Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ سنة ١٩٦ ٨٣٧/٣ متوجهًا إلى قرية تدعى إسحاقيّة ، ومعه نفر من أهل بيته ومواليه وحشمه ؛ فلما جاوز نهر أبان سمع صوت بريد فى جوف الليل ، فقال : إن هذا لعجيب، بريد فى مثل هذه الساعة وفى مثل هذا الموضع ! إن هذا الأمر العجيب . ثم لم يلبث البريد أن وقف ، ونادى الملاّحَ : هل معك أحمد ابن مزيد ؟ قال: نعم؛ فنزل فدفع إليه كتاب محمد ، فقرأه ثم قال : إنى قد بلغت ضيعتى ؛ وإنما بينى وبينها ميل ؛ فدعنى أقعْها وقعة فآمر فيها بما أريد ثم أغدو معك، فقال : لا، إنّ أمير المؤمنين أمرنى ألاّ أنظرك ولا أرفّهك؛ وأنْ أشخصك أىّ ساعة صادفتك فيها ؛ من ليل أونهار . فانصرف معه حتى أتى الكوفة ، فأقام بها يوماً حتى تجمّل وأخذ أهبة السفر، ثم مضى إلى محمد . فذكر عن أحمد ، قال : لما دخلت بغداد ، بدأت بالفضل بن الربيع ، فقلت : أسلّم عليه، وأستعين بمنزلته ومحضره عند محمد؛ فلما أذن لى دخلت عليه؛ وإذا عنده عبد الله بن حُميد بن قحطبة، وهو يريده على الشخوص(١) إلى طاهر، وعبد الله يشتطّ عليه فى طلب المال والإكثار من الرجال؛ فلمّا رآنى رحب بى وأخذ بيدى ، ورفعنى حتى صيرنى معه على صدر المجلس ، وأقبل علی عبد الله يداعبه ويمازحه ، فتبسم فى وجهه ، ثم قال : مِنْ آلِ شيْبانَ أُمَّ دُونكمْ وَأَبا إِنَّا وجَدْنا لكم إِذ رَثَّ حبْلكم والأَقْرَبُونَ إلينا منكُمُ نَسبا الأَكثرُونَ إِذَا عُدَّ الحَصى عَدَدًا ٨٣٨/٣ فقال عبد الله: إنّهم لكذلك؛ وإن منهم لسَدّ الخَلل ونكاء العدوّ، ودفع معرّة أهل المعصية عن أهل الطاعة . ثم أقبل علىّ الفضل، فقال: إنّ أمير المؤمنين أجرى ذكرك ، فوصفتُك له بحسن الطاعة وفضل النصيحة والشدّة على أهل المعصية ، والتقدّم بالرأى ، فأحبّاصطناعك والتنويه باسمك، وأن يرفعك إلى منزلةٍ لم يبلغها أحد من أهل بيتك . والتفت إلى خادمه ، فقال : یاسرّاج ؛ مُرْ دواہی ، فلم ألبث أن أسرج له، فمضى ومضيت معه، حتى دخلنا على محمد وهو فى صحن داره ، له ساج ، فلم يزل يأمرنى بالدنوّ حتى كدت (١) !: ((الخروج)). ٤٢٢ سنة ١٩٦ ألاصقه ، فقال: إنه قد كثر علىّ تخليط ابن أخيك وتنكّه ، وطال خلافه علىّ حتى أوحشنى ذلك منه، وولّد فى قلبى التهمة له ، وصيّرنى لسوء المذهب وخبث الطاعة إلى أن تناولته من الأدب والحبس بما لم أحبّ أن أكون أتناوله به ، وقد وُصفتَ لى بخير ، ونُسبت إلى جميل ، فأحببت أن أرفع قدَرَك ، وأعلى منزلتك، وأقدّمك على أهل بيتك، وأن أولِّيَك جهاد هذه الفئة الباغية الناكثة ، وأعرّضك للأجر والثواب فى قتالهم ولقائهم ؛ فانظر كيف تكون ، وصحِّح نيّتَك، وأعن أميرَ المؤمنين على اصطناعك، وسُرَّه فى عدوّه ينعم سرورك وتشريفك . فقلت : سأبذل فى طاعة أمير المؤمنين أعزّه الله مهجتِى ، وأبلغ فى جهاد عدوّه أفضل ما أمّله عندى، ورجاه من غنائى وكفايتى، إن شاء الله. فقال : يا فضل، قال : لبيك يا أمير المؤمنين! قال : ادفع إليه دفاترَ أصحاب أسد، واضممْ إليه مَنْ شهد العسكر من رجال الجزيرة والأعراب، وقال : أكمش على أمرك ، وعجّل المسير إليه . فخرجت فانتخبت الرجال واعترضت الدفاتر، فبلغت عدّة من صحّحتُ اسمه عشرين ألف رجل . ثم توجّهت بهم إلى حُلوان . ٨٣٩/٣ وذكر أن أحمد بن مزيد لمّا أراد الشخوص دخل على محمد ، فقال : أوصنى أكرم اللّه أمير المؤمنين! فقال: أوصيك بخصال عِدّة: إياك والبغْىَ، فإنه عقال النصر ، ولا تقدّم رِجْلًا إلا باستخارة ، ولا تُشهِر سيفًا إلا بعد إعذار؛ ومهما قَدَرت باللين فلا تتعدّه إلى الحُرْق والشِّرّة(١)، وأحسِنْ صحابة مَنْ معك من الجند ، وطالعنى بأخبارك فى كلّ يوم ، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندى؛ ولا تستقْها(٢) فيما تتخوّف رجوعه علىّ، وكن لعبد الله أخًا مصافيًا، وقرينًا بَرًّا، وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته ، ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطئ عنه إذا استصرختَك ؛ ولتكن أيديكما واحدةً ، وكلمتكما متفقة. ثم قال: سلْ حوائجك، وعجّل السراح إلى عدوّك. فدعا له أحمد، وقال: يا أميرَ المؤمنين ، كَثِّرْ لى الدعاء ولا تقبل فىّ قول باغٍ ، ولا ترفضنى قبل المعرفة بموضع قدمى لك، [ولا تنقض علىّ ما استجمع من رأى، ومنّ علىّ بالصفح عن ابن أخى، قال: ذلك لك](٣). ثم بعث إلى أسد فحل قيوده وخلّی (١) !: ((الشدة)). (٣) من ا. (٢) ا: ((ولا تستبقها)). ٤٢٣ سنة ١٩٦ سبيله، فقال أبو الأسد الشيبانىّ فى ذلك [يمدح أحمد ويذكر حاله ومنزلته](١). وما عِندَهُ منهُ القَضا بمَزِيدٍ لِيَهْنِ أَبا العباسِ رَأْىُ إِمامِهِ يُقَصِّرُ عنها ظِلُّ كلِّ عَميدٍ دَعاهُ أَميرُ المؤمنينَ إِلى التى وَرَأَىُ أبى العباسِ رأىُ سَدیدٍ فَبَادَرَها بالرَّأى والحَزمِ والحجى ٨٤٠/٣ وَأَنتَ بِسَعدٍ حاضِرٍ وَسَعيدٍ نَهَضْتَ بما أَعيا الرِّجالُ بحملِهِ ومثلكَ وَالَى طَارِفاً بتليد رَدَدتَ بها للرَّائدينَ أَعَزَّهُمْ وكانَ عليهِ عاطفاً كيَزِيدِ كَفِى أَسَدًا ضِيقَ الکبولِ و کرْبَها وحَصَّلَهُ فيها كلَيثٍ غضَنْفرٍ أَبِى أَشْبُلِ عَبْلِ الذِّراع مَدِيدٍ وذكر يزيد بن الحارث أنّ محمّداً وجّه أحمد بن مزيد فى عشرين ألف رجل من الأعراب، وعبد الله بن