Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ سنة ٢٠٠ ذكر الخبر عن أمر إبراهيم والعقيلىّ الذى ذكرنا أمره ذ کر أن أبا إسحاقبنهارون الرشيدحج بالناس فیسنة مائتين، فسارحتى دخل مكة ، ومعه قواد کثیر ، فیهم حمدویه بنعلى بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على الیمن، ودخلوا مكة، وبها الجلودی فی جنده وقواده، ووجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العاوىّ من اليمن راجلاً من ولد عقيل بن أبى طالب ، وأمره أن يحجّ بالناس ، فلما صار العقيلىّ إلى بستان ابن عامر، بلغه أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد قد ولى الموسم، وأن معه من القواد والجنود مالا قبل لأحد به ، فأقام بيستان ابن عامر ، فمرّت به قافلة من الحاجّ والتجار، فيها كسوة الكعبة وطيبها، فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها ، وقدم الحاجّ والتجار مكة عراة مستبين ، فبلغ ذلك أبا إسحاق بن الرشيد وهو نازل بمكة فى دار القوارير ، فجمع إليه القوّاد فشاورهم ، فقال له الجلودىّ- وذلك قبل التروية بيومين أو ثلاثة: أصلح الله الأمير! أنا أکفیکھم، أخرج إليهم فى خمسين من نخبة أصحابى، وخمسين أنتخبهم من سائر القوّاد. فأجابوه إلى ذلك، فخرج الجلودىّ فى مائة حتى صبّح العقيلى وأصحابه بيستان ابن عامر، فأحدق بهم، فأسر أكثرهم وهرب من هربمنهم يسعى على قدميه ، فأخذ كسوة الكعبة إلاّ شيئًا کان هرب به من هرب قبل ذلك بيوم واحد ، وأخذ الطيب وأموال التجار والحاجّ، فوجه به إلى مكة ، ودعا بمَنْ أسير من أصحاب العقيلىّ، فأمر بهم فقُنَّع كلّ رجل منهم عشرة أسواط ، ثم قال : اعزبوا يا كلاب النار؛ فوالله ما قتلكم وعير، ولا فى أسركم جمال . وخلّی سبيلَهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون فى الطريق حتى هلك أكثرهم جوعًا وعريًا. ٩٩٦/٣ وخالف ابن أبى سعيد على الحسن بن سهل، فبعث المأمون بسراج الخادم ، وقال له : إن وضع علىّ يده فى يد الحسن أو شخص إلىّ بمرْو وإلا فاضرب عنقه . فشخص إلى المأمون مع هَرْئمة بن أعين . وفى هذه السنة شخص هرئمة فى شهر ربيع الأول منها من معسكره إلى المأمون بمرو . ٥٤٢ سنة ٢٠٠ ذكر الخبر عن شخوص هرثمة إلى المأمون وما آل إليه أمره فى مسيره ذلك ٩٩٧/٣ ◌ُذكر أنّ هرئمة لما فرغ من أمر أبى السرايا ومحمد بن محمد العلوىّ، ودخل الكوفة ، أقام فى معسكره إلى شهر ربيع الأول ؛ فلما أهلّ الشهر خرج حتى أتى نهر صَرْصر ، والناس يرون أنه يأتى الحسن بن سهل بالمدائن ؛ فلما بلغ نهر صرصر خرج على عقْرَقُوف ، ثم خرج حتى أتى البرَدَان ، ثمّ أتى الشَّهرَوَان، ثم خرج حتى أتى إلى خُراسان؛ وقد أتته كتب المأمون فى غير منزل، أن يرجع فيَلِىَ الشأم أو الحجاز ، فأبى وقال : لا أرجع حتى ألقى أمير المؤمنين ؛ إدلالاً منه علیه ؛ لما كان يعرف من نصيحته له ولآبائه ، وأراد أن يعرّف المأمون ما يدبّر عليه الفضل بن سهل ، وما يكتم عنه من الأخبار ، وألاّ يد عه حتى يردّه إلى بغداد، دار خلافة آبائه وملكهم ليتوسط سلطانه، ويُشرف على أطرافه . فعلم الفضل ما يريد ، فقال للمأمون: إنّ هرثمة قد أنْغَل عليك البلاد والعباد (١)، وظاهَر عليك عدوّك، وعادى وليّك ، ودسّ أبا السرايا ، وهو جندىّ من جنده حتى عمل ما عمل ، ولو شاء هرئمة ألاّ يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله . وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدّة كتب؛ أن يرجع فيَلىّ الشأم أو الحجاز فأبى، وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصيا مشاقًّا، يُظهر القوْل الغليظ، ويتواعد بالأمر الجليل ، وإن أطلق هذا(٢) كان مفسدة لغيره . فأشرب (٣) قلب أمير المؤمنين عليه . وأبطأ هرئمة فى المسير فلم يصل إلى خُراسان حتى كان ذو القعدة ؛ فلما بلغ مَرْو خشى أن يكتم المأمون قدومه ، فضرب بالطبول (٤) لكى يسمعها المأمون ، فسمعها فقال: ما هذا؟ قالوا: هرثمة قد أقبل يُرعد ويبرِق ، وظنّ مرثمةُ أنّ قوله المقبول . فأمر بإدخاله ، فلما أدخل - وقد أشرب قلبه ما ٩٩٨/٣ (١) أنغل عليك البلاد: أفسدها. وفى ابن الأثير: ((أثقل)). (٢) كذا فى ابن الأثير، وفى ط: ((وهذا)) (٣) ابن الأثير: ((فتغير)). (٤) ابن الأثير: ((فأمر بضرب الطبول)). ٥٤٣ سنة ٢٠٠ أشرب- قال له المأمون: مالأتَ أهل الكوفة والعلويّين وداهنت ودَسست إلى أبى السرايا حتى خرج وعمل ما عمل ؛ وكان رجلا من أصحابك ؛ ولو أردت أن تأخذهم جميعًا لفعلت ؛ ولكنَّك أرخيت خناقهم، وأجررت لهم رَسنهم . فذهب هرثمةُ ليتكلم ويعتذر ، ويدفع عن نفسه ما قُرِفٍ به فلم يُقْبَلَ ذلك منه، وأمرَ به فوجئ على أنفه (١) ، وديس بطنه ، وسُحب من بين يديه . وقد تقدّم الفضل بن سهل إلى الأعوان بالغلظِ عليه والتّشديد حتى حبس ، فمكث فى الحبس أيامًا ، ثم دسوا إليه فقتلوه