Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١ سنة ٢٠٩ ولما خرج نصر بن شبث إلى عبد الله بن طاهر بالأمان هدم كيسوم وخرّبها . وفى هذه السنة ولّى المأمون صدقة بن علىّ المعروف بزريق أرمينيّة وأذْ رَ بيجان ومحاربة بابك ، وانتدب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد بن فرزندى الإسكافى ، ثم رجع أحمد بن الجنيد بن فرزندى إلى بغداد ، ثم رجع إلى الحُرّميّة، فأسره بابك ، فولى إبراهيم بن الليث بن الفضل التجيبيّ أَذْرَبيجان. ٠ ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد بن على ، وهو ١٠٧٣/٣ والى مكة . وفيها مات ميخائيل بن جورجس صاحب الروم ، وكان ملكه تسع سنين ، وملكت الروم عليهم ابنه توفيل بن ميخائيل . ٦٠٢ ثم دخلت سنة عشر ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك وصول نصربن شت فيها إلى بغداد ، وجّه به عبدالله بن طاهر إلى المأمون ، فكان دخوله إليها يوم الاثنين لسبع خلون من صفر، فأنزله مدينة أبى جعفر ووكّلَ به من يحفظه . # [ ذكر الخبر عن ظفر المأمون بابن عائشة ورفقائه ] وفيها ظهر المأمون على إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام ، الذى يقال له ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الأفريقىّ ومالك بن شاهى وفرج البَغوارىّ ومَنْ كان معهم ممّن كان يسعى فى البيعة لإبراهيم بن المهدىّ، وكان الذى أطلعه عليهم وعلى ما كانوا يسعون فيه من ذلك عمران القَطْرَ بُّلىُّ؛ فأرسل إليهم المأمون يوم السبت - فيما ذكر - لخمس خلون من صفر سنة عشر ومائتين؛ فأمر المأمون بإبراهيم بن عائشة أن يقام ثلاثة أيام فى الشمس على باب دار المأمون، ثم ضربه يوم الثلاثاء بالسّاط، ثم حبسه فى المطبَق، ثم ضرب (١) مالك بن شاهى وأصحابه، وكتبوا للمأمون أسماء مَنْ دخل معهم فى هذا الأمر من القوّاد والجند (٢) وسائر الناس، فلم يعرض المأمون لأحد ممن كتبوا له ؛ ولم يأمن أن يكونوا قد قذفوا (٣) أقوامًا بُرآء، وكانوا اتّعدوا أن يقطعوا الجسر إذا خرج الجند يتلقون نصر بن شبث ، فغُمِربهم فأخذوا ، ودخل نصربن شبٹبعد ذلك وحده؛ ولم یوجَّه إلیه أحدٌ من الجند، فأنزلعند إسحاق بن إبراهيم ، ثم حوّل إلى مدينة أبى جعفر. ١٠٧٤/٣ (١) س: ((وضرب)). (٣) س: ((قرفوا قوماً)). (٢) ف: ((ومن الجند)). سنة ٢١٠ ٦٠٣ [ ذكر خبر الظفر بإبراهيم بن المهدىّ ] وفيها أخذ إبراهيم بن المهدىّ ليلة الأحد لثلاث عشرة من ربيع الآخر ، وهو متنقّب مع امرأتين فى زىّ امرأة؛ أخذه حارس أسود ليلا، فقال: مَن أنتنّ ؟ وأين تردْن فى هذا الوقت ؟ فأعطاه إبراهيم- فيما ذكر - خاتم ياقوت كان فى يده، له قدر عظيم؛ ليخلِّهنّ (١)، فلما نظر الحارس إلى الخاتم استراب بهنّ ، وقال: هذا خاتم رجل له شأن ، فرفعهنّ إلى صاحب المسلحة، فأمرهنّ أن يُسفرن ، فتمنّع إبراهيم، فجبذه صاحب المسلحة ، فبدت لحيته ، فرفعه إلى صاحب الجسر فعرفه؛ فذهب به إلى باب المأمون، فأعليم به؛ فأمر بالاحتفاظ به فى الدار ؛ فلما كان غداة الأحد أقعد فى دار المأمون لينظر إليه بنو هاشم والقوّاد والجند، وصيّروا المقنعة التى كان متنقبًا بها فى عنقه، والملحفة التى كان ملتحفاً بها فى صدره ، ليراه الناس ويعلموا كيف أخذ . فلما كان يوم الخميس حوّله المأمون إلى منزل أحمد بن أبى خالد فحبسه عنده ، ثم أخرجه المأمون معه حيث خرج إلى الحسن بن سهل بواسط ، فقال الناس : إن الحسن كلّمه فيه ، فرضىَ عنه وخلى سبيله، وصيره عند أحمد بن أبى خالد ، وصيّر معه أحمد بن (٢) يحيى بن معاذ وخالد بن يزيد بن مزيد يحفظانه؛ إلا أنه موسّع عليه، عنده أمّه وعياله ، ويركب إلى دار المأمون، وهؤلاء معه يحفظونه . ١٠٧٥/٣ * # [ ذكر خبر قتل ابن عائشة ] وفى هذه السنة قتل المأمون إبراهيم بن عائشة وصلبه . * ذكر الخبر عن سبب قتله إياه : كان السبب فى ذلك أن المأمون حبس ابن عائشة ومحمد بن إبراهيم الأفريقى ورجلين من الشُّطّار، يقال لأحدهما أبو مسمار وللآ خر عمّار، وفرج البغوارىّ ومالك بن شاهى وجماعة معهم ممنّ كان سعى فى البيعة لإبراهيم ؛ بعد أن (١) ف: ((ليخليه)). (٢) كذا فى ا، وفى ط: ((ابن