Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ سنة ١٦٩ بنا حسين ، وصعد المنبر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلس وعليه قميص وعمامة بيضاء قد سدلها من بين يديه ومن خلفه ، وسيفه مسلول قد وضعه بين رجليه ؛ إذ أقبل خالد البربرىّ فى أصحابه ؛ فلمَّا أراد أن يدخل المسجد بدَرَه يحيى بن عبد اللّه، فشدّ عليه البربرىّ؛ وإنى لأنظر إليه، فبدره يحي بن عبد اللّه، فضربه على وجهه ، فأصاب عينيه وأنفه ؛ فقطع البيضة والقلنسوة ، حتى نظرتُ إلى قتَحْفه طائراً عن موضعه ، وحمل على أصحابه فانهزموا . ثم رجع إلى حسين، فقام بين يديه وسيفه مسلول يقطر دماً ، فتكلّم حسين ، فحمد الله وأثنى عليه ، وخطب الناس ، فقال فى آخر كلامه : يأيها النّاس، أنا ابن رسول الله فى حرم رسول الله، وفى مسجد رسول الله، وعلى منبر نبيّ اللّه، أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإن لم أفٍ لكم بذلك فلا بيعةَ لى فى أعناقكم . قال : وكان أهل الزيارة فى عامهم ذلك كثيراً ، فكانوا قد ملئوا المسجد ؛ فإذا رجل قد نهض ، حسن الوجه ، طويل القامة ، عليه رداءٌ ممشق ، أخذ بيد ابن له شابّ جميل جَلْد، فتخطَّى رقاب الناس ؛ حتى انتهى إلى المنبر ، فدنا من حسين ، وقال : يابنَ رسول اللّه، خرجتُ من بلد بعيد وابنى هذا معى، وأنا أريد حجّ بيت الله وزيارة قبر نبيّه صلى اللّه عليه وسلم، وما يخطر ببالى هذا الأمر الذى حدث منك ؛ وقد سمعتُ ما قلتَ ، فعندك وفاء بما جعلت على نفسك ؟ . قال : نعم ، قال : ابسط يدك فأبايعك ، قال : فبايعه ، ثم قال لابنه: ادن فبايعْ . قال : فرأيتُ واللّه رءوسهما فى الرءوس بمنِى، وذلك أنى حججت فى ذلك العام . قال : وحدّثنى جماعة من أهل المدينة أنّ مباركاً التركىّ أرسل إلى حسين ابن علىّ: والله لأن أسقط من السماء فتخطفنى الطير، أوتهوى بى الريح فى مكان سحيق، أيسر علىّ من أن أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة ؛ ولكن لابدّ من الإعذار ؛ فبَيّتْنى فإنى منهزم عنك. فأعطاه بذلك عهدَ اللّه وميثاقه . قال : فوجَّه إليه الحسين- أو خرج إليه- فى نفر يسير ، فلما دنوا من عسكره صاحوا وكبَّرُوا ، فانهزم أصحابه حتى لحق بموسى بن عيسى . وذكر أبو المضْرَحىّ الكلابىّ، قال: أخبرنى المفضّل بن محمد بن المفضّل ٥٦٥/٣ ٢٠٢ سنة ١٦٩ ابن حسين بن عبيد الله بن العباس بن علىّ بن أبى طالب، أنّ الحسين بن علىّ بن حسن بن حسن ، قال يومئذ فى قوم لم يخرجوا معه - وكان قد وعدوه أن يوافوه ، فتخلّفوا عنه - متمثِّلًا: مَوْتاًعلى عجل أَو عاش منتصِفا(١) من عاذَ بالسّيْفِ لَاقَى فُرْصَةً عجَباً لا تَقْرَبوا السّهلَ إِنَّ السَّهلَ يُفسِدُكم لَن تُدْركوا المجدَحتى تضربُوا عُنفا (٢) وذكر الفضل بن العباس الهاشمىّ أن عبد الله بن محمد المنقرىّ حدّثه عن أبيه ، قال : دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فَخّ ، فوجده خائفًا يلتمس عذراً من قتل من قتل ، فقال له : أصلح اللّه الأمير ! أنشدك شعراً كتبَ به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن علىّ رضى الله عنه ؟ قال : أنشدنى ، فأنشده ، فقال : ٥٦٦/٣ على عُذَافرَةٍ فى سَيْرِها قُحَمُ يأَيّها الراكبُ الغادِى لِطِيّتِهِ بيْنِى وبيْنَ الحُسْين اللهُ والرَّحِمُ عَهْدَ الإِلِهِ ومَا تُرْعَى له الذِّمَمُ أُمٌّ حَصَانٌ لِعَمْرِى بَرَّةٌ كَرَمُ بنتُ النبيِّ وَخَيْرِ الناسِ قَدْ علموا مِنْ قَومِكُمْ لَهُمُ مِن فضلها قِسَمُ والظنّ يَصْدُقُ أَحياناً فَيَنْتَظِمُ قَتْلَى تهاداكمُ العِقِبان والرّخَمُ ومَسِّكُوا بِحبالِ السِّلْمِ وَاعْتَصِموا وَإِنَّ شاربَ كأْسِ البغْيِ يتَّخِمُ مِنَ القرونِ وَقَد بادتْ بها الأُمَمُ فَرُبَّ ذی بَدْخٍ زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ أَبلغْ قريشاً على شَخْط المَزارِ بها وَمَوْقِفٍ بِفناءِ البَيْتِ أَنْشُدُهُ عَنَّفتْمُ قَوْمُكم فَخْرًا بِأُمَّكُمُ هى التى لا يُدانى فَضلَها أَحَدٌ وفَضلها لكُمُ فضلٌ وغيْرُكُمُ إنى لأَعلَمُ أَو ظنًّا كعالِمِهِ أَن سوفَ يَتْرُككمْ ما تطلبونَ بها يا قَومَنا لا تُشِبّوا الحَربَ إِذخَمَدَت لا ترْكبوا البَغْىَ إِنَّالبَغْىَ مَصْرَعَةٌ قَدْ جَرَّبَ الحَرْبَ من قَدْ كان قبلكمُ فأَنْصفوا قومكم لا تهلكوا بذَخًا. ٥٦٧/٣ (١) ا، س: ((أو مات)). (٢) ا، ج: ((حتى تدركوا)). ٢٠٣ سنة ١٦٩ قال : فسرِّى عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه . وذكر عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى أنّ العلاء حدّثه أن الهادى أمیر المؤمنین لمّا ورد علیه خلعُ أهلَ فخّ خَلا لیلہ یکتب کتابًا بخطه، فاغتمّ بخلوته مواليه وخاصّته ، فدسُّوا غلاماً له ، فقالوا : اذهب حتى تنظر إلى أىّ شىء انتهى الخبر ، قال : فدنا من موسى ، فلما رآه قال : ما لك ؟ فاعتلّ عليه ، قال : فأطرق ثم رفع رأسه إليه ، فقال : رَقَدَ الأُلَى ليس السُّرَى مِنْ شَأْنِهِمْ وكفَاهُمُ الإِذْلاجَ من لم يَرْقُدِ وذكر أحمد بن معاوية بن بكر الباهلىّ ؛ قال : حدثنا الأصمعىّ ، قال : قال محمد بن سلمان لیلة فخ لعمرو بن أبى عمرو المدنیّ - و کان یرمى بين يديه بين الهدفين: ارمٍ ، قال: لا والله لا أرمى ولدَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ إنى إنّما صحِبتك لأربى بين يديك بين الهدفيْن ، ولم أصحبك لأرمى المسلمين . قال: فقال المخزومىّ: ارْمٍ، (١ فرمى فما مات إلا بالبَرَص(١). قال : ولما قتل الحسين بن علىّ وجاء(٢) برأسه يقطين بن موسى، فوُضِع بين يدى الهادى ، قال : كأنكم واللّه جثّم برأس طاغوت من الطواغيت ! إن أقلّ ما أجزيكم به أن أحرمكم جوائزكم . قال: فحرمهم ولم يعطهم شيئًا . وقال موسى الهادى : لما قتل الحسين متمثِّلًا : قدْ أَنصَف القارَةَ مَنْ راماها (٣) إِنا إِذا ما فئَةً نلقاها • نرُدُّ أولاها على أخراها . ٥٦٨/٣ وغزا الصائفة فى هذه السنة معيوف بن يحيى من دَرْب الراهب، وقد كانت الرُّوم أقبلت مع البطريق إلى الحدث (٤)؛ فهرب الوالى والجند وأهل الأسواق، (١ -١) أ، ج: ((فات بالبرص)). (٣) اللسان ٦ : ٤٣٦. (٢) ج: ((وجاءه)). (٤) ابن الأثير: ((الحديثة)). ٢٠٤ سنة ١٦٩ فدخلها العدو ، ودخل أرض العدوّ معيوف بن يحيى ، فبلغ مدينة أشنة ، فأصابوا سبايا وأسارى وغنموا . وحجّ بالناس فى هذه السنة سليمان بن أبى جعفر المنصور . وكان على المدينة عمر بن عبد العزيز العمرىّ، وعلى مكة والطائف عبيد الله بن قُشَم، وعلى اليمن إبراهيم بن سَلْم بن قتيبة، وعلى اليمامة والبحرين سُويد بن أبى سُويد القائد الخراسانىّ، وعلى عُمان الحسن بن تسنيم (١) الحوارىّ، وعلى صلاة الكوفة وأحداثها وصدقاتهاوبھْقُباد الأسفل موسى بن عيسى ، وعلى صلاة البصرة وأحداثها محمد بن سليمان. وعلى قضائها عمر بن عثمان ، وعلى جرجان الحجّاج مولى الهادى، وعلى قوميس زياد بن حسان، وعلى طَبَرِسْتان والرُّويان صالح بن شيخ بن مُميرة الأسدىّ ، وعلى أصبهان طيفور مولى الهادى . (١) ابن الاثير: ((نسيم)). ٢٠٥ ثم دخلت سنة سبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ٥٦٩/٣ فمن ذلك وفاة يزيد بن حاتم بإفريقيّة فيها، ووليتها بعده رَوْح بن حاتم . وفيها مات عبد الله بن مروان بن محمد فى