Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ سنة ١٨٦ ذلك عنه إلى مَنْ رأى من ولده وإخوته، وتقديم مَنْ أرادأن يقدم قبله، وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد مَن يقدم قبله ، يحكم فى ذلك بما أحبّ ورأى . فعليكم معشرّ المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير المؤمنين فى كتابه هذا ، وشرط عليهم وأمر به ، وعليكم السّمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد اللّه وذمّته وذمّة رسوله صلى الله عليه وسلم وذهم المسلمين والعهود والمواثيق التى أخذ اللّه على الملائكة المقرّبين والنبيين والمرسلين ، ووكّدَها فى أعناق المؤمنين والمسلمين، لتَفُنَّ لعبد الله أمير المؤمنين بما سمّى ، ولمحمد وعبد اللّه والقاسم بنى أمير المؤمنين بما سمّى وكتب فى كتابه هذا ، واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم ؛ فإن أنتم بدّلتم من ذلك شيئًا ، أو غيّرتم ، أو نكثم ، أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين ، واشترط عليكم فى كتابه هذا، فبرئت منكم ذمة الله وذمّة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وذم المؤمنين والمسلمين ، وكلُّ مالٍ هو اليوم لكلِّ رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين ، وعلى كل رجل منكم المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكة خمسين حجَّة ، نذراً واجبًا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك؛ وكلّ مملوك لأحد منكم - أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة - حرّ، وكلّ امرأة له فهى طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرّج، لا مثنوّية(١) فيها . والله عليكم بذلك كفيل وراعٍ ، وكفى بالله حسيباً . ٦٦٠/٣ نسخة الشرط الذى كتب عبد الله ابن أمير المؤمنين بخط يده فى الكعبة هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، کتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين ، فى صحّة من عقله ، وجوازٍ من أمره ، وصدق نيّة فيما كتب فى كتابه هذا ، ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين . إن أمير المؤمنين هارون ولانى العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين فی سلطانه بعد أخی محمد بن هارون ، وولاً نى فى حياته ثغورَ خُراسان و کورها وجميع أعمالها ، وشرط على محمد بن هارون الوفاءَ بما عقد لى من الخلافة (١) حلف يميناً لا مثنوية فيها، أى لا استثناء. ٢٨٢ سنة ١٨٦ وولاية أمورِ العباد والبلاد بعده ، وولاية خراسان وجميع أعمالها ، ولا يعرض لى فى شىء مما أقطعنى أمير المؤمنين ، أو ابتاع لى من الضياع والعُقَد والرّباع أوابتعت منه من ذلك ، وما أعطانى أمير المؤمنين من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدوابّ والرّقيق وغير ذلك، ولا يعرض لى ولا لأحد من عمّالى وكتّابى بسبب محاسبة ، ولا يتَّع لى فى ذلك ولا لأحد منهم أبداً، ولا يُدخل على" ولا علیھم ولا علی من کان معی ومن استعنتُ به من جميع الناس مکروھًا؛ فى نفس ولا دم ولا شعرولا بشرولا مال، ولا صغير من الأمور ولا كبير. فأجابه إلى ذلك ، وأقرّ به و کتب له كتابًا ، أكد فيه على نفسه ورضى به أميرُ المؤمنين هارون وقبله ، وعرف صدق نيّته فيه . فشرطتُ لأمير المؤمنين وجعلت له على نفسى أن أسمع لمحمد وأطيع ولا أعصيه ، وأنصحه ولا أغشّه ، وأوفى بيعته وولايته ، ولا أغدر ، ولا أنكُث ، وأنفذ كتبه وأموره، وأحسن موازرته وجهاد عدوّه فى ناحيتى ، ما وفى لى بما شرط لأمير المؤمنين فى أمرٍى ، وسمّى فى الكتاب الذى كتبه لأمير المؤمنين ، ورضى به أميرُ المؤمنين ، ولم يتّبعنى بشىء من ذلك ، ولم ينقض أمراً من الأمور التى شرطها أمير المؤمنين لى عليه . فإن احتاج محمد بن أمير المؤمنين إلى جند، وكتب إلىّ يأمرنى بإشخاصه إليه ، أو إلى ناحية من النواحى ، أو إلى عدوًّ من أعدائه ؛ خالفه أو أراد نقص شىء من سلطانه أو سلطانى الذى أسنده أمير المؤمنين إلينا وولاًنا إياه؛ فعلىّ أن أنفذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصّر فى شىء كتب به إلىّ. وإن أراد محمد أن يوَلِّىَ رجلا من ولده العهد والخلافة من بعدى ؛فذلك له ما وفّى لى بما جعله أمير المؤمنين إلىّ واشترطه لى عليه، وشرط على نفسه فى أمرى ، وعلىّ إنفاذ ذلك والوفاء له به ؛ ولا أنقص من ذلك ولا أغيّره ولا أبدّله، ولا أقدّم قبله أحداً من ولدى، ولا قريبًا ولا بعيداً من الناس أجمعين؛ إلاّ أن يولّىَ أمير المؤمنين هارون أحداً من ولده العهد من بعدى ؛ فيلزمنى ومحمداً الوفاء له . وجعلتُ لأمير المؤمنين ومحمد علىّ الوفاء بما شرطت وستميت فى كتابى هذا، ما وَفَّى لى محمد بجميع ما اشترط لى أمير المؤمنين عليه فى نفسى ، وما أعطانى أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسماة فى هذا ٦٦١/٣ ٦٦٢/٣ ٢٨٣ سنة ١٨٦ الكتاب الذى كتبه لى ، وعلىّ عهد الله وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمتى وذمم آبائى وذمم المؤمنين وأشدّ ما أخذ اللّه على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه ، والأيمان المؤكّدة التى أمر الله بالوفاء بها،ونهى عن نقضها وتبديلها ؛ فإن أنا نقضتُ شيئًا مما شرطت وسمّيت فى كتابى هذا أو غيّرت أو بدّلت ، أو نكثت أو غدرت، فبرئتُ من الله عز وجل ومن ولايته