يحيى)). ٦٠٤ سنة ٢١٠ ١٠٧٦/٣ ضُربوا بالسياط ما خلا عمّاراً ، فإنه أومن لما كان من إقراره على القوم فى المطبق ، فرفع بعض أهل المطبق أنهم يريدون أن يشغّبوا وينقبُوا السجن - وكانوا قبل ذلك بيوم قد سدّوا باب السجن من داخل فلم يدَعُوا أحداً يدخل عليهم - فلما كان الليل وسمعوا شغْبهم، بلغ المأمونَ خبرُهم، فركب إليهم من ساعته بنفسه ، فدعا بهؤلاء الأربعة فضرب أعناقهم صبراً ، وأسمعه ابن عائشة شتمًا قبيحًا ؛ فلما كانت الغداة صُلبوا على الجسر الأسفل؛ فلما كان من الغداة يوم الأربعاء أنزل إبراهيم بن عائشة، فكُفِّن وصلى عليه، ودفن فى مقابر قريش ، وأنزل ابن الأفريقى فدفن فى مقابر الخيزران وتُرك الباقون . ٠ [ العفو عن إبراهيم بن المهدىّ ] وذكر أن إبراهيم بن المهدىّ لما أخذ صير به إلى دار أبى إسحاق بن الرشيد- وأبو إسحق عند المأمون - فحُمل رديفًا لفرج التركىّ ؛ فلما أدخل على المأمون قال له : هيه يا إبراهيم! فقال: يا أميرَ المؤمنين، ولىّ الثأر محكّم فى القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن تناوله الاغترار بما مُدّ له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه ؛ وقد جعلك اللّه فوق كل ذى ذنب ؛ كما جعل كلَّ ذى ذنب دونك ، فإن تعاقب فبحقِّك، وإن تعفُ فبفضلك ، قال : بل أعفو يا إبراهيم، فكبّر ثمّ خرّ ساجداً. وقيل إن إبراهيم كتب بهذا الكلام إلى المأمون وهو مختفٍ ، فوقع المأمون فى حاشية رقعته: ((القُدرة تذهب الحفيظة، والندم توبة، وبينهما عفو الله، وهو أكبر ما نسأله))، فقال إبراهيم يمدح المأمون (١): يا خيرَ من ذَمَلَت بمانيةٌ به (٢) بعد الرسول لآيسٍ ولطامع (٣) ١٠٧٧/٣ عيناً وأَقْوَله بحقٍ صادعٍ. وأَبرَّ من عَبَدَ الإِله على التّفى فالصَّابُ يُمزَجُ بِالسِّمَامِ الناقع عَسلُ الفوَارعِ ما أُطِعتَ فإِنْ تُهَجْ (١) الأغانى : ١٠ : ١١٧ (٢) ابن الأثير: ((رقلت)). (٣) الأغانى ((أو طامع)) ابن الأثير: ((أو طائع)). سنة ٢١٠ متَيقظاً حَذِرًا وما يخشى العِدَى مُلئت قلوبُ الناسِ منك مخافةً بأبى وأُمِّى فديةً وبنيهمَا(٢). مَا أَلِيَنَ الكَنَفَ الذى بوَّأْتَنِى للصالحات أخاً جُعِلت وللتفى نفسی فداؤك إِذتضلُّ معاذرى أَمَلاً لفضلك والفواضلُ شِيمةٌ فَبَذَلتَ أَفضلَ مايضيقُببذْلِه وعفوتَ عمّن لم يكن عن مثلهِ إلاّ العلوّ عن العقوبة بعدما فرَحِمتَ أَطفالا كاً فراخ القَطَا وَعَطَفْت آصِرَةً علىّ كما وَعَى الله يعلَم ما أَقولُ فإِنَّها ما إِن عصيتك والغُوَاةتَقُودنى(٧) حتى إِذا علِقَت حَبَائلُ شقوتى لم أَدْرِ أَنَّ لمثل جُرمٍِ غَافرًا ردِّ الحياةَ علىَّ بعد ذَهَابِها أَحياك مَنْ وَلَّكْ أَطولَ مُدَّةٍ گمْ منید لك لم تُحدِّثنی بها ٦٠٥ نَبْهانُ مِن وَسَنَاتٍ لِيل الهاجعِ(١) وتَبیتُ تَكلوهم بقلبٍ خاشعٍ من كُلِّمُعضِلةٍ وريْبٍ واقعٍ(٣) وَطناً وأَمَرَعَ رتعَهُ للرائعِ وأَباً رءوفاً للفقيرِ القانعِ وأَلوذُ منك بفضلٍ حلمٍ واسعٍ (٤) رفَعَت بناءَك بالمحلِّ اليافعِ (٥) وُسْعُ النفوسِ من الفَعَالِ البارع عفوّ، ولم يشفع إليك بشافع ظَفرَت يداك بمستكين خاضع وعَوِيلَ عَانِسَةٍ كَقَوْسٍ النازع بعد انهِيَاضِ الوشْىٍ عَظِمُ الظالع(٦) جَهِدُ الأَلَّةِ من حَنيفٍ راكع أسبابها إِلا بِنِيَّةِ طَائع بِرَدِّى إِلى حَفَرِ المهالك هَائعِ (٨) فوقفت أنظر أىّ حتفٍ صارعی وَرَعُ الإِمامِ القَادِرِ المتواضعِ ورمى عَدُوَّكَ فى الوَتِينِ بقاطعِ نفسى إِذَا آلَتْ إِلَىَّ مطامعِى ١٠٧٨/٣ ١٠٧٩/٣ ١٠٨٠/٣ (١) ابن الأثير: ((وسنان)). (٣) ابن الأثير: ((وذنب واقع)) (٥) ابن الأثير: ((للمحل)» (٧) الأغانى: ((تمدنى)) (٢) ابن الأثير: ((وأبيهما)) (٤) ف: ((حكم))، س: ((خاشع)). (٦) لم يرد فى رواية الأغانى. (٨) الأغانى: ((على حفر» ٦٠٦ سنة ٢١٠ فشكرتُمُصطَنعاً لأُكرم صانع. أَسديتَها عفوًا إِلىَّ هنيئةً وهو الكثيرُ لدىَّ غيرُ الضائع إِلاَّ يسيرًا عندما أَولَيتَنِى أهلاً ، وإن تمنع فأَعدَلُ مانعِ إِن أُنت جدت بها علیتکنلها فى صُلبِ آدَمَ للإِمام السابعِ(١) إِنَّ الذى قَسَم الخلافةَ حَازَها وحَوَى ردَاؤُك كلّ خيرٍ جامع