . فوجه الخبيث طلائعته فى سميريّات لتـ رف الخبر ، فرجعت رسله إليه بتعظيم أمر الجيش وتفخيمه ؛ ولم يقف أحدٌ منهم على مَنْ يقوده ويرأسه ، فزاد ذلك فى جزعه وارتياعه ، فبادر بالإرسال إلى علىّ بن أبان ، يعلمه خبر الجيش الوارد ، ويأمره بالمصير إليه فيمن معه ، ووافى الجيش ، فأناخ بإزائه ؛ فلما كان اليوم الذى كانت فيه الوقعة وهو يوم الأربعاء ، خرج الخبيث ليطوف فى عسكره ماشيًا، ويتأمل الحال فيمن هو مقيم معه من حزبه ومَنْ هو مقيم بإزائه من أهل حربه ، وقد كانت السّماء مطرت فى ذلك اليوم مطراً خفيفاً والأرض ثريّة تزلّ عنها الأقدام ، فطوّف ساعة من أول النهار ، ثم رجع فدعا بدواة وقرطاس لينفذ كتاباً إلى علىّ بن أبان، يعلمه ما قد أطلّه من الجيش ١٨٦٤/٣ (١) ب: ((وعظم))، س: ((من عظيم)). (٢) س: ((عدة أهله)). . ٤٩٤ سنة ٢٥٨ ويأمره بتقديم مَنْ قدر على تقديمه من الرّجال، فإنه لَفِى ذلك إذ أتاه المكتنى أبا ◌ُدُلف- وهو أحد قوّاد السودان - فقال له: إن القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزَّنَج، وليس فى وجوههم مَنْ يردّهم (١) حتى انتهوا إلى الحبل الرابع. فصاح به وانتهره ، وقال : اغرُب عنى فإنك كاذب فيما حكيتَ ؛ وإنما ذلك جزع دخلك لكثرة ما رأيتَ من الجمع، فانخلع قلبُك، ولست تدرى ماتقول. فخرج أبو دلف من بين يديه ، وأقبل على كاتبه ، وقد كان أمر جعفر بن إبراهيم السجّان بالنداء فى الزَّنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب ؛ فأتاه السجّان، فأخبره أنه قد ندب الزَّج، فخرجوا . وإنّ أصحابه قد ظفروا بسُمَيّريّتين، فأمره بالرجوع لتحريك الرّجّالة، فرجع ولم يلبث بعد ذلك إلّ يسيراً، حتى أصيب مفلح بسهم غَرَبٍ لا يُعرف الرامى به ، ووقعت الهزيمة، وقَوىَ الزنج على أهل حربهم ، فنالوهم بما نالوهم به من القتل. ووافى الخبيث زنجه بالرءوس قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوْها بين يديه ، فكثرت الرءوس يومئذ حتى ملأت كلّ شيء ، وجعل الزّنج يقتسمون لحوم القتلى ويتهادوْنها بينهم . وأتى الخائن بأسير من أبناء الفراغنة ، فسأله عن رأس الجيش ، فأعلمه بمكان أبى أحمد ومفُلْحٍ ، فارتاع لذكر أبى أحمد - وكان إذا راعه أمر كذّب به - فقال : ليس فى الجيش غير مفلح! لأنى لست أسمع الذكر إلا له؛ ولو كان فى الجيش مَنْ ذكر هذا الأسير لكان صوتُه أبعد ، ولما كان مفلح إلاَّ تابعاً له ، ومضافاً إلى صحبته . وقد كان أهلُ عسكر الخبيث لمّا خرج عليهم أصحاب أبى أحمد، جزعوا جزءًا شديداً، وهربوا من منازلهم، ولجئوا إلى النهر المعروف بنهر أبي الخصيب ولاجسر يومئذ عليه، فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان، ولم يلبث الخبيث بعد الوقعة إلا يسيراً، حتى وافاه علىّ بن أبان فى جمع من أصحابه، فوافاه وقد استغنى عنه ، ولم يلبث مُفلحٌ أن مات ، وتحيّز أبو أحمد (١) س: ((يرادهم)» ١٨٦٥/٣ ٤٩٥ سنة ٢٥٨ إلى الأبُلّة، ليجمع ما فرّقت الهزيمة منه، ويجدّد الاستعداد ، ثم صار إلى نهر أبى الأسد فأقام به . قال محمد بن الحسن : فكان الخبيث لا يدرى كيف قُتُل مُفْلِح ، فلما بلغه أنه أصيب بسهم، ولم يرأحداً ينتحل رميه ادّعى أنه كان الرامى له. قال : فسمعته يقول : سقط بين يدىّ سهم، فأتانى به واح(١) خادمى، فدفعه إلىّ ، فرميت به فأصبت مفلحًا . قال محمد : وكذب فى ذلك ، لأنى كنت حاضرًا ذلك المشهد ، وما زال عن فرسه حتى أتاه المخبر بخبر الهزيمة ، وأتىَ بالرءوس وانقضت الحرب . * وفى هذه السنة وقع الوباء فى الناس فى كور دِجْلة ، فهلك فيها خَلْق كثير فى مدينة السَّلام وسامُرًا وواسط وغيرها . وفيها قُتل خرسخارس ببلاد الروم فى جماعة من أصحابه . # [ ذكر خبر أسريحيى بن محمد البحرانىّ ثم قتله ] وفيها أسير يحيى بن محمد البحرانىّ صاحب قائد الزّنج، وفيها فُتِل. * ذكر الخبر عن أسره وقتله وكيف كان ذلك : ١٨٦٦/٣ . ذكر عن محمد بن سمعان الكاتب أنهقال : لمّا وافى يحيى بن محمد نهر العباس، لقيه بفُوّهة النهر ثلثمائة وسبعون فارسًا من أصحاب أصغجون العامل - كان عامل الأهواز (٢) فى ذلك الوقت، كانوا مرتبين فى تلك الناحية - فلما بصر بهم يحيى استقتلهم، ورأى كثرة مَنْ معه من الجمع (٣مما لا خوف عليه معهم، فلقيتهم٣) أصحابه غير مستجنّين بشىء يردّ عنهم عاديتَهم ، ورشقتهم أصحابُ أصغجون بالسهام ، فأكثروا الجراح فيهم. فلمّا رأى ذلك (١) م: ((راح)). (٢) س: ((على كور الأهواز)). (٣ - ٣) س: ((من لا خوف عليه منهم فلقيه)). ٤٩٦ ١٨٦٧/٣ سنة ٢٥٨ يحيى عبّر إليهم عشرين ومائة فارس كانت معه ، وضمّ إليهم من الرّجال جمعًا كثيراً ، وانحاز أصحاب أصغجون عنهم، وولج البحرانیّ ومَنْ معه نهر العباس ؛ وذلك وقت قلّة الماء فى النهر ، وسفنُ القَيْروانات جانحة على الطين. فلما أبصر أصحابُ تلك السفن بالزَّنْج تركوا سفنَهم ، وحازها الزَّنج ، وغنموا ما كان فيها غنائم عظيمة جليلة ، ومضْوا بها متوجهين نحو البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة ، وتركوا الطريق النّهج، وذلك للتحاسد الذى كان بين البحرانیّ وعلىّ بن أبان المهلبيّ. وإن أصحاب يحيى أشاروا عليه ألاّ يسلك الطريق الذى يمرّ فيها بعسكر علىّ، فأصغى إلى مشورتهم، فشرعوا (١) له الطريق المؤدى إلى البطيحة التى ذكرنا ، فسلكها حتى ولج البطيحة ، وسرّح الخيل التى كانت معه ، وجعل معها أبا الليث الأصبهانيّ، وأمره بالمصير بها إلى عسكر قائد الزَّنج. وكان الخبيث وجّه إلى يحيى البحرانيّ يعلمه ورودَ الجيش الذى ورد عليه ، ويأمره بالتحرّز فى منصرفه من أن يلقاه أحدٌ منهمٍ ، فوجّه البحرانىّ الطلائع إلى دِجْلة، فانصرفت(٢) طلائعه وجيش أبى أحمد منصرف من الأبُلّة إلى نهر أبى الأسد ، وكان السبب فى رجوع الجيش إلى نهر أبى الأسد ، أنّ رافع بن بسطام وغيره من مجاورى نهر العباس