وقالوا له : إنه مات . * # [ ذكر الخبر عن وثوب الحربية ببغداد ] وفى هذه السنة هاج الشَّغْب ببغداد بين الحربيّة والحسن بن سهل . * ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان : *ذكر أنّ الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هَرُئمة إلى خُراسان، ولم يزل مقيماً بها إلى أن اتصل بأهل بغداد والحربية ما صُنع به ، فبعث الحسن ابن سهل إلى علىّ بن هشام - وهو والى بغداد ، من قبله : أن أمطل الجندَ من الحربيَّة والبغداديين أرزاقَهم ، ومنِّهم ولا تُعطهم . وقد كان الحسن قبل ذلك اتَّعدَهم أن يعطيَهم أرزاقهم، وكانت الحربيّة حين خرج هرئمة إلى خُراسان وثبوا وقالوا : لا نرضى حتى نطرد الحسن بن سهل عن بغداد ؛ وكان من عمّاله بها محمد بن أبى خالد وأسد بن أبى الأسد ، فوثبت الحربية عليهم فطردوهم، وصيّروا إسحاق بن موسى بن المهدىّ خليفة للمأمون ببغداد؛ فاجتمع أهل الجانبين على ذلك، ورضُوا به ، فدسّ الحسنُ إليهم، وكاتب قوّادهم حتى وثبوا من جانب عسكر المهدىّ ، وجعل يعطى الجندَ أرزاقهم لستة أشهر عطاء نزْراً ؛ فحوّل الحربية إسحاق إليهم ، وأنزلوه على دُجيل . ٩٩٩/٣ وجاء زهير بن المسيّب فنزل فى عسكر المهدىّ ، وبعث الحسن بن سهل علىّ بن هشام، فجاء من الجانب الآخر؛ حتى نزل نهر صَرْصر، ثم جاء هو (١) ابن الأثير: ((وضرب أنفه)). ٥٤٤ سنة ٢٠٠ ومحمد بن أبى خالد وقوّادهم ليلا ؛ حتى دخلوا بغداد، فنزل علىّ بن هشام دارَ العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخُزاعىّ على باب المحوّل لثمانِ خلوْن من شعبان ؛ وقبل ذلك ما كان الحربية حين بلغهم أنّ أهل الكرخ يريدون أن يُدخلوا زهيراً وعلى بن هشام، شدّوا على باب الكرخ فأحرقوه ، وأنهبوا من حدّ قصر الوضّاح إلى داخل باب الكرْخ إلى أصحاب القراطيس ليلةَ الثلاثاء، ودخل علىّ بن هشام صبيحةَ تلك الليلة، فقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصّراة العتيقة والجديدة والأرحاء . ثم إنه وعد الحربيّة أن يعطيتهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلّة ، فسألوه أن يعجّل لهم خمسين درهمًا لكل رجل لينفقوها فى شهر رمضان ، فأجابهم إلى ذلك ، وجعل یعطی، فلم يُمّ لهم إعطاءهم؛ حتى خرج زید بن موسى بن جعفر بن محمد بن علىّ بن حسين بن على بن أبى طالب، الخارج بالبَصْرة المعروف بزيد النار ؛ كان أفلت من الحبْس عند علىّ بن أبى سعيد ، فخرج فى ناحية الأنبار ومعه أخو أبى السرايا فى ذى القعدة سنة مائتين ، فبعثوا إليه، فأخذ، فأتى به على بن هشام، فلم يلبث إلاّ جمعة حتى هرب من الحربية، فنزل نهر صرصر ، وذلك أنه كان يكذ بهم ، ولم يفٍ لهم بإعطاء الخمسين ؛ إلى أن جاء الأضحى؛ وبلغهم خبرُ هرثمة وما صُنع به ، فشدّوا على على فطردوه . ١٠٠٠/٣ وكان المتولى ذلك والقائم بأمر الحرْب محمد بن أبى خالد ؛ وذلك أن علىّ ابن هشام لما دخل بغداد كان يُستخفّ به ، فوقع بين محمد بن أبى خالد وبين زهير بن المسيّب إلى أن قنّعه زهير بالسوط. فغضب محمد من ذلك ، وتحوّل إلى الحربية فى ذى القعدة ، ونصب لهم الحرْب ، واجتمع إليه الناس فلم يقْو بهم على بن هشام حتى أخرجوه من بغداد ؛ ثم اتبعه حتى هزمهم من نهر صرصر . # وفى هذه السنة وجّه المأمون رجاء بن أبى الضّحاك وفرناس الخادم لإشخاص علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن جعفر . ٥٤٥ سنة ٢٠٠ وأَخْصِىَ فى هذه السنة ولد العباس؛ فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكر وأنثى . وفى هذه السنة قتلت الروم ملكها ليون (١)، فكان قد ملك عليهم سبع سنين وستة أشهر ، وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجس (٢) ثانية. ١٠٠١/٣ وفيها قَتَّل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل ؛ وذلك أن یحی أغلظ له ، فقال له : يا أمير الكافرين ؛ فقتل بين يديه . وأقام للناس الحجّ فى هذه السنة أبو إسحاق بن الرّشيد. (١) ابن الأثير: ((اليون)). (٢) ابن الأثير: ((جورجيش)). تاریخ الطبرى - ثامن ٥٤٦ تم دخلت سنة إحدی ومائتین ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث # [ ولاية منصور بن المهدىّ ببغداد ] فمما كان فيها من ذلك مراوَدة أهل بغداد منصور بن المهدىّ على الخلافة وامتناعه عليهم؛ فلما امتنع من ذلك راودوه على الإمْرة عليهم، على أن يدعوَ للمأمون بالخلافة ؛ فأجابهم إلى ذلك . • ذكر الخير عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه : قد ذكرنا قبل ذلك سبب إخراج أهل بغداد علىّ بن هشام من بغداد . ويُذكر عن الحسن بن سهل أنّ الخبر عن إخراج أهل بغداد علىّ بن هشام من بغداد لما اتّصل به وهو بالمدائن، انهزم حتى صار إلى واسط ؛ وذلك فى أوّل سنة إحدى ومائتين. وقد قيل إن سبب إخراج أهل بغداد علىّ بن هشام من بغداد ، كان أنّ الحسن