Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ سنة ١٩٨ ٩١٥/٣ بعسكر المهدىّ ، ومكث محمد محصوراً فى المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت. وناظر محمدٌ أصحابَه ومَنْ بقى معه فى طلب الأمان؛ وسألهم عن الجهة فى النجاة من طاهر ؛ فقال له السندىّ: والله يا سيدى ؛ لئن ظفر بنا المأمون لعَلَى رغم منا وتَعْس جدودنا؛ وما أرى فرجًا إلا هرثمة. قال له : وكيف بهرئمة ؛ وقد أحاط الموت بى من كلّ جانب ! وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا : لو حلفتَ له بما يَتَوثّق به منك أنك مفوّض إليه ملكك ؛ فلعله كان سيرْ كَنُ إليك. فقال لهم: أخطأتُم وجْهَ الرأى، وأخطأتُ فى مشاورتكم ؛ هل كان عبد الله أخى او جهد نفسه وولىَ الأمور برأيه بالغًا عشر ما بلغه له طاهر ! وقد محصّتُه وبحثت عن رأيه ، فما رأيته يميل إلى غدر به ؛ ولا طمع فيما سواه ؛ ولو أجاب إلى طاعتى ، وانصرف إلىّ ثم ناصبنى أهلُ الأرض ما اهتممت بأمر ؛ ولوددت أنه أجاب إلى ذلك ، فمنحته خزائنی وفوّضت إليه أمرى ، ورضيت أن أعيش فى كنفِه ؛ ولكنى لا أطمع فى ذلك منه . فقال له السندىّ: صدقتَ يا أميرَ المؤمنين؛ فبادر بنا إلى هَرْثمة؛ فإنه يرى ألاَّ سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك؛ وقد ضمن إلىّ أنه مقاتل دونك إنْ همّ عبد اللّه بقتلك؛ فاخرج ليلاً فى ساعة قد نُوُّم الناس فيها ؛ فإنّ أرجُو أن يغبَى على الناس أمرُنا . وقال أبو الحسن المدائنىّ: لما همّ محمد بالخروج إلى هَرْثمة، وأجابه إلى ما أراد ، اشتدّ ذلك على طاهر ، وأبى أن يرفِّه عنه ويدّعه يخرج ، وقال: هو فى حيِّزِى والجانب الذى أنا فيه ، وأنا أخرجتُه بالحصار والحرب ؛ حتى صار إلى طلب الأمان ؛ ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دونى؛ فيكون ٩١٦/٣ الفتح له . ولما رأى هرثمةُ والقوّاد ذلك، اجتمعوا فى منزل خُزيمة بن خازم؛ فصار إليهم طاهر وخاصّة قواده ، وحضرهم سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندىّ بن شاهك، وأداروا الرّأىّ بينهم ، ودبّروا الأمر ، وأخبروا طاهراً أنه لا يخرج إليه أبداً ، وأنه إن لم يجَبْ إلى ما سأل لم يُؤمن أن يكون الأمر فى أمره مثله فى أيام الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان ؛ فقالوا له : تاريخ الطبرى - ثامن ٤٨٢ سنة ١٩٨ يخرج ببدنه إلى هرثمة - إذْ كان يأمن به ويثق بناحيته ، وكان مستوحشاً منك، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبُرْدة - وذلك الخلافة - ولا تفسدْ هذا الأمر واغتنمه إذ يسره الله. فأجاب إلى ذلك ورضى به . ثم قيل : إن الهِرْش لما علم بالخبر ، أراد التقرّب إلى طاهر ، فخبّره أنّ الذى جرى بينهم وبينه مكر ، وأنّ الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرئمة . فقبل طاهر ذلك منه ، وظنّ أنه كما كتب به إليه ، فاغتاظ وكسَمَن حول قصر أم جعفر وقصور الخُلد كمناء بالسلاح ومعهم العَتَّل والفؤوس ، وذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة ، وفى الشهر السريانى خمسة وعشرون من أيلول . ٩١٧/٣ فذكر الحسن بن أبى سعيد، قال : أخبرنى طارق الخادم ، قال: لما همّ محمد بالخروج إلى هَرْئمة عطش قبل خروجه ، فطلبتُ له فى خزانة شرابه ماء فلم أجده . قال : وأمسى فبادر يُريد هرثمة للوعْد الذى كان بينه وبينه ؛ ولبس ثياب الخلافة ؛ دراعة وطيلساناً والقلنسوة الطويلة، وبين يديه شمعة. فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة ، قال : اسقنى من جباب الخرس ، فناولته كوزًا من ماء ، فعافه لُزهوكته (١) فلم يشرب منه؛ وصار إلى مَرْئمة . فوثب به طاهر، وأكمن له نفسه فى الخُلْد؛ فلما صار إلى الحَرّاقة (٢)؛ خرج طاهر وأصحابه فرموا الحرّاقة بالسهام والحجارة ، فمالوا ناحية الماء ، وانكفأت الحراقة ؛ فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها ، فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى، وظنّ أن غَرقه إنما كان حيلة من هرثمة، فعبر دجلة حتى ضار إلى قرب الصّراة ، وكان على المسلحة إبراهيم بن جعفر البلخىّ ومحمد بن حُميد هو ابن أخى شكلة أم إبراهيم بن المهدى - وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلاً من أصحابه خُراسانيًّا ضم إليه قوماً - فعرفه محمدبن حُميد وهو المعروف بالطاهرىّ ؛ وكان طاهر يقدّمه فى الولايات ، فصاح بأصحابه فنزلوا ، فأخذوه ، فبادر محمدًا لمًّا ، فأخذ بساقيه فجذبه ، وحُمل على (١) الزهوكة : الرائحة الكريهة . (٢) الحراقة : نوع من السفن ؛ فيها مرامى نيران يرمى بها . ٤٨٣ سنة ١٩٨ بِرْذون ، وألقِىَ عليه إزار من أزُر الجند غير مفتول؛ وصار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخىّ ، وكان ينزل بباب الكوفة ، وأردف رجلا خلفه يمسكه لئلا يسقط ، كما يُفعل بالأسير . فذكرعن الحسن بن أبى سعيد، أن خطّاب بن زياد حدثه أنّ محمدًا وهرئمة لما غرقا، بادر طاهر إلى بُستان مؤنسة، بإزاء باب الأنبار، موضع معسكره لئلا يُتّهم بغرق هَرْئمة. قال: فلما انتهى طاهر - ونحن معه فى الموكب والحسن ابن علىّ المأمونىّ والحسن الكبير الخادم للرشيد- إلى باب الشام، لحقّنا محمد بن حميد ، فترجّل ودنا من طاهر، فأخبره أنه قد أسر محمداً ، ووجّه به إلى باب الكوفة إلى منزل إبراهيم البلخىّ . قال : فالتفت إلينا طاهر ، فأخبرنا الخبر، وقال: ما تقولون؟ فقال له المأمونى: ((مَكُن))، أى لا تفعل فعْل حسين ابن علىّ، قال: فدعا طاهر بمولّى له يقال له قريش الدّندانىّ، فأمره بقتل محمد . قال: واتّبَعَهُ طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع. ٩١٨/٣ وأما المدائنىّ فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجُلودىّ، قال : لما تهيّأ للخروج - وكان بعد عشاء الآخرة من ليلة الأحد - خرج إلى صحن القصر ، فقعد على كرسىّ ، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود ؛ فدخلنا عليه ، فقمنا بين يديه بالأعمدة . قال : فجاء كتلة الخادم، فقال: يا سيّدى، أبو حاتم يقرئك السلام ، ويقول : يا سيّدى وافيت للميعاد لحملك ، ولكنى أرى ألا تخرج الليلة ؛ فإنى رأيتُ فى دجلة على الشطّ أمراً قد رابنى ، وأخاف أن أغلَب فتؤخذ من يدى أو تذهب نفسك ؛ ولكن أقمْ بمكانك حتى أرجع ثم أستعد ثم آتيك القابلة فأخرجك ؛ فإن حُوربت حاربتُ دونك ومعی عُدَّتى. قال : فقال له محمد: ارجع إليه ، فقل له : لا تبرح ؛ فإنى خارج إليك الساعة لا محالة ، ولستُ أقيم إلى غد . قال : وقلق وقال : قد تفرّق عنى الناس ومَنْ على بابى من الموالى والحرّس ، ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل علىّ فيأخذنى . ودعا بفرس له أدهم محذوف أغرّ محجّل، كان يسميه الزهرىّ(١)، ثم دعابابنيه فضمهما إليه، وشمَّهما وقبلهما، (١) المسعودى: ((الزهيرى)). ٤٨٤ سنة ١٩٨ وقال: أستودعكما اللّه؛ ودمعتْ عيناه ، وجعل يمسح دموعه بكمِّه ، ثم قام ٩١٩/٣ فوثب على الفرس ، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر ؛ حتى ركبنا دوابنا ؛ وبين يديه شمعة واحدة . فلما صرنا إلى الطاقات ممّا يلى باب خراسان ، قال لى أبى : يا محمد، ابسط يدك عليه؛ فإنى أخاف أن يضربه إنسان بالسيف ؛ فإن ضُرب كان الضرب بك دونه . قال: فألقيتُ عنان فرسى بين معرفته ، وبسطت يدى عليه حتى انتهينا إلى باب خُراسان، فأمرنا به ففتح ، ثم خرجنا إلى المشرعة، فإذا حَرّاقة هرثمة، فرَقِىَ إليها، فجعل الفرس يتلكّأ وينفر، وضربه بالسوط وحمله عليها ، حتى ركبها فى دِجْلة ، فنزل فى الخرّاقة ، وأخذنا الفرس ، ورجعنا إلى المدينة ، فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق ؛ وسمعنا الواعيةَ ، فصعدنا على القبّة التى على الباب ؛ فوقفنا فيها نسمع الصوت . فذُكِرِ عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال : كنت فيمن ركب مع حَرْئمة من القُوّاد فى الحرّاقة ، فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظامًا ، وجثَى هَرْئمة على ركبتيه، وقال له : يا سيّدى، ما أقدر على القيام لمكان النِّقْرس الذى بى، ثم احتضنه وصيّره فى حِجْره، ثم جعل يقبّل يديه ورجليه وعينيه ، ويقول : يا سيدى ومولاى وابن سيدى ومولاى . قال: وجعل يتصفّح وجوهنا ، قال : ونظر إلى عبيد الله بن الوضّاح، فقال له: أيّهم أنت؟ قال: أنا عبيد الله بن الوضّاح، قال: نعم، فجزاك الله خيراً، فما أشكرنى لما كان منك من أمر التاج ! ولو قد لقيت أخى أبقاه الله لم أدعْ أن أشكرك عنده ، وسألته مكافأتك عنّى. قال : فبينا نحن كذلك - وقد أمر هرثمة بالحرّاقة أن تُدفع - إذ شدّ علينا أصحاب طاهر فى الزّواريق والشذَ وَات (١) وعَطْعطوا (٢) وتعاتقوا بالسُّكان(٣)، فبعضٌ يقطع السكان، وبعضٌ ينقب الحرّاقة، وبعض يرمى بالآجرّ والنشاب . قال: فنقبت الحرّاقة، فدخلها الماء فغرقت، وسقط هَرْثمة إلى الماء، فأخرجه ملّح؛ وخرج كلّ واحد منا على حَيْله؛ ورأيت ٩٢٠/٣ (١) الشذوات : ضرب من السفن؛ واحده شذاة. (٢) العطعطة : تتابع الأصوات واختلافها . (٣) السكان : ذنب السفينة الذى به تعدل . ٤٨٥ سنة ١٩٨ محمداً حين صار إلى تلك الحال قد شقّ عليه ثيابه ، ورمى بنفسه إلى الماء . قال : فخرجت إلى الشطّ ، فعلقى رجل من أصحاب طاهر ؛ فمضى بى إلى رجل قاعد على كرسىّ من حديد على شطّ دجلة فى ظهر قصر أمّ جعفر ، بين يديه نار توقد ، فقال بالفارسية : هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحرّاقة، فقال لى: مَنْ أنت ؟ قلت : من أصحاب هرثمة ؛ أنا أحمد ابن سلّم صاحب شُرطة مولى أمير المؤمنين ، قال : كذبتَ فاصدقنى ، قال : قلت. قد صدقتك ، قال: فما فعل المخلوع ؟ قلت : قد رأيتُه حين شقّ عليه ثيابه ، وقذف بنفسه فى الماء قال : قدّموا دابتى ؛ فقدموا دابّته ، فركب وأمر بى أن أجنَب . قال : فجُعل فى عنقى حبل وجُنبت ؛ وأخذ فى درب الرشديّة ، فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان ، انبهرتُ من العَدْو فلم أقدر أن أعدو ، فقال الذى يحنُبنى: قد قام هذا الرّجل؛ وليس يعدو، قال: انزل، فحُذَّ رأسه، فقلت له: جعلت فداك! لِمَ تقتلنى وأنا رجل علىّ من اللّه نعمة، ولم أقدر على العدْو ، وأنا أفدى نفسى بعشرة آلاف درهم . قال : فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم ، قلت : تحبسنى عندك حتى تصبح وتدفع إلىّ رسولا حتى أرسله إلى وكيلى فى منزلى فى عسكر المهدىّ ، فإنْ لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقى . قال: قد أنصفت، فأمر بحملى، فحُملت رِدْفًا لبعض أصحابه، فمضى بى إلى دار صاحبه ، دار أبى صالح الكاتب ؛ فأدخلنى الدار ، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بى ، وتقدّم إليهم ، وأوعز وتفهّم منى خبر محمد ووقوعه فى الماء ، ومضى إلى طاهر ليخبره خبره ؛ فإذا هو إبراهيم البلخىّ . قال : فصیرتى غلمانه فى بيت من بيوت الدار فيه بوارٍ ووسادتان أو ثلاث - وفى رواية حُصر مُدرّجة - قال: فقعدت فى البيت ، وصیروا فیه سراجًا، وتوثقوا من باب الدار، وقعدوا يتحدثون . قال : فلما ذهب من الليل ساعة ؛ إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب، ففتح لهم، فدخلوا وهم يقولون: ((يُسَرِ زبيدة)). قال: فأدخِل علىّ رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثّم بها ، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيّروه معى، وتقدموا إلى مَنْ فى الدار فى حفظه ، وخلفوا معهم قومًا آخرين أيضًا منهم . ٩٢١/٣ ٤٨٦ سنه ١٩٨ قال: فلما استقرّ فى البيت حَسَر العمامة عن وجهه؛ فإذا هو محمد ، فاستعبرت واسترجعت فيما بينى وبين نفسى. قال: وجعل ينظر إلىّ، ثم قال: أيهم أنت؟ قال : قلت: أنا مولاك يا سيدى، قال: وأىّ الموالى؟ قلت : أحمد بن سلام صاحب المظالم ، فقال: وأعرفك بغير هذا ، كنت تأتينى بالرَّقة؟ قال : قلت: نعم ، قال: كنت تأتينى وتُلطفنى كثيراً، لست مولاىَ بل أنت أخی ومنّی . ثم قال : يا أحمد ، قلت : لبيك يا سيدى؛ قال: ادن منى وضُمتى إليك ، فإنى أجدُ وحشة شديدة. قال : فضممته إلىّ، فإذا قلبه يخفق خَفْقاً شديداً كاد أن يفرج عن صدره فيخرج . قال : فلم أزل أضمّه إلىّ وأسكّنه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخى؟ قال: قلت: هو حىّ ، قال : قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه ! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته ؛ قال: قلت: بل قبح اللّه وزراءك! قال: لا تقُل لوزرائى إلاّ خيراً، فما لهم ذنب؛ ولستُ بأوّل من طلب أمراً فلم يقدر عليه . قال: ثم قال: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بى؟ أتراهم يقتلونى أو يفون لى بأيمانهم(١)؟ قال: قلت: بل يفون لك ياسيّدى . قال: وجعل يضمّ على نفسه الخرقة التى على كتفيه، ويضمها ويمسكها بعضُدُه يَمنةً ويسرة. قال: فنزعتُ مبطنة كانت علىّ ثم قلت: يا سيدى، ألْقِ هذه عليك. قال: ويحك! دعنى، هذا من الله عزّ وجلّ، لى فى هذا الموضع خير . قال : فبينا نحن كذلك ، إذ دقّ باب الدار، ففُتح، فدخل علينا رجل عليه سلاحه ، فتطلّع فى وجهه مستثبتًا له ، فلما أثبتتَه معرفة، انصرف وغلق الباب ؛ وإذا هو محمد بن حميد الطاهرىّ ، قال : فعلمت أن الرّجل مقتول. قال : وكان بقىَ علىّ من صلاتى الوتر، فخفت أن أقتلَ معه ولم أوتير ، قال : فقمت أوتر ، فقال لى : يا أحمد ، لا تتباعد منى، وصلّ إلى جانبى، أجد وحشة شديدة . قال : فاقتربت منه ؛ فلما انتصف الليل أو قارب ، سمعت حركة الخيل، ودقّ الباب، ففُتح، فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسلَّلة، فلما رآهم قام قائمًا، وقال: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون! ذهبت والله (١) ابن الأثير: ((بأمانهم)). ٩٢٢/٣ ٤٨٧ سنة ١٩٨ ٩٢٣/٣ نفسى فى سبيل اللّه! أما من حيلة! أما منْ مغيث! أما من أحد من الأبناء! قال : وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذى نحن فيه ، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدّم، ويدفع بعضهم بعضًا . قال : فقمتُ فصرتُ خلف الخصُر المدرّجة فى زاوية البيت، وقام محمد، فأخذ بيده وسادة ، وجعل يقول : وَيُحْكم! إنى ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنا ابن هارون ؛ وأنا أخو المأمون، اللّهَ اللّه فى دمى! قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه - غلام لقريش الدندانىّ مولى طاهر - فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدّم رأسه ؛ وضرب محمد وجهه بالوسادة التى كانت فى يده، واتّكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه: قتلنى قتلنى-بالفارسية قال : فدخل منهم جماعة، فنخسه واحد منهم بالسيف فى خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحًا من قفاه ، وأخذوا رأسه ، فمضوا به إلى طاهر ، وتركوا جثته . قال: ولما كان فى وقت السحر جاءوا إلى جُثّته فأدرجوها فى جُلّ ، وحملوها. قال : فأصبحت فقيل لى : هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك . قال : فبعثت إلى وكيلى فأتانى ، فأمرته فأتانى بها ، فدفعتها إليه . قال: وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس ، وخرج إلى دِجْلة يوم الأحد . وذكر عن أحمد بن سلام فى هذه القصة أنه قال : قلت محمد لمّا دخل على البيت وسكن: لاجزى الله وزراءك خيراً، فإنهم أوردوك هذا المورد ! فقال لى : يا أخى؛ ليس بموضع عتاب . ثم قال: أخبرنى عن المأمون أخى، أحىٌّ هو؟ قلت : نعم؛ هذا القتال عمّن إذاً! هو إلا عنه! قال: فقال لى: أخبرنى يحيى أخو عامر بن إسماعيل بن عامر - وكان يلى الخبر فى عسكر هرثمة - أن المأمون مات، فقلت له : كذب. قال: ثم قلت له : هذا الإزار الذى عليك إزار غليظ فالبس إزارى وقميصى هذا فإنه ليّن، فقال لى: مَنْ كانت حاله مثل حالى فهذا له كثير. قال: فلقنتّه ذكرَ اللّه والاستغفار، فجعل يستغفر . قال : وبينا نحن كذلك ، إذ هدّة تكاد الأرض ترجُف منها؛ وإذا أصحاب طاهر قد دخلوا الدار وأرادوا البيت ، وكان فى الباب ضيق ، فدافعهم محمد بمجنّة كانت معه فى البيت ؛ فما وصلوا إليه حتى عرقبُوه ، ثم ٩٢٤/٣ ٤٨٨ سنة ١٩٨ هجموا عليه ، فحزُّوا رأسه . واستقبلوا به طاهراً ، وحملوا جُنّته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره ؛ إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هَرْئمة فأذن له- وكان عبر إليه على الجسر الذى كان بالشّاسيّة - فقال له: أخوك يقرئك السلام ، فما خبرك ؟ قال : يا غلام ؛ هات الطسّ ، فجاءوا به وفيه رأس محمد ، فقال : هذا خبرى فاعلمه . فلمّا أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار ، وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم ، وأقبل طاهر يقول : رأس المخلوع محمد . وذكر محمد بن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قدَمْلة، فقال : ما هذا؟ فقالوا : شىء يكون فى ثياب الناس ، فقال : أعوذ بالله من زَوَال النّعمة ! فقتِل من يومه . وذكر عن الحسن بن أبى سعيد أن الجندين: جند طاهر وجند أهل بغداد ، ندموا على قتل محمد ، لما كانوا يأخذون من الأموال . ٩٢٥/٣ وذ کر عنه أنه ذكر أنّ الخزانة التی کان فيها رأس محمد ورأس عيسى ابن ماهان ورأس أبى السرايا كانت إليه . قال : فنظرت فى رأس محمد ؛ فإذا فيه ضربة فى وجهه، وشعر رأسه ولحيته صحيح لم يتحات (١) منه شىء ، ولوفُه على حاله . قال : وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البُرْدة والقضيب والمصلّى - وهو من سعف مبطّن- مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه، فأمرله بألف ألف درهم، فرأيت ذا الریاستین ، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون ، فلما رآه سجد . قال الحسن: فأخبرنى ابن أبى حمزة، قال: حدّثنى علىّ بن حمزة العلوىّ، قال: قدم جماعة من آل أبى طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالخضرة ، فوصلهم ووصلنا ، وكتب إلى المأمون بالإذن لنا أو لبعضنا، فخرجنا إلى مَرْو، وانصرفنا إلى المدينة، فهنتونا بالنعمة، ولقینامنْ بها من أهلها وسائر أهل المدينة ، فوصفنا لهم قَتْل محمد ، وأن طاهر بن الحسين دعا مولى يقال له قريش الدندانىّ ، وأمره بقتله . قال : فقال لنا شيخ منهم: (١) ط: ((ينجاب))، تحريف. ٤٨٩ سنة ١٩٨ كيف قلت ! فأخبرته ، فقال الشيخ : سبحان الله ! كنا نروى هذا أن قريشاً يقتله ؛ فذهبنا إلى القبيلة، فوافق الاسم الاسم ! وذكر عن محمد بن أبى الوزير أن علىّ بن محمد بن خالد بن بَرْمك أخبره أن إبراهيم بن المهدىّ لما بلغه قتلُ محمد ، استرجع وبكى طويلا ، ثم قال : بالخُلْدِ ذاتِ الصَّخْرِ والآجُرِ عُوجا بِمِغْنَى طللِ دَائِرٍ (١) والبسابِ باب الذَّهبِ النَّاضِرِ والمرمَر المسنونِ يُطلَى به(٢) قُدْرَةَ القادرِ على يقينٍ عوجا بها فاستَيقِنا عندها ٩٢٦/٣ على المأمورِ والآمرِ مَوْلی وَبلِغَا عِنِّى مقالاً إِلى الـ طَهِّر بلادَ اللّهِ من طاهِرٍ قولا له : يا بنَ ولِّ الهدَى (٣) لم يكفه أَنْ حَزَّ أَوداجه (٤) ذَبْحَ الهدَايا بمُدَى الجازِرِ حتَّى أَتِى يَسْحَبُ أَوصاله فى شَطَنٍ يُفنِى مَدَى السائرِ (٥) الناظر منکِسرُ وطرفُه قد بَرَّدَ الموتُ على جَنْبِهِ قال: وبلغ ذلك المأمون فاشتدّ عليه . وذكر عن المدائنى أنّ طاهرًا كتب إلى المأمون بالفتح : أما بعد ، فالحمدُ لله المتعالى ذى العزّة والجلال، والملك والسلطان، الذى إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون ، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . كان فيما قدّر اللّه فأحكم، ودبّر فأبرم، انتكاثُ المخلوع ببيعته ، وانتقاضُه بعهده ، وارتكاسه فى فتنته ، وقضاؤه عليه القتل بما كسبتْ يداه وما اللّه بظلام للعبيد. وقد كتبت إلى أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - فى (١) ابن الأثير: ((الطلل الدائر)). (٣) ابن الأثير: ((يابن أبى الناصر)). (٢) ابن الأثير: ((المرمر المنسوب)). (٤) ابن الأثير: ((أوصاله)). (٥) ط: ((مدى الشابر))، وما أثبته من ابن الأثير. ٤٩٠ ٩٢٧/٣ ٩٢٨/٣ سنة ١٩٨ إحاطة جند الله بالمدينة والحُلْد(١)، وأخذهم بأفواههاوطرقها ومسالكهافىد جلةنواحى أزقّة مدينة السلام وانتظام المسالح حواليها وحَدْرِى السّفن والزواريق بالعرّادات والمقاتلة ، إلى ما واجه الخُلْد وباب خراسان ، تحفّظًا بالمخلوع ، وتخوفًا من أن يروغ مراغًا، ويسلك مسلكًا يجدبه السبيل إلى إثارة فتنة، وإحياءثائرة (٢)، أو يهايج قتالا بعد أن حصّره الله عز وجلّ وخذله ، ومتابعة الرّسل بما يعرض عليه هرثمةُ بن أعين مولى أمير المؤمنين، ويسألنى من تخلية الطريق له فى الخروج إليه واجتماعى وهرثمة بن أعين؛ لنتناظر فى ذلك، وكراهتى ما أحدث وراءه من أمره بعد إرهاق اللّه إياه ، وقطعه رجاءه من كلّ حيلة ومتعلَّق ، وانقطاع المنافع عنه ؛ وحيل بينه وبين الماء ؛ فضلا عن غيره ؛ حتى همّ به خدمُهُ وأشياعه من أهل المدينة ومَنْ نجا معه إليها، وتحزَّبُوا على الوثوب به للدّفْع عن أنفسهم والنجاة بها ، وغير ذلك مما فسرتُ لأمير المؤمنين أطال الله بقاءه مما أرجو أن يكون قد أتاه . وإنى أخبر أمير المؤمنين أنى رَوّيت فيما دبّر هرثمة بن أعين مولى أمير المؤمنين فى المخلوع ، وما عَرَض عليه وأجابه إليه ، فوجدت الفتنة فى تخلّصه من موضعه الذى قد أنزله الله فيه بالذّلة والصَّغار وصيّره فيه إلى الضيق والحصار تزداد ، ولا يزيد أهل التربص فى الأطراف إلا طمعًا وانتشارًا، وأعلمت ذلك هرثمةَ بن أعين، وكرامتى ما أطمعه فيه وأجابه إليه؛ فذكر أنه لا يرى الرجوع عما أعطاه ، فصادرته- بعد يأس من انصرافه - عن رأيه، على أن يقدم المخلوع رداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيفته وقضيبه قبل خروجه؛ ثم أخلِّ له طريق الخروج إليه ؛ كراهة أن يكون بينى وبينه اختلاف نصير منه إلى أمرٍ يُطمع الأعداء فينا ، أو فراقُ القلوب بخلاف ما نحن عليه من الائتلاف والاتفاق على ذلك ، وعلى أن نجتمع لميعادنا عشية السبت . فتوجّهت فى خاصة ثقاتى الذين اعتمدت عليهم ، وأثق بهم ، بربط الجأش ، وصدق البأس ، وصحة المناصحة ؛ حتى طالعتُ جميعَ أمر كلّ (١) المدينة ، أى بغداد ؛ وهى مدينة السلام . والخلد : قصر بناه المنصور بها ؛ ثم بنيت (٢) الثائرة: العداوة والشحناء. حواليه منازل ، فصارت محلة كبيرة عرفت بالخلد . ٤٩١ سنة ١٩٨ منْ كنت وكّلتُ بالمدينة والخُلْد بَرًّا وبحراً، والتقدمة إليهم فى التحفّظ والتيقظ والحراسة والحذر، ثم انكفأت إلى باب خراسان، وكنت أعددت حرّاقَات وسفناً؛ سوى العُدّة التى كانت لأر کبها بنفسى لوقت میعادی بينى وبين هرثمة ، فنزلتها فى عدّة ممن كان ركب معى من خاصة ثقاتى وشاكريّتِى (١)، وصيرت عدّة منهم فرسانًا ورجّالة بين باب خُراسان والمشرعة(٢) وعلى الشطّ. وأقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقُرْب باب خراسان معدّاً مستعدًّا ؛ وقد خاتلنى بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج إليه إذا وافى المشرعة ، ليحمله قبل أن أعلم، أو يبعث إلىّ بالرداء والسيف والقضيب؛ على ما كان فارقنى عليه من ذلك . فلما وافى خروجُ المخلوع على مَنْ وكلت بباب خراسان، نهضوا عند طلوعه عليهم ليعرفوا الطابع لأمرى كان أتاهم ، وتقدّمى إليهم ألاَّ بَدَعُو أحدًا يجوزهم إلا بأمرى. فبادرهم نحو المشرَّعة، وقرّب هرثمةُ إليه الحرّاقة، فسبق الناكثَ أصحابى إليها، وتأخر كَوْثر (٣)، فظفر به قريش مولاى ، ومعه الرّداء والقضيب والسيف، فأخذه وما معه ، فنفر أصحاب المخلوع عند ما رأوْا من إرادة أصحابى منع مخلوعهم من الخروج ، فبادر بعضُهم حَرَّاقة هرثمة ، فتكفّأت بهم حتى أغرِقِت فى الماء ورَسبَتْ ، فانصرف بعضهم إلى المدينة ، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الخرّاقة فى دجلة متخلِّصا إلى الشطّ، نادماً على ما كان من خروجه ، ناقضًا للعهد ، داعيًا بشعاره ، فابتدره عدّة من أوليائى الذين كنت وكاتهم بما بين مشرعة باب خُراسان وركن الصراة ، فأخذوه عَنْوة قَهْزًا بلا عهد ولا عقد ؛ فدعا بشعاره ، وعاد فى نَكْثه ، فعرض عليهم مائة حبة ، ذكر أن قيمة كل حبة مائة ألف درهم ، فأبوا إلا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله، وصيانة لدينهم، وإيثاراً للحقّ الواجب عليهم، فتعلقوا به، قد أسلمه (٤) اللّه وأفرده ؛ كلُّ يرغبه ، ويريد أن يفوز بالحظوة عندى دون صاحبه ؛ حتى اضطربوا فيما بينهم ، وتناولوه ٩٢٩/٣ (١) الشاكرى: الأجير والمستخدم، معرب ((جاكر)). (٢) المشرعة : مورد الشاربة . (٣) كوثر خادم الأمين. (٤) أسلمه ، أى خذله . ٤٩٢ سنة ١٩٨ بأسيافهم منازعةً فيه، وتشاحًا عليه (١)، إلى أن أتيح له مَغيظٌ(١) لله ودينه ورسوله وخليفته ، فأتّى عليه وأتانى الخبر بذلك، فأمرت بحمل رأسه إلىّ ، فلما أتيت به تقدّمت إلى من كنت وكلت بالمدينة والخُلْد وما حواليها وسائر مَنْ فى المسالح ، فى لزوم مواضعهم ، والاحتفاظ بما يليهم، إلى أن يأتيهم أمرى . ثم انصرفت. فأعظم اللّه لأمير المؤمنين الصنع والفتح عليه وعلى الإسلام به وفيه. فلما أصبحتُ هاج الناس واختلفوا فى المخلوع ، فمصدّق بقتله ، ومكذب وشاك وموقن، فرأيت أن أطرح عنهم الشبهة فى أمره ، فمضيت برأسه، لينظروا إليه فيصحّ بعينهم، وينقطع بذلك بَعَل(٣) قلوبهم، ودخَلُ التياث المستشرفين للفساد (٤) والمستوفزين للفتنة، وغدوت نحو المدينة فاستسلم مَنْ فيها ، وأعطى أهلها الطاعة، واستقام الأمير المؤمنين شرقىّ ما يلى مدينة السلام وغربيّه وأرْباعه (٥) وأرْباضَه ونواحيه ؛ وقد وضعتِ الحربُ أوزارها وتلافى بالسلام والإسلام أهله ؛ وبعَّد الله الدّغَل (٦) عنهم، وأصارهم ببركة أمير المؤمنين إلى الأمن والستكون والدّعة والاستقامة والاغتباط؛ والصّنْع من اللّه جلّ وعزّ والخيرة، والحمد لله على ذلك . ٩٣٠/٣ فكتبت إلى أمير المؤمنين حفظه الله ، وليس قبلى داعٍ إلى فتنة ؛ ولا متحرِّك ولا ساعٍ فى فساد ، ولا أحد إلاسامع مطيع باخع حاضر ؛ قد أذاقه اللّه حلاوة أمير المؤمنين ودَعَة ولايته؛ فهو يتقلّب فى ظلها ، يغدو فى متجره ويروح فى معايشه؛ والله ولىّ ما صنع من ذلك، والمتمَّ له، والمانّ بالزيادة فيه برحمته . وأنا أسأل الله أن تُهنّئ أميرَ المؤمنين نعمتُه، ويتابع له فيها مزيدَه ويُوزعه عليها شكره؛ وأن يجعل منّته لديه متوالية دائمًا متواصلة؛ حتى يجمع الله له خير الدنيا والآخرة، ولأوليائه وأنصار حقه ولجماعة المسلمين ببركته وبركة ولايته ويُمْن خلافته، إنه ولىّ ذلك منهم وفيّه، إنه سميع لطيف لما يشاء . (١) تشاحا على الأمر؛ أى لا يريدان أن يفوتهما. (٢) ط: ((مغيظًا))، وهو خطأ. (٤) الدخل : ما داخل المرء من فساد فى عقل (٣) البعل : الدهش والاضطراب. أو جسم . والالتياث : الاختلاط والالتفاف . واستشرف إلى الشىء : رفع بصره إليه . (٥) كانت بغداد مقسمة أرباعاً. (٦) الدغل : الفساد . ٤٩٣ سنة ١٩٨ وكُتِب يوم الأحد لأربع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة . وذكر عن محمد المخلوع أنه قبل مقتله، وبعد ما صار فى المدينة، ورأى الأمر قد تولّى عنه ، وأنصاره يتسللون فيخرجون إلى طاهر ، قعد فى الجناح الذى كان عمله على باب الذهب - وكان تقدم فى بنائه قبل ذلك - وأمر بإحضار كلّ من كان معه فى المدينة من القواد والجند، فجمعوا فى الرحبة ، فأشرف عليهم ، وقال : ٩٣١/٣ الحمدُ لله الذى يرفع ويضع ، ويعطى ويمنع ، ويقبض ويبسط؛ وإليه المصير . أحمَده على نوائب الزّمان، وخذلان الأعوان، وتشتت الرجال، وذهاب الأموال ، وحلول النوائب ، وتوفّد المصائب ؛ حمدًا يُدّخَر لى به أجزل الجزاء ، ويسَرْفدنى أحسَن العزاء . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما شهد لنفسه، وشهدتْ له ملائكته، وأنّ محمداً عبده الأمين، ورسوله إلى المسلمين، صلى اللّه عليه وسلم، آمين رب العالمين. أما بعد يا معشر الأبناء ، وأهل السبق إلى الهدى ، فقد علمتم غفلتى كانت أيام الفضل بن الربيع وزيرٌ علىّ ومشير، فمادّت به الأيام(١) بما الزمنى به من الندامة فى الخاصّة والعامة، إلى أن نبهتونى فانتبهت، واستعنتمونى فى جميع ما كرهتهم من نفسى وفيكم، فبذلت لكم ما حواه مُلكى ، ونالته مقدرتى، ممّا جمعته وورثته عن آبائى، فقوّدت(٢) مَنْ لم يَجُز، واستكفيت مَنْ لم يكْفٍ، واجتهدت - علم الله - فى طلب رضاكم بكلّ ما قدرت عليه، واجتهدتم - علم الله - فى مساءتى فى كلّ ما قدرتم عليه؛ من ذلك توجيهى إليكم علىّ بن عيسى شيخكم وكبيركم وأهل الرأفة بكم والتحمّن عليكم؛ فكان منكم ما يطول ذكره؛ فغفرت الذنب ، وأحسنت واحتملت ، وعزّيت نفسى عند معرفتى بشرود (٣) الظفر، وحرصى على مُقامكم مَسْلحة بحلوان مع ابن کبیر صاحب دعوتكم ، ومن علی یدی أبيه كان فخركم، وبه تمّت طاعتكم: عبد الله بن حميد بن قَحْطبة، فصرتم من التألّب عليه إلى ما لا طاقة (١) مادت به الأيام: طاولته. (٢) قودت، أى اتخذته قائداً. (٣) ظ: ((بشذوذ)). ٤٩٤ ٩٣٢/٣ ٩٣٣/٣ سنة ١٩٨ له به ، ولا صبر عليه. يقودكم رجل منكم وأنتم عشرون ألفًا؛ إلىّ عامدين (١)، وعلى سيّدكم متوثبين مع سعيد الفرد ، سامعين له مطيعين . ثم وثبتم مع الحسين علىّ ، فخلعتمونى وشتمتمونى ، وانتهتمونى وحبستمونى ، وقيّدتمونى؛ وأشياء منعتمونى من ذكرها ؛ حقْد قلوبكم وتلكؤّ طاعتكم أكبرُ وأكثر . فالحمد لله حمد من أسلم لأمره، ورضى بقدَرَه؛ والسلام. وقيل: لما قُتل محمد، وارتفعت الثائرة، وأعطىَ الأمان الأبيض والأسود، وهدأ الناس ، ودخل طاهر المدينة يوم الجمعة، فصلّى بالناس، وخطبهم خطبة بليغة ، نزع فيها من قوارع القرآن ؛ فكان مما حُفظ من ذلك أن قال : الحمد للّه مالك الملك يُؤتى الملكَ من يشاء وينزعُ الملك ممن يشاء، ويُعزّ مَنْ يشاء ويُذلّ مَنْ يشاء بيده الخيرُ وهو على كلّ شيء قدير. فى آى من القرآن أتبع بعضها بعضًا، وحضّ على الطاعة ولزوم الجماعة ، ورَغّبهم فى التمسك بحبل الطاعة. وانصرف إلى معسكره . وذكر أنه لما صعد المنبر يوم الجمعة، وحضره من بنى هاشم والقُوّاد وغيرهم جماعة كثيرة ، قال : الحمد لله مالك الملك، يؤْتيه مَنْ يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ مَنْ يشاء ، بيده الخير، وهو على كلّ شى قدير. لا يُصلحُ عملَ المفسدين ، ولا يهدى كيد الخائنينَ؛ إنّ ظهور غَلَبتنا لم يكن من أيدينا ولا كيدنا ، بل اختار اللّه للخلافة إذ جعلها عماداً لدينه ، وقوامًا لعباده، وضبط الأطراف وسدّ الثغور، وإعداد العُدّة، وجمْع الفيء، وإنفاذ الحكْ، ونشر العدْل، وإحياء السنة؛ بعد إذبالِ البَطالات ، والتلذذ بموبق الشهوات . والمُخْلدُ إلى الدنيا مستحسنٌ لداعى غرورها، محتلبٌ درّة نعمتها، ألِفٌ لزهرة روضتها، كليفٌ برَوْنق بهجتها. وقد رأيتم من وفاء موعود الله عزّ وجلّ لمن بغى عليه، وما أحلّ به من بأسه ونقمته ، لمّا نكب عن عهده ، وارتكب معصيته ، وخالف أمره ، وغيّره ناهيه ، وعظته مردية ؛ فتمسكوا بوثائق (٣) عُصُم الطاعة، واسلكوا مناحى سبيل الجماعة ، واحذروا مصارع أهل الخلاف (٢) ط: ((بدقائق)). (١) ط: ((عامين)). ٤٩٥ سنة ١٩٨ والمعصية ؛ الذين قدحوا زناد الفتنة ، وصدَعوا شَعْب الألفة ، فأعقبهم الله خسار الدنيا والآخرة. ولما فتح طاهر بغداد كتب إلى أبى إسحاق المعتصم - وقد ذكر بعضهم أنه إنما كتب بذلك إلى إبراهيم بن المهدىّ، وقال الناس: كتبه إلى أبى إسحاق المعتصم: أما بعد ، فإنه عزيز علىّ أن أكتبَ إلى رجل من أهل بيت الخلافة بغير التأمير ؛ ولكنّه بلغنى أنك تميل بالزأى، وتُصغى بالهوى، إلى الناكث المخلوع ؛ وإن كان كذلك فكثير ما كتبتُ به إليك ، وإن كان غير ذلك فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته . وكتب فى أسفل الكتاب هذه الأبيات : جهلٌ وَرَأْيُكَ بالتَّغرِيرِ تَغْرِيرُ(١) ركوبكَ الأَمرَ ما لم تُبْلَ فرْصتُهُ حَظَّ الْمُصِيبِينَ والمَغْرورُ مَغْرورُ (٣) أَقبحْ بِدُنيَا ينالُ المُخطئونَ بها(٢) [ وثوب الجند بطاهر بن الحسين بعد مقتل الأمين ] وفى هذه السنة وثب الجند بعد مقتل محمد بطاهر، فهرب منهم وتغيّب أيامًا حتى أصليح أمرهم . ٩٣٤/٣ * ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به وإلى ما آل أمره وأمرهم : ذكر عن سعيد بن حميد؛ أنه ذكر أن أباه حدّثه؛ أنّ أصحاب طاهر (١) العقد ٤ : ٢٤٢، ورواية البيت فيه : رُكوبُكَ الهوّل مالمْ تُلْفِ قُرْصتَهُ جَهلٌ رمَى بِكَ بالإِقحام تغريرُ (٣) بعدهما فى العقد : (٢) العقد: ((يصيب المخطئون)). فلنْ يُذَمّ لأَهل الحزمِ تدبيرُ فازْرَعْ صواباً وَخُذْ بالحزْمِ خَيْطَتَهُ فأَنتَ عند ذوى الأَلبابِ معذورُ فإِن ظفرتَ مصيباً أَو هلكْتَ به قَالُوا : جهولٌ أَعانتْهُ المقاديرُ وإِنْ ظفِرتَ عَلى جهلٍ فَفُزْتَ بِهِ ٤٩٦ سنة ١٩٨ بعد مقتل محمد بخمسة أيام ، وثبوا به ؛ ولم يكن فى يديه مال ، فضاق به أمرُه ، وظنّ أن ذلك عن مواطأة من أهل الأرْباض إياهم، وأنهم معهم عليه، ولم يكن تحرّك فى ذلك من أهل الأرباض أحد، فاشتدّت شوكة أصحابه ، وخشىَ على نفسه ، فهرب من البستان ، وانتهبوا بعضَ متاعه ، ومضى إلى عَقر قوف(١) . وكان قد أمر بحفظ أبواب المدينة وباب القصر على أمّ جعفر، وموسى وعبد الله ابنى محمد، ثم أمر بتحويل زُبيدة وموسى وعبد الله ابنىْ محمد معها من قصر أبى جعفر إلى قصر الخُلْد ، فحوّلوا ليلة الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول ، ثم مضى بهم من ليلتهم فى حَرّاقة إلى هُمَيْنيا على الغربىّ من الزاب الأعلى ، ثم أمر بحمل موسى وعبد الله إلى عمّهما بخراسان على طريق الأهواز وفارس . قال : ولما وثب الجند بطاهر، وطلبوا الأرزاق، أحرقوا باب الأنبار الذى على الخندق وباب البستان ، وشهروا السلاح ، وكانوا كذلك يومتَهم ومن الغد ، ونادوا موسى : يا منصور. وصوّب الناس إخراج طاهر موسى وعبد الله ؛ وقد كان طاهر انحاز ومَنْ معه من القوّاد ، وتعبّأ لقتالهم ومحاربتهم ، فلما بلغ ذلك القوّاد والوجوه صاروا إليه واعتذروا، وأحالوا على السفهاء والأحداث، وسألوه الصّفْح عنهم وقبول عذرهم والرضا عنهم، وضمنوا له ألا يعودوا لمكروه له ما أقام معهم. فقال لهم طاهر: والله ما خرجتُ عنكم إلا لوضع سيفى فيكم ، وأقسم بالله لئن عندتم لمثلها لأعودنّ إلى رأيى فيكم، ولأخرجنّ إلى مكروهكم؛ فكسرهم بذلك ، وأمر لهم برزق أربعة أشهر ؛ فقال فى ذلك بعض الأبناء : ٩٣٥/٣ حَقٌّ - بجَمْع معَاشِرِ الزُّعَّارِ آلَى الأَميرُ - وقولُهُ وَفِعَالهُ من كلِّ ناحيةٍ من الأَقطارِ إِن هاج هَائجُهُمْ وشَغَّبَ شَاغِبٌ إِمهالَ ذی عَدْلٍ وذِى إِنظارٍ أَلَّا يناظرَ مَعْشَرًا من جمْعِهِمْ تدَعُ الدِّيارَ بَلَاقِعَ الآثار حتى يُنِيخَ عليهِمُ بعَظيمَةِ (١) ط: ((عاقرقوف))، تصحيف. ٤٩٧ سنة ١٩٨ فذكر عن المدائنىّ أن الجند لما شَغَبُوا، وانحاز طاهر، ركب إليه سعيد ابن مالك بن قادم ومحمد بن أبى خالد وهبيرة بن خازم ؛ فى مشيخة من أهل الأرباض، فحلفوا بالمغلّظة من الأيمان، أنه لم يتحرّك فى هذه الأيام أحدٌ من أبناء الأرباض ، ولا كان ذلك عن رأيهم، ولا أرادوه، وضمنوا له صلاح نواحيهم من الأرْبَاض ، وقيام كل إنسان منهم فى ناحيته بكلّ ما يجب عليه؛ حتى لا يأتيه من ناحية أمريكرهه. وأتاه عميرة -أبو شَيْخ بن عميرة الأسدىّ-وعلىّ ابن يزيد؛ فى مشيخة من الأبناء، فلقوه بمثل ما لقيه به ابنُ أبى خالد وسعيد ابن مالك وهُبيرة ، وأعلموه حسنَ رأى مَنْ خلْفهم من الأبناء ولينَ طاعتهم له ، وأنهم لم يدخلوا فى شىء مما صنع أصحابه فى البستان . فطابت نفسه إلاّ أنه قال لهم: إن القوم يطلبون أرزاقهم ، وليس عندى مال . فضمن لهم سعيد ابن مالك عشرين ألف دينار ، وحملها إليه ، فطابت بها نفسه ، وانصرف إلى معسكره بالبستان . وقال طاهر لسعيد: إنى أقبلها منك على أن تكون علىّ ديْنًا ، فقال له : بل هى إنما صلة وقليل لغلامك وفيما أوجب الله من حقك . فقبلها منه ، وأمر للجند برزق أربعة أشهر ، فرضُوا وسكنوا . قال المدائیّ : و کان مع محمد رجل يقال له السمرقندى ، و کان یرمی عن مجانيق كانت فى سفن من باطن دجلة ؛ وربما كان يشتدّ أمر أهل الأرباض على متن بإزائهم من أصحاب محمد فى الخنادق ،فکان یبعث إليه، فيجىء به فيرميهم - وكان راميًا لم يكن حجَرُه يخطئ - ولم يقتل الناس يومئذ بالحجارة كما قيل ، فلما قتل محمد قُطع الجسر، وأحرقت المجانيق التى كانت فى دجلة يرمى عنها، فأشفق على نفسه، وتخوّف من بعض مسن" وتره أن يطلبه ، فاستخفى، وطلبه الناس، فتكارى بغلا ، وخرج إلى ناحية خُراسان هاربًا، فمضى حتى إذا كان فى بعض الطريق استقبله رجلٌ فعرفه ؛ فاما جازه قال الرجل للمكارى: ويحك! أين تذهب مع هذا الرجل! والله لئن ظُفر بك معه لتُقتلنّ، وأهون ما هو مصيبُك أن تحبَس ، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! قد والله عرفت اسمه ، وسمعت به قتله الله! فانطلق المكارى إلى أصحابه - أو مسلحة انتهى إليها - فأخبرهم خبره ، وكانوا من أصحاب كُنْدُ غوش من أصحاب هرثمة ، ٩٣٦/٣ ٤٩٨ ٩٣٧/٣ سنة ١٩٨ فأخذوه وبعثوا به إلى هرثمة ، وبعث به هرئمة إلى خزيمة بن خازم بمدينة السلام ، فدفعه خزيمة إلى بعض مَنْ وتره فأخرجه إلى شاطئء دجاة من الجانب الشرقى فصُلب حيًّا ، فذكروا أنه لما أرادوا شدّه على خشبته، اجتمع خلق كثير، فجعل يقول قبل أن يشدّوه: أنتم بالأمس تقولون : لا قَطَع الله يا سمرقندىّ يدك، واليوم قد هيّأتم حجارتكم ونُشّابكم لترمونى! فلما رفعت الخشبة أقبل الناس عليه رميًا بالحجارة والنشاب وطعنًا بالرماح حتى قتلوه، وجعاوا يرمونه بعد موته، ثم أحرقوه من غد ، وجاءوا بنار ليحرقوه بها ، وأشعلوها فلم تشتعل ، وألقوا عليه قصبًا وحطبًا، فأشعلوها فيه، فاحترق بعضه، وتمزّقت الكلاب بعضه ؛ وذلك يوم السبت لليلتين خلتا من صفر . ٠ ذكر الخبر عن صفة محمد ابن هارون و کنیته وقدر ما ولی ومبلغ عمره قال هشام بن محمد وغيره : ولِىّ محمد بن هارون وهو أبو موسى يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وقتل ليلة الأحد لستّ بقين من صفر سنة سبع وتسعين ومائة . وأمه زبيدة ابنة جعفر الأكبر بن أبى جعفر ؛ فكانت خلافتُه أربع سنين وثمانية أشهر وخمسة أيام . وقد قيل : كانت كنيتُه أبا عبد الله . وأما محمد بن موسى الخُوارزمىّ فإنه ذكر عنه أنه قال : أتت الخلافةُ محمّد بن هارون للنصف من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، وحجّ بالناس فى هذه السنة التى وَلىَ فيها داود بن عيسى بن موسى، وهو على مكة وأبو البخترىّ على ولايته، وبعد ولايته بعشرة أشهر وخمسة أيام وجَّه (١) عصمة ابن أبى عصمة إلى ساوة ، وعقد ولايته لابنه موسى بولاية العهد لثلاث خلون من شهر ربيع الأول ؛ وكان على شُرّطه علىّ بن عيسى بن ماهان. وحجّ بالناس سنة أربع وتسعين ومائة علىّ بن الرشيد ، وعلى المدينة إسماعيل بن العباس بن محمد ، وعلى مكة داود بن عيسى ، وكان بين أن ٩٣٨/٣ (١) ط: ((وجهه). ٤٩٩ ٠ سنة ١٩٨ عقد لابنه إلى التقاء علىّ بن عيسى بن ماهان وطاهر بن الحسين وقتل علىّ بن عيسى بن ماهان سنة خمس وتسعين ومائة، سنةٌ وثلاثة أشهر وتسعة وعشرون يومًا . قال : وقتل المخلوع ليلة الأحد لخمس بقين من المحرّم ، قال : فكانت ولايته مع الفتنة أربع سنين وسبعة أشهر وثلاثة أيام . ولما قتل محمد ووصل خبره إلى المأمون فى خريطة من طاهر يوم الثلاثاء لاثنتى عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة أظهر المأمون الخبر ، وأذن للقوّاد فدخلوا عليه. وقام الفضل بن سهل فقرأ الكتاب بالخبر، فهنِّئ بالظَّفَر ، ودعوا الله له . وورد الكتاب من المأمون بعد قتل محمد على طاهر وهرثمة بخلْع القاسم بن هارون ، فأظهرا ذلك ، ووجها كتبهما به، وقرئ الكتاب بخلعه يوم الجمعة لليلتين بقيّتًا من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين ومائة ، وكان عمر محمد كله - فيما بلغنى - ثمانيًا وعشرين سنة. وكان سَبْطًا أنزعَ أبيض صغير العينين أقنى ، جميلا ، عظيم الكراديس ، بعيد ما بين المنكبين . وكان مولده بالرُّصافة . وذ کر أن طاهراً قال حین قتله: وَأَنْتُ بِالسَّيْف أَموالَهُ قَتَلتُ الخليفةَ فى دَارهِ وقال أيضًا : وَقَتَّلتُ الجبابرَةِ الكِيَارا(١) مَلَكْتُ النَّاسَ قَسْرًا واقتدارًا إِلى المأمون تَبْتَدِرُ ابتدارًا ووجَّهتُ الخلافة نحو مَرْوٍ (١) ابن بدرون ٢٥٥ . ٠ ٠ سنة ١٩٨ ٩٣٩/٣ ذكر ما قيل فى محمد بن هارون ومرتيته لم تكن تَصلُحُ للمُلكِ ولَمْ أيُّها الباكِى عَلَيْهِ لا بكتْ لِمْ نُبَكِّيكَ لِمَا عَرَّضتَنا ولقومٍ صَيَّرونَا أَعْبُدًا فِى عذابٍ وحصارٍ مُجهدٍ زَعمُوا أَنَّكَ حىٍّ حاشِرٌ فما قيل فى هجائه : يا أَبا موسى وَتَرْوِيج اللَّعِبْ لِمْ نُبَكِّيك لِماذا؟ للطّربْ! حَرَصاً مِنكَ على ماءِ العِنَبْ وَلِتَرْكِ الخمْسِ فِى أَوْقَاتِهَا وَعَلى كوثرَ لا أَخشى الْعَطَبْ وَشَنيفِ أَنا لا أَبكى لَهُ لَمْ تَكُنْ تَعرِفُ ما حدّ الرِّضا لا ولا تَعْرِفُ ما حَدُّ الغَضَبْ تُعطكَ الطاعةَ بالمُلك الْعَرَبْ عينُ مَنْ أَبكاكَ إِلَّ لِلعَجَبْ للمجانيق وَطَوْرًا للسَّلَبْ لهمُ يَنزُوعلى الرأس الذَّنَب(١) سَدَّد الطُّرْقَ فَلاَ وَجْهَ طَلَبْ(٣) كُلُّ مَنْ قَالَ بِذَا قَدْ كَذَبْ مِنْ جميعٍ ذاهبٌ حيثُ ذَهَبْ لَيْتَ مَنْ قَدْ قَالَهُ فى وَحْدَةِ (٣) فإذا ما أَوْجَبَ الأَمرَ وَجَبْ أَوْجَب اللهُ عَلَيْنَا قَتْلَهُ غَضِبَ الله عَلَيْهِ وَكَتَبْ كانَ والله علينا فتنةً وقال عمرو بن عبد الملك الوراق يبكى بغداد ، ويهجو طاهراً ويعرّض به: أَلِمْ تَكُونِى زَماناً قرّة العينِ ! مَنْ ذا أصابكِ يا بَغدادُ بالعينِ ألم يكن فِيكِ أَقوامٌ لهم شرف بالصالحات وبالمعروف يلقونى وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْنِ ألم يكن فيك قومٌ كان مسكنُهمْ ماذَا الَّذِى فَجَعَتْنِى لوعةُ الْبَينِ صاحَ الزمانُ بهمْ بالبيْن فانقرضُوا ٩٤٠/٣ (١) ط: ((يبدو)). (٣) ابن الأثير: ((ليته قد قال فى وجده)). (٢) ابن الأثير: ((فلا وجه الطلب)).