ودینه، ومحمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولقيتُ الله يوم القيامة كافراً مشركًا؛ وكلّ امرأة هى لى اليوم أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثاً ألبتة طلاق الحَرَج ؛ وكلّ مملوك هو لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله ، وعلىّ المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكّة ثلاثين حجّة، نذراً واجبًا على فى عنقى حافيًاً راجلاً ؛ لا يقبل الله منّى إلا الوفاء بذلك، وكلّ مال لى أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدى بالغ الكعبة ؛ وكلّ ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت فى كتابى هذا لازم لا أضمر غيره ، ولا أنوى غيره . وشهد سليمان بن أمير المؤمنين وفلان وفلان . وكتب فى ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائة . نسخة کتاب هارون بن محمد الرشيد إلى العمال بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد فإنّ اللّه ولى" أمير المؤمنين وولىّ ما ولاه ، والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه، والصانع له فيما قدّم وأَخِّر من أموره، والمنعم عليه بالنّصر والتأييد فى مشارق الأرض ومغاربها، والكالى والحافظ والكافى من جميع خلقه ؛ وهو المحمود على جميع آلائه ، المسئول تمامَ حُسْنِ (١) ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين، وعادتِه الجميلة عنده، وإلهامَ ما يرضى به ، ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله . وقد كان من نعمة الله عزّ وجلّ عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولّى اللّه من محمّد وعبد الله ابنى أمير المؤمنين، من تبليغه بهما أحسن ما أمّلت الأمة، ومدّت إليه أعناقها ، وقذف الله لهما فى قلوب العامة من المحبّة والمودّة والسكون إليهما ٦٦٣/٣ (١) س: ((أحسن)). ٢٨٤ ٦٦٤/٣ سنة ١٨٦ والثّقة بهما ، لعماد دينهم ، وقوام أمورهم؛ وجمع (١) ألفتهم ، وصلاح دَهْمائهم ، ودفع المحذور والمكروه من الشّتّات والفرقة عنهم ؛ حتى ألقَوْا إليهما أزمّتهم ، وأعطوْهما بيعتّهم وصفقات أيمانهم، بالعهود والمواثيق ووكيد الأيمان المغلظة عليهم . أراد اللّه فلم يكن له مردّ ، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته ، ولا صَرْفٍ له عن محبّته ومشيئته، وما سبق فى علمه منه. وأميرُ المؤمنين يرجوتمامَ النّعمة عليه وعليهما فى ذلك وعلى الأمّة كافة ؛ لا عاقبَ لأمر الله ولا رادَّ لقضائه ، ولا معقّبَ لحكمه . ولم يزل أميرُ المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عَقْد العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين من بعد أمير المؤمنين ولعبد اللّه ابن أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين، يُعمِل فكره ورأيه ونظره ورويّتِه(٢) فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعيّة والجمع للكلمة، واللم للشعث، والدّفْع للشتات والفرقة، والحسم لكبْد أعداء النَّعَم؛ من أهل الكفر والنفاق والغلّ والشَّقاق، والقطع لآمالهم من كلّ" فرصة يرجون إدراكتها وانتهازها منهما بانتقاص حقهما . ويستخير الله أمير المؤمنين فى ذلك، ويسأله العزيمة له على ما فيه الخِيرة لهما ولجميع الأمة، والقوّة فى أمر الله وحقه وائتلاف أهوائهما، وصلاح ذات بينهما ، وتحصينهما من كَيْد أعداء النَّعْم ، وردّ حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما. فعزم اللّه لأمير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله ، وأخذ البيعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره ، واكتتاب الشّرْط على كلّ واحد منهما لأمير المؤمنين ولهما بأشدّ المواثيق والعهود ، وأغلظ الأيمان والتّوكيد ، والأخذ لكلّ واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين اجتماع ألفتهما(٣) ومودّتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسن النظر لأنفسهما ولرعيّة أمير المؤمنين التى استرعاهما ، والجماعة لدين الله عزّ وجلّ وكتابه وسنن نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم، والجهاد لعدوّ المسلمين؛ من كانوا وحيث كانوا ، وقطْع طمع كل عدوّ مظهر للعداوة ، ومسرّ لها ، وكلّ منافق (١) ج: ((جميع). : (٢) ط: ((رؤيته)). (٣) س: ((كلمتهما)). : ٢٨٥ سنة ١٨٦ ٦٦٥/٣ ومارق، وأهل الأهواء الضالة المضلةمن تكیدبکیدتوقعه(١) بينهما، وبد حْس(٢) يُدحس به لهما، وما يلتمس أعداء اللّه وأعداء النعم وأعداء دينه من الضرب بين الأمة، والسّعى بالفساد فى الأرض، والدعاء إلى البدع والضّلالة؛ نظراً من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمّة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ومناصحةً لله ولجميع المسلمين ، وذبًّا عن سلطان الله الذى قدّره، وتوحّد فيه للذى حمّله إياه، والاجتهاد فى كلّ(٣) ما فيه قُرْبة إلى الله، وما ينال به رضوانَه، والوسيلة عنده . فلما قدم مكّة أظهر لمحمد وعبد اللّه رأيه فى ذلك ، وما نظر فيه لهما ، فقبلا كلَّ ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله ، وكتبا لأمير المؤمنين فى بَطْن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما، بمحْضّر ممَّن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقوّاده وصحابته وقضاته وحَجَبة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحجبة ، وأمر بتعليقهما فى داخل الكعبة . فلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كلّه فى داخل بيت الله الحرام وبطْن الكعبة ، أمرقضاته الذين شهدوا عليهما، وحضروا كتابهما، أن يعلموا جميع مَنْ حضر الموسم من الحاجّ والعُمّار ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرطهما وكتابهما ، وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويعُوه ، ويعرفوه ويحفظوه ، ويؤدُّوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم، ففعلوا ذلك ، وقرىء عليهم الشّرْطان جميعًا فى المسجد الحرام ، فانصرفوا . وقد اشتهر ذلك عندهم ، وأثبتوا الشهادة عليه (٤)، وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم وحقن دمائهم، ولمّ شعثِهم وإطفاء جَمْرة أعداء اللّه؛ أعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم، وأظهروا الدعاء لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه فى ذلك . وقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللذين كتبهما لأمير المؤمنين ابناه محمد وعبد اللّه فى بطْن الكعبة فى أسفل كتابه ؛ هذا فاحمد الله عزّ ٦٦٦/٣ (١) س: ((توقيعه))، ح: ((وتوقعه)). (٣) س: ((على كل)). (٢) الدحس : الفساد. (٤) س: ((عليهم)). ٢٨٦ سنة ١٨٦ وجلّ على ما صنع لمحمد وعبد الله وليَّّى عهد المسلمين حمداً كثيراً ، واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليّى عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمه محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً . واقرأ كتاب أمير المؤمنين على مَن قبلك من المسلمين ، وأفهمهم إيّاه وقُمْ به بينهم ، وأثبته فى الديوان قبلك وقبّلَ قوّاد أمير المؤمنين ورعيته قبلك واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون فى ذلك ، إن شاء الله. وحسبنا الله ونعم الوكيل وبه الحول والقوة والطول . وكتب إسماعيل بن صَبيح يوم السبت لسبع ليال بَقِين من المحرّم سنة ست وثمانين ومائة . قال : وأمر هارون الرشيد لعبد الله المأمون بمائة ألف دينار ، وحملت له إلى بغداد من الرّقة . ٠ ٠ قال وكان الرّشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى بالعُمْر، صار إلى الرّقة ، ثم قدم بغداد ؛ وقد كانت توالتْ عليه الشكاية من علىّ بن عيسى بن ماهان من خُراسان وكثر عليه القوْل عنده ، فأجمع على عَزْله من خُراسان، وأحبّ أن يكون قريباً منه. فلما صار إلى بغداد شخص بعد مدّة منها إلى قَرْمَاسين، وذلك فى سنة تسع وثمانين ومائة ، وأشخص إليها عدّة رجال من القضاة وغيرهم، وأشهدهم أنّ جميع ما له فى عسكره من الأموال والخزائن والسّلاح والكُراع وما سواه أجمع لعبد الله المأمون ، وأنه ليس فيه قليل ولا كثير بوجْه ولاسبب ، وجدّد البيعة له على مَنْ كان معه، ووجّه هرَثمة بن أعْيَن صاحب حَرَسه إلى بغداد ، فأعاد أخذ البيعة على محمد بن هارون أمير المؤمنين وعلى مَنْ كان بحضرته لعبد الله والقاسم على النّسخة التى كان أخذها عليه الرّشيد بمكة ، وجعل أمر القاسم فى خلعه وإقراره إلى عبد اللّه إذا أفضت إليه الخلافة؛ فقال : إبراهيم الموصلى فى بيعة هارون لابنيه فى الكعبة : ٦٦٧/٣ أَمرِ بالتّمامِ وأَحَقُّ خيْرُ الأُمورِ مَغَبَةً حمانُ فى البَيْت الحَرَامِ أمرٌ قضى إحكامهِ الرّ ٢٨٧ ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة ] فمما كان فيها من ذلك قتل الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد وإيقاعه بالبرامكة . ـ « ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف كان قتله وما فعل به وبأهل بيته : أما سبب غضبه عليه الذى قتله عنده ، فإنه مختلف فيه ، فمن ذلك ما ذكر عن بختيشوع بن جبريل ، عن أبيه أنه قال : إنى لقاعد فى مجلس الرشيد ، إذ طلع یحی بن خالد ۔۔ و کان فيما مضى يدخل بلا إذن - فلما دخل وصار بالقُرْب من الرّشيد وسلّم ردّ عليه ردًّا ضعيفًا، فعلم يحيى أن أمرهم قد تغيّر . قال : ثم أقبل علىَّ الرشيد ، فقال : يا جبريل ، يدخل عليك وأنت فى منزلك أحدٌ بلا إذنك! فقلت : لا ، ولا يطمع فى ذلك. قال : فما بالُنا يُدْخَل علينا بلا إذن! فقام يحيى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قدّمنى الله قبلَك ؛ والله ما ابتدأتُ ذلك الساعة، وما هو إلاّ شىء كان خصّتِى(١) به أمير المؤمنين ، ورفع به ذكرى؛ حتى أن كنتُ لأدخل وهو فى فراشه مجرّداً حينًا، وحيناً فى بعض إزاره؛ وما علمتُ أنّ أمير المؤمنين كرِه (٢ ما كان يحب٣ّ) ؛ وإذْ قد علمتُ فإنّى أكون عنده فى الطبقة الثانية من أهل الإذن ، أو الثالثة إن أمرنى سيدى بذلك . قال : فاستحيا- قال : وكان من أرق الخلفاء وجهاً ... وعيناه فى الأرض، ما يرفع إليه طرفه ، ثم قال: ما أردتُ ما تكره ؛ ولكنّ الناس يقولون . قال : فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه فأجاب بهذا القول ٦٦٨/٣ (١) ج: ((يخصنى)). (٢ - ٢) س: ((ذلك)). ٢٨٨ سنة ١٨٧ ثم أمسك عنه ، وخرج يحی . وذُكر عن أحمد بن يوسف أنَّ ◌ُثمامة بن أشرس ؛ قال: أوّل ما أنكر يحيى بن خالد من أمره، أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها، ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغنى عنك من اللّه شيئًا، وقد جعلتَه فيما بينك وبين اللّه ؛ فكيف أنت إذا وقفت بين يديه ، فسألك عمّا عملت فى عباده وبلاده ، فقلت : يا ربّ إنى استكفيتُ يحيى أمورَ عبادك! أتراك تحتجّ بحجة يرضى بها (١) ! مع كلام فيه توبيخ وتقريع . فدعا الرّشيد يحيى - وقد تقدم إليه خبر الرسالة - فقال: تعرف محمد بن الليث ؟ قال : نعم، قال : فأىّ الرجال هو ؟ قال : متّهم على الإسلام ، فأمر به فوضع فى المطبق دهراً ؛ فلمّا تنكّر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه ، فأحضر، فقال له بعد مخاطبة طويلة : يا محمد ، أتحبّنى ؟ قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين ، قال: تقول هذا! قال: نعم ، وضعتَ فى رجلى الأكبال، وحُلتَ بينى وبين العيال بلا ذنب أتيت ، ولا حدث أحدثت، سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله ، ويحب الإلحادّ وأهله؛ فكيف أحبُّك! قال: صدقت، وأمر بإطلاقه، ثم قال : يا محمد ، أتحبنى ؟ قال : لا والله يا أمير المؤمنين؛ ولكن قد ذهب ما فى قلبى ، فأمر أن يعطى مائة ألف درهم ، فأحضرت ، فقال : يا محمد، أتحبنى ؟ قال: أما الآن فنعم ؛ قد أنعمت علىّ، وأحسنت إلىّ . قال : انتقم اللّه ممّن ظلمك، وأخذ لك بحقِّك ممّن بعثنى عليك. قال: فقال الناس فى البرامكة فأكثروا ، وكان ذلك أوّل ما ظهر من تغيّر حالهم . قال : وحدّثنى محمد بن الفضل بن سفيان ، مولى سليمان بن أبى جعفر ، قال : دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرّشيد ، فقام الغلمان إليه ، فقال الرّشيد لمسرور الخادم: مُر الغلمان ألا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار. قال : فدخل فلم يقم إليه أحدٌ ، فاربدّ لونه . قال : وكان الغلمان والحجاب بعد إذا رأوْه أعرضوا عنه. قال : فكان ربّما استسقى الشربة من الماء أو غيره ، فلا يسقونه ، وبالحرَى إِن سقوْه أن يكون ذلك بعد أن يدعوَ بها مراراً . (١) س: ((يرضاها)). ٦٦٩/٣ ٢٨٩ سنة ١٨٧ وذكر أبو محمد اليزيدىّ - وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم - قال: مَنْ قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله ابن حسن فلا تصدّقه ؛ وذلك أنّ الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه ، ثم دعا به ليلة من الليالى فسأله عن شىء من أمره، فأجابه، إلى أن قال: اتّق اللّه فى أمرى ، ولا تتعرَّض أن يكون خصمك غداً محمد صلى الله عليه وسلم؛ فوالله ما أحدثتُ حدثًا، ولا أويت محدثاً . فرقّ عليه ، وقال له : اذهب حيث شئت من بلاد الله. قال: وكيف أذهب ولا آمن أن أوخذَ بعد قليل فأردّ إليك أو إلى غيرك! فوَجه معه مَنْ أَدَّاه إلى مأمنه . وبلغ الخبرُ الفضل بن الربيع، من عين كانت له عليه من خاص خدمه، فعلا الأمرَ، فوجده حقًّا، وانكشف عنده؛ فدخل على الرّشيد فأخبره ، فأراه أنه لا يعبأ بخبره . وقال: وما أنت وهذا لا أمّ لك ! فلعلّ ذلك عن أمرى ؛ فانكسر الفضل؛ وجاءه جعفر فدعا بالغدَاء فأكلا ، وجعل ياقِّمه ويحادثه ، إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال : ما فعل يحيى بن عبد الله؟ قال: بحاله(١) يا أميرَ المؤمنين فى الحبْس الضّيق والأكبال. قال: بحياتى! فأحجمَ جعفر - وكان من أدقّ الحالْق ذهنًا ، وأصحِّهم فكراً -وهجس فى نفسه أنه قد علم بشىء من أمره ، فقال : لاوحياتك يا سيّدى ولكن أطلقته وعلمْتُ أنه لا حياة به ولا مكروه عنده . قال : نعمَ ما فعلتَ ؛ ما عدوتَ ما كان فى نفسى . فلما خرج أتبعه بصرَه حتى كاد أن يتوارى عن وجهه ، ثم قال: قتلنى اللّه بسيف الهدى على عمل الضلالة إن لم أقتلك ! فكان من أمره ما كان . ٦٧٠/٣ ٦٧١/٣ وحدّث إدريس بن بدر ، قال : عرض رجل للرشيد وهو يناظر يحيى ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، نصيحة؛ فادعُ بى إليك، فقال لهرئمة : خذ الرجل إليك ، وسلْه عن نصيحته هذه ، فسأله، فأبى أن يخبرَه وقال: هى سرّ من أسرار الخليفة ، فأخبر هرثمَة الرشيد بقوله ، قال : فقل له لا يبرح الباب حتى أفرغ له ، قال : فلما كان فى الهاجرة انصرف مَنْ كان عنده ، ودعا به ، فقال : أخْلِنى ، فالتفت هارون إلى بنيه ، فقال : انصرفوا يا فتيان ؛ (١) ابن الأثير: ((هو بحاله)). تاريخ الطبري - ثامن ٢٩٠ ٦٧٢/٣ سنة ١٨٧ فوثبوا وبقى خاقان وحُسين على رأسه ؛ فنظر إليهما الرّجُل، فقال الرّشيد: تَنَحّيا عنّى، ففعلا، ثم أقبل على الرّجل ، فقال: هات ما عندك، فقال: على أن تؤمّننى ! قال : على أن أؤمنك وأحسن إليك . قال : كنت بحلوان فى خان من خاناتها ، فإذا أنا بيحيى بن عبد اللّه فى دُرّاعة صوف غليظة وكساء صوف أخضر غليظ ، وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل ، ويرحلون إذا رحل ، ويكونون منه بصدد يوهمون مَنْ رآهم أنهم لا يعرفونه وهم من أعوانه ، ومع كلّ واحد منهم منشور يأمن به إن عُرِض له . قال: أوَ تعرف يحيى ابن عبد الله؟ قال : أعرفه قديمًا ، وذلك الذى حقق معرفى به بالأمس ، قال : فصِفه لى ، قال: مربوع أسمر رقيق السمرة ، أجلح(١)، حسن العينين، عظيم البطن . قال : صدقتَ ؛ هو ذاك . قال : فما سمعته يقول ؟ قال : ما سمعتُه يقول شيئًا ؛ غير أنى رأيته يصلّى ، ورأيت غلامًا من غلمانه أعرفه قديماً جالسًا على باب الخان ، فلمّا فرغ من صلاته أتاه بثوبٍ غسيل ، فألقاه فى عنقه ونزع جبّة الصوف ، فلما كان بعد الزّوال صلى صلاة ظننتُها العصر، وأنا أرمقه؛ أطال فى الأولييْن، وخفف فى الأخريين، فقال : لله أبوك! لجاد ما حفظت عليه ، نعم تلك صلاة العصر ؛ وذاك وقتُها عند القوم ، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيَك! فمن أنت ؟ قال : أنا رجل من أعقاب أبناء هذه الدّوْلة، وأصْلى من مَرْو، ومولدى مدينة السلام، قال: فمنزلك بها ؟ قال : نعم ؛ فأطرق مليًّاً، ثم قال : كيف احتمالك لمكروه تُمتحن به فى طاعتى ! قال: أبلغُ من ذلك حيث أحبّ أمير المؤمنين ، قال : كن بمكانك حتى أرجعَ . فطفَر فى حجرة(٢) كانت خلف ظهره ، فأخرج كيساً فيه ألفا دينار ، فقال : خذ هذه، ودعنى وما أدبّر فيك، فأخذها ، وضمّ عليها ثيابه ، ثم قال : يا غلام ، فأجابه خاقان وحسين ، فقال : اصفعا ابن اللخناء ، فصفتَعَاه نحواً من مائة صَفْعة، ثم قال: أخرِجاه إلى مَنْ بقىَ فى الدار ، وعمامتُه فى عنقه ، وقولا : هذا جزاء من يسعى بباطنة أمير المؤمنين وأوليائه ! ففعلا ذلك ؛ وتحدّثُوا بخبره ؛ ولم يعلم بحال الرجل أحد ، ولا بما (١) الجلح: انحسار الشعر عن جانبى الرأس. (٢) ط: ((فطفر فى حجزة)). ٢٩١ سنة ١٨٧ كان ألقى إلى الرشيد ؛ حتى كان من أمر البرامكة ما كان . ٦٧٣/٣ وذكر يعقوب بن إسحاق أنّ إبراهيم بن المهدىّ حدثه ، قال : أتيتُ جعفر بن يحيى فى داره التى ابتناها، فقال لى: أما تعجب من منصور بن زياد ؟ قال : قلت فبماذا ؟ قال : سألتُه: هل ترى فى دارى عيبًا؟ قال : نعم ؛ ليس فيها لبنة ولا صُنوبرة ، قال إبراهيم : فقلت : الذى يعيبها عندى أنك أنفقت عليها نحواً من عشرين ألف ألف درهم، وهو شىء لا آمنه عليك غداً بين يدى(١) أمير المؤمنين، قال : هو يعلم أنه قد وصلنى بأكثر من ذلك وضعف ذلك ، سوى ما عرّضنى (٢) له. قال: قلت: إن العدّو إنما يأتيه فى هذا من جهة أن يقول : يا أميرَ المؤمنين، إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف درهم ، فأين نفقاته ! وأين صلاته! وأين النوائب التى تنوبه! وما ظنّك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك! وهذه جملة سريعة إلى القلب، والموقف (٣) على الحاصل منها صعب . قال : إن سمع منِّ قلتُ: إن لأمير المؤمنين نعمًاً على قوم قد كفروها بالسّتر لها أو بإظهار القليل من كثيرها (٤)؛ وأنا رجلٌّ نظرت إلى نعمته عندى ، فوضعتها فى رأس جبل ، ثم قلت للناس : تعالوا فانظروا . وذكر زيد بن علىّ بن حسين بن زيد أنّ إبراهيم بن المهدىّ حدثه أن جعفر بن يحيى ، قال له يومًا - وكان جعفر بن يحيى صاحبه عند الرشيد ، وهو الذى قرّبه منه : إنى قد استربت بأمر هذا الرجل - يعنى الرشيد - وقد ظننتُ أن ذلك لسابق سبق فى (٥) نفسى منه، فأردتُ أن أعتبر ذلك بغيرى ، فكنت (٦) أنت ؛ فارمق ذلك (٧) فى يومك هذا، وأعلمنى ما ترى منه. قال: ففعلت ذلك فی یومی ؛ فلما نهض الرّشید من مجلسہ کنتُ أوّل أصحابه نهض عنه ، حتى صرت إلى شجرِ فى طريقى ، فدخلتها ومَنْ معى، وأمرتهم بإطفاء الشمع ، وأقبل الندماء يمرُّون بى واحداً واحداً، فأراهم ولا يرْونى؛ حتى إذا لم ٦٧٤/٣ (١) ج: ((عند)). (٣) ا، س: ((والتوقف)). (٥) س: ((إلى)). (٧) س: ((ذاك)). (٢) !، س: ((عوّضْ)). (٤) س: ((منها)). (٦) ج: ((فكيف)). ٢٩٢ سنة ١٨٧ يبق منهم أحد ؛ إذا أنا بجعفر قد طلع ، فلما جاوز الشجر (١) قال : اخرج يا حبيبى ، قال : فخرجت ، فقال : ما عندك (٢)؛ فقلت: حتى تعلمنى كيف علمتَ أنى ها هنا؛ قال : عرفت عنايتَك بما أعنى به ، وأنك لم تكن لتنصرف أو (٣) تعلمنى ما رأيت منه؛ وعلمتُ أنك تكره أن تُرَى واقفاً فى مثل هذا الوقت ، وليس فى طريقك موضع أستر من هذا الموضع ، فقضيتُ بأنك فيه ، قلت : نعم ؛ قال : فهاتٍ ما عندك ، قلت : رأيت الرّجل يهزل إذا جددتَ ، ويجدّ إذا هزلتَ. قال : كذا هو عندى ، فانصرف يا حبيبى . قال : فانصرفت . قال : وحدّثنى علىّ بن سليمان أنه سمع جعفر بن يحيى يومًا يقول : ليس لدارنا هذه عيب ؛ إلا أن صاحبها فيها قليل البقاء - يعنى نفسه . وذكر عن موسى بن يحيى ، قال : خرج أبى إلى الطّواف فى السنة التى أصيب فيها ، وأنا معه من بين ولده ، فجعل يتعلّق بأستار الكعبة ، ويردّد الدعاء ، ويقول : اللهمّ ذنوبى جمّة عظيمة لا يحصيها غيرُك، ولا يعرفها سواك . اللهمّ إن كنت تعاقبنى فاجعل عقوبتى فى الدنيا ؛ وإن أحاط ذلك بسمعى وبصرى ، ومالى وولدى ، حتى تبلغ رضاك ، ولا تجعل عقوبتى فى الآخرة . ٦٧٥/٣ قال : وحد ثني أحمد بن الحسن بن حرب، قال: رأيتُ یحی وقد قابل البيت ، وتعلق بأستار الكعبة ، وهو يقول : اللهمّ إن كان رضاك فى أن تسلبنى نعمتك عندى فاسلبنى ، اللهمّ إن كان رضاك فى أن تسلبنى أهلى وولدى فاسلبنى؛ اللّهمّ إلا الفضل. قال: ثم ولى ليمضى؛ فلما قرب من باب المسجد كرّ مسرعًا، ففعل مثل ذلك، وجعل يقولُ: اللهمّ إنه سِجٌ بمثلى أن يرغب إليك ثم يستثنى عليك ... اللهم والفضل. قال : فلما انصرفوا من الحجّ نزلوا الأنبار، ونزل الرشيد بالعُمْر ومعه وليّا العهد، الأمين والمأمون، ونزل الفضل مع الأمين، وجعفر مع المأمون، ويحيى فى منزل خالد بن عيسى كاتبه ، ومحمد بن (١) س: ((جاز فى الشجر)).ا؛ ((حاذى الشجر)). (٣) س: ((حتى). (٢) س: ((ما عندهم)). ٢٩٣ سنة ١٨٧ يحي فى منزل ابن نوح صاحب الطّراز، ونزل محمد بن خالد مع المأمون بالعُمر مع الرشيد، قال: وخلا الرشيد بالفضل ليلا، ثم خلع عليه وقلّده، وأمره أن ينصرف مع محمد الأمين، ودعا بموسى بن يحيى فرضيَ عنه وكان غضب عليه بالحيرة فى بدأته ، لأن علىّ بن عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد فى أمر خُراسان وأعلمه طاعة أهلها له ، ومحبّتهم إياه ، وأنه يكاتبهم ويعمل على الانسلال(١) إليهم والوثوب به معهم ؛ فوقر ذلك فى نفس الرّشيد عليه وأوحشه منه ؛ وكان موسى أحد الفرسان الشجعان ، فلما قدح علىّ بن عيسى فيه أسرع ذلك فى الرّشيد، وعمل فيه القليل منه، ثم ركب موسى دَيْنٌ ، واختفى من غرمائه ، فتوهّم الرشيد أنه صار إلى خراسان ؛ كما قيل له ، فلما صار إلى الحيرة فى هذه الحجة وافاه (٢) موسى من بغداد ، فحبسه الرشيد عند العباس بنموسى بالكوفة؛ فكان ذلك أول ثلمة ثُلموا بها ؛ فركبت أمّ الفضل بن يحيى فى أمره ، ولم يكن يردّها فى شىء، فقال: يضمنه أبوه فقد رُفع إلىّ فيه ، فضمنه يحيى ودفعه إليه ، ثم رضى عنه ، وخلع عليه ، وكان الرشيد قد عتب على الفضل ابن يحيى ، وثقل مكانه عليه لتركه الشّرب معه ؛ فكان الفضل يقول : لو علمتُ أن الماء ينقص من مروءتى ما شربته ؛ وكان مشغوفًا بالسماع . قال : وكان جعفر يدخل فى منادمة الرشيد ؛ حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته ، ويأمره بترك الأنس به ، فيترك أمر أبيه ، ويدخل معه فيما يدعوه إليه . ٦٧٦/٣ وذكر عن سعيد بن هريم أنّ يحيى كتب إلى جعفر حين أعيتْه حيلته فيه : إنى إنما أهملتك ليعثر الزّمان بك عثرة تعرف بها أمرك ؛ وإن كنت لأخشى أن تكون التى لا شوّى لها (٣) . قال: وقد كان يحيى قال للرشيد : يا أمير المؤمنينَ ، أنا والله أكره مداخلة جعفر معك؛ ولست آمن أن ترجع العاقبة فى ذلك علىّ منك، فلو أعفيته (٤) واقتصرت به على ما يتولاه من جسيم أعمالك ، كان ذلك واقعًا بموافقتى، وآمن لك علىّ . قال الرّشيد : يا أبت ليس بك هذا ؛ ولكنك إنما تريد أن تقدّم عليه الفضل . (١) س: ((الاستلال)). (٣) لا شوى لها : لا برء معها . (٢) ج: ((وأَّاهم))، والصواب ما أثبته من ا. (٤) ط: ((أعقبته)). ٢٩٤ سنة ١٨٧ وقد حدثنى أحمد بن زهير - أحسبه عن عمّه زاهر بن حرب - أنّ سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرّشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدىّ ، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب ؛ وذلك بعد أن أعلم جعفراً قلّةَ صبره عنه وعنها ، وقال لجعفر: أزوّجكُها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسى، وتقدّم إليه ألا يمسّها ، ولا يكون منه شىء مما يكون للرجل إلى زوجته؛ فزوّجها منه على ذلك ، فكان يحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب ، ثم يقوم عن مجلسه ويُخليهما ، فيثْمُلان من الشراب، وهما شابّان ، فيقوم إليها جعفر فيجامعها ، فحملت منه وولدت غلامًا ، فخافت على نفسها من الرّشيد إن علم بذلك ، فوَجُّهت بالمولود مع حَواضِن له من مماليكها إلى مكة، فلم يزل الأمر مستورًا(١) عن هارون، حتى وقع بین عباسة وبین بعض جواريها شرّ، فأنهت أمرَها وأمر الصبىّ إلى الرشيد، وأخبرته(٢) بمكانه؛ ومع مَن هو من جواريها، وما معه من الحلى الذى كانت زيّنته به أمه ؛ فلما حجّ هارون هذه الحجّة ، أرسل إلى الموضع الذى كانت الجارية أخبرته أن الصبىّ به مَنْ يأتيه بالصبيّ وبمَنْ معه من حواضنه، فلمَّا أحضروا سأل اللواتى معهنّ الصبىّ، فأخبرنَه بمثل القصة التى أخبرته بها الرافعة على عبَّسة، فأراد - فيما زُعم- قتل" الصبيّ ، ثم تحوّب من ذلك . وكان جعفر يتَّخذ للرشيد طعامًا كلما حجّ بعُسفان فيقريه(٣) إذا انصرف شاخصاً من (٤) مكة إلى العراق؛ فلما كان فى هذا العام، اتّخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنالك ، ثم استزاره فاعتلّ عليه الرشيد ، ولم يحضر طعامه ، ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله(٥) من الأنبار ؛ فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكره إن شاء الله تعالى . ذكر الخبر عن مقتل جعفر ذكر الفضل بن سلمان بن علىّ أن الرشيد حجّ فى سنة ست وثمانين ومائة ٦٧٨/٣ (١) ج: ((مستتراً)). (٢) ج: ((وخبرته)). (٣) س: ((فيغذيه)). (٥) س: ((نزل منزلا)). ( ٤) س : ((عن)). ٦٧٧/٣ ١ ٢٩٥ سنة ١٨٧ وأنه انصرف من مكة، فوافى الحيرة فى المحرّم من سنة سبع وثمانين ومائة عند انصرافه من الحجّ، فأقام فى قصر عون العبادىّ أيامًا، ثم شخص فى السفن حتى نزل العُمْر الذى بناحية الأنبار ، فلما كان ليلة السبت الانسلاخ المحرّم، أرسل مسرورًا الخادم ومعه حمّاد بن سالم أبو عصمة فى جماعة من الجند ، فأطافوا بيجعفر بن يحيى ليلاً ، ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبّب وأبو زكّار الأعمى المغنَّى الكلوذانىّ ، وهو فى لهوه، فأخرجه إخراجًا عنيفًا يقوده ، حتى أنى به المنزل الذى فيه الرّشيد، فحبسه وقيَّده بقيد حمار ، وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به ، فأمر بضرب عنقه ، ففعل ذلك . وذكر عن على بن أبى سعيد أن مسرورًا الخادم ، حدثه قال : أرسلی الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لَمَّا أراد قتله، فأتيته وعنده أبو زكّار الأعمى المغنّى وهو يغنّيه : فلا تَبْعَد فكلُّ فتّى سيأتى عليه الموتُ يَطْرُق أَو يُغادِى قال : فقلت له : يا أبا الفضل ، الذى جئتُ له من ذلك قد واللّه طرقك ، أجبْ أمير المؤمنين . قال : فرفع يديه، ووقع على رجلىّ يقبلهما ، وقال : حتى أدخل فأوصى ، قلت : : أما الدّخول فلا سبيل إليه، ولكن أوْصِ بما شئت ، فتقدّم فى وصيَّتَه بما أراد ، وأعتق مماليكه، ثم أتتنى رسلُ أمير المؤمنين تستحثُّنى به ، قال : فمضيتُ به إليه فأعلمته ، فقال لى