بن سهل وجّه محمدبن خالد المروروزىّ بعد ما قُتل أبو السرايا، أفسده (١) وولّى علىّ بن هشام الجانب الغربيّ من بغداد وزهير بن المسيّب يلى الجانب الشرقىّ، وأقام هو بالخيزرانيّة، وضرب الحسنُ عبد الله بن على بن عيسى ابن ماهان حدًّا بالسياط، فغضب الأبناء، فشغب الناس ، فهرب إلى برْبَخا ثم إلى باستَلاَمَا، وأمر بالأرزاق لأهل عسكر المهدىّ، ومنع أهل الغربىّ، واقتتل أهل الجانبين، ففرّق محمد بن أبى خالد على الحربيّة مالاً، فهُزم علىّ ابن هشام ، فانهزم الحسن بن سهل بانهزام علىّ بن هشام ، فلحق بواسط ، فتبعه محمد بن أبى خالد بن الهندوان مخالفاً له ؛ وقد تولّى القيام بأمر الناس ، وولى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربىّ ونصر بن حمزة بن مالك الشرقىّ ، وكنفه ببغداد منصور بن المهدىّ وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع . ١٠٠٢/٣ (١) كذا وردت العبارة فى أصول ط ، وفيها غموض. ٥٤٧ سنة ٢٠١ وقد قيل إنّ عيسى بن محمد بن أبى خالد قدم فى هذه السنة من الرّقّة، وكان عند طاهر بن الحسين ، فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن ، فمضيا حتى انتهيا ومَنْ معهما من الحربيّة وأهل بغداد إلى قرية أبى قريش قرب واسط ، وكان كلما أتيا موضعاً فيه عسكر من عساكر الحسن فيكون بينهما فيه وقعة، تكون الهزيمة فيه على أصحاب الحسن . ولما انتهى محمد بن خالد إلى دير العاقول ، أقام به ثلاثًا، وزهير بن المسيّب حينئذ مقيم بإسكاف بنى الجُنيد، وهو عامل الحسن على جوخَى مقيم فى عمله ؛ فكان يكاتب قوّاد أهل بغداد . فبعث ابنه الأزهر ، فمضى حتى انتھی إلی نهر النهر وان، فلقی محمد بن أبىخالد، فرکب إليه، فأتاه بإسكاف، فأحاط به فأعطاه الأمان ، وأخذه أسيراً ، فجاء به إلى عسكره بدير العاقول ، وأخذ أمواله ومتاعه وكلّ قليل وكثير وجد له . ثم تقدّم محمد بن أبى خالد ، فلما صار إلى واسط بعث به إلى بغداد ، فحبسه عند ابن له مكفوف، يقال له جعفر؛ فكان الحسن مقيماً بجر جرايا، فلما بلغه خبر زهير ، وأنه قد صارفى يد محمد بن أبى خالد ارتحل حتى دخل واسط ، فنزل بفم الصِّلح ، ووجه محمّد من دير العاقول ابنَه هارون إلى النيل وبها سعيد بن الساجور الكوفىّ ، فهزمه هارون، ثم تبعه حتى دخل الكوفة، فأخذها هارون، وولى عليها . وقدم عيسى ابن يزيد الجلودىّ من مكّة؛ ومعه محمد بن جعفر، فخرجوا جميعاً حتى أتوا واسط فى طريق البرّ ، ثم رجع هارون إلى أبيه ، فاجتمعوا جميعًا فى قرية أبى قريش ليدخلوا واسط، وبها الحسن بن سهل، فتقدّم الحسن بن سهل ، فنزل خلف واسط فى أطرافها . ١٠٠٣/٣ وكان الفضل بن الربيع مختفيًا من حين قتل المخلوع ، فلما رأى أن محمد ابن أبى خالد قد بلغ واسطَ بعث إليه يطلب الأمان منه ، فأعطاه إياه وظهر. ثم تعبّأ محمد بن أبى خالد للقتال ، فتقدّم هو وابنه عيسى وأصحابهما ، حتى صاروا على ميلين من واسط ، فوجّه إليهم الحسن أصحابَه وقوّاده، فاقتتلوا قتالا شديداً عند أبيات واسط . فلما كان بعد العصر هبّت ريح شديدة وغُبْرة حتى اختلط القوم بعضهم ببعض ؛ وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن ٥٤٨ سنة ٢٠١ أبى خالد ، فثبت للقوم فأصابتْه جراحات شديدة فى جسده ، فانهزم هو وأصحابه هزيمةً شديدة قبيحة، فهزم أصحابه الحسن؛ وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين. ١٠٠٤/٣ فلما بلغ محمد فم الصِّلْحِ خرج عليهم أصحابُ الحسن (١) فصافّهم للقتال ، فلما جنّهم الليل، ارتحل هو وأصحابه حتى نزلوا المبارك ؛ فأقاموا به؛ فلمّا أصبحوا غدًا عايهم أصحابُ الحسن فصافوّهم، واقتتلوا. فلما جنهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جَبُّل، فأقاموا بها، ووجه ابنههارون إلى النيل، فأقام بها، وأقاممحمد محر جرايا، فلما اشتدّتبه الجراحات خلّف قوّاده فى عسكره، وحمله ابنه أبو زنبيل حتى أدخله بغداد ليلة الاثنين لستّ خلوْن من شهر ربيع الآخر ، فدخل أبو زنبيل ليلة الاثنين ، ومات محمد بن أبى خالد من لياته من تلك الجراحات ، ودفن من ليلته فى داره سرًّا . وكان زهير بن المسيّب محبوسًا عند جعفر بن محمد بن أبى خالد ، فلما قدم أبو زنبيل أتى خزيمة بن خازم يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر ، فأعلمه أمر أبيه، فبعث خزيمة إلى بنى هاشم والقوّاد وأعلمهم ذلك ، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد بن أبى خالد ، وأنه يكفيهم الحرب . فرضوا بذلك ، فصار عيسى مكان أبيه على الحرْب ، وانصرف أبو زنبيل من عند خُزيمة حتى أتى زهير بن المسيّب، فأخرجه من حَبْسَه ، فضرب عنقه . ويقال : إنه ذبحه ذبحًا وأخذ رأسه ، فبعث به إلى عيسى فى عسكره ، فنصبه على رمح وأخذوا جسده ، فشدّوا فى رجليه حبلاً ، ثم طافوا به فى بغداد ، ومرُوا به على دوره ودور أهل بيته عند باب