المطبَق . ... [ ذكر الخبر عن وفاة موسى الهادى ] وفيها توفی موسی الهادی بعیساباذ. واختلف فى السبب الذى كان به وفاته ، فقال بعضهم : كانت وفاته من قُرْحة كانت فى جوفه . وقال آخرون : كانت وفاته من قِبَل جوارِ لأمُّهُ الخيزران؛ كانت أمرتهنّ بقتله لأسباب نذكر بعضها . (* ذكر الخبر عن السبب الذى من أجله كانت أمرتهنّ بقتله: ذكر يحيى بن الحسن أن الهادىَ نابذَ أمه ونافرها ؛ لمّا صارت إليه الخلافة، فصارت خالصةُ إليه يوماً ، فقالت : إن أمّك تستكسيك ، فأمر لها بخزانة مملوءة كسوة. قال: ووُجد للخيزران فى منزلها من قراقر (١) الوشى ثمانية عشر ألف قَرْقر. قال : وكانت الخيزران فى أوّل خلافة موسى تفتات عليه فى أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله فى الاستبداد بالأمر والنهى، فأرسل إليها ألا تخرجى من خفَر الكفاية إلى بذاذة التبذُّل ؛ فإنه ليس من قَدْر النساء الاعتراض فى أمر الملك؛ وعليك بصلاتك وتسبيحك(٢) وتبتُلك؛ ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك . قال : وكانت الخيزران فى خلافة موسى كثيراً ما تكلّمه فى الحوائج ؛ فكان يجيبها إلى كلِّ ما تسأله حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته ، وانثال النَّاس عليها ، وطمعوا فيها ؛ فكانت المواكب تغدو إلى بابها ؛ قال : فكلَّمتْه يومًا فى أمرٍ لم يجد إلى إجابتها(٣) إليه سبيلا، (١) القرقر: من لباس المرأة. (٢) : ((وسبحتك)) (٣) س: ((فى إجابتها)). ٥٧٠/٣ ٢٠٦ سنة ١٧٠ فاعتلّ بعلة ، فقالت : لا بدّ من إجابتى ، قال: لا أفعل ، قالت : فإنى قد تضمّنت هذه الحاجة لعبد اللّه بن مالك . قال : فغضب موسى ، وقال : ويل على ابن الفاعلة ! قد علمتُ أنه صاحبها ؛ والله لاقضيتها لك ، قالت : إذاً والله لا أسألك حاجة أبداً، قال: إذاً والله لا أبالى. وحمِىَ وغضب. فقامت مغضبة، فقال: مكانك تستوعى (١) كلامى واللّه، وإلاّ فأنا نفىّ من قرابتی من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بلغنی أنه وقف ببابك أحد من قُوّادى أو أحد من خاصّى أو خدمى لأضربنّ عنقه؛ ولأقبضنّ ماله ؛ فمن شاء فليلزم ذلك . ما هذه المواكب التى تغدو وتروح إلى بابك فى كلّ يومٍ ! أما لكِ مغزل يشغلك ، أو مصحف يُذكرك، أو بيت يصونك ! إياك ثم إياك ؛ ما فتحتٍ بابك لملىّ أو لذمىّ . فانصرفت ما تعقل ما تطأ ؛ فلم تنطق عنده بحُدْوة ولا مُرّة بعدها . قال يحيى بن الحسن : وحدثنى أبى ، قال : سمعت خالصة تقول للعباس ابن الفضل بن الربيع : بعث موسى إلى أمّه الخيزران بأرزَّةٍ ، وقال: استطبتُها فأكلتُ منها ، فكلى منها . قالت خالصة : فقلت لها: أمسكى حتى تنظرى ؛ فإنى أخاف أن يكون فيها شىء تكرهينه ، فجاءوا بكلب فأكل منها ، فتساقط لحمه ؛ فأرسل إليها بعد ذلك : كيف رأيتِ الأرزّة ؟ فقالت : وجدتها طيّبة، فقال: لم تأكلى ؛ ولو أكلتِ لكنتُ قد استرحتُ منك ، متى أفلح خليفة له أمّ ! ١٧١/٣ قال وحدثنى بعضُ الهاشميين، أنّسبب موت الهادى كان أنه لمّا جدّ فى خلع هارون والبيعة لابنه جعفر، وخافت الخيزران على هارون منه ، دسّت إليه من جواريها لمّا مرض مَنْ قتله بالغمّ والجلوس على وجهه، ووجّهت إلى يحيى بن خالد: إنّ الرجُلَ قد تُؤُفِّى، فاجدْد فى أمرك ولا تقصِّر. وذكر محمد بن عبد الرحمن بن بشار أنّ الفضل بن سعيد حدثه ، عن أبيه ، قال : كان يتصل بموسى وصولُ القوّاد إلى أمِّه الخيزران، يؤمّلون بكلامها (١) ج: ((تستوفى)). ا: ((تستوعبى). ٢٠٧ سنة ١٧٠ فى قضاء حوائجهم عنده ، قال : وكانت تريد أن تغلب على أمره كما غلبت على أمر المهدىّ ؛ فكان يمنعها من ذلك ويقول : ما للنساء والكلام فى أمر الرجال ! فلما كثر عليه مصیرُ من يصير إليها من قواده، قال يوماً وقد جمعهم: أيما خير ؟ أنا أو أنتم ؟ قالوا: بل أنت يا أمير المؤمنين ؛ قال: فأيما خيرٌ، أمَّى أو أمهاتكم؟ قالوا : بل أمّك يا أمير المؤمنين، قال: فأيكم يحبّ أن يتحدّث الرجال بخبر أمه ، فيقولوا : فعلتْ أمّ فلان ، وصنعت أم فلان ، وقالت أم فلان ؟ قالوا : ما أحد منا يحبّ ذلك ، قال: فما بالُ الرجال يأتون أمى فيتحدّثون بحديثها ! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها ألبتَّةً، فشقّ ذلك عليها فاعتزلْته، وحلفتْ ألاّ تكامه ؛ فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة . ٠ ٠ [ ذكر الخبر عما كان من خلع الهادى للرشيد ] وكان السبب فى إرادة موسى الهادى خلْع أخيه هارون حتى اشتدّ عليه فى ذلك وجدّ فيما ذكر صالح بن سليمان أنّ الهادى لما أفضت إليه الخلافة أقرّ يحي بن خالد على ما كان يلِى هارون من عمل المغرب ؛ فأراد الهادى خلعَ هارون الرشيد والبيْعة لابنه جعفر بن موسى الهادى ، وتابعه على ذلك القوّاد ؛ منهم يزيد بن مزيد وعبد الله بن مالك وعلىّ بن عيسى ومَنْ أشبههم؛ فخلعوا هارون ، وبايعوا لجعفر بن موسى، ودسُّوا إلى الشيعة (١)؛ فتكلموا فى أمره، وتنقَّصوه فى مجلس الجماعة ، وقالوا : لا نرضى به ، وصعب أمرهم حتى ظهر ؛ وأمر الهادى ألاَّ يسِارَ قدّامَ الرشيد بحربة ، فاجتنبه الناس وتركوه ؛ فلم يكن أحدٌ يجترئ أن يسلّم عليه ولا يقربه . ٥٧٢/٣ وكان يحيى بن خالد يقوم بإنزال الرّشيد ولا يفارقه هو وولده - فيما ذكر. قال صالح : وكان إسماعيل بن صُبيح كاتب يحيى بن خالد، فأحبّ أن يضعه موضعًا يستعلم له فيه الأخبار ، وكان إبراهيم الحرّانىّ فى موضع الوزارة لموسى ، فاستكتب إسماعيل ، ورفع الخبر إلى الهادى ؛ وبلغ ذلك يحيى بن خالد ، فأمر إسماعيل أن يشخص إلى حرَّان ، فسار إليها ؛ فلما كان بعد أشهر سأل (١) !: ((إليه الشيعة)). ٢٠٨ سنة ١٧٠ الهادى إبراهيم الحرانىّ: مَنْ كاتبك ؟ قال: فلان كاتب ، وسمّاه ، فقال : أليس بلغنى أن إسماعيل بن صُبيح كاتبك ؟ قال : باطلٌ يا أمير المؤمنين؛ إسماعيل بحرّان . قال : وسُعِىَ إلى الهادى بيحيى بن خالد ، وقيل له : إنه ليس عليك من هارون خلاف ؛ وإنما يفسده يحيى بن خالد ، فابعث إلى يحيى ، وتهدّدْه بالقتل ؛ وارمه بالكفر ؛ فأغضب ذلك موسى الهادى على يحيى بن خالد . ٥٧٣/٣ وذكر أبو حفص الكرمانيّ أنّ محمد بن يحيى بن خالد حدّثه ، قال : بعث الهادى إلى يحيى ليلاً، فأيس من نفسه ، وودّع أهله ، وتحقَّط وجدّد ثيابه، ولم يشكّ أنه يقتله؛ فلمّا أدخِل عليه، قال: يا يحيى، ما لى ولك! قال : أنا عبدُك يا أميرَ المؤمنين ؛ فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته . قال: فلمّ تدخل بينى وبين أخى وتفسده علىّ! قال: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ أنا حتى أدخل بينكما ! إنما صيرفى المهدىّ معه، وأمرنى بالقيام بأمره ؛ فقمت بما أمرنى به ، ثم أمرتّنى بذلك فانتهيت إلى أمرك . قال : فما الذى صنع هارون؟ قال : ما صنع شيئًا، ولا ذلك فيه ولا عنده . قال : فسكن غضبُه. وقد كان هارون طاب نفسًا بالخلع ، فقال له يحيى : لا تفعل ، فقال : أليس يترك لى الغنىء والمرىء، فهما يسعاننى وأعيش مع ابنة عمى! وكان هارون يجدُ بأمّ جعفر وجْداً شديداً، فقال له يحيى: وأين هذا من الخلافة ! ولعلك ألا يُشْرَك هذا فى يدك حتى يخرج أجمَع؛ ومنعه من الإجابة . قال الكرمانيّ : فحدّثنى صالح بن سليمان ، قال : بعث الهادى إلى يحيى بن خالد وهو بعيساباذ ليلاً ، فراعه ذلك ، فدخل عليه وهو