جَمَعَ القلوبَ عليك جَامِعُ أُمرِها فذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه القصيدة، قال: أقولما قال يوسف ١٠٨١/٣ لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(٢) ٠ # [ذكر الخبر عن بناء المأمون ببوران ] وفى هذه السنة بنى المأمون ببُورَان بنت الحسن بن سهل فى رمضان منها . * ذكر الخبر عن أمر المأمون فى ذلك وما كان فى أيام بنائه : "ذكر أنّ المأمون لمّا مضى إلى فم الصِّلح إلى معسكر الحسن بن سهل، حمل معه إبراهيم بن المهدىّ ، وشخص المأمون من بغداد حين شخص إلى ما هنالك للبناء ببوران، راكبًا زورقًا، حتى أرْسَى(٣) على باب الحسن، وكان العباس بن المأمون قد تقدّم أباه على الظّهْر، فتلقاه الحسن خارجاً عسكره فى موضع قد اتّخذ له على شاطئ دجلة، بسىَ له فيه جوسق؛ فلما عاينه العبّاس ثنى رجله لينزل ، فحلف عليه الحسن ألاَّ يفعل، فلمّا ساواه ثنى رجله الحسن لينزل ، فقال له العباس: بحقّ أمير المؤمنين لا تنزل؛ فاعتنقه الحسن وهو راكب . ثم أمر أن يقدّم إليه دابته، ودخلا جميعًا منزل الحسن، ووافى المأمون فى وقت العشاء، وذلك فى شهر رمضان من سنة عشرومائتين، فأفطرهو ١٠٨٢/٣ والحسن والعباس - وديناربن عبد الله قائم على رجله - حتى فرغوا من الإفطار، (١) الأغانى: ((قسم الفضائل)). (٣) أرسى د: ((أرفأ)). (٢) سورة يوسف ٩٢. ٦٠٧ سنة ٢١٠ وغسلوا أيديهُم ، فدعا المأمون بشراب ، فأتىَ بجام ذهب فصُبَّ فيه وشرب، ومدّ يده بجام فيه شراب إلى الحسن؛ فتباطأ عنه الحسن؛ لأنه لم يكن يشرب قبل ذلك ؛ فغمز دينار بن عبد الله الحسن، فقال له الحسن : يا أميرَ المؤمنين، أشربه بإذنك وأمرك ؟ فقال له المأمون : لولا أمرى لم أمدد یدی إليك ، فأخذ الجام فشربه. فلما كان فى الليلة الثانية ، جمع بين محمد بن الحسن بن سهل والعباسة بنت الفضل ذى الرئاستين، فلمّا كان فى الليلة الثالثة دخل على بوران، وعندها حمدونة وأمّ جعفر وجدّتها ؛ فلما جلس المأمون معها نثرت عليها جدّتها ألف درّة كانت فى صينية ذهب، فأمر المأمون أن تُجمع، وسألها عن عدد ذلك الدرّ كم هو ؟ فقالت : ألف حبّة، فأمر بعدها فنقصَت عشرًا ، فقال: مَنْ أخذها منكم فليردّها، فقالوا : حُسين زجلة ، فأمره بردّها، فقال : يا أميرَ المؤمنين؛ إنما نُشِر لنأخذه، قال: ردّها فإنى أخلفها عليك ، فردّها . وجمع المأمون ذلك الدرّ فى الآنية كما كان ، فوُضع فى حجْرها ، وقال: هذه نحلتك(١)، وسَلِى حوائجك؛ فأمسكت . فقالت لها جدّتها : كلّمى سيدك، وسليه حوائجك فقد أمرك ، فسألته(٢) الرّضا عن إبراهيم بن المهدىّ ، فقال: قد فعلت ، وسألته الإذن لأمّ جعفر فى الحجّ، فأذن لها . وألبستها أم جعفر البَدَنة الأمويّة ؛ وابتنى بها فى ليلته ، وأوقد فى تلك الليلة شمعة عنبر ؛ فيها أربعونَ منًّاً فى تور (٣) ذهب. فأنكر المأمون ذلك عليهم، وقال: هذا سَرَف؛ فلمّا كان من الغد دعا بإبراهيم بن المهدىّ فجاء يمشى من شاطئ دجلة، عليه مُبطّنةُ ملحم ، وهو معتمّ بعمامة ، حتى دخل؛ فلما رُفع الستر (٤) عن المأمون رمى(٥) بنفسه ، فصاح المأمون: يا عمّ، لا بأس عليك، فدخل فسلم عليه تسليم الخلافة، وقبّل يده ، وأنشد شعره، ودعا بالخلَع فخلع عليه خلعة ثانية ، ودعا له بمركتَب وقلّده سيفًا ، وخرج فسلّم الناس ، ورُدّ إلى موضعه . ١٠٨٣/٣ (١) د، ف: ((لحليك)). (٣) التور فى الأصل: إناء يشرب فيه . (٥) س: ((أرمى بنفسه)). (٢) ف: ((فقالت)). (٤) ف: ((فلما دخل ورفع الستر)). ٦٠٨ سنة ٢١٠ وذُكر أنّ المأمون أقام عند الحسن بن سهل سبعة عشر يومًا يعدّ له فى كلّ يوم لجميع مَنْ معه جميع ما يُحتاج إليه، وأنّ الحسن خلع على القوّاد على مراتبهم ، وحملهم ووصلهم ؛ وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم . قال : وأمر المأمون غسان بن عبّاد عند منصرفه أن يدفع إلى الحسن عشرة آلاف ألف من مال فارس، وأقطعه الصِّلح(١) فحملت إليه على المكان ؛ وكانت معدّة عند غسان بن عباد ، فجلس الحسن ففرّقها فى قُوّاده وأصحابه وحشمه وخدمه ؛ فلمّا انصرف المأمون شيعه الحسن، ثم رجع إلى فم الصلح . فذُكر عن أحمد بن الحسن بن سهل ، قال : كان أهلنا