الكوفة ، ثم طافوا به فى الكرْخ ، ثم ردُّوه إلى باب الشأم بالعشىّ؛ فلما جنّهم الليل طرحوه فى دجلة ، وذلك يوم الاثنين الثمان خلوْن من شهر ربيع الآخر . ١٠٠٥/٣ ثم رجع أبو زنبيل حتى انتهى إلى عيسى فوجّهه عيسى إلى فم الصّراة . وبلغ الحسن بن سهل موت محمد بن أبى خالد ، فخرج من واسط حتى (١) ابن الأثير: ((وأتاهٍ الحسن)). ٥٤٩ سنة ٢٠١ انتهى إلى المُبارك، فأقام بها. فلما كان جمادى الآخرة وجّه حميد بن عبدالحميد الطوسىّ ومعه عركو الأعرابيّ وسعيدبن الساجور وأبو البطّ ومحمد بن إبراهيم الإفريقىّ، وعدّة سواهم من القوّاد، فلقوا أبا زنبيل بفم الصَّراة فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنّيل ، فالتقوا عند بيوت النيل ، فاقتتلوا ساعة ، فوقعت الهزيمة على أصحاب هارون، وأبى زنبيل ، فخرجوا هاربين حتى أتوا المدائن ؛ وذلك يوم الاثنين لخمس بقين من جمادى الآخرة . ودخل حميد وأصحابه النّيل فانتهبوها ثلاثة أيام؛ فانتهبوا أموالهم وأمتعتهم، وانتهبوا ما كان حوْلهم من القرى؛ وقد كان بنوهاشم والقوّاد حينمات محمد بن أبى خالد تكلّموا فى ذلك ؛ وقالوا : نصير بعضنا خليفة ونخلع المأمون ، فکانوا یتراضون فىذلك؛ إذ بلغهم خبر هارون وأبی زنبیل وهز يمتهم، فجدُوا فيما كانوا فيه ، وأرادوا منصور بن المهدىّ على الخلافة ؛ فأبى ذلك عليهم ، فلم يزالوا به حتى صيروه أميراً خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسىّ ابن المجوسيّ الحسن بن سهل، ونطرده حتى يرجع إلى خراسان. وقد قيل : إنّ عیسی بن محمد بن أبى خالد لما اجتمع إليه أهل بغداد ، وساعدوه على حرب الحسن بن سهل ، رأى(١) الحسن أنه لا طاقة له بعيسى ، فبعث إليه وهب بن سعيد الكاتب ، وبذل له المصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد وولاية أىّ النواحى أحبّ ، فطلب كتاب المأمون بذلك بخطِّه ، فردّ الحسن بن سهل وهبًا بإجابته ، فغرق وهب بين المُبارك وجَبُّل ؛ فكتب عيسى إلى أهل بغداد: إنى مشغول بالحرب عن جباية الخراج ، فولّوا رجلا من بنى هاشم ، فولوْا منصور بن المهدىّ ، وعسكر منصور بن المهدىّ بكلْواذى ، وأرادوه على الخلافة فأبى ، وقال : أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم أو يولّى مَنْ أحبّ، فرضى بذلك بنو هاشم والقوّاد والجند؛ وكان القيّم بهذا الأمر خزيمة بن خازم، فوجّه القوّاد فى كلّ ناحية، وجاء حميد الطوسى من فوره فى طلب بنی محمد حتى انتهى إلى المدائن، فأقام بها يومه ، ثم انصرف إلى النيل . ١٠٠٦/٣ (١) ابن الأثير: ((علم)). ٥٥٠ سنة ٢٠١ فلما بلغ منصورًا خبرُه خرج حتى عسكر بكَدْواذى ، وتقدّم يحيى بن علىّ بن عيسى بن ماهان إلى المدائن . ١٠٠٧/٣ ثم إن منصوراً وجّه إسحاق بن العباس بن محمد الهاشمىّ من الجانب الآخر، فعسكر بنهر صَرْصر ، ووجّه غسان بن عباد بن أبى الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خُراسان ناحية الكوفة ، فتقدّم حتى أتى قصر ابن هبيرة ، فأقام به . فلما بلغ حُميدًا الخبرلم يعلم غسان إلا وحُميد قد أحاط بالقصر، فأخذ غسانَ أسيرًا، وسلب أصحابه، وقتل منهم؛ وذلك يوم الاثنين لأربع خلوْن من رجب . ثم لم يزل كلّ قوم مقيمين فى عساكرهم ؛ إلاّ أن محمد بن يقطين بن موسى كان مع الحسن بن سهل ، فهرب منه إلى عيسى ، فوجّهه عيسى إلى منصور، فوجّهه منصور إلى ناحية حُميد، وكان حُميد مقيماً بالنيل إلاّ أنّ له خيلا بالقَصْر . وخرج ابن يقطين من بغداد يوم السبت لليلتين خلتا من شعبان حتى أتى كُونى. وبلغ حُميداً الخبر، فلم يعلم ابن يقطين حتى أتاه حُميد وأصحابه إلى گونی ، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا من أصحابه، وأسروا،وغرق منهم بشر کثیر، وانتهب حميد وأصحابه ما كان حول كُونى من القُرى وأخذوا البقر والغنم والحمير وما قَدَروا عليه من حَلْىٍ ومتاع وغير ذلك ؛ ثم انصرف حتى النّيل، وراجع ابن و يقطين ، فأقام بنهر صَرَّصَر . وفى محمد بن أبى خالد قال أبو الشدّاخ : وأَصْبحَ منها كاهِلُ العِزِّأَخضَعَا هَوَى خيلُ الأَبناءِ بعدَ محمَّدٍ فإِنَّ لكم يوماً من الدهرِ مَصْرَعَا فلا تَشْمَتُوا يا آلَ سهلٍ بموْتِه وأحْصَى عيسى بن محمد بن أبى خالد ما كان فى عسكره ، فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفًا بين فارس وراجل ؛ فأعطى الفارس أربعين درهمًا ، والرّاجل عشرين درهمًا . ١٠٠٨/٣ ٥٥١ سنة ٢٠١ [ ذكر خبر خروج المطوّعة للنكير على الفساق ] وفى هذه السنة تجرّدت المطوّعة(١) للنكير على الفساق ببغداد، ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصارىّ أبو حاتم من أهل خُراسان . * ذكر الخبر عن السبب الذى من أجله فعلت المطوّعة ما ذكرت : كان السبب فى ذلك أن فساق الحربيّة والشطار الذين كانوا ببغداد والكَرْخ آذوا الناس أذى شديداً، وأظهروا