فى خَلْوة ، فأمِر بطلب رجل كان أخافه (١)، فتغيّب عنه؛ وكان الهادى يريد أن ينادمه ويمنعه مكانه من هارون ، فنادمه وكلّمه يحيى فيه ، فآمنه وأعطاه خاتم ياقوت أحمر فى يده ، وقال : هذا أمانه (٢)، وخرج يحيى فطلب الرّجل، وأتى الهادى به فسرّ بذلك . (١) س: ((خافه)). (٢). ط: ((أمانة)). ٢٠٩ سنة ١٧٠ قال: وحدّثّنى غير واحد أنّ الرجل الذى طلبه كان إبراهيم الموصلىّ. قال صالح بن سليمان : قال الهادى يوما للربيع: لا يدخل علىّ يحي بن خالد إلا آخر الناس . قال : فبعث إليه الرّبيع ، وتفرّغ له . قال : فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد ، ودخل عليه يحيى ، وعنده عبد الصمد ابن علىّ والعبّاس بن محمد وجِلةُ أهله وقُوّاده، فما زال يُدنِيه حتى أجلسه بين يديه، وقال له : إنى كنت أظلمك وأكفرك، فاجعلنى فى حلّ ، فتعجب الناس من إكرامه إياه وقوله؛ فقبَّل يحيى يده وشكر له ، فقال له الهادى: مَن الذى يقول فيك يا يحيى : لَسَخَتْ نَفْسُه بِبَذْلِ النَّوالِ. لو يَمَسُّ البَخِيلُ راحةً يحبی ٥٧٤/٣ قال : تلك راحتُك يا أمير المؤمنين لا راحة عبدك! قال : وقال يحيى للهادى فى خلع الرّشيد لمَّا كلمه فيه : يا أميرَ المؤمنين ؛ إنك إن حملت الناس على نكْث الأيمان هانت عليهم أيمانهم ؛ وإن تركتَهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر مِنْ بعده كان ذلك أوكدَ لبيعته ، فقال : صدقت ونصحت ؛ ولی فی هذا تدبير . قال الكرمانيّ : وحدثنى خزيمة بن عبد اللّه، قال : أمر الهادى بحبس يحيى بن خالد على ما أراده عليه من خلْع الرشيد ، فرفع إليه يحيى رقعة : إنّ عندى نصيحة، فدعا به ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، أخْلِى، فأخلاه، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ أرأيت إن كان الأمر - أسأل الله ألا" نبلغه، وأن يقدّمنا قبله - أتظنّ أنّ الناس يسلمون الخلافة الجعفر؛ وهو لم يبلغ الخُلُم ، ويُرْضَوْن به لصلاتهم وحَجِّهم وغزوهم! قال: والله ما أظنّ ذلك، قال: يا أمير المؤمنين ، أفتأمن أن يسموَ إليها أهلك وجلّتهم مثل فلان وفلان، ويطمع فيها غيرهم، فتخرج من ولد أبيك ؟ فقال له : نبَّهتَنى يا يحيى - قال : وكان يقول : ما كلَّمتُ أحداً من الخلفاء كان أعقلَ من موسى - قال : وقال له : أو أن هذا الأمر لم يعقد لأخيك ، أما كان ينبغى أن تعقده له ، فكيف بأن تحلّه عنه، وقد عقده المهدىّ له! ولكن أرى أن تُقِرّ هذا الأمر يا أميرَ المؤمنين تاريخ الطبري - ثامن ٥٧٥/٣ ٢١٠ سنة ١٧٠ على حاله ؛ فإذا بلغ جعفر ، وبلغ الله به ، أتيتته بالرّشيد فخلع نفسه ، وكان أول مَنْ يبايعه ويعطيه صفقة يده . قال : فقبل الهادى قوله ورأيته ، وأمر بإطلاقه . وذكر الموصلىّ عن محمد بن يحيى ، قال : عزم الهادى بعد كلام أبى له على خلْج الرشيد ، وحمَله عليه جماعة من مواليه وقوّاده ؛ أجابه إلى الخلع أو لم يُجِبْه، واشتد غضبه منه، وضيّ عليه. وقال يحيى لهارون : استأذنه فى الخروج إلى الصَّيْد ، فإذا خرجتَ فاستبعد ودافع الأيام ، فرفع هارون رقعة يستأذن فيها، فأذن له؛ فضى إلى قصر مقاتل(١)، فأقام به أربعين يومًاً حتى أنكر الهادى أمرَه وَغمّه احتباسُه، وجعل يكتب إليه ويصرفُه، فتعلّل عليه حتى تفاقم الأمر ، وأظهر شتمه ، وبسط مواليه وقوّادُه ألسنتَهم فيه ؛ والفضل ابن يحيى إذ ذاك خليفة أبيه ، والرّشيد بالباب ؛ فكان يكتب إليه بذلك ، وانصرف وطال الأمر . قال الكرمانيّ : فحدّثّنى يزيد مولى يحيى بن خالد ، قال: بعثت الخيزران عاتكة - ظهراً كانت لهارون - إلى يحيى ، فشقّت جيبها بين يديه ، وتبكى إليه وتقول له : قالت