يتحدّثون أنّ ١٠٨٤/٣ الحسن بن سهل كتب رقاعًا فيها أسماء ضياعه، ونثرها على القوّاد وعلى بنى هاشم ؛ فمَنْ وقعت فى يده رقعة منها فيها اسم ضَيْعة بعث فتسلمها . وذكر عن أبى الحسن على بن الحسين بن عبد الأعلى الكاتب، قال : حدثنى الحسن بن سهل يومًا بأشياء كانت فى أم جعفر، ووصف رجاحة عقلها وفهمها ، ثمّ قال: سألها يومًّا المأمون بفم الصَّلح حيث خرج إلينا عن النفقة على بُوران ، وسأل حمدونة بنت غضيض عن مقدار ما أنفقت فى ذلك الأمر . قال : فقالت حمدونة : أنفقتُ خمسة وعشرين ألف ألف ، قال : فقالت أم جعفر: ما صنعت شيئًا، قد أنفقت ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سبعة وثلاثين ألف ألف درهم . قال : وأعددنا له شمعتين من عنبر ، قال : فدخل بها ليلاً ، فأوقدتا بين يديه ؛ فكثر دخانهما ، فقال : ارفعوهما قد أذانا الدّخان ، وهاتوا الشمع. قال: ونحلتْها أمّ جعفر فى ذلك اليوم الصّلح قال : فكان سبب عود الصُّلح إلى مُلكى ، وكانت قبل ذلك لى ، فدخل علىّ يوماً حُميد الطوسىّ فأقرأنى أربعة أبيات امتدح بها ذا الرياستين ، فقلت له : ننفذها لك ذى الرّياستين، وأقطعك الصِّلح فى العاجل إلى أن تأتى مكافأتك (١) الصلح، بالكسر والحاء المهملة: كورة فوق واسط، لها نهر يستمد من دجلة على الجانب الشرق يسمى فى الصلح . بها كانت منازل الحسن بن سهل ، وكانت للحسن هناك منازل وقصور أخى عليها الزمان فلا يعرف لها مكان . ياقوت . ٦٠٩ سنة ٢١٠ ١٠٨٥/٣ من قبله . فأقطعته إياها ، ثم ردَّها المأمون على أمّ جعفر فنحلتْها بُوران. وروى علىّ بن الحسين أنّ الحسن بن سهل كان لا ترفع السُّنور عنه ، ولا يرفع الشَّمع من بين يديه حتى تطلع الشمس ويتبيّنها إذا نظر إليها . وكان متطيّرًا يحبّ أن يقال له إذا دخل عليه : انصرفنا من فرح وسرور، ويكره أن يذكر له جنازة أو موت أحد . قال : ودخلتُ عليه يومًا فقال له قائل : إن علىّ بن الحسين أدخل ابنه الحسن اليوم الكتّاب، قال: فدعا لى وانصرفت، فوجدت فى منزلى عشرين ألف درهم هبةً للحسن وكتابًا بعشرين ألف درهم. قال : وكان قد وهب لى من أرضه بالبصرة ما قوّم بخمسين ألف دينار ، فقبضه عنىّ بُغا الكبير ، وأضافه إلى أرضه . وذكر عن أبى حسان الزيادىّ أنه قال : لما صار المأمون إلى الحسن بن سهل ، أقام عنده أيامًا بعد البناء ببُوران ، وكان مقامه فى مسيره وذهابه ورجوعه أربعين يومًا. ودخل إلى بغداد يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ (١) من شوال . وذكر عن محمدبن موسى الخُوارزمىّ أنه قال : خرج المأمون نحو الحسن ابن سهل إلى فم الصِّلح لثمانِ خلوْن من شهر رمضان ، ورحلَ من فم الصَّلْح لتسع بقين من شوال سنة عشر ومائتين . وهلك حُميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة؛ وقالت جاريته عَذَل : ١٠٨٦/٣ مَنْ كَانَ أَصْبَحِ يومَ الفطرِ مُغْتَبطاً فمَا غَبْطُنا به والله محمودُ . فإِن سَيّدَنا فى الترْبِ ملحودُ أو كان منتظرًا فى الفطر سَيِّدَهُ ٠ وفى هذه السنة افتتح عبد الله بن طاهر مصر؛ واستأمن إليه عبيدالله بن السرىّ بن الحكم . (١) س: ((مضت). تاريخ الطبري - ثامن ٦١٠ سنة ٢١٠ ذكر الخبر عن سبب شخوص عبد الله بن طاهر من الرَّقة إلى مصر وسبب خروج ابن السرىّ إليه فى الأمان ١٠٨٧/٣ "ذكر أن عبد الله بن طاهر لمّا فرغ من نصر بن شبّث العُقَيلىّ، ووجَهه إلى المأمون فوصل إليه ببغداد كتب المأمون يأمره بالمصير إلى مصر ؛ فحدثنى أحمد بن محمد بن مَخْلَد ، أنه كان يومئذ بمصر ، وأن عبد الله بن طاهر لما قَرُب منها، وصارمنها على مرحلة، قدّم قائداً من قوّاده إليها ليرتاد لمعسكره موضعًا يعسكر فيه ، وقد خندق ابن السرىّ عليها خندقًا ، فاتّصل الخبر بابن السرىّ عن مصير القائد إلى ما قرب منها ، فخرج بمن استجاب له من أصحابه إلى القائد الذى كان عبد الله بن طاهر وجّهه لطلب موضع معسكره ؛ فالتفى (١) جيش ابن السرىّ وقائد عبد اللّه وأصحابه وهم فى قلّة ، فجالَ القائد وأصحابه جولةً ، وأبرد القائد إلى عبدالله بريداً يخبره بخبره وخبر ابن السرىّ، فحمل رجاله على البغال؛ على كلّ بغل رجلين بآلتهما