الفسْق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانيةً من الطرق ؛ فكانوا يجتمعون فيأتُون الرّجل ، فيأخذون ابنه ، فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع ؛ وكانوا يسألون الرَّجُل أن يُقْرِضهم أو يصلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم ؛ وكانوا يجتمعون فيأتُون القرى ، فيكاثرون أهلها ، ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك ؛ لا سلطانَ بمنعهم ، ولا يقدر على ذلك منهم؛ لأن السلطان كان يعتزّ بهم (٢) ، وكانوا بطانته، فلا يقدرأن يمنعهم من فسق يركبونه، وكانوا يَجْبُون المارّة فى الطرق وفى السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين ، ويقطعون الطرق علانية ، ولا أحد يعدو عليهم ، وكان الناس منهم فى بلاء عظيم ؛ ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قُطْرَبَل، فانتهبوها علانيةً، وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ١٠٠٩/٣ ذلك ، وأدخلوها بغداد ، وجعلوا يبيعونها علانية ، وجاء أهلها فاستعدَ وْا السلطان علیھم، فلم یمکنه إعداؤه(٣) علیھم، ولم يرد عليهم شيئًا مما كان أخذ منهم، وذلك آخر شعبان . فلما رأى الناس ذلك وما قد أخذ منهم ؛ وما بيع من (٤) متاع الناس فى أسواقهم ، وما قد أظهروا من الفساد فى الأرض والظلم والبغى وقَطْع الطريق ، وأن السلطان لا يغيّر عليهم ، قام صُلحاء كل رَبَض وكلّ دَرْب ، فمشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : إنما فى الدّرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة ، وقد غلبوكم وأنتم أكثر منهم؛ فلواجتمعتم حتى يكون أمركم واحداً(٥)، لقمعم هؤلاء (١) ابن الأثير: ((المتطوعة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر)). (٢) ابن الأثير: ((يغريهم)). (٣) إعداؤهم؛ أى نصرهم، وفى ط: ((تعليهم)). (٤) ط: ((من بيع متاع الناس))، وأثبت ما فى الحواشى. (٥) ط: ((واحد)). ٥٥٢ سنة ٢٠١ الفُساق ، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم . .:: ١٠١٠/٣ فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدريوش ، فدعا جيرانه وأهل بيته وأهل محلّته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، وشدّ على مَنْ يليه من الفساق والشطار، فمنعهم مما كانوا يصنعون ، فامتنعوا عليه ، وأرادوا قتاله، فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم ، فضربهم وحبسهم ورفعهم إلى الساطان ؛ إلا أنه كان لا يرى أن يُغَيّر على السلطان شيئًا ، ثم قام من بعده رجلٌ من أهل الحربيّة ، يقال له سهل بن سلامة الأنصارىّ من أهل خُراسان ؛ يكنى أبا حاتم ؛ فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والعمل بكتاب الله جلّ وعزّ وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلّق مصحفًا فى عنقه، ثم بدأ بجيرانه وأهل محلّته، فأمرهم ونهاهم فقبلوا منه ، ثم دعا الناس جميعًا إلى ذلك؛ الشريفَ مثهم والوضيعَ ؛ بنى هاشم ومَنْ دونهم ، وجعل له ديوانًا يثبت فيه اسم من أتاه منهم ، فبايعه على ذلك، وقتال من خالفه وخالف ما دعا إليه کائنًا من کان ؛ فأتاه خلق کثیر ، فبايعوا . ثمّ إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها، ومنع كلّ من يخفرويجى المارّة والمختلفة، وقال: لاخفارة فى الإسلام- والخفارة أنه كان يأتى الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول : بستانك فى خفرى ، أدفع عنه من أراده بسوء ، ولى فى عُنقك كلّ شهر كذا وكذا درهمًا، فيعطيه ذلك شائيًا وآبيًا - فقوى على ذلك إلا أن الدريوش خالفه ، وقال : أنا لا أعيبُ على السلطان شيئاً ولا أغيّره، ولا أقاتله ، ولا آمره بشىء ولا أنهاه . وقال سهل بن سلامة : لكنى أقاتل كلّ من خالف الكتاب والسنة كائنًا من كان ؛ سلطاناً أو غيره ؛ والحق قائم فى الناس أجمعين ، فمن بايعنى على هذا قبلتُه ، ومن خالفی قاتلته . فقام فى ذلك سهل یوم الخمیس لأربع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين فى مسجد طاهر بن الحسين ؛ الذى كان بناه فى الحربية . ٥٥٣ سنة ٢٠١ وكان خالد الدريوش قام قبله بيومين أو ثلاثة ، وكان منصور بن المهدى مقيمًا بعسكره بحَبِّل، فلما كان من ظهور سهل بن سلامة وأصحابه ما كان ، وبلغ ذلك منصورًا وعيسى - وإنما كان عُظم أصحابهما الشّطار، ومن لاخير فیه - کسرهما ذلك ، ودخل منصور بغداد . وقد كان عیسی یكاتب الحسن بن سهل، فلما بلغه خبر بغداد ، سأل ١٠١١/٣ الحسن بن سهل أن يعطيه الأمان له ولأهل بيته ولأصحابه ؛ على أن يعطى الحسن أصحابه وجنده وسائر أهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركتْ له الغَلّة ، فأجابه الحسن ، وارتحل عيسى من معسكره ، فدخل بغداد يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شوّال ، وتقوّضت