حميد بن قحْطبة فى عشرين ألف رجل من الأبناء ، وأمرهما أن ينزلا حُدْوان، ويدفعا طاهراً وأصحابه عنها ؛ وإن أقام طاهر بشلاشان أن يتوجّها إليه فى أصحابهما حتى يدفعاه ، وينصبا له الحرب ، وتقدّم إليهما فى اجتماع الكلمة والتوادّ والتحابّ على الطاعة؛ فتوجها حتى نزلا قريبًا من حُلوان بموضع يقال له خانقين ، وأقام طاهر بموضعه ، وخندق عليه وعلى أصحابه ، ودسّ الجواسيس والعيون إلى عسكريهما ؛ فكانوا يأتونهم بالأراجيف ، ويخبرونهم أنّ محمداً قد وضع العطاء لأصحابه ؛ وقد أمر لهم من الأرزاق بكذا وكذا ؛ ولم يزل يحتال فى وقوع الاختلاف والشَّغْب بينهم حتى اختلفوا ، وانتقض أمرهم ، وقاتل بعضُهم بعضًا ، فأخلوْا خانقين ، ورجعوا عنها من غير أن يلقوا طاهرًا، ويكون بينهم وبينه قتال. وتقدّم طاهر حتى نزل حُلوان؛ فلما دخل طاهر حلوان لم يلبث إلاّ يسيراً حتى أتاه هَرْئمة ابن أعْيَن بكتاب المأمون والفضل بن سهل، يأمرانه بتسليم ما حوى من المدن والكُور إليه، والتوجّه(٢) إلى الأهواز، فسلم ذلك إليه، وأقام هرثمة بحلوان فحصنها ووضع مسالحه ومراصده فى طرقها وجبالها، وتوجه طاهر إلى الأهواز. (١) من ا. (٢) ط: ((ويتوجه). ٨٤١/٣ ٤٢٤ سنة ١٩٦ [ ذكر رفع منزلة الفضل بن سهل عند المأمون ] وفى هذه السنة رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدّره . ذكر الخبر عمّا كان من المأمون إليه فى ذلك : ذُكر أن المأمون لمّا انتهى إليه الخبر عن قتل طاهر علىَّ بن عيسى واستيلائه على عسكره وتسميته إيّاه أمير المؤمنين؛ وسلم الفضل بن سهل علیہ بذلك، وصحّ عنده الخبر عن قتل طاهر عبد الرحمن بن جبلة الأبناوىّ وغلبته على عسكره ، دعا الفضل بن سهل، فعقدله فى رجسَب من هذه السنة على المشرق (١)؛ من جبل هتمتذان إلى جبل سقينان والتبّت طولاً، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الدّيْلم وجُرجان عرّضًا ، وجعل عُمالته ثلاثة آلاف ألف درهم ، وعقد له لواء على سنان ذى شُعبتين ، وأعطاه علَمًا ، وسماه ذا الرياستين ؛ فذكر بعضهم أنه رأى سيفه عند الحسن بن سهل مكتوبًا عليه بالفِضّة من جانب: رياسة الحرب ، ومن الجانب الآخر: رياسة التدبير. فحمل اللواء علىّ بن هشام، وحمل العلم نُعيم بن حازم ، وولّى الحسن بن سهل ديوان الخراج . # [ ذكر خبر ولاية عبد الملك بن صالح على الشام ] وفى هذه السنة ولّى محمد بن هارون عبد الملك بن صالح بن على على الشأم وأمره بالخروج إليها ، وفرض له من رجالها جنوداً يقاتل بها طاهراً وهرئمة . ذكر الخبر عن سبب توليته ذلك : ذكر داود بن سليمان أنّ طاهراً لما قوىَ واستعلى أمرُه، وهَزَم من هزم من قوّاد محمد وجيوشه، دخل عبدالملك بن صالح على محمد - وكان عبد الملك محبوساً فى حبس الرشيد؛ فلما تُوُفِّىَ الرشيد ، وأفضى الأمر إلى محمد أمر ٨٤٢/٣ (١) ط: ((الشرق))، وما أثبته من ا. ٤٢٥ منة ١٩٦ بتخلية سبيله ؛ وذلك فى ذى القعدة سنة تسع وثلاثين ومائة ، فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد، ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحتهفقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّى أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك ، وقد بذلتَ سماحتك ؛ فإن أتممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتتهم وأغضبتتهم؛ وليس تُملك الجنود بالإمساك ، ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف ؛ ومع هذا فإن جندك قد رعِبِتْهم الهزائم ، ونهكتْهم وأضعفتهم الحرب والوقائع؛ وامتلأت قلوبهم هيبةً لعدوّهم، ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم ؛ فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل مَنْ معه كثيرَهم، وهزم بقوّة نيّتِهِ ضَعْف نصائحهم ونيّاتهم، وأهلُ الشأم قوم قد ضُرّستهم الحروب، وأدّ بتهم الشدائد، وجلُّهم منقاد إلىّ، مسارع إلى طاعتى ، فإن وجتهنى أمير المؤمنين اتخذت له منهم جنداً تعظم نكايتهم فى عدوّه ، ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته. فقال محمد: فإنى موليك أمرَهم، ومقوّيك بما سألت من مال وعُدّة، فعجّل الشخوص إلى ما هنالك؛ فاعمل عملا يظهر أثرُه، وُيُحمَد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء اللّه. فولآه الشأم والجزيرة ، واستحثّه بالخروج استحثاثًاً شديداً، ووجه معه كنفًا من الجند والأبناء . وفى هذه السنة سار عبد الملك بن صالح إلى الشأم، فلما بلغ الرقة أقام بها. وأنفذ رسله وكتبه إلى رؤساء أجناد أهل الشام بجمع الرّجال بها ، وإمداد محمد بهم لحرب طاهر . * ذكر الخبر عن ذلك : قد تقدّم ذکری سبب توجیه محمد إیاه لذلك ؛ فذ کر داود بن سلیمان أنه لما قدم عبد الملك الرّقة، أنفذ رسله، وكتب إلى رؤساء أجناد الشأم ووجوه الجزيرة ، فلم يبقَ أحد ممّن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه إلا وعده وبسط له فى أمله وأمنیته ، فقدموا علیه رئيسا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة؛ فكان لا يدخل عليه أحدٌ إلا أجازه وخلع عليه وحمله ؛ فأتاه أهلُ الشأم: الزواقيل والأعراب من كلّ فَجّ ، واجتمعوا عنده حتى كثروا . ثم إن ٨٤٣/٣ ٤٢٦ سنة ١٩٦ بعضَ جند أهل خُراسان نظر إلى دابة