وبطيحة الصّحْناة كتبوا إلى أبى أحمد يعرّفونه خبر البحرانيّ وكثرة جمعه، وأنه يقدّر أن يخرج من نهر العباس إلى دِجْلة ، فيسبق إلى نهر أبى الأسد ويعسكر به ، ويمنعه الميرة ، ويحولُ بينه وبين من يأتيه أو يصدر عنه ؛ فرجعت إليه طلائعهُ بخبره ، وعظم أمر الجيش عنده ، وهيبته منه ؛ فرجع فى الطريق الذى كان سلكه بمشقة شديدة نالته ونالت أصحابه، وأصابهم وباء من تردّدهم فى تلك البطيحة ، فكثر المرض فيهم . فلما قربوا من نهر العباس جعل يحيى بن محمد سليمان بن جامع على مقدّمّته ، فضى يقود أوائل الزَّنْج ، وهم يجرّون سفنتهم ، يريدون الخروج من نهر العباس، وفى النهر للسلطان شذوات وسميريات تحمى فوّهته من قبل أصغجون ، ومعها جَمْعٌ من الفُرْسان والرّجالة ، فراعه وأصحابه ذلك، (١) ب: ((وشرعوا)). (٢) كذا فى س، وفى ط: ((فانصرف)). ٤٩٧ سنة ٢٥٨ فخلَّوْا سفنهم ، وألقَوْا أنفسَهم فى غربىّ نهر العباس ، وأخذوا على طريق ١٨٦٨/٣ الزّيدان ماضين نحو عسكر الخبيث ، ويحيى غارّ بما أصابهم ، لم يأتِه علم شىء (١) من خبرِهم ، وهو متوسّط عسكره، قد وقف على قنطرة قُورَج العباس فى موضع ضيق تشتدّ فيه جرية الماء ، فهو مشرف على أصحابه الزَّنْج ، وهم فى جرّ تلك السفن التى كانت معهم ، فمنها ما يغرق ، ومنها ما يسلم . قال محمد بن سمعان: وأنا فى تلك الحال معه واقف، فأقبل علىّ متعجباً من شدّة جرية الماء وشدّة ما يلقى أصحابه من تلقّه بالسفن ، فقال لى : أرأيتَ لو هجم علينا عدوّنا فى هذه الحال،مَنْ كان أسوأ حالا منا! فما انقضى كلامُه حتى وافاه طاشتمر التركىّ فى الجيش الذى أنفذه إليهم أبو أحمد عند رجوعه من الأبُلّة إلى نهر أبى الأسد ، ووقعت الضّجنّة فى عسكره . قال محمد : فنهضت مُتْشوقًا للنظر ؛ فإذا الأعلام الحمر قد أقبلتْ فى الجانب الغربىّ من نهر العباس ويحيى به ؛ فلما رآها الزَّنْج ألقَوْا أنفسهم فى الماء جملة، فعبروا إلى الجانب الشرقىّ، وعرى الموضع الذى كان فيه يحي ، فلم يبق معه (٢) إلا بضعة عشر رجلا، فنهض يحيى عند ذلك ، فأخذ درقتَه وسيفه ، واحتزم بمنديل ، وتلقَى القوم الذين أتوْه فى النفر الذين معه، فرشقهم (٣) أصحاب طاشتمر بالسهام ، وأسرع فيهم الجراح، وجرح البحرانيّ بأسهم ثلاثة فى عَضُدْيه وساقه اليسرى . فلما رآه أصحابه جريحًا تفرّقوا عنه ، فلم يعرف فيقصد له . فرجع حتى دخل بعض تلك السفن ، وعَبَر به إلى الجانب الشرقى من النهر ؛ وذلك وقت الضحى من ذلك اليوم ، وأثقلت يحيى الجراحات التى أصابته. فلما رأی الزّنج ما نزل به اشتدّ جزعهم ، وضعفت قلوبهم ، فتركوا القتال . وكانت همّتهم النجاة بأنفسهم ، وحاز أصحاب السلطان الغنائم التى كانت فى السفن بالجانب الغربىّ من النهر ؛ فلما حَوَوْها أقعدوا فى بعض تلك السفن النّفاطين، وعبّروهم (٤) إلى شرقىّ النهر، فأحرقوا ما كان هناك من السفن ١٨٦٩/٣ (١) س: ((بشىء)). (٣) ب: ((معهم