جميع عساكرهم ، فدخلوا بغداد ، فأعلمهم عيسى ما دخل لهم فيه من الصّلح ، فرضوا بذلك . ثم رجع عيسى إلى المدائن، وجاء يحيى بن عبد الله، ابن عمّ الحسن بن سهل، حتى نزل دير العاقول، فوَلَوْه السواد ، وأشركوا بينه وبين عيسى فى الولاية ، وجعلوا لكلّ عدّة من الطّساسيج(١) وأعمال بغداد. فلما دخل عيسى فيما دخل فيه - وكان أهل عسكر المهدىّ مخالفين له - وثب المطلب بن عبد الله بن مالك الخُزاعىّ يدعو إلى المأمون وإلى الفضل والحسن ابنى سهل ؛ فامتنع عليه سهل بن سلامة ، وقال : ليس على هذا بايعتسنى . وتحوّل منصور بن المهدىّ وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع - وكانوا يوم تحوّلوا بايعوا سهل بن سلامة على ما يدعُو إليه من العمل بالكتاب والسنة - فنزلوا بالحربية فراراً من الطلب ، وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن، وبعث إلى المطلب أن يأتيَه ، وقال: ليس على هذا بايعتَنِى، فأبى المطلب أن يجيئه، فقاتله سهل يومين أو ثلاثة قتالا شديداً ؛ حتى اصطلح عيسى والمطلب ، فدسّ عيسى إلى سهلٍ مَن اغتاله فضربه ضربة بالسيف،؛ إلا أنها لم تعمل فيه ؛ فلما اغتيل سهل رجع إلى منزله ، وقام عيسى بأمر الناس ، فكفُّوا عن القتال . ١٠١٢/٣ وقد كان حميد بن عبد الحميد مقيماً بالنيل ، فلما بلغه هذا الخبر (١) الطسوج : الناحية ، معرب. ٥٥٤ سنة ٢٠١ دخل الكوفة ، فأقام بها أيامًا . ثم إنه خرج منها حتى أتى قصر ابن هبيرة ، فأقام به ، واتخذ منزلا وعمل عليه سورًا وخندقًا؛ وذلك فى آخر ذى القعدة ، وأقام عيسى ببغداد يعرض الجند ويصحّحهم ، إلى أن تدرك الغلّة، وبعث إلی سهل بنسلامةفاعتذر إليه مما كان صنع به، وبايعه وأمره أن يعود إلى ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ وأنه عونه على ذلك ، فقام سهل بما كان قام به أولا من الدعاء إلى العمل بالكتاب والسنّة . [ ذكر خبر البيعة لعلىّ بن موسى بولاية العهد ] وفى هذه السنة جعل المأمون علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علىّ بن حسين بن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه ولىّ عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسماه الرّضِيّ من آل محمد صلى الله عليه وآ له وسلم، وأمر جنده بطرح السَّواد ولبس ثياب الخُضرة ، وكتب بذلك إلى الآفاق . * ذكر الخبر عن ذلك وعما كان سبب ذلك وما آل الأمر فيه إليه : *ذكر أن عيسى بن محمد بن أبى خالد ، بينما هو فيما هو فيه من عَرْض أصحابه بعد منصرفه من عسكره إلى بغداد، إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل يُعلمه أنّ أمير المؤمنين المأمون قد جعل علىّ بن موسى بن جعفر بن محمد ولىّ عهده من بعده ؛ وذلك أنه نظر فى بنى العباس وبنى علىّ ، فلم يجد أحداً هو أفضل ولا أورَع ولا أعلم منه؛ وأنه سمّاه الرضِىّ من آل محمد، وأمره بطرح لُبْس الثياب السود ولبس ثياب الخضرة ؛ وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين ، ويأمره أن يأمر مَنْ قبله من أصحابه والجند والقوّاد وبنى هاشم بالبيعة له، وأن يأخذهم بلبس الخُضْرة فى أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم ، ويأخذ أهل بغداد جميعاً بذلك . فلما أتى عيسى الخبر دعا أهلَ بغداد إلى ذلك على أن يعبِّل لهم رزق شهر ، والباقى إذا أدركت الغلّة ، فقال بعضهم : نبايع ونلبس الخضرة ، وقال ١٠١٣/٣ ٥٥٥ سنة ٢٠١ بعضهم: لا نبايع ولا نلبس الخُضرة ، ولا نُخرِج هذا الأمر من ولد العباس؛ وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل ، فمكثوا بذلك أيامًا . وغضب ولد العباس من ذلك ، واجتمع بعضهم إلى بعض ، وتكلموا فيه ، وقالوا : نولِى بعضنا ، ونخلع المأمون ؛ وكان المتكلم فى هذا والمختلف والمتقدّد له إبراهيم ومنصور ابنا المهدىّ . [ ذكر الدعوة لمبايعة إبراهيم بن المهدىّ وخلع المأمون ] وفى هذه السنة بايع أهلُ بغداد إبراهيم بن المهدىّ بالخلافة وخلعوا المأمون . * ذكر السبب فى ذلك : قد ذكرنا سبب إنكار العباسيين ببغداد على المأمون ما أنكروا عليه ، واجتماع متّن اجتمع على محاربة الحسن بن سهل منهم ؛ حتى خرج عن بغداد . ولمّا كان من بيعة المأمون لعلى بن موسى بن جعفر- وأمره الناس بلبس الخضرة ما كان، وورود كتاب الحسن على عيسى بن محمد بن أبى خالد يأمره بذلك ، وأخذ الناس به ببغداد ، وذلك يوم الثلاثاء الخمس بقين من ذى الحجة - أظهر العباسيون ببغداد أنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهدىّ بالخلافة ، ومن بعده ابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهدىّ ؛ وأنهم قد خلعوا المأمون ، وأنهم يعطون عشرة دنانير كل إنسان، أوّل يوم من المحرّم أول يوم من السنة المستقبلة . فقبل بعض ولم يقبل بعض حتى يعطى ؛ فلما كان يوم الجمعة وأرادوا الصلاة أرادوا