وأدواتهما، وجَبُوا(٢) الخيل، وأسرعوا السير حتى لحقوا القائد وابن السرىّ ؛ فلم تكن من عند الله وأصحابه إلاّ حمْلة واحدة حتى انهزم(٣) ابن السرىّ وأصحابه، وتساقطتْ عامّة أصحابه - يعنى ابن السرىّ - فى الخندق ، فمن هلك منهم بسقوط بعضهم على بعض فى الخندق كان أكثر ممّن قتله الجند بالسيف، وانهزم ابن السرىّ ، فدخل الفسطاط، وأغلق على نفسه وأصحابه ومَنْ فيها (٤) الباب ، وحاصره عبدالله بن طاهر؛ فلم يعاوده ابن السرىّالحرب بعد ذلك حتى خرج إليه فى الأمان . وذكر عن ابن ذى القلمين ، قال : بعث ابن السرىّ إلى عبدالله بن طاهر لمّا ورد مصْر ومانعه من دخولها بألف وصيف ووصيفة؛ مع كلّ وصيف ألف دينار فى كيس حرير ، وبعث بهم ليلا . قال: فردّ ذلك عليه عبد الله وكتب إليه: لو قبلت هديّتك نهاراً لقبلتُها ليلا (بل أنتم بهديَّتِكُمْ تَفْرَ حُون. (١) س: ((والتى)). (٣) س: ((فانهزم)) .. (٢) يقال : جنب الفرس ، أى قادها إلى جنبه. (٤) ف: ((فيه)). ٦١١ -سنة ٢١٠ ارْجَعْ إِلَيْهِمْ فَلْنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِيلَ لَهُمْبِهَا وَلَنُخرِجِنَّهُمْ مِنْهَا أَزِلَّةٌ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ (١) قال: فحينئذ طلب الأمان منه، وخرج إليه . ١٠٨٨/٣ وذكر أحمد بن حفص بن عمر، عن أبى السمراء ، قال : خرجنا مع الأمير عبدالله بن طاهر متوجّهين إلى مصر؛ حتى إذا كنّا بين الرَّمْلة ودمشق؛ إذا نحن بأعرابىّ قد اعترض؛ فإذا شيخ فيه بقيّة على بعير له أوْرَق ، فسلّم علينا فرددنا عليه السلام . قال أبو السمراء : وأنا وإسحاق بن إبراهيم الرافقى وإسحاق بن أبى رِبِعِىّ، ونحن نساير الأميرَ، وكنّا يومئذ أفرَه من الأمير دواب ، وأجود منه كُسًاً . قال: فجعل الأعرابىّ ينظر فى وجوهنا، قال : فقلتُ: يا شيخ؛ قد ألخَحْتَ فى النظر، أعرفت شيئًا أم أنكرته ؟ قال: لا والله ما عرفتُكم قبل يومى هذا، ولا أنكرُتكم لسوء أراه فيكم؛ ولكنى رجلٌ حسن الفراسة فى الناس، جيّد المعرفة بهم، قال: فأشرت له إلى إسحاق بن أبى رِبْعِىّ ، فقلت : ما تقول فى هذا ؟ فقال : عليه وتأْدِيبُ العَرَاقِ مُنِيرُ أَرَى كاتِباً دَاهِى الكتابَةِ بِیْنٌ عليمٌ بتقسِيطِ الخَراجِ بِصِيرُ له حرّكاتُ قد يشاهِدْنَ أَنَّه ونظر إلى إسحاق بن إبراهيم الرافقىّ ، فقال : ومُظهِرِ نُسْكِ ما عليه ضميرُهُ يُحِبُّ الهدايا، بالرِّجال مَكورُ تُخبّرُ عنهُ أَنَّه لَوزيرُ إِخالُ بِهِ جُبْناً وبُخْلاً وشيمَةً ١٠٨٩/٣ ثم نظر إلىّ وأنشأ يقول : يكونُ لهُ بالقرْبِ منهُ سرورُ وهذا نديمٌ للأمير ومؤنِسُ فبعْضُ ندِيمِ مرَّةً وسميرُ إِخاله للأشعارِ والعِلم رَاوٍياً(٢) (١) سورة النمل ٣٦، ٣٧. (٢) ابن الأثير: ((وأحسبه الشعر والعلم راوياً)). ٦١٢ سنة ٢١٠ ثم نظر إلى الأمير وأنشأ يقول : فمَا إِن له فيمنْ رَأَيْتُ نظيرُ (١) وهذا الأَميرُ المُرتجَى سَيْبُ كَفِّهِ ووجهُ بإِداركِ النجاحِ بِشِرُ عليه رِدَاءٌ من جمالٍ وهِيْبَةٍ به عاش معرُوفُ وماتَ نكيرُ لقَدْ عُصِمِ الإِسلامُ مِنه بدَابدٍ (٢) لنا وَالدُ بَرَّ بنا، وأَميرُ أَلا إِنما عبدُ الإِلهِ بنُ طاهِر ١٠٩٠/٣ قال : فوقع ذلك من عبدالله أحسَن موقع، وأعجبه ما قال الشيخ ، فأمر له بخمسمائة دينار ، وأمره أن يصحبه . وذكر عن الحسن بن يحيى الفهرىّ، قال: لقينا البُطيْن الشاعر الحمصىّ، ونحن مع عبدالله بن طاهر فيما بين سَلَمْية وحِمْص، فوقف على الطريق، فقال لعبد الله بن طاهر : بابنِ ذِى الجودِطاهِرِ بن الحُسينِ مَرْحَباً مَرَحَباً وأهلاً وسَهْلاً مَرْحباً مَرحباً وأَهلاً وَسَهْلاً مَرْحباً مرحباً بمن كفّهُ الْبَحْـ ما يُبالِ المأمونُ أَيَّدهُ اللـ أَنتَ غَرْبُ وذَاكَ شرقٌ مقيمًا وحقيقٌ إِذ ◌ُنتُما فی قدیم. أَن تنالا ما نلتُماهُ مِن المجـ بابن ذِى الغُرتينِ فى الدَّعوَتینِ ◌ُ إِذا فاضَ مُزُبدَ الرَّجَوَين ه إذا كنْتُما له باقبَيْنِ أَىُّ فَتَقٍ أَنى منَ الجانبَيْنِ لُزُرِيْق ومُصعب وحُسينِ دٍ وَأَن تَعْلُوَا على الثَّقَلَيْنِ ١٠٩١/٣ قال: من أنت ثكلتك أمك! قال: أنا البُطَين الشاعر الحمصىّ، قال: اركب يا غلام وانظر كم بيتاً ؟ قال : قال: سبعة ، فأمر له بسبعة آلاف درهم أو بسبعمائة دينار، ثم لم يزل معه حتى دخلوا مصر والإسكندرية ، حتى انخسف به وبدابته مخرَجٌ ، فمات فيه بالإسكندرية . (١) ابن الأثير: ((فى العالمين نظير)). (٢) ابن الأثير: ((بذى يد)). ٦١٣ سنة ٢١٠ [ ذكرالخبر عن فتح عبد الله بن طاهر الإسكندرية ] وفى هذه السنة فتح عبدالله بن طاهر الإسكندرية - وقيل كان فتحه إياها فى سنة إحدى عشرة ومائتين- وأجلَى مَنْ كان تغلّب عليها من أهل الأندلس عنها . * ذكر الخبر عن أمره وأمرهم : حدّثنى غير واحد من أهل مصر، أنّ مراكبَ أقبلت من بحر الروم من قِبَل الأندلس، فيها جماعة كبيرة أيام شغل الناس قبلهم بفتنة الجَرَوىّ وابن السرىّ، حتى أرسوا مراكبتهم بالإسكندرية، ورئيسهم يومئذ رجل يدعى أبا حفص ؛ فلم يزالوا بها مقيمين حتى قدم عبدالله بن طاهر مصر . قال لى يونس بن عبد الأعلى: قدم علينا منْ قبل المشرق(١) فتى حدث - يعنى عبد الله بن طاهر - والدُّنيا عندنا مفتونة، قد غلب على كلّ ناحية من بلادنا غالب، والناس منهم فى بلاء ؛ فأصلح الدنيا ، وأمَّن البرىء، وأخاف السقيم؛ واستوستمتْ له الرعيّة بالطاعة. ثم قال: أخبرنا عبدالله بن وهب، قال: أخبرنى عبد الله بن لهيعة، قال: لا أدرى رَفعُه إلىّ قَبْلُ أم لا! فلم نجد فيما قرأنا من الكتب أن اللّه بالمشرق جندًا لم يَطغَ عليه أحدٌ من خلقه إلاّ بعثهم عليه، وانتقم بهم (٢) منه - أو كلاماً هذا معناه - فلما دخل عبدالله بن طاهر بن الحسين مصر، أرسل إلى مَنْ كان بها من الأندلسيّين ، وإلى من كان انضوى إليهم، يؤذنهم بالحرب إن(٣) هم لم يدخلوا فى الطاعة، فأخبرونى أنهم أجابوه إلى الطاعة، وسألوه الأمان، على أن يرتحلوا من الإسكندرية إلى بعض أطراف الرّوم التى ليست من بلاد الإسلام، فأعطاهم الأمان على ذلك ، وأنهم رحلوا عنها ، فنزلوا جزيرة من جزائر البحر ؛ يقال لها إقْرِيطش ، فاستوطنوها وأقاموا بها ، وفيها بقايا أولادهم إلى اليوم. ١٠٩٢/٣ (١) ف: ((الشرق)). (٣) ف: ((إذهم)). (٢) ف: ((فانتقم)). ٦١٤ سنة ٢١٠ [ ذكر الخبر عن خروج أهل قمّ على السلطان ] وفى هذه السنة خلع أهل قمّ السلطان ومنعوا الخراج . * ذكر الخبر عن سبب خلعهم السلطان ومآل أمرهم فى ذلك : ذكر أن سبب خلعهم إياه كان أنهم كانوا استكثروا ما عليهم من الخراج، وكان خراجهم ألفيْ ألف درهم، وكان المأمون قد حطّ عن أهل الرّىّ حين دخلها منصرفًا من خراسان (١) إلى العراق، ما قد ذكرت قبلُ، فطمع أهل قُمّ من المأمون فى الفعل بهم فى الحطّ عنهم والتخفيف مثل الذى فعل من ذلك بأهل الرّىّ، فرفعوا إليه يسألونه الحطّ، ويشكون إليه ثقله عليهم؛ فلم يجيبهم المأمون إلى ما سألوه ، فامتنعوا(٢) من أدائه ، فوجّه المأمون إليهم علىّ بن هشام، ثم أمده بعُجَيف بن عنبسة ، وقدم قائد لحمید یقال له محمد بن يوسف الكح بعرض (٣) من خُراسان، فكتب إليه بالمصير إلى قمّ لحرب أهلها مع علىّ بن هشام، فحاربهم علىّ فظفر بهم ، وقتل يحيى بن عمران وهدم سور قمّ، وجباها سبعة آلاف ألف درهم بعد ما كانوا يتظلَّمون من ألفى ألف درهم . ١٠٩٣/٣ ومات فى هذه السنة شهريار، وهو ابن شروين ، وصارفى موضعه ابنه سابور، فنازعه مازیار بن قارن فأسره وقتله ، وصارت الجبال فی یدی مازيار ابن قارن . وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس بن محمد وهو يومئذ والى مكة . (١) س: ((عن خراسان)). (٢) س: ((وامتنعوا)). (٣) كذا فى ا: وفى ط: ((بقوص)). ٦١٥ : ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٠ ٠ ٠ [ أمر عبيد الله بن السرىّ ] فمن ذلك خروج عبيد الله بن السرىّ إلى عبدالله بن طاهر بالأمان، ودخول عبد الله بن طاهر مصر - وقيل إن ذلك فى سنة عشر ومائتين - وذكر بعضهم أن ابن السرىّ خرج إلى عبد الله بن طاهر يوم السبت الخمس بقين من صفر سنة إحدى عشرة ومائتين ، وأدخل بغداد لسبع بقين من رجب سنة إحدى عشرة ومائتين ، وأنزل مدينة أبى جعفر ، وأقام عبدالله بن طاهر بمصر واليًا عليها وعلى سائر الشأم والجزيرة ؛ فذُكرعن طاهربن خالد ابن نزار الغسانى ، قال : كتب المأمون إلى عبد اللّه بن طاهر وهو