لك السيدة : اللّه اللّهَ فى ابنى لا تقتله ، ودعه يجيب أخاه إلى ما يسأله ويريده منه، فبقاؤه أحبّ إلىّ من الدنيا بجُمْع ما فيها . قال : فصاح بها ، وقال لها : وما أنت وهذا! إن يكن ما تقولين فإنى وولدى وأهلى سنقْتَلُ قبله ، فإن اتُّهمت عليه فلست بمتَّهم على نفسى ولا عليهم . قال : ولمّا لم ير الهادى يحيى بن خالد يرجع عما كان عليه لهارون بما بذل له من إكرام وإقطاع وصلة ، بعث إليه يتهدّده بالقتل إن لم يكفّ عنه . قال : فلم تزل تلك الحال من الخوْف والخطر ، وماتت أم يحيى وهو فى الخُلْد ببغداد؛ لأن هارون كان ينزل الخُلْد، ويحيى معه، وهو ولىّ العهد، نازل فى داره يلقاه فى ليله ونهاره . ٥٧٦/٣ وذكر محمد بن القاسم بن الرّبيع ، قال : أخبرنى محمد بن عمرو الرومىّ ، (١) ١: ((قصر بنى مقاتل)). ٢١١ سنة ١٧٠ قال : حدثنى أبى، قال : جلس موسى الهادى بعد ما ملك فى أوّل خلافته جلوسًا خاصًّا ، ودعا بإبراهيم بن جعفر بن أبى جعفر وإبراهيم بن سلم بن قُتيبة والحرّانىّ ، فجلسوا عن يساره ، ومعهم خادم له أسود يقال له أسلم ، ويكنى أبا سليمان؛ وكان يثق به ويقدّمه ؛ فبينا هو كذلك، إذ دخل صالح صاحب المصلّى، فقال: هارون بن المهدىّ، فقال: ائذن له ، فدخل فسلم عليه ، وقبّل يديه ، وجلس عن يمينه بعيداً من ناحية ، فأطرق موسى ينظر إليه ، وأدمن ذلك ، ثم التفت إليه ، فقال : يا هارون ، كأنى بك تحدّث نفسك بتمام الرؤيا ، وتؤمِّل ما أنت منه بعيد ، ودون ذلك خَرْط القتاد ؛ تؤمّل الخلافة ! قال : فبرك هارون على ركبتيه ، وقال : يا موسى ؛ إنك إن تجبرّتَ وُضعتَ، وإن تواضعتَ رُفعتَ؛ وإن ظَلَمْت خُتلت(١)؛ وإنى لأرجو أن يفضى الأمر إلىّ؛ فأُنْصِف مَنْ ظلمتَ، وأَصِل مَنْ قطعتَ، وأصيّ أولادك أعلى من أولادى ، وأزوّجهم بناتى، وأبلغ ما يجب (٢) من حقّ الإمام المهدىّ. قال: فقال له موسى : ذلك الظنّ بك يا أبا جعفر؛ ادن منى، فدنا منه ، فقبّل يديه، ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له : لا والشيخ الجليل ، والملك النبيل - أعنى أباك المنصور - لا جلستَ إلاّ معى، وأجلسه فى صدر المجلس معه ، ثم قال: يا حَرّانىّ ، احمل إلى أخى ألف ألف دينار ؛ وإذا افتتح الخراج فاحِمْل إليه النصف منه ، واعرضْ عليه ما فى الخزائن من مالنا، وما أخذ من أهل بيت اللعنة؛ فيأخذ جميع ما أراد . قال: ففعل ذلك . ولما قام قال لصالح : أدنِ دابته إلى البساط . قال عمرو الرومىّ: وكان هارون يأنس بى ، فقمت إليه فقلت: يا سيّدى، ما الرؤيا التى قال لك أمير المؤمنين ؟ قال: قال المهدىّ : أرِيت فى منامى كأنى دفعت إلى موسى قضيبًا وإلى هارون قضيبًا ، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلاً ؛ فأما هارون فأروق قضيبه من أوله إلى آخرِهِ. فدعا المهدىّ الحكم بنموسى الضمرىّ- وكان يكنى أبا سفيان- فقال له: عبِّر هذه الرؤيا، فقال: يملكان جميعًا، فأما موسى فتقلّ أيامه ، وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة ؛ وتكون أيامُه ٥٧٧/٣ (١) ابن الأثير: ((قتلت)). (٢) ابن الأثير: ((ما تحب)). ٢١٢ سنة ١٧٠ أحسن أيام ، ودهره أحسن دهر . قال : ولم يلبثْ إلاّ أيامًا يسيرة ، ثم اعتل موسى ومات ، وكانت علّته ثلاثة أيام . ٥٧٨/٣ قال عمرو الرومىّ : أفضت الخلافة إلى هارون، فزوّج حمدونة من جعفر ابن موسی ، وفاطمة من إسماعيل بن موسى ؛ ووفی بکلّ ما قال ؛ وکان دهرُه أحسن الدهور . وذُكر أنّ الهادىّ كان قد خرج إلى الحديثة ؛ حديثة الموصل ؛ فمرض بها ، واشتدّ مرضُه ، فانصرف . فذكر عمرو اليشكرىّ - وكان فى الخدم - قال: انصرف الهادى من الحديثة بعد