أن يجعلوا إبراهيم خليفة للمأمون مكان منصور ، فأمروا رجلا يقول حين أذن المؤذن: إنا نريد أن ندعو للمأمون ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة ؛ وكانوا قد دسُّوا قومًا ، فقالوا لهم : إذا قام يقول: ندعدُو للمأمون، فقوموا أنتم فقولوا : لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم ومن بعده لإسحاق، وتخلعوا المأمون أصلاً، ليس نريد أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور ، ثم تجاسوا فى بيوتكم. فلما قام مَن يتكلم أجابه هؤلاء ، فلم يُصَلّ بهم تلك الجمعة صلاة الجمعة ، ولاخطب أحد، إنما صلى الناس أربع ركعات ثم انصرفوا؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذى الحجة سنة إحدى ومائتين . ١٠١٤/٣ ٥٥٦ ١٠١٥/٣ سنة ٢٠١ وفى هذه السنة افتتح عبد الله بن خُرْداذْ به وهو والى طبرستان اللارز والشیرز (١)؛منبلاد الديلم، وزادهما فىبلاد الإسلام، وافتتح جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شَروين عنها ، فقال سلام الخاسر : بمن أَدال لنا من مُلك شَرْوِينٍ (٢) إنا لنَّأْمُلُ فِتْحَ الرومِ والصِّين فاشدُدْ يديك بِعبدِ اللهِ إِنَّلهُ (٣) مع الأمانةِ رأىٌ غيرُ مَوهُونِ وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون ، وأسر أبا ليلى ملك الديلم بغير عهد فى هذه السنة . وفيها مات محمد بن محمد صاحب أبى السرايا . وفيها تحرّك بابك الخرّمىّ فى الجاويذ انية أصحاب جاويذان بن سهل ، صاحب البذّ، وادّعى أن رُوح جاويذان دخلت فيه ، وأخذ فى العيْث والفساد . وفيها أصابَ أهلَ خراسان والرىّ وإصبهان مجاعة ، وعزّ الطعام ، ووقع الموت . وحجّ بالناس فیها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على ، (١) ابن الأثير: ((البلاذر والشيزر)». (٣). ط: ((لعبد الله)) .. (٢) ط: (( أذل)). ٥٥٧ ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ ذكر خبر بيعة إبراهيم بن المهدىّ ] فممّا كان فيها من ذلك بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدىّ بالخلافة ، وتسميتهم إيّاه المُبارك . وقيل إنهم بايعوه فى أوّل يوم من المحرّم بالخلافة ، وخلعوا المأمون ؛ فلما كان يوم الجمعة صعد إبراهيم المنبر ؛ فكان أوّل من بايعه عُبيد الله بن العباس بن محمد الهاشمىّ، ثم منصور بن المهدىّ ، ثم سائر بنى هاشم ، ثم القوّاد . وكان المتولّى لأخذ البيعة المطلب بن عبدالله بن مالك؛ وكان الذى سعى فى ذلك وقام به السندىّ وصالح صاحب المصلّى ومنْجاب ونُصير الوصيف وسائر الموالى؛ إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء والقادة غضبًا منهم على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد علىّ، ولتركه لباس آبائه من السّواد ولبسه الخُضرة . ١٠١٦/٣ ولما فرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيتهم أرزاق ستة الأشهر ، فدافعهم بها ، فلما رأوا ذلك شغبُوا عليه ، فأعطاهم مائتى درهم لكل رجل ، وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة بقيّة مالهم حنطة وشعيرا. فخرجوا فى قَبْضها فلم يمرّوا بشىء إلا انتهبوه، فأخذوا النَّصيبيْن جميعًا؛ نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان . وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسَّواد كله ، وعسكر بالمدائن . وولى الجانب الشرقىّ من بغداد العباس بن موسى الهادى والجانب الغربىّ إسحاق بن موسى الهادى . وقال إبراهيم بن المهدىّ: ألم تعلّمُوا يا آل فهر بأنَّنى شَرَيْتُ بنفسى دُونَكُمْ فى المهالكِ ٥٥٨ سنة ٢٠٢ [ خبر تحكيم مهدىّ بن علوان الحُرُورىّ] ١٠١٧/٣ وفى هذه السنة حَكَّم مهدىّ بن علوان الحرورىّ ، وکان خروجه بِبُزر جسابور، وغلب على طساسيج هنالك . وعلى نهر بوق والراذانيْن . وقد قيل : إن خروج مهدىّ كان فى سنة ثلاث ومائتين فى شوّال منها ، فوجه إليه إبراهيم بن المهدى أبا إسحاق بن الرشيد فى جماعة من القوّاد ، منهم أبو البطّ وسعيد بن الساجور، ومع أبى إسحاق غلمان له أتراك ؛ فذُكر عن شُبَيل صاحب السلبة ، أنه كان معه وهو غلام ، فلقوا الشَّراة ، فطَعن رجل من الأعراب أبا إسحاق ، فحامى عنه غلام له تركىّ ، وقال له: أشناس مَرّاً ، أى اعرفْنى، فسماه يومئذ أشناس ؛ وهو أبو جعفر أشناس، وهُزم مهدىّ إلى حَوْلاً يا . وقال بعضهم : إنما وجّه إبراهيم إلى مهدىّ بن علوان الدهقانىّ الحرورىّ المُطْلبَ، فسار إليه، فلمّا قرب منه أخذ رجلا من قعد الحروريّة يقال له أَقْدَى، فقتله ، واجتمعت الأعراب فقاتلوه فهزموه حتى أدخلوه بغداد . وفى هذه السنة وثب أخو أبى السرايا بالكوفة ، فبيّض ، واجتمعت إليه جماعة، فلقيه غسان بن أبى الفرج فى رَجب فقتله، وبعث برأسه إلى إبراهيم ابن المهدىّ . : ذكر الخبر عن تبييض أخى أبى السرايا وظهوره بالكوفة ١٠١٨/٣ ذكر أن