بمصر حين فتحها فى أسفل كتاب له : ١٠٩٤/٣ وَمَنْ أَشكُرُ نُعمَاهُ أخى أَنت ومولای الدَّهْرَ أَهْوَاهُ فإِنِّى فما أَحَبَبْتَ من أمرٍ فإِنّى لستُ أَرْضَاهُ وما تكرَهُ مِنْ شَىْءٍ لَكَ اللهُ لَكَ اللهُ لك الله على ذاكَ / و ◌ُذُكر عن عطاء صاحب مظالم عبدالله بن طاهر ، قال : قال رجل من إخوة المأمون للمأمون: يا أميرَ المؤمنين ، إن عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبى طالب، وكذا كان أبوه قبله . قال : فدفع المأمون ذلك وأنكره ، ثم عاد بمثل هذا القول ، فدسّ إليه رجلا ثم قال له: امض فى هيئة القرّاء والنسّاك إلى مصر ، فادع جماعةً من كبرائها إلى القاسم بن إبراهيم بن طباطبا ، واذكر مناقبه وعلمه وفضائله ، ثم صِرْ بعد ذلك إلى بعض بطانة عبدالله بن طاهر، ثم اثته فادْعُه ورغّبه فى استجابته له ، وابحث عن دفين نيّته بحثًا شافياً ، واثنى بما تسمع(١) منه. قال: ففعل الرجل ما قال (٢) له ، وأمره به ؛ حتى إذا (١) ف: ((تسمعه)). (٢) فى: ((قاله)). ٦١٦ سنة ٢١١ دعا جماعة من الرؤساء والأعلام ، قعد يومًا بباب عبد الله بن طاهر ، وقد ركب إلى عبيدالله بن السرىّ بعد صلحه وأمانه، فلما انصرف قام إليه الرجل، فأخرج من كمِّه رقعةً فدفعها إليه(١)، فأخذها بيده؛ فماهو إلا أن دخل فخرج الحاجب إليه ، فأدخله عليه وهو قاعد على بساطه ؛ ما بينه وبين الأرض غيره، وقد مدّ رجليه ، وخُفَّاه فيهما، فقال له : قد فهمت ما فى رقعتك من جملة كلامك، فهات ما عندك ، قال: ولى أمانُك وذمّة اللّه معك(٢)؟ قال: لك ذلك، قال : فأظهر له ما أراد، ودعاه إلى القاسم، وأخبره بفضائله وعلمه وزهده، فقال له عبداللّه: أتُنصِفِى؟ قال : نعم، قال : هل يجب شكر الله على العباد؟ قال : نعم ، قال : فهل يجب شكر بعضهم لبعض عند الإحسان والمنّة والتفضّل ؟ قال : نعم ، قال : فتجىء إلىّ وأنا فى هذه الحالة التى ترى ، لى خاتمٌ فى المشرق جائز وفى المغرب كذلك؛ وفيما بينهما أمرى مطاع، وقولى مقبول، ثم ما التفتّ يمينى ولا شمالى وورانى وقدّامى إلاّ رأيت نعمة لرجل أنعمها علىّ، ومنّة ختم بها رقبتى، ويداً لائحة بيضاء ابتدأنى بها تفضّلا وكرمًا ، فتدعونى إلى الكفر بهذه النعمة وهذا الإحسان ، وتقول : اغدر بمن كان أولا لهذا وآخراً ، واسْع فى إزالة خيْط عنقه وسفك دمه! تراك لو دعوتنى إلى الجنة عياناً من حيث أعلم ؛ أكان الله يحبّ أن أغدر به ، وأكفر إحسانه ومنّته ، وأنكث بيعَتّه! فسكت الرجل ، فقال له عبدالله: أما إنه قد بلغنى أمرُك، وتاللّه ما أخاف عليك إلاّ نفْسَك؛ فارحل عن هذا البلد؛ فإنّ السلطان الأعظم إن بلغه أمرُك وما آمنُ ذلك عليك - كنت الجانى على نفسك ونفس غيرك. فلمّا أيسَ الرجل مما عنده جاء إلى المأمون ، فأخبره الخبر ، فاستبشر وقال: ذلك غرس يدى، وإلْف أدبى، وترْب تلقيحى، ولم يُظهر من ذلك لأحد شيئًا، ولا علم به عبد الله إلا بعد موت المأمون . ١٠٩٥/٣ ١٠٩٦/٣ وذُكر عن عبد الله بن طاهر أنه قال وهو محاصِير بمصر عبيد اللّه بن السرىّ : (١) ف: ((عبد الله بن طاهر)). (٢) س: (لك)). ٦١٧ سنة ٢١١ بِكَرَتْ تُسْبِلُ دَمْعاً أَنْ رَأَت وشْكَ بَراحِى صقِيلاً وتَبَدَّلتُ پوِشَاحِی عنيًّا بسَيْرٍ وتمادَیْتُ وَرَواحِ لِغُدُوِّ تَعِبُ غِيْرُ مُراحٍ زعمَتْ جَهلا بأَنَّى عنِّى فإِنِّى أُقصِرِی سالكُ قَصْدَ فلاحِى مِنْهُ فى ظلِّ جَنَاحِ أَنا للمأمونِ عبدٌ فَقَريب مُسْتَرَاحِى إِن يُعافِ اللهُ يوماً وصِياحٍ : بِعَويلٍ. أَوْ يكنْ هُلكٌ فَقُولِ وَدَعِى عنكِ النَّلاحِى حلَّ فى مصرَ قَتيلٌ وذُكرعن عبد الله بن أحمد بن يوسف أنّ أباه كتب إلى عبد الله بن طاهر عند خروج عبيد الله بن السرىّ إليه يهنئه بذلك الفتح : ١٠٩٧/٣ بلغنى أعزّ اللّه الأمير ما فتح الله عليك، وخروجُ ابن السرىّ إليك ؛ فالحمد لله الناصر لدينه ، المعزّ لدولة خليفته على عباده ، الذلّ لمن عند عنه وعن حقه، ورغب عن طاعته . ونسأل الله أن يظاهر له النِّعم، ويفتحله بلدان الشِّرْك، والحمد لله على ما وليك به مذ ظعنتَ لوجهك؛ فإنّا ومَنْ قبلَنا نتذاكر سيرتَك فى حرْبك وسلمك ، ونكثر التعجّب لما وُفِّقْت له من