ما كتب إلى جميع عمّاله شرقًا وغربًا بالقدوم عليه ؛ فلما ثقُل اجتمع القوم الذين كانوا بايعوا لجعفر ابنه ، فقالوا : إن صار الأمر إلى يحيى قتَلَنا ولم يستبْقنا، فتآمروا على أن يذهب بعضهم إلى يحيى بأمر الهادى ، فيضرب عنقه. ثم قالوا: لعلّ أمير المؤمنين يُفيق من مرضه ، فما عُدْرنا عنده! فأمسكوا . ثم بعثت الخيزران إلى يحيى تعلمه أنّ الرجل لمآبِهِ، وتأمره بالاستعداد لما ينبغى؛ وكانت المستوليةَ على أمر الرشيد وتدبير الخلافة إلى أن هلك؛ فأحضر الكتَّب وجُمعوا فى منزل الفضل بن يحيى ، فكتبوا لليلتهم كتبًاً من الرشيد إلى العمّال بوفاة الهادى، وأنهم قد ولا هم الرشيد ما كانوا يدُون ؛ فلما مات الهادى أنْفذوها على البُرُد . وذكر الفضل بن سعيد ، أنّ أباه حد ثه أنَّ الخیزران کانت قد حلفتْ ألاّ تكلم موسى الهادى ، وانتقلت عنه ، فلما حضرته الوفاة ، وأتاها الرّسول فأخبرها بذلك ، فقالت : وما أصنع به ؟ فقالت لها خالصةُ : قومى إلى ابنك أيَّتها الحرّة؛ فليس هذا وقت تعتُّب ولا تغضّب، فقالت : أعطونى ماءً أتوضّا للصلاة ، ثم قالت : أما إنَّا كنا نتحدّث أنه يموت فى هذه الليلة خليفةٌ ، ويملك خليفة ، ويولد خليفة ؛ قال : فمات موسى ، وملّك هارون ، وولد المأمون . قال الفضل : فحدّثت بهذا الحديث عبد الله بن عبيد اللّه، فساقه لى مثل ما حدثنيه أبى ، فقلت : فمن أين كان للخيزران هذا العلم ؟ قال : إنها كانت قد سمعت من الأوزاعىّ . ٥٧٩/٣ ٢١٣ سنة ١٧٠ ذكر يحيى بن الحسن أنّ محمد بن سليمان بن علىّ حدثه، قال: حدثتنى عمّتى زينب ابنة سليمان، قالت: لما مات موسى بعيساباذ، أخبرتْنا الخيزران الخبر، ونحن أربع نسوة ؛ أنا وأختى وأمّ الحسن وعائشة، بُنيّات سليمان، ومعنا رَيْطة أمّ علىّ ، فجاءت خالصة ، فقالت لها : ما فعل الناس ؟ قالت : يا سيدتى ، مات موسى ودفنوه ؛ قالت: إن كان مات موسى ، فقد بقى هارون، هات لى سَويقا ، فجاءت بسَويق ، فشربت وسقتنا ، ثم قالت : هات الساداتئ أربعمائة ألف دينار، ثم قالت : ما فعل ابنى هارون ؟ قالت : حلف ألاّ يُصلَّىَ الظهرَ إلا ببغداد . قالت: هاتوا الرّحائل، فما جلوسى ها هنا؛ وقد مضى ! فلحقته ببغداد . ذكر الخبر عن وقت وفاته ومبلغ سنه وقدر ولايته ومَنْ صلى عليه قال أبو معشر : تُوفّىَ موسى الهادى ليلة الجمعة للنصف من شهر ربيع الأول ؛ حدّثنا بذلك أحمد بن ثابت ، عمَّن ذكره، عن إسحاق . وقال الواقدىّ : مات موسى بعيساباذ للنصف من شهر ربيع الأول . وقال هشام بن محمد : هلك موسى الهادى لأربع عشرة ليلة خلتْ من شهر ربيع الأول ليلة الجمعة فى سنة سبعين ومائة . وقال بعضهم : تُوفّىَ ليلة الجمعة لستة عشر يومًاً منه؛ وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر . وقال هشام: ملك أربعة عشر شهراً ، وتوفّىَ وهو ابن ستّ وعشرين سنة . وقال الواقدىّ : كانت ولايته سنة وشهراً واثنين وعشرين يومًاً . وقال غيرهم: تُوفّىَ يوم السبت، لعشر خَلَتْ من ربيع الأول- أو ليلة الجمعة. وهو ابن ثلاث وعشرين سنة ، وكانت خلافته سنة وشهراً وثلاثة وعشرين يومًا ، وصلى عليه أخوه هارون بن محمد الرشيد . وكان كنيته أبا محمد ، وأمه الخيزران أم ولد ، ودفن بعيساباذ الكُبرى فى بُستانه . ٥٨٠/٣ ٢١٤ سنة ١٧٠ وذكر الفضل بن إسحاق أنه كان طويلا جسيمًا جميلاً أبيض، مشرباً حُمرة؛ وكان بشفته العليا تقلُّص، وكان يلقب موسى أطْبق(١)؛ وكان ولد بالسّيْرَ وان من الرىّ . # ذكر أولاده وكان له من الأولاد تسعة ؛ سبعة ذكوروابنتان . فأما الذكور فأحدهم جعفر - وهو الذى كان يرشحه للخلافة - والعباس وعبد الله وإسحاق وإسماعيل وسليمان