الحسن بن سهل أتاه وهو مقيم بالمبارك فى معسكره كتاب المأمون يأمره بلبس الخضرة ، وأن يبايع لعلىّ بن موسى بن جعفر بن محمد بولاية العهد من بعده ، ويأمره أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها ، فارتحل حتى نزل سمّر، وكتب إلى حميد بن عبد الحميد أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها من ناحية أخرى ، ويأمره بلباس الخُضرة ، ففعل ذلك حميد . وكان سعيد بن ٥٥٩ سنة ٢٠٢ الساجور وأبو البطّ وغسان بن أبى الفرج ومحمد بن إبراهيم الإفريقىّ وعِدّة من قوّاد حُميد كاتبوا إبراهيم بن المهدىّ ، على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة . وكان قد تباعد ما بينهم وبين حميد ، فكانوا يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حُميدًا يكاتب إبراهيم ، وكان يكتب فيهم بمثل ذلك ، وكان الحسن يكتب إلى حُميد يسأله أن يأتيه فلم يفعل ، وخاف إن هو خرج إلى الحسن أن يثب الآخرون بعسكره؛ فكانوا يكتبون إلى الحسن أنّه ليس يمنعه من إتيانك إلاّ أنه مخالف لك، وأنه قد اشترى الضياع بين الصّراة وسُورا والسواد. فلما ألحّ عليه الحسن بالكُتب، خرج إليه يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر ، فكتب سعيد وأصحابه إلى إبراهيم يعلمونه ، ويسألون أن يبعث إليهم عيسى بن محمد بن أبى خالد ، حتى يدفعوا إليه القصر وعسكر حميد ؛ وكان إبراهيم قد خرج من بغداد يوم الثلاثاء حتى عسكر بكلْواذى يريد المدائن ، فلما أتاه الكتاب وجّه عيسى إليهم . فلما بلغ أهلَ عسكر حميد خروجُ عيسى ونزوله قرية الأعراب على فرسخ من القصر تهيّئوا للهرب ؛ وذلك ليلة الثلاثاء ، وشدّ أصحاب سعيد وأبى البطّ والفضل بن محمد بن الصباح الكندىّ الكوفىّ على عسكر حميد ؛ فانتهبوا ما فيه، وأخذوا ◌ُميد - فيما ذكر - مائة بَدْرة أموالا ومتاعاً، وهرب ابنُ لحُميد ومعاذ بن عبد اللّه، فأخذ بعضهم نحو الكوفة وبعض نحو النیل ؛ فأمّا ابنُ حميد، فإنه انحدر بجوارى أبيه إلى الكوفة، فلما أتى الكوفة اكترى بغالا ثم أخذ الطريق ، ثم لحق بأبيه بعسكر الحسن ، ودخل عيسى القصر وسلّمه له سعيد وأصحابه، وصار عيسى وأخذه منهم، وذلك يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الآخر. وبلغ الحسن بن سهل وحميد عنده ، فقال له حميد: ألم أعلمك بذلك ! ولكن خُدعت، وخرج من عنده حتى أتى الكوفة ، فأخذ أموالا له كانت هنالك ومتاعاً . وولّى على الكوفة العباس بن موسى بن جعفر العلوىّ ، وأمره بلباس الخضرة ، وأن يدعُوَ للمأمون ومن بعده لأخيه علىّ بن موسى ؛ وأعانه بمائة ألف درهم ، وقال له: قاتل عن أخيك ، فإن أهل الكوفة يُجيبونك إلى ذلك ؛ وأنا معك . ١٠١٩/٣ ٥٦٠ ١٠٢٠/٣ سنة ٢٠٢ فلمّا كان الليل خرج حميد من الكوفة وتركه ، وقد كان الحسن وجّه حكيمً الحارثىّ حين بلغه الخبر إلى النيل ، فلما بلغ ذلك عيسى وهو بالقصر تهيّأ هو وأصحابه، حتى خرجوا إلى النّيل؛ فلما كان ليلة السبت لأربع عشرة ليلة خلتْ من ربيع الآخر طلعت حُمرة فى السماء ، ثم ذهبت الحمرة ، وبقى عمودان أحمران فى السماء إلى آخر الليل ؛ وخرج غداة السبت عيسى وأصحابه من القصر إلى النيل، فواقعهم حكيم، وأناهم عيسى وسعيد وهم فى الوقعة، فانهزم حكيم ، ودخلوا النَّيل . فلما صاروا بالنِيل، بلغهم خبر العباس بن موسى بن جعفر العلوىّ ، وما يدعو إليه أهل الكوفة، وأنه قد أجابه قوم كثير منهم ، وقال له قوم آخرون : إن كنتَ تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك فلا حاجةَ لنا فى دعوتك ، وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك . فقال : أنا أدعو إلى المأمون ثمّ من بعده لأخى ؛ فقعد عنه الغالية من الرافضة وأكثر الشيعة. وكان يُظهر أن حميداً يأتيه فيعينه ويقوّيه، وأن الحسن يوجه إليه قوماً من قبله مدداً، فلم يأته منهم أحد، وتوجه إليه سعيد وأبو البط من النيل إلى الكوفة؛ فلما صاروا بدير الأعور، أخذوا طريقًا يخرج بهم إلى عسكر هرثمة عند قرية شاهى . فلمّا التأم إليه أصحابه، خرجوا يوم الاثنين للياتين خلتًا من جمادى الأولى. فلما صاروا قرب القنطرة خرج عليهم علىّ بن محمد بن جعفر العلوىّ ، ابن المبابع له بمكة ، وأبو عبد اللّه أخو أبى السرايا ومعهم جماعة كثيرة ، وجههم مع على بن محمد ابنُ عمه صاحب الكوفة العباسُ بن موسى بن جعفر، فقاتلوهم ساعة ، وانهزم على وأصحابه حتى دخاوا الكوفة ، وجاء سعید وأصحابه حتى نزلوا الحيرة ؛ فلمّا كان يوم الثلاثاء غدوا فقاتلوهم مما يلى دار عيسى بن موسى ، وأجابهم العباسيون ومواليهم ، فخرجوا إليهم من الكوفة ، فاقتتلوا يومهم إلى الليل، وشعارهم: ((يا إبراهيم يا منصور، لاطاعة للمأمون))، وعليهم السّواد، وعلى العباس وأصحابه من أهل الكوفة الخُضْرة . ١٠٢١/٣ فلما كان يوم الأربعاء اقتتلوا فى ذلك الموضع، فكان كلّ فريق منهم إذا