كانت أخذت منه فى وقعة سليمان بن أبى جعفر تحت بعض الزواقيل ؛ فتعلّق بها ، فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا ؛ واجتمعت جماعة من الزّواقيل والجند ، فتلاحموا ، وأعان كلّ فريق منهم صاحبه ، وتلاطموا وتضاربوا بالأيدى ، ومشى بعض الأبناء إلى بعض ، فاجتمعوا إلى محمد بن أبى خالد ، فقالوا : أنت شيخنا وفارسنا ؛ وقد ركب الزواقيلَ منّا ما قد بلغك؛ فاجمع أمرنا وإلا استذلُّونا ، وطمعوا فينا ، وركبوا بمثل هذا فى كلّ يومٍ. فقال : ما كنت لأدخل فى شَغْب ، ولا أشاهدكم على مثل الحالة . فاستعدّ الأبناء وتهيئوا، وأتوا الزواقيل وهم غارُّون، فوضعوا فيهم السيوف ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذبحوهم فى رحالهم ، وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولتهم ، وليسوا أسلحتهم، ونشبت الحرب بينهم . وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح، فوجه إليهم رسولا يأمرهم بالكفّ ووضع السلاح ، فرموْه بالحجارة ، واقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديداً، وأكثرت الأبناء القتل فى الزواقيل ؛ فأخبِر عبد الملك بكثرة مَنْ قتل -وكان مريضًا مدنفا- فضرب بيده على يد، ثم قال: واذلاّه ! تستضام العرب فى دارها ومحلّها وبلادها ! فغضب من كان أمسك عن الشرّ من الأبناء، وتفاقم الأمر فيما بينهم، وقام بأمر الأبناء الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان، وأصبح الزّواقيل؛ فاجتمعوا بالرَّقة، واجتمع الأبناء وأهل خُراسان بالرافقة ؛ وقام رجل من أهل حمْص ، فقال: يا أهلَ حمْص؛ الهرب أهْوَنُ من العطب، والموتُ أهون من الذّل؛ إنكم بعدتم عن بلادكم ، وخرجتم من أقاليمكم ، ترجون الكثرة بعد القلّة والعزّة بعد الذلة! ألا وفى الشرّ وقعتم، وإلى (١) حَوْمة الموت أنختم. إنّ المنايا فى شوارب المسوّدة وقلانسهم . النفير النفير ، قبل أن ينقطع السبيل ، وينزل الأمر الجليل ، ويفوت المطلب ، ويعسر المذهب (٢)، ويبعد العمل، ويقترب الأجل ! وقام رجل من كلب فى غَرْز ناقته ، ثم قال : شُوْبُوبُ حَرْبٍ خابَ من يَصْلاها قَدْ شَرَّعَتْ فُرْسانُها قَناها (٢) ابن الأثير: ((المهرب)). (١) ابن الأثير: ((وفى)). ٨٤٤/٣ ٤٢٧ سنة ١٩٦ إِن غُمِرَت كلبٌ بِها لحَاها فَأَوْرَدَ اللَّهُ لظَّى لظاها. ثم قال : يا معشرَ كلْب؛ إنها الرّاية السوداء؛ والله ما ولّت ولا عدَلْت ولاذلّ ناصرها (١)، ولا ضعف وليُّها، وإنكم لتعرفون مواقع سيوف أهل خُراسان فى رقابكم، وآثار أسنّتهم فى صدوركم. اعتزلوا الشرّ قبل أن يعظم، وتختَطّوْه قبل أن يضطرم . شأمتكم شأمكم، داركم داركم! الموت الفلسطينىّ خير من العيش الجزرىّ . ألا وإنى راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معى. ٨٤٥/٣ ثم سار وسار معه عامة أهل الشام ، وأقبلت الزّواقيل حتى أضرموا ما كان التّجار جمعوا من الأغلاف بالنار، وأقام الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان مع جماعة أهل خراسان والأبناء على باب الرافقة تخوّفًا لطوق بن مالك . فأتى طوقًا رجلٌ من بنى تتَغْلِب، فقال : ألا ترى ما لقيت العرب من هؤلاء! انهض فإنّ مثلك لا يقعد عن هذا الأمر ، قد مدّ أهلُ الجزيرة أعينتهم إليك، وأمّلُوا عونَك ونصرك. فقال: والله ما أنا من قيسها ولا يمنها؛ ولا كنت فى أوّل هذا الأمر لأشهدَ آخره ؛ وإنى لأشدّ إبقاء على قومى ، وأنظرٌ لعشيرتى منْ أن أعرِّضهم للهلاك بسبب هؤلاء السفهاء من الجند وجهال قيس ، وما أرى السّلامة إلا فى الاعتزال. وأقبل نصر بن شبث فى الزّواقيل على فرس كُمَيَت أغرّ ، عليه درّاعة سوداء قد ربطها خلف ظهره ، وفى يده رُمح وترْس ، وهو يقول : فُرْسانَ قَيْسِ أَصْمُدُنّ للموت لا تُرْهِبُنى عَن لِقَاءِ الفَوتْ دَعى الثَّمَنِّى بِعَسَى وَلَيْتْ (٢) . ثم حمل هو وأصحابُه ، فقاتل قتالا شديداً ، فصبر لهم الجند ، وكثر القتل فى الزّواقيل ، وحملت الأبناء حملاتٍ، فى كلّها يقتلون ويجرحون؛ وكان أكثر القتل والبلاء فى تلك الدفعة لكثير بن قادرة وأبى الفیل وداود بن موسى ابن عيسى الخُراسانىّ ، وانهزمت الزواقيل ، وكان على حاميتهم يومئذ نصر ابن شبث وعمرو السلمىّ والعباس بن زفر . (١) كذا فى ا، وفى ط: ((نصرها)). (٢) كذا فى ا، وفى ط : التحنى. ٤٢٨ سنة ١٩٦ وتوفَّىَ فى هذه السنة عبد الملك بن صالح . ٨٤٦/٣ ٠ [ ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون] وفى هذه السنة خُلع محمد بن هارون ، وأخذت عليه البيعة لأخيه عبد الله المأمون ببغداد . وفيها حُبس محمد بن هارون فى قصر أبى جعفر مع أم جعفر بنت جعفر ابن أبى جعفر . ذكر الخبر عن سبب خلعه : ٠ ذُكر عن داود بن سليمان أنّ عبدالملك بن صالح لما تُوُفَّىَ بالرّقة، نادى الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان فى الجند ، فصيّر الرّجّالة فى السفن والفرسان على الظهر ووصلهم ، وقوى ضعفاءهم، ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة ؛ وذلك فى سنة ست وتسعين ومائة . وذكر أحمد بن عبد الله، أنه كان فيمن شهد مع عبد الملك الجزيرة لمّا انصرف بهم الحسين بن علىّ، وذلك فى رجب من سنة ست وتسعين ومائة. وذكر أنه تلقاه الأبناء وأهل بغداد بالتكرمة