الشدّة والليان فى مواضعهما، ولا نعلم سائس جندٍ ورعيّة عدل بينهم عدلتَكَ، ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه وأضغنه عفوك؛ ولَقَلّ ما رأينا ابن شَرف لم يُلقِ بيده متكلا على ما قدّمَتْ له أبوّته، ومَنْ أوتىَ حظًّا وكفاية وسلطانًاً وولاية لم يخلد إلى ما عفا حتى يخلّ بمساماة ما أمامه . ثم لا نعلم سائسًا استحقّ النُّجح لحسن السيرة وكفّ معرّة الأتباع استحقاقَك. وما يستجيز أحد ممن قبلنا أن يقدّم عليك أحداً يهوى عند الحاقة (١) والنازلة المعضلة(٢) (١) س: ((المحافة))، ف: ((الحاجة)). (٢) ف: ((والمعضلة)). ٦١٨ سنة ٢١١ فليهنك منّة اللّه ومزيده، ويسوّغك(١) اللّه هذه النعمة التى حواها لك بالمحافظة على ما به تمّت لك ؛ من التَّمسك بحبل إمامك ومولاك ومولى جميع المسلمين، وملاّ ك وإيانا العيش ببقائه . وأنت (٢) تعلم أنك لم تزل عندنا وعند من قبلنا مكرّمًا مقدّمًا معظماً؛ وقد ١٠٩٨/٣ زادك الله فى أعين الخاصّة والعامة جلالة وبحالة، فأصبحوا يرجونك لأنفسهم ، ويُعدّونك لأحداثهم ونوائبهم ؛ وأرجو أن يوفّقك اللّه لمحابِّه كما وفق لك صنعه وتوفيقه ؛ فقد أحسنت جوار النعمة فلم تطغك ، ولم تزدد إلا تذلُّلاً وتواضعاً؛ فالحمد لله على ما أنالك وأبلاك، وأودع فيك . والسلام. ٠٠٠ وفى هذه السنة قدم عبد الله بن طاهر بن الحسين مدينة السلام من المغرب، فتلقّاه العباس بن المأمون وأبو إسحاق المعتصم وسائر الناس، وقدم معه بالمتغلّبين على الشأم كابن السرّج وابن أبى الجَمَل وابن أبى الصفر . ومات موسى بن حفص، فولى محمد بن موسى طبرستان مكان أبيه . وولى حاجب بن صالح الهند فهزمه بشْر بن داود ، فانحاز إلى كرمان. وفيها أمر المأمون مناديًا فنادى (٣) : برئت الذمّة ممّن ذكر معاوية بخير ، أو فضّله على أحد من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة صالح بن العباس وهو والى مكة . وفيها مات أبو العتاهية الشاعر . (١) س: ((وسوغك)). (٣) ف: ((ينادى)). (٢) ص: ((وإنك)). ٦١٩ ثم دخلت سنة اثنتى عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ١٠٩٩/٣ فمن ذلك ما كان من توجيه المأمون محمد بن حميد الطوسىّ إلى بابك لمحاربته (١) على طريق الموصل وتقويته إياه، فأخذ محمد بن حُميد يعلَى بنّ مرّة ونظراءه من المتغلبة بأذْ رَبيجان ، فبعث بهم إلى المأمون . وفيها خلع أحمد بن محمد العمرىّ المعروف بالأحمر العين باليمن . وفيها ولّى المأمون محمد بن عبد الحميد المعروف بأبى الرازى اليمن . وفيها أظهر المأمون القولَ بخلق القرآن وتفضيل علىّ بن أبى طالب عليه السلام ، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وذلك فى شهر ربيع الأول منها . وحج بالنّاس فى هذه السنة عبدالله بن عبيد الله بن العباس بن محمد . (١) س: ((ومحاربته)). '۔۔ ٦٢٠ ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من خلْع عبد السلام وابن جليس بمصر فى القيسية واليمانيّة و وثوبهما بها . وفيها مات طلحة بن طاهر بخُراسان . ١١٠٠/٣ وفيها ولّى المأمون أخاه أبا إسحاق الشأم ومصر، وولّى ابنه العباس بن المأمون الجزيرة والثغور والعواصم، وأمر لكل واحد منهما ومن عبدالله(١) بن طاهر بخمسمائة ألف دينار . وقيل : إنه لم يفرّق فى يوم من المال مثل ذلك . * [ ذكر الخبر عن ولاية غسان بن عباد السند ] وفيها ولی غسان بن عباد السند . * ذكر الخبر عن سبب توليته إياه السند : وكان السبب فى ذلك - فيما بلغنى - أن بشر بن داود بن يزيد خالف المأمون ، وَجَبى الخراج فلم يحمل إلى المأمون شيئًا منه؛ فذُ كرأن المأمون قال يومًا لأصحابه : أخبرونى (٢) عن غسان بن عباد؛ فإنى أريده لأمر جسيم - وكان قد عزم على أن يولَّه السند لما كان من أمر بشربن داود - فتكلم مَنْ حضر، وأطنبوا(٣) فى مدحه ، فنظر المأمون إلى أحمد بن يوسف وهوساکت، فقال له : ما تقول يا أحمد ؟ قال : يا أميرَ المؤمنين ذاك (٤) رجل محاسنه أكثر من مساويه ؛ لا تصرف به إلى طَبّقة إلا انتصف منهم ؛ فمهما تخوّفت (١) س وابن الأثير: ((ولعبد اللّه)). (٣) فى: ((فأطنبوا)). (٢) ف: ((خبر ونى)) . (٤) س وابن الأثير: ((ذلك)).