وهو فى فراشه : اثتنى برأسه ، فأتيت جعفراً فأخبرته ، فقال: يا أبا هاشم، اللّهَ اللّهَ! واللّه ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران ؛ فدافع بأمری حتى أصبح أوامره فىّ ثانية ، فعدت لأوامره ، فلما سمع حسّى ، قال: يا ماصّ بَظْر أمّه، اثنى برأس جعفر ! فعدتُ(١) إلى جعفر ، فأخبرته ، فقال : عاوده فى ثالثة ، فأتيته ، فحذفنى بعمود ثم قال : نُفيت من المهدىّ إن أنت جئتنى ولم تأتنى برأسه ، لأرسلنَ إليك مَنْ يأتينى برأسك أولا، ثم برأسه آخراً . قال : فخرجت فأتيته برأسه . ٦٧٩/٣ (١) س: ((فأتيت)). ٢٩٦ سنة ١٨٧ قال : وأمر الرشيد فى تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه ، ومن كان منهم (١) بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضراً ، . وحوّل الفضل بن يحيى ليلا فحُبس فى ناحية من منازل الرّشيد ، وحُبِس يحيى ابن خالد فى منزله ، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك ، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها ، ووجّه من ليلته رَجَاء الخادم إلى الرَّقة فى قبض أموالهم وما كان لهم ؛ وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم ، وولاه أمورهم ، وفرّق الكتب من ليلته إلى جميع العمَّال فى نواحى البلدان والأعمال بقبض أموالهم ، وأخذ وكلائهم . فلمّا أصبح بعث بحُثَّة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتانىّ وهَرْثُمَة بن أعْيَن وإبراهيم بن حميد المَرْورُوذىّ، وأتبعهم عدّةً من خدمه وثقاته؛ منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى ، وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد ابن يحيى ، وجعل معه هرثمة بن أعين ، وأمر بقبض جميع ما لهم، وكتب إلى السندىّ الحرشىّ بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام ، ونصيْب رأسه على الجسر الأوسط وقطْع جثّته، وصلْب كلّ قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل . ففعل السندىّ ذلك ، وأمضى الخدم ما كانُوا وجّهوا فيه ، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرّشيد ، فأمر بإطلاقهم، وأمر بالنداء فى جميع البرامكة: ألاّ أمان من آواهم إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه ؛ فإنه استثناهم ؛ لما ظهر من نصيحة محمد له ، وعَرَفَ براءته ممّاً دخل فيه غيرُه من البرامكة. وخلتى سبيل يحيى قبل شخوصه من العُمْرِ ، ووكثَّل بالفضل ومحمد وموسى بنى يحيى، وبأبى المهدىّ صهرهم حَفظةً من قِبل هَرْثْمَة بن أعين، إلى أن وافَى بهم الرّقة ، فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبى شيْخ يوم قدِمِ الرّقة، وتولّى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك، ثم صلب. وحُبِس يحي بن خالد مع الفضل ومحمد فى دَير القائم ، وجعل عليهم حفظة من قبل مسرور الخادم وهَرْئمة بن أعين، ولم يفرق بينهم وبين عدّة (١) س: ((منه). ٦٨٠/٣ ٢٩٧ سنة ١٨٧ ٦٨١/٣ من خدمهم ، ولا ما يحتاجون إليه ، وصيّر معهم زُبيدة بنت مُنير أمّ الفضل وَدنانير جارية يحيى وعدّة من خَدَمهم وجواريهم. ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح ، فعمّهم بالتثقيف"(١) بسخطه، وجُدّد له ولهم التّهمة عند الرّشيد ، فضيّق عليهم . وذكر الزبير بن بكارأنّ جعفر بن الحسين اللَّهبِىّ حدثه أن الرشيد أُنِى بأنس ابن أبى شيخ صبح الليلة التى قتل فيها جعفر بن يحيى ، فدار بينه وبينه كلام ، فأخرج الرشيد سيفًا من تحت فراشه ، وأمر أن تضرّب عنقه ، وجعل يتمثَّل ببیت قیل فی قتل أنس قبل ذلك : تَلَمَّظَ السَّيْفُ من شوْق إِلى أَنٍ فَالسيف يَلحَظُ وَ الأَقِدَارُ تَنْتَظِرُ قال : فضرب عنقه ، فسبق السيف الدم ، فقال الرشيد: رحم الله عبدالله ابن مصعب . وقال الناس : إن السيف كان سيف الزبير بن العوام . وذكر بعضهم أن عبد الله بن مُصعب كان على خبر الناس للرشيد ، فكان أخبره عن أنس أنه على الزندقة، فقتله لذلك، وكان أحد أصحاب البرامكة. ٣ وذكر محمد بن إسحاق أنّ جعفر بن محمد بن حكيم الكرفىّ، حدّثه قال : حدّثْنى السندىّ بن شاهك، قال: إنى لجالسٌ يومًا، فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد ، ودفع إلىّكتاباً صغيراً، ففضضته، فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه : بسم الله الرحمن الرحيم : يا سندىّ، إذا نظرت فى كتابى هذا ، فإن كنت قاعداً فقم ، وإن كنت قائمًا فلا تقعد حتى تصير إلىّ . قال السندىّ : فدعوت بدوابى ، ومضيت . وكان الرشيد بالعُمر؛ فحدثنى العباس بن الفضل بن الربيع ، قال: جلس الرّشيد فى الزوّ(٢) فى الفرات ينتظرك، وارتفعت غبْرةٌ، فقال لى: يا عباس، ينبغى أن يكون هذا السندىّ وأصحابه ! قلت : يا أمير المؤمنين ، ٦٨٢/٣ (١) عمهم بالتثقيف بسخطه ، أى أخذهم بذلك . (٢) الزو : نوع من السفن. ٢٩٨ سنة ١٨٧ ما أشبهه أن يكون هو ! قال: فطلعت. قال: السندىّ: فنزلت عن دابتى (١)، ووقفت ، فأرسل إلىّ الرشيد فصرت إليه ، ووقفت ساعة بين يديه ، فقال لمن كان عنده من الخدم : قوموا ، فقاموا فلم يبقَ إلاّ العباس بن الفضل وأنا، ومكث ساعة ، ثم قال للعباس : اخرج ومُرْ برفع التخاتج المطروحة على الزّوّ ، ففعل ذلك ، فقال لى : ادنُ منى ، فدنوت منه ، فقال لى: تدری فيمَ أرسلت إليك ؟ قلت : لا والله يا أمير المؤمنين ، قال : قد بعثت إليك فى أمر لو علم به زرّ قميصی رميتُ به فى الفرات، يا سندىّ مَنْ أوثق قوَّادى عندى ؟ قلت : هرئمة ، قال : صدقت ، فمن أوثق خدمى عندى ؟ قلت : مسرور الکبیر ، قال : صدقت ، امض من ساعتك هذه وجد فى سيرك حتى توافى مدينةَ السلام ، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك ، ومُرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة (٢) فإذا انقطعت الزُّجَل(٣)، فصر إلى دور البرامكة، فوكل بكلَ باب من أبوابهم صاحب ربع، ومرْه أن يمنع مَنْ يدخل ويخرج - خلا باب محمد بن خالد .. حتى يأتيَك أمرى. قال : ولم يكن حرّك البرامكة فى ذلك الوقت . قال السندىّ : فجئت أركض ، حتى أتيت مدينة السلام ، فجمعت أصحابى ، وفعلت ما أمرنى به . قال: فلم ألبث أن أقدم علىّ هرثمة ابن أعين ، ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف، مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرنى أن أشطره باثنين ؛ وأن أصلبه على ثلاثة جسور . قال : ففعلت ما أمرنى به . ٦٨٣/٣ قال محمد بن إسحاق : فلم يزل جعفر مصلوبًا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خُراسان ، فمضيت فنظرت إليه ، فلما صار بالجانب الشرقىّ على باب خزيمة بن خازم، دعا بالوليد بن جُشم الشارى من الحبْس، وأمر أحمد بن الجنيد الخُتّلىّ -وكان سيّافه- فضرب عنقه، ثم التفت إلى السندىّ، فقال : ينبغى أن يحرق هذا - يعنى جعفراً - فلما مضى، جمع السندىّله شوكاً وحطبًا وأحرقه . (١) !، س: ((دواني)). (٣) الزجل : الجماعة من الناس. (٢) ج: ((على أهبة وأعوانهم)). ٢٩٩ سنة ١٨٧ وقال محمد بن إسحاق : لما قتل الرّشيد جعفر بن يحيى، قيل ليحيى بن خالد : قتل أمير المؤمنين ابنَك جعفرًا، قال : كذلك يُقتَل ابنُه، قال : فقيل له : خربت ديارك ، قال : كذلك تُخرَب دورهم . وذكر الكرمانيّ أن بشارًا التركىّ حدّثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعُمْر فى اليوم الذى قتل جعفرًا فى آخره؛ فكان ذلك اليوم يوم جمعة، وجعفر ابن یحی معه، قد خلا به دون ولاة العهد؛ وهو یسیر معه ، وقد وضع يده على عاتقه؛ وقبل ذلك ما غلَّفه بالغالية بيد نفسه؛ ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب ، فلما أراد الدخول ضمَّه إليه ، وقال له : لولا أنى على الجلوس الليلة مع النّساء لم أفارقك ، فأقم أنت فى منزلك، واشرب أيضًا واطرب؛ لتكون أنت فى مثل حالى، فقال: لا والله ما (١) أشتهى ذلك إلاّ معك، فقال له: بحياتى لما شربت ؛ فانصرف عنه إلى منزله ؛ فلم تزل رسُل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين ؛ حتى ذهب الليل. ثم بعث إليه مسروراً فحبس عنده، وأمر (٢) بقتله وحسَبْس الفضل ومحمد وموسى، ووكَّل سلامًا الأبرش بباب يحيى بن خالد ، ولم يعرض لمحمد بن خالد ولا لأحد من ولده وحشمه . ٦٨٤/٣ قال : فحدثنى العباس بن بزيع عن سلام ، قال : لمّا دخلت على يحيى فى ذلك الوقت - وقد هُتكت الستور وجُمع المتاع- قال لى: يا أبا سلمة؛ هكذا تقوم الساعة! قال سلاّم : فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه ؛ فأطرق مفكّراً . قال وحدثنى أيوب بن هارون بن سلمان بن علىّ ، قال : كان سكنى إلى يحيى ، فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه فى تلك العشيّة التى كان آخر أمره ، وقد صار إلى أمير المؤمنين فى حَرّاقته ، فدخل إليه من باب صاحب الخاصّة ، فكلّمه فى حوائج الناس وغيرها من إصلاح الثغور وغزو البحر ، ثم خرج ، فقال للناس : قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم ، وبعث إلى (١) ا، س: ((لا)). (٢) ج: ((ثم أمره)). ٣٠٠ سنة ١٨٧ أبى صالح يحيى بن عبدالرحمن يأمره بإنفاذ ذلك، ثم لم يزل يحدّثنا عن أبى مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب ، ووافانا فى وقت السّحَر خبرُ مقتل جعفر وزوال أمرهم. قال: فكتبت إلى يحيى أعزّيه ، فكتب إلىّ: أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم ، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد . وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد. قال : وقتل جعفر بن يحيى فى ليلة السبت أول ليلة من صفر سنة سبع وثمانين ومائة وهو ابن سبع وثلاثين سنة ، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة - وفى ذلك يقول الرّقاشىّ : وياصفَرُ المَشِئُومُ ما جئتَ أَشأما أَيا سَبْتُ يا شرّ السُّبوتِ صَبيحةً وفى صَفَرٍ جاءَ البلاءُ مُصَمّما أَتَى السَّبْتُ بالأُمْرِالَّذی مَدَّ ركننا قال : وُذُكر عن مسرور أنه أعلم الرّشيد أن جعفرًا سأله أن تقع عينه عليه ، فقال : لا ، لأنه يعلم إن وقعت عينى عليه لم أقتله . ٠ [ ما قيل فى البرامكة من الشعر بعد زوال أمرهم ] قال : وفیھم یقول الرّقاشى ، وقد ذکر أن هذا الشعر لأبى نواس: وأمسكَمن يُجْدِیومن كانيَجْتَدِی أَلَانَ استرحنا واستراحت رِ كابُنَا وطَىّ الفيافى فَدْفَدًا بعدَ فَدَفَدٍ فَقُلْ لِلمَطَايا قد أَمِنْتٍ من السُّرَى ولن تَظفَرِى من بعدهِ بمُسَوَّدٍ وقُلْ للمَنايا: قد ظَفِرتٍ بجَعْفرٍ وقُلْ للرزايا كلَّ يومٍ تجَدَّدى وقُلْ للعطايا بَعدَ فضلٍ تَعَطَّى أُصيبَ بسيفٍ هاشمىِّ مُهَنَّدٍ ودُونَكِ سيفاً برمكيّا مُهَنَّدًا وفيهم يقول فى شعر له طويل : ٦٨٦/٣ إن يغدُرِ الزَّمَنُ الخَئُون بنا فَقَدْ حَتَّى إذا وضح النهارُ تكثَّفَتْ غَدَرَ الزَّمَان بجعفرٍ ومُحَمَّدٍ عن قتلٍ أَكْرَمِ هَالك لم يُلحَدِ ٦٨٥/٣