والتعظيم ، وضربوا له القباب ، واستقبله القوّاد والرؤساء والأشراف ، ودخل منزله فى أفضل كرامة وأحسن هيئة ؛ فلما كان فى جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه ؛ فقال الرسول : والله ما أنا بمغَنّ ولا بمسامر ولا مضحك؛ ولا ولِيتُ له عملا ، ولا جرى له على يدى مال ؛ فلأىّ شىء يريدنى فى هذه الساعة ! انصرف ؛ فإذا أصبحتُ غدوتُ إليه إن شاء الله . فانصرف الرسول ، وأصبح الحسين فوافى باب الجسر، واجتمع إليه النّاس، فأمر بإغلاق الباب الذی یخرج منه إلى قصر عبد الله (١) بن على وباب سوق يحيى، وقال: يا معشَر الأبناء ؛ إن خلافة الله لا تجاور بالبطر، ونعمه ٨٤٧/٣ (١) ط: ((عبيد اللّه))، وهو عبد الله بن على بن عيسى بن ماهان؛ وانظر ص ٤١٢. ٤٢٩ سنة ١٩٦ لا تستصحَّب بالتجبر والتكبر؛ وإن محمداً يريد أن يوتغ أديانكم ، وينکث بيعتكم ، ويفرّق جمعكم ؛ وينقل عزّ كم إلى غيركم ؛ وهو صاحب الزّواقيل بالأمس، وبالله إن طالت به مدّة وراجعه من أمره قوة ، لیرجعنّ وبال ذلك عليكم ؛ وليعرفنّ ضرره ومكروهه فى دولتكم ودعوتكم؛ فاقطعوا أثره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزّه قبل أن يضع عزَّكم، فوالله لا ينصره منكم ناصرٌ إلا خُذِل، ولا يمنعه مانع إلا قُتِل؛ وما عند اللّه لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنْث بأيمانه . ثم أمر الناس بعبُور الجسر فعبروا ؛ حتى صاروا إلى سكة باب خُراسان ؛ واجتمعت الحربية وأهل الأرْباض ممّا يلى باب الشام، [وباب الأنبار وشطّ الصراة مما يلى باب الكوفة](١). وتسرّعت خيول من خيول محمد من الأعراب وغيرهم إلى الحسين بن علىّ ؛ فاقتتلوا قتالا شديداً مليًّا من النهار، وأمر الحسين مَنْ كان معه من قوّاده وخاصة أصحابه بالنزول فنزلوا إليهم بالسّيوف والرماح ، وصد قوهم القتال ، و کشفوهم حتى تفرقوا عن باب الخلد . قال : فخلع الحسين بن علىّ محمدًا يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة، وأخذ البيْعة لعبد الله المأمون من غد يوم الاثنين إلى الليل ، وغدا إلى محمد يوم الثلاثاء ، فوثب بعد الوقعة التى كانت بين الحسين وبين أصحاب محمد العباس بن موسى بن عيسى الهاشمىّ على محمّدٍ، ودخل عليه فأخرجه من قصر الخُلْد إلى قصر أبى جعفر ، فحبسه هناك إلى صلاة الظهر ، ثم وثب العباس بن موسى بن عيسى على أمّ جعفر فأمرها بالخروج من قصرها إلى مدينة أبى جعفر، فأبت، فدعا لها بكرسىّ، وأمرها بالجلوس فيه ، فقنعها بالسوْط وساءها ، وأغلظ لها القول، فجلست فيه، ثم أمر بها فأدخلت المدينة مع ابنها وولدها . فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن علىّ الأرزاق وماجَ الناس بعضهم فى بعض ، وقام محمد بن أبى خالد بباب الشأم ، فقال : أيها الناس ؛ والله ما أدرى بأى سبب يتأمّر الحسين بن علىّ علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا! ما هو بأكبرنا سنًّاً، ولا أكرمنا حسبًا، ولا أعظمنا منزلة، وإن فينا مَنْ لا يرضى بالدنيّة، ولا يقاد بالمخادعة؛ ٨٤٨/٣ (١) من ا. ٤٣٠ سنة ١٩٦ وإنى أوّلكم نقضَ عهده، وأظهر التغيير (١) عليه، والإنكار لفعله ؛ فمن كان رأيه رأیی فليعتزل معى . وقام أسد الحربىّ، فقال: يا معشر الحربيّة، هذا يوم له ما بعده ، إنكم قد نمتم وطال نومكم ، وتأخّرّتم فقدُّم عليكم غيركم ، وقد ذهب أقوام بذكر خَلْع محمد وأسره ، فاذهبوا بذكر فكّه وإطلاقه . فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فَرَس ، فصاح بالناس : اسكتوا ، فسكتوا ، فقال : أيّها الناس ، هل تعتدون على محمد بقطعٍ منه لأرزاقكم ؟ قالوا : لا، قال : فهل قصّر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا : ما علمنا ، قال : فهل عزل أحداً من قوّادكم ؟ قالوا : معاذ الله أن يكون فعل ذلك! قال : فما بالكم خذلتموه وأعنتُم عدوّه على اضطهاده وأسره! أما والله ما قَتَل قومٌ خليفتهم قط إلا سلط الله عليهم السيف القاتل، والحتف الجارف ؛ انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه ، وقاتلوا مَنْ أراد خلعه والفتك به. ونهضت الحربيّة، ونهض معهم عامة أهل الأرباض فى المشهرات والعُدّة الحسنة . فقاتلوا الحسين بن علىّ وأصحابَه قتالا شديداً منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس، وأكثروا فى أصحابه الجراح ، وأسر الحسين بن علىّ ، ودخل أسد الحربىّ على محمد ، فكسر قيوده وأقعده فى مجلس الخلافة ؛ فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الحرب والجند ، ولا عليهم سلاح ؛ فأمرهم فأخذوا من السلاح الذى فى الخزائن حاجتتهم ووعدهم ومنّاهم، وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحًا كثيراً ومتاعاً من خَزّ وغير ذلك؛ وأتِىَ بالحسين بن علىّ، فلامه محمد على خلافه وقال له : ألم أقدّم أباك على الناس، وأوله أعنّة الخيل وأملأ يده من الأموال؛ وأشرّف أقداركم فى أهل خراسان ، وأرفع منازلكم على غيركم من القوّاد! قال : بلى ، قال : فما الذى استحققتُ به منك أن تخلع طاعتى، وتؤلّب الناس علىّ، وتندبهم إلى قتالى! قال : الثقة بعفو أمير المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله . قال : فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك ، وولاّك الطلب بثأرك، ومن قتل من أهل بيتك . ثم دعا له بخِلْعة فخلعها ٨٤٩/٣ (٢) ١: ((الكعبة)) (١) كذا فى ا، وفى ط: ((التعبير)). ٤٣١ سنة ١٩٦ ٨٥٠/٣ عليه ، وحمله على مراكب، وأمره بالمسير إلى حُلوان ، وولاّه ما وراء بابه . وُذكر عن عثمان بن سعيد الطائىّ، قال: كانت لى من الحسين بن على" ناحية خاصّة ، فلما رضى عنه محمد ، وردّ إليه قياد ته ومنزلته ، عبرت إليه مع المهنئين، فوجدته واقفًا بباب الجسر ، فهنّأته ودعوت له، ثم قلت له: إنكَ قد أصبحت سيدّ العسكرين، وثقة أمير المؤمنين ، فأشكر العفو والإقالة، ثم داعبتُه ومازحته ، ثم أنشأت أقول : وصار مُعَرَّا بِالنَّدَى والتَّمَجُّدِ همُ قتَلوه حين تَمَّ تمامُه إِذا جاءَ يمشى فى الحديد المُسرّد أَغَرُّ كأَنَّ البدرَ سُنَّةُ وَجْهِه مَضَى قُدُماً بالمَشرَفىّ المُهنَّدِ إِذا جَشَأَت نفسُ الجَبَانِ وَهَلَّلتْ عَكورٌ على الأَعْدَاءِ قليلُ النَّزَيدِ حليمٌ لِدَى النادِى جَهُولٌ لِدَى الوغَى رَمَوكَ على عَمْدٍ بِشَنعَا مُزَنّدٍ فَثَأَرَكَ أَدْرِكْهُ مِنَ القَومِ إِنَّهِمْ فضحك ، ثم قال : ما أحرصَنى على ذاك إن ساعدنى ◌ُمْر ، وأيِّدت بفتْح ونَصْر. ثم وقف على باب الجسر ، وهرب فى نفر من خدمه ومواليه ، فنادى محمد فى الناس ، فركبوا فى طلبه، فأدركوه بمسجد كوثر ، فلما بصر بالخيل نزل وقيّد فرسه ، وصلى ركعتين وتحرّم ، ثم لقيهم فحمل عليهم حملات فى محلّها يهزمهم ويقتل فيهم . ثم إنّ فرسه عثر به وسقط ، وابتدره الناس طعنًا وضربًا وأخذوا رأسه، وفى ذلك يقول علىّ بن جبلة - وقيل الخريمىّ(١): وفازوا برأس الْهَرْئَمِىِّحُسَیْنِ أَلا قاتَلَ اللهُ الأُلَى كفروا به بشطبِیمانیٍّ ورمحِ رُدَیْنِی لقد أَورَدُوا منهُ قناةً صليبةً ٨٥١/٣ فأَلبسهُ التأَمِيلُ خُفِّ حُنَين رَجا فى خِلافِ الحقِّ عِزَّا وإِمْرَةً وقيل : إن محمداً لما صفح عن الحسين استوزره ودفع إليه خاتمه . وقتل الحسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان للنصف من رجب من هذه (١) ط: ((الخزيمى))، بالزاى، تحريف، وهو أبو يعقوب إسحاق بن حسان الشاعر، منسوب إلى خريم بن عامر المرى . تاريخ بغداد ٦ : ٣٢٦. ٤٣٢ سنة ١٩٦ السنة فى مسجد كوثر ، وهو على فرسخ من بغداد فى طريق النّهرين . وجدّد البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة خلت من رجب من هذه السنة، وكان حبس الحسين محمداً فى قصر أبى جعفر يومين . وفى اللّيلة التى قتل فيها حسين بن علىّ هرب الفضل بن الربيع . وفى هذه السنة توجّه طاهر بن الحسين حين قدم عليه هَرْئمة من حُلوان إلى الأهواز، فقتّل عامل محمد عليها ، وكان عامله عليها محمد بن يزيد المهلبيّ بعد تقديم طاهر جيوشًا أمامه إليها قبل انفصاله إليه لحربه . * ذكر الخبر عن مقتل محمد بن يزيد المهلبيّ ودخول طاهر إلى الأهواز ٨٥٢/٣ ◌ُذكر عن يزيد بن الحارث، قال: لما نزل طاهر شلاشان ، وجّه الحسين ابن عمر الرستمىّ إلى الأهواز، وأمره أن يسير سيراً مقتصداً، ولا يسير إلاّ بطلائع ، ولا ينزل إلا فى موضع حَصِين يأمن فيه على أصحابه. فلما توجّه أتت طاهراً عيونه، فأخبر وه أن محمد بن يزيد المهلبيّ -وكان عاملا لمحمد على الأهواز .- قد توجّه فى جمع عظيم يريد نزول جندى سابور - وهو حدّ ما بين الأهواز والجبل- ليحمى الأهواز، ويمنع من أراد دخولها من أصحاب طاهر؛ وإنه فى عدّة وقوّة ، فدعا طاهر عدّةً من أصحابه ؛ منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه والحارث بن هشام وداود بن موسى وهادى بن حفص، وأمرهم أن يكمّشوا السّير(١) حتى يتّصل أوّلهم بآخر أصحاب الحسين بن عمر الرّستمىّ، فإن احتاج إلى إمداد أمدّوه، أو لقيه جيش كانوا ظهرًا له . فوجّه تلك الجيوش ، فلم يلقهم أحدٌ حتى شارفوا الأهواز. وبلغ محمد بن يزيد خبرُهم ، فعرض أصحابَه ، وقوّى ضعفاءهم ، وحمل الرجّالة على البغال ، وأقبل حتى نزل سوق عسكر مُكرَم ، وصيّر العمران والماء وراء ظهره ، وتخوّف طاهر أن يعجل إلى أصحابه ، فأمدّهم بقريش بن شبل ، وتوجّه هو بنفسه حتى كان قريبًا منهم ، ووجّه الحسن بن علىّ المأمونىّ، (١) أن يكشوا السير ، أى أن يسرعوا. ٤٣٣ سنة ١٩٦ وأمره بمضامّة قريش بن شبل والحسين بن عمر الرستمىّ، وسارت تلك العساكر حتى قاربوا محمد بن يزيد بعسكر مُكرم؛ فجمع أصحابه فقال: ما ترون ؟ ٨٥٣/٣ أطاول القوم القتال وأماطلهم اللقاء، أم أناجزهم كانت لى أم علىّ ؟ فوالله ما أرى أن أرجع إلى أمير المؤمنين أبدًا، ولا أنصرف عن الأهواز، فقالوا له : الرأى أن ترجع إلى الأهواز؛ فتتحصن بها وتغادى طاهراً القتال وتبعث إلى البصرة فتفرض بها الفروض ، وتستجيش من قدرت عليه وتابعك من قومك . فقبل ما أشاروا عليه ، وتابعه قومه ، فرجع حتى صار بسوق الأهواز . وأمر طاهر قريش بن شبل أن يتبعه ، وأن يعاجله قبل أن يتحصّن بسوق الأهواز ، وأمر الحسن بن علىّ المأمونىّ والحسين بن عمر الرستمىّ أن يسيرا بعقبه (١)؛ فإن احتاج إلى معونتهما أعاناه . ومضى قريش بن شبل يقفو محمد بن يزيد ، كلّما ارتحل محمد بن يزيد من قرية نزلها قريش ؛ حتى صاروا إلى سوق الأهواز . وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها ، واستند إلى العمران، فصيره وراء