وموسى بن موسى الأعمى؛ كلهم من أمهات أولاد. وكان الأعمى - وهو موسى - ولد بعد موت أبيه . والابنتان؛ إحداهما أم عيسى كانت عند المأمون، والأخرى أمّ العباس بنت موسى، تلقَّب نُوتة . # ذكر بعض أخباره وسيره ذكر إبراهيم بن عبد السلام، ابن أخى السندىّ أبو طوطة ، قال: حدثنى السَّندىّ بن شاهك، قال : كنت مع موسى بجُرجان ، فأتاه نعىّ المهدىّ والخلافة ، فركب البريد إلى بغداد ؛ ومعه سعيد بن سَلْ ، ووجّهنى إلى خُراسان ؛ فحدثی سعید بن سلم، قال: سرْنَا بین أبيات جُرجان وبساتينها، قال : فسمع صوتًا من بعض تلك البساتين من رَجُل يتغنّى ، فقال لصاحب شرطته : علىَّ بالرّجل الساعة، قال: فقلت يا أمير المؤمنين ، ما أشبه قصّة هذا الخائن بقصّة سليمان بن عبد الملك ! قال : وكيف ؟ قال : قلت له : كان سليمان بن عبد الملك فى متنزّهٍ له ومعه حُرَمَه ؛ فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنَى، فدعا صاحبَ شرطته ، فقال : علىّ بصاحب الصوت؛ فأتِىَ به ؛ فلما مثل بين يديه ، قال له: ما حَمَلك على الغناء وأنت إلى جنبى ومعى حُرَتَى! أما علمت أن الرّماك(٢) إذا سمعت صوت الفحل حنَّت إليه! يا غُلام جُبَّه؛ فجُبَّ الرجل. فلما كان فى العام المقبل رجَع سليمان إلى ذلك المتنزه ، فجلس مجلسه الذى فيه ، فذكر الرجل وما صنع به ، فقال لصاحب ٥٨١/٣ (١) !: ((موسى الحبق)). (٢) فى القاموس: ((الرمكة محركة: الفرس أو البرذونة، تتخذ للنسل)). ٢١٥ سنة ١٧٠ شُرطته : علىّ بالرجل الذى كنا جبَناه ، فأحضره، فلما مَثَل بين يديه ، قال له : إمّا بِعْتَ فوفّيناك، وإما وهبتَ فكا فأناك، قال: فوالله ما دعاه بالخلافة، ولكنّه قال له: يا سليمان؛ اللّه اللّه! إنك قطعت نسلى، فذهبت بماء وجهى ، وحرمتَنى لذّى، ثم تقول: إمّاً وهبتَ فكافأناك، وإما بعت فوفَّيْنَاك! لا والله حتى أقف بين يدى الله . قال: فقال موسى: يا غلام، ردّ صاحب الشرطة، فردّه ، فقال : لا تعرض للرجل. ٥٨٢/٣ وذكر أبو موسى هارون بن محمد بن إسماعيل بن موسى الهادئ؛ أنّ علىّ ابن صالح حدّثه؛ أنه كان يومًا على رأس الهادى وهو غلام - وقد كان جفا المظالم عامَّةً ثلاثة أيام- فدخل عليه الحرّانىّ، فقال له : يا أميرَ المؤمنين؛ إن العامة لا تنقاد على ما أنتَ عليه، لم تنظر فى المظالم منذ ثلاثة أيام ؛ فالتفت إلىّ، وقال: يا علىّ، ائذن للناس، علىّ بالجفَلى لا بالنّقرى(١)، فخرجت من عنده أطير على وجهى . ثم وقفت فلم أدر ما قال لى ، فقلت : أراجع أميرَ المؤمنين ، فيقول : أتحجبنى ولا تعلم كلامى! ثم أدركنى ذهنى ، فبعثت إلى أعرابىّ كان قد وفد، وسألته عن الحفلى والنَّقَرَى، فقال: الجَفَلى جُفالة، والنقرى ينقِّ خواصّهم(١). فأمرت بالستور فرفعت وبالأبواب ففتحت، فدخل الناس على بَكْرَة أبيهم ؛ فلم يزل ينظر فى المظالم إلى الليل ؛ فلما تقوَّض المجلس مثلت بين يديه ، فقال : كأنك تريد أن تذكر شيئاً يا علىّ، قلت: نعم يا أميرَ المؤمنين؛ كلّمتنى بكلام لم أسمعه قبل يومى هذا ، وخفت مراجعتك ، فتقول : أتحجبنى وأنت لم تعلم كلامى! فبعثت إلى أعرابىّ كان عندنا، ففسّرلى الكلام؛ فكافئه عنى يا أميرَ المؤمنين، قال: نعم مائة ألف درهم تحميل إليه، فقلت له : يا أمير المؤمنين؛ إنه أعرابىّ جِلْف ، وفى عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه، فقال: ويلك يا علىّ! أجود وتَبْخَل ! قال : وحدثنى علىّ بن صالح ، قال : ركب الهادى يومًا يريد عيادة أمِّه الخيزران من علّة كانت وجدتْها ، فاعترضه عمر بن بزيع ، فقال له : (١) يقال: دعاهم الجفلى، أى دعاهم بجماعتهم، والنقرى: الدعوة الخاصة، والجفالة