فرشقوهم)). (٢) ب: ((فيه)). (٤) س: ((وغيرهم)). ٤٩٨ سنة ٢٥٨ التى كانت فى أيدى الزّنج، وانفضّ الزَّنج عن يحيى، فجعلوا يتسللون بقية نهارهم بعد قتل فيهم ذريع ، وأسر كثير ؛ فلمّا أمسوا وأسدف الليل طارُوا على وجوههم ، فلما رأى يحيى تفرّق أصحابه ، ركب ◌ُسَيَريّة كانت لرجل من المقاتلة البيضان ، وأقعد معه فيها متطبِّبًا يقال له عبّاد يعرف بأبى جيش؛ وذلك لما كان به من الجراح ، وطمع فى التخلّص إلى عسكر الخبيث ، فسار حتى قرب من فُوّهة النهر ، فبصُر ملاحو السميريّة بالشذا والسميريّات واعتراضها فى النهر، فجزعوا من المرور بهم، وأيقنوا أنهم مدركون ، فعبروا إلى الجانب الغربىّ، فألقَوْه ومَنْ معه على الأرض فى زرع كان هناك ، فخرج يمشى وهو مثقل ؛ حتى ألفى نفسه ؛ فأقام بموضعه ليلته تلك ، فلما أصبح بموضعه ذلك نهض عبّاد المتطبّب الذى كان معه، فجعل يمشى متشوقًا لأن يرى إنسانًا ، فرأى بعض أصحاب السلطان ، فأشار إليهم فأخبرهم بمكان یحیی ، وأتاه بهم حتى سلّمه إليهم . وقد زعم قوم أنّ قومًا مرُّوا به ، فرأوه فدلّوا عليه، فأخذ. فانتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزَّنْج، فاشتدّ لذلك جزعه ، وعظم عليه توجّعه . ثم حمل يحيى بن محمد الأزرق البحرانيّ إلى أبى أحمد ، فحمله أبو أحمد إلى المعتمد بسامُرّاً، فأمر ببناء دكة بالخير، بحضرة مجرى الحلبة فبُنيت، ثم رفع للناس حتى أبصروه ، فضرب بالسياط . وذُكر أنه دخل سامرًا يوم الأربعاء لتسع خلوْن من رجب على جمل ، وجلس المعتمد من غد ذلك اليوم - وذلك يوم الخميس - فضُرب بین یدیه مائتى سوط بثمارها، ثم قُطعت يداه ورجلاه من خلاف ، ثم خُبط بالسيوف ثم ذُبح ثم أحرق . قال محمد بن الحسن : لمّا قُتل یحیی البحرانیّ وانتهى خبره إلى صاحب الزّنج، قال: عَظُ علىّ قتله، واشتدَ اهتمامى به ، فخوطبتُ فقيل لى: قتلُهُ خير لك ، إنه كان شرهًا . ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم ، قال : ومنْ شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنّا نصيبه ؛ فكان فيه عقدان ، فوقعا فى ١٨٧٠/٣ ٤٩٩ سنة ٢٥٨ يد يحيى، فأخفى عنى أعظمهما خطرًا، وعرض علىّ أخسهما ، واستوهبنيه فوهبته له ، فرُفع (١) لى العقد الذى أخفاه ، فدعوته فقلت : أحضرْنى العقد الذى أخفيتَه ، فأتانى بالعقد الذى وهبتُه له ، وجحد أن يكون أخذه غيره ، فرُفِع لى العقد ، فجعلت أصفه وأنا أراه ، فبُهت ، وذهب فأتانى به، واستوهبنيه فوهبتُه له ، وأمرته بالاستغفار . ١٨٧١/٣ وذكر عن محمد بن الحسن أن محمد بن سمعان حدّثه أنّ قائد الزنج قال لى فى بعض أيامه: لقد عُرِضَتْ علىّ النبوّة فأبيتُها، فقلتُ: ولمّ ذاك؟ قال: لأنّ لها أعباء خِفت ألاّ أطيق حملها ! [ ذكر خبر انحياز أبى أحمد بن المتوكل إلى واسط ] وفى هذه السنة انحاز أبو أحمد بن المتوكل من الموضع الذى كان به من قرب موضع قائد الزّنج إلى واسط . * ذكر الخبر عن سبب انحيازه ذلك إليها : ◌ُذكر أنّ السبب فى ذلك كان أنّ أبا أحمد لمّا صار إلى نهر أبى الأسد ، فأقام به ، كثر العلل فيمن معه من جنده وغيرهم ، وفشا فيهم الموت ؛ فلم يزل مقيماً هنالك حتى أبلّ مَنْ نجا منهم من الموت من عِلّته، ثم انصرف راجعاً إلى باذاوَرْد، فعسكر به، وأمر بتجديد الآلات وإعطاء مَنْ معه من الجند أرزاقَهم وإصلاح الشذوات والسميريات والمعابر، وشحنها بالقوّاد مِنْ مواليه وغلمانه ، ونهض نحو عسكر الخبيث، وأمر جماعة من قُوّاده بقصد مواضع سماها لهم من نهر أبى الخصيب وغيره ، وأمر جماعة منهم بلزومه والمحاربة معه فى الموضع الذى يكون فيه ، فمال أكثر القوم حين وقعت الحرب ، والتقى الفريقان إلى نهر أبى الخصيب ، وبقى أبو أحمد فى قلة من أصحابه ، فلم یزُلْ عن موضعه إشفاقًا من أن يطمع فيه الزَّنْج، وفيمن بإزائهم من أصحابه وهم بسبخة (١) س: ((فوقع)). ٥٠٠ ١٨٧٢/٣ سنة ٢٥٨ نهر منكى ، وتأمل الزّنج تفرّق أصحاب أبى أحمد عنه ، وعرفوا موضعه ، فكثروا(١) عليه، واستعَرَت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين، وأحرق أصحاب أبى أحمد قصورًا ومنازل من منازل الزَّنْج، واستنقذوا من النساء جمعًا كثيراً، وصرف الزَّنج جمعهم(٢) إلى الموضع الذى كان به (٣) أبو أحمد فظهر الموفَّق على الشَّذّا ، وتوسّط الحرب محرّضاً أصحابه حتى أتاه مِنْ جمع الزَّنْجِ ما عَلَمَ أنه لا يقاوم بمثل العدّة اليسيرة التى كان فيها، فرأى أنّ الحزم فى محاجزتهم ، فأمر أصحابه عند ذلك بالرجوع إلى سفنهم على تُؤدَّة وَمَتَهل ، فصار أبو أحمد إلى الشَّذَا التى كان فيها بعد أن استقرّ أكثرُ الناس فى سفنهم، وبقيت طائفة من الناس ، ولجئوا إلى تلك الأدغال والمضايق ، فانقطعوا عن أصحابهم ، فخرج عليهم كُمناء الزَّنج ، فاقتطعوهم ووقعوا بهم ، فحامَوْا عن أنفسهم ، وقاتلوا قتالا شديداً، وقتلوا عدداً كثيراً من الزَّنْج ، وأدركتهم المنايا فقتلوا ، وحَمَلوا إلى قائد الزنج مائة رأس وعشرة أرؤس ، فزاد ذلك فى عُتُوّه . ثم انصرف أبو أحمد إلى الباذاوَرْد فى الجيش ، وأقام يعبى أصحابه للرجوع إلى الزَّنج ، فوقعت نار فى طرف من أطراف عسكره ؛ وذلك فى أيام عصوف الريح ، فاحترق العسكر ، ورحل أبو أحمد منصرفًا ، وذلك فى شعبان من هذه السنة إلى واسط ، فلمَّا صار إلى واسط تفرّق عنه عامة من كان معه من أصحابه . ١٨٧٣/٣ ولعشر خلون من شعبان كانت هدَّة صعبة هائلة بالصَّيْمَرَة. ثم ◌ُسمع من غد ذلك اليوم وذلك يوم الأحد ، هدّة هى أعظم من التى كانت فى اليوم الأول ، فتهدّم من ذلك أكثر المدينة ، وتساقطت الحيطان وهلك من أهلها - فيما قيل ـزهاء عشرين ألفًا . وضرب بباب العامة بسامرًا رجل يعرف بأبى فَقْعَس ، قامت عليه البيّنة - فيما قيل - بشتم السلف ألف سوط وعشرين سوطا ، فمات وذلك يوم الخميس (١) م: ((فأكبوا)) . (٣) ب: ((فيه)). (٢) ب: ((أجمعهم)).