ظهره ، وعبّى أصحابه، وعزم على مواقعتهم ؛ ودعا بالأموال فصبّت بين يديه ، وقال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم الجائزة والمنزلة فليعرفى أثره . وأقبل قريش بن شبل حتى صار قريبًا منه، وقال لأصحابه: الزموا مواضعتكم ومصافكم، وليكن أكثر ما قاتلتموهم وأنتم مريحون، فقاتلوهم بنشاط وقوّة؛ فلم يبق أحدٌ من أصحابه إلاّ جمع بين يديه ما قدر عليه من الحجارة، فلم يعبر إليهم محمد بن يزيد ، حتى أوهنوهم بالحجارة ، وجرحوهم جراحاتٍ كثيرة بالنُّشاب، وعبرت طائفة من أصحاب محمد بن يزيد ، فأمر قريش أصحابه أن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم، فقاتلوهم قتالاشديداً حتى رجعوا ، وتراد" الناس بعضهم إلى بعض. والتفت محمد بن يزيد إلى نفر كانوا معه من مواليه ؛ فقال : ما رأيكم ؟ قالوا : فيماذا ؟ قال : إنى أرى من معى قد انهزم ، ولست آمنُ من خذلانهم ، ولا آمُل رجعتهم ، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسى ، حتى يقضى الله ما أحبّ ، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف ؛ فوالله لأن تبقوا أحبّ إلىّ من أن تعطبوا وتهلكوا. فقالوا: والله ما أنصفناكَ، إذًا تكون أعتقتنا من الرّق ٨٥٤/٣ (١) !: ((لمعونته)). ٤٣٤ سنة ١٩٦ ورفعتنا من الضّعة، ثم أغنيتنا بعد القِلّة، ثم نخذلك على هذه الحال؛ بل نتقدّم أمامك ونموت تحت ركابك ؛ فلعن اللّه الدنيا والعيش بعدك . ثم نزلوا فعرقبوا دوابّهم ، وحملوا على أصحاب قريش حملةً منكرة، فأكثروا فيهم القتل، وشدخوهم بالحجارة وغير ذلك؛ وانتھی بعض أصحابطاهر إلى محمد بن یزید، فطعنه بالرمح فصرعه ؛ وتبادروا إليه بالضّرب والطعن حتى قتلوه ؛ فقال بعض أهل البصرة يرثيه ، ويذكر مقتله : فإننى قد أَضَرَّ بِى سَهَرِى مَنْ ذَاقَ طعم الرِّقَادِ مِنْ فَرَحٍ قلبى وسمعی وغرّنی بصرى(١) ولَّى فتَى الرُّشدِ فافتَقَدتُ به ولَّى غمامُ الرَّبِيعِ والمطَرِ كانَ غِياناً لدَى المُحولِ فقد يُرهِبْهُ وَقْعُ المُشَطَّبِ الذَّكَرِ وَفِى الْعُيَيْنِىُّ للإِمامِ ولِمْ(٢) لولا خُضُوعُ العِبادِ للقَدَرِ سَاوَرَ رَيِبُ المَنونِ دَاهِيَةٌ يَسْعَى إِلى ما سَعَيتَ بِالأَثْرِ فامضِ حميدًا فكلُّ ذی أجلٍ وقال بعض المهالبة ؛ وجرح فى تلك الوقعة جراحات كثيرة وقطعت يده : حَرَاكَّا وَأَنى كنتُ بُالضَّرْب مثخنًا فما لمتُ نفسى غيرَ أَنِّىَلم أُطِقْ (٣) وضارَ بتُ عنه الطاهِرِىَّ المُلَعَّنا ولو سَلِمَتْ كَفَّىَ قاتلتُ دونه ٨٥٥/٣ إِذَا أَدَّرَعَ الهيجاءَ فى النقع واكتَنَى فتَّى لَايَرَى أَنْ يَخذِلَ السيف فى الوغى وذكر عن الهيثم بن عدىّ ، قال : لما دخل ابن أبى عبينة على طاهر فأنشده قوله : مَنْ آنسَنْه البلادُ لم يَرِمِ منها ومَن أَوحشَتْهُ لم يُقِمِ حتى انتهى إلى قوله : فى الصَّدرِ محصورةٍ عن الكلِمِ ما ساءَ ظَنِّى إِلا لواحدة فتبسّ طاهر ، ثم قال : أما والله لقد ساءنى من ذلك ما ساءك ، وآلمنى ما آلمك ؛ ولقد كنت كارهًا لما كان، غير أن الحتف واقع ، والمنايا نازلة ، (١) ط: ((وعزنى)). (٢) ا: ((العتيكى)). (٣) ط: ((أننى))، وصوابه من ا. ٤٣٥ سنة ١٩٦ ولا بدّ من قتَطْع الأواصر والتنكر (١) للأقارب فى تأكيد الخلافة، والقيام بحق الطاعة ؛ فظننا أنه يريد محمد بن يزيد بن حاتم . ٨٥٦/٣ وذ کر عمر بن أسد ، قال : أقام طاهر بالأهواز بعد قتله محمد بن يزيد ابن حاتم ، وأنفذ عمّاله فى كُورها ، وولى على اليمامة والبحرين وُمان مما يلى الأهواز ، ومما يلى عمل البصرة ، ثم أخذ على طريق البرّ متوجهًا إلى واسط ، وبها يومئذ السندىّ بن يحيى بن الخرشى والهيثم خليفة خزيمة بن خازم ؛ فجعلت المسالح والعمال تتقوّض، مسلحة مسلحة ، وعاملا عاملا ، كلّما قرب طاهر منهم تركوا أعمالهم وهربوا عنها ؛ حتى قرب من واسط ، فنادى السندىّ بن يحيى والهيثم بن شعبة فى أصحابهما ، فجمعاهم إليهما ؛ وهمّا بالقتال ، وأمر الهيثم بن شعبة صاحب مراكبه أن يسرج له دوابه ، فقرّب إليه فرساً ، فأقبل يقسم طرفه بينها ، واستقبلته عدّة ، فرأى المراكبىّ التغيّر والفزع فى وجهه فقال: إنْ أردت الهرب فعليك بها ؛ فإنها أبسط فى الرّكض ، وأقوى على السفر . فضحك ثم قال : قرّب فرس الهرب ؛ فإنّه طاهر ، ولا عار علينا فى الهرب منه، فتركا واسطاً ، وهربا عنها. ودخل طاهر واسطًا، وتخوّف إن سبق الهيثم والسندىّ إلى فم الصِّلح فيتحصّنا بها. فوّجه محمدَ بن طالوت، وأمره أن يبادرهما إلى فم الصُّلْح، ويمنعهما من دخولها إن أرادا ذلك ، ووجه قائدًا من قوّاده يقال له أحمد بن المهلب نحو الكوفة ، وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادى؛ فلمّا بلغ العباس خبر أحمد بن المهلب خلع محمداً ، وكتب بطاعته إلى طاهر وببيعته للمأمون ؛ ونزلت خيل طاهر فم النيل ، وغلب على ما بين واسط والكوفة ، وكتب المنصور بن المهدىّ - وكان عاملاً لمحمد على البصرة - إلى طاهر بطاعته، ورحل طاهر حتى نزل طرنايا؛ فأقام بها يوميْن فلم يرها موضعًا للعسكر ، فأمر بجسر فعقد وخندق له ، وأنفذ كتبه بالتولية إلى العمال . ٨٥٧/٣ وكانت بيعة المنصور بن المهدىّ بالبصرة وبيعة العباس بن موسى الهادى (١) ط: ((والشكر)). ٤٣٦ سنة ١٩٦ بالكوفة ، وبيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون ، وخلعهم محمداً فى رجب من سنة ست وتسعين ومائة . وقيل: إنّ الذى كان على الكوفة حين نزل طاهر من قبَل محمد الفضل بن العباس بن موسى بن عيسى . ولما كتب من ذكرت إلى طاهر ببيعتهم للمأمون وخلعهم محمداً، أقرّهم طاهر على أعمالهم ، وولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على الهاشمىّ مكة والمدينة، ويزيد بن جرير البَجَلىّ اليمن، ووجّه الحارث بن هشام وداود ابن موسى إلى قصر ابن هبيرة . [ ذكر خبراستيلاء طاهر على المدائن ونزوله بصرصر] وفى هذه السنة أخذ طاهر بن الحسين من أصحاب محمد المدائن ؛ ثم صار منها إلى صَرْصر ، فعقد جسراً ، ومضى إلى صَرْصر . . ذكر الخبر عن سبب دخوله المدائن ومصيره إلى صرصر: ◌ُذكر أنّ طاهراً لما وجه إلى قصر ابن هبيرة الحارث بن هشام وداود بن موسى ، وبلغ محمداً خبرُ عامله بالكوفة وخلعه إياه وبيعته للمأمون ، وجّه محمد ابن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربرىّ ، وأمرهما أن يبيتا الحارث وداود بالقَصْر ، فقيل لهما : إن سلكتما الطريق الأعظم لم يخفَ ذلك عليهما ؛ ولكن اختصر الطريق إلى فم الجامع ، فإنه موضع سوق ومعسكر ،فانزلاه وبيتاهما إن أردتما ذلك ، وقد قربتما منهما ، فوجّها الرّجال من الياسرّية إلى فم الجامع. وبلغ الحارث وداود الخبر ، فركبا فى خيل مجرّد ، وتهيآً للرّجالة ، فعبرا من مخاضة فى سُوراء إليهم ؛ وقد نزلوا إلى جَنْبها ، فأوقعا بهم وقعة شديدة . ووجّه طاهر محمد بن زياد ونصير بن الخطاب مدداً للحارث وداود ، فاجتمعت العساكر بالجامع، وساروا حتى لقوا محمد بن سليمان ومحمد بن حمّاد فيما ما بين نهر دُرْقيط والجامع ، فاقتتلوا قتالا شديداً، وانهزم أهل بغداد ، وهرب ٨٥٨/٣ ٤٣٧ سنة ١٩٦ محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهى ، وعبر الفرات ، وأخذ على طريق البرّيّة إلى الأنبار ، ورجع محمد بن حماد إلى بغداد ، وقال أبو يعقوب الحريمىّ فى ذلك : صفًا الحقِّ فانفَضًا بجمعٍ مُبَدَّدٍ هُمَا عَدَوا بالنّكث کییَصدعا به مِنَ الخيل يَسمُوللجيادِ ويَهتَدِى(١) وأَفِلتَنَا ابنِ البَربرىِّ مُضَمَّرُ وذكر يزيد بن الحارث ، أنّ محمد بن حماد البربرىّ لما دخل بغداد ، وجّه محمدٌ المخلوع الفضلَ بن موسى بن عيسى الهاشمىّ إلى الكوفة ، وولاه عليها، وضمّ إليه أبا السلاسل وإياس الحرابيّ وجمهورًا النجارىّ؛ وأمره بسرعة السير؛ فتوجّه الفضل ؛ فلمّا عبر نهر عيسى عثر به فرسُهُ، فتحوّل منه إلى غيره وتطيّر، وقال : اللهمّ إنى أسألك بركة هذا الوجه. وبلغ طاهراً الخبرُ، فوجّه محمد بن العلاء، وكتب إلى الحارث بن هشام وداود بن موسى بالطاعة له ، فلقى محمد بن العلاء الفضل بقرية الأعراب ، فبعث إليه الفضل : إنى سامع مطيع لطاهر ؛ وإنما كان مخرجى بالكيد منى لمحمد ؛ فخلّ لى الطريق حتى أصير إليه ، فقال له محمد : لستُ أعرف ما تقول ولا أقبله ولا أنكره ؛ فإن أردت الأمير طاهراً فارجع وراءك ؛ فخذ أسهلَ الطريق وأقصدَها ، فرجع وقال محمد لأصحابه : كونوا على حذر ؛ فإنى لست آمن مكرّ هذا ؛ فلم يلبث أن كبّر وهو يرى أن محمد بن العلاء قد أمِنَّه، فوجده على عدّة وأهبة ؛ واقتتلوا كأشدّ ما يكون من القتال، وكبا بالفضل فرسُه؛ فقاتل عنه أبو السلاسل حتى ركب ، وقال : أذكر هذا الموقف لأمير المؤمنين . وحمل أصحابُ محمد ابن العلاء على أصحاب الفضل فهزموه، ولم يزالوا يقتلونهم إلى كُونى، وأسِر فى تلك الوقعة إسماعيل بن محمد القرشىّ وجمهور النجارىّ، وتوجّه طاهر إلى المدائن، وفيها جند کثیر من خیول محمد؛ علیهم البرمکیّ قد تحصن بها ، والمدد يأتيه فى كلّ يوم ، والصَّلات والخلع من قبل محمد . فلما قرب طاهر من المدائن - وكان منها على رأس فرسخين - نزل فصلى ركعتين، وسبّح فأكثر التسبيح ، فقال: اللهمّ إنا نسألك نصراً كنصرك المسلمين يوم المدائن. ووجّه ٨٥٩/٣ (١) !: ((يسمو للحياد)). ٤٣٨ سنة ١٩٦ الحسن بن علىّ المأمونىّ وقريش بن شبل، ووجه الهادى بن حفص على مقدّمّته وسار . فلما سمع أصحابُ البرمكىّ صوتَ طبوله ، أسرجوا الدواب ، وأخذوا فى تعبيتهم ، وجعل مَنْ فى أوائل الناس ينضمّ إلى أواخرهم ، وأخذ البرمكىّ فى تسوية الصفوف؛ فكلّما سوّى صفًّا انتقض واضطرب عليه أمرهم ، فقال : اللهمّ إنا نعوذ بك من الخذلان؛ ثم التفت إلى صاحب ساقته ، فقال : خلّ سبيل الناس ؛ فإنّى أرى جنداً لا خير عندهم ؛ فركب بعضهم بعضًا نحو بغداد ، فنزل طاهر المدائن ، وقدّم منها قريش بن شبل والعباس بن بخار اخذاه إلى الدّرْزِيجان، وأحمد بن سعيد الخرشىّ ونصر بن منصور بن نصر بن مالك معسكران بنهر ديائى ، فمنعا أصحاب البرمكىّ من الجواز إلى بغداد ، وتقدم طاهر حتى صار إلى الدرزيجان حيال أحمد ونصر بن منصور ، فسيّر إليهما الرجال، فلم يجر بينهما كثيرُ قتال حتى انهزموا، وأخذ طاهر ذات اليسار إلى نهر صرصر، فعقد بها جسراً ونزلها . ٨٦٠/٣ # [ ذكر خبر خلع داود بن عيسى الأمين] وفى هذه السنة خلع داود بن عيسى عاملُ مكة والمدينة محمداً- وهو عامله يومئذ عليهما - وبايع للمأمون ، وأخذ البيعة بهما على الناس له ؛ وكتب بذلك إلى طاهر والمأمون ؛ ثم خرج بنفسه إلى المأمون . * ذكر الخبر عن ذلك وكيف جرى الأمر فيه : "ذكر أنّ الأمين لما أفضت الخلافة إليه، بعث إلى مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس ، وعزل عامل الرّشيد على مكة ؛ وكان عاملُه عليها محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومىّ ، وكان إليه الصلاة بها وأحداثها والقضاء بين أهلها ؛ فعزل محمد عن ذلك كلّه بداود ابن عيسى ؛ سوى القضاء فإنه أقرّه على القضاء. فأقام داود واليًا على مكة والمدينة لمحمد ، وأقام للناس أيضًا الحجّ سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة ، فلمّا دخلت سنة ست وتسعين ومائة، بلغه خلع عبد الله المأمون أخاه ، ٤٣٩ سنة ١٩٦ ٨٦١/٣ وما کان فعل طاهر بقوّاد محمد ، وقد کان محمد کتب إلى داود بن عيسى بأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى، وبعث محمد إلى الكتابين اللذيْن كان الرّشيد كتبهما وعلّقهما فى الكعبة فأخذهما ، فلما فعل ذلك جمع داود حَجَبة الكعبة والقرشيِّين والفقهاء ومَنْ كان شهد على ما فى الكتابيْن من الشهود - وكان داود أحدَ هم - فقال داود: قد علمتم ما أخَذَ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيْه ؛ لنكوننّ مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المبغىّ عليه على الباغى، ومع المغدور به على الغادر ؛ فقد رأينا ورأيتم أنّ محمداً قد بدأ بالظلم والبغى والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن، وخلَعهما وبايع لابنه الطفل؛ رضيع صغير لم يفطم، واستخرج الشرْطين من الكعبة عاصياً ظالماً ، فحرّقهما بالنار . وقد رأيت خلعه ، وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة ؛ إذ كان مظاومًا مبغيًّاً عليه. فقال له أهل مكة : رأينا تبعٌ لرأيك ، ونحن خالعوه معك؛ فوعدهم صلاة الظهيرة؛ وأرسل فى فجاج(١) مكة صائحًا يصيح: الصلاة جامعة !فلما جاء وقت صلاة الظهر - وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة - خرج داود بن عيسى ، فصلّى بالناس صلاة الظهر ، وقد وضع له المنبر بين الرّكن والمقام ، فصعد فجلس عليه ، وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر ؛ وكان داود خطيباً فصيحًا جهير الصوت؛ فلما اجتمع الناس قام خطيبًا ، فقال : الحمد لله مالك الملك؛ يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممّن يشاء، ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالدين ، وختم به النبيين ، وجعله رحمةً للعالمين ، صلّى الله عليه فى الأولين والآخرين . أما بعد يا أهل مكة ؛ فأنتم الأصل والفرع ، والعشيرة والأسرة ، والشركاء فى النعمة ، إلى بلد كم نفذ وفد اللّه، وإلى قبلتكم يأتمّ المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرّشيدهارون رحمة الله عليه وصلاتُه حين بايع لا بنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق ٨٦٢/٣ (١) ١: ((إلى حجاج)). ٤٤٠ سنة ١٩٦ لتنصُرنَّ المظلوم منهما على الظالم ، والمبغىَّ عليه على الباغى ، والمغدورَ به على الغادر ؛ ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغى والغدر ، وخالف الشروط التى أعطاها من نفسه فى بطن البيت الحرام ؛ وقد حلّ لنا ولكم خلعُه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغىّ عليه المغدور به . ألا وإنى أشهدكم أنى قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتی هذه من رأسی - وخلع قلنسوته عن رأسه فرمی بها إلىبعض الخدم تحته، وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء ، وأتى بقلنسوة سوداء هاشمية فلبسها - ثم قال: قد بايعتُ لعبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة، ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم . فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر، رجل فرجل ، فبايعه لعبد الله ٨٦٣/٣ المأمون بالخلافة، وخلَع محمداً، ثم نزل عن المنبر ، وحانت صلاة العصر ، فصلّى بالناس ، ثم جلس فى ناحية المسجد ، وجعل الناس يبايعونه جماعةً بعد جماعةً؛ يقرأ عليهم كتاب البَيْعة ، ويصافحونه على كفِّه ، ففعل ذلك أيامًا . وكتب إلى ابنه (١) سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة، يأمره أن يفعل بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة؛ من خلْع محمد والبيعة لعبد الله المأمون . فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة ، رحل من فوره بنفسه وجماعة من ولده يريد المأمون بمَرْو على طريق البصرة ، ثم على فارس ، ثم على كرمان ؛ حتى صار إلى المأمون بمَرْو ، فأعلمه ببيعته وخلعه محمداً ومسارعة أهل مكة وأهل المدينة إلى ذلك ؛ فسرَّ بذلك المأمون ، وتيمن ببركة مكة والمدينة ؛ إذ كانوا أوّل من بايعه ، وكتب إليهم كتابًا ليِّنًا لطيفًا يَعيدهم فيه الخير، ويبسط أملهم . وأمر أن يُكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية ، وزيد له ولاية عكّ ، وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية ، وكتب له إلى الرىّ بمعونة خمسمائة ألف درهم ، وخرج داود بن عيسى مسرعا مُغذًّا مبادراً لإدراك الحجّ ، ومعه ابن أخيه العباس بن موسى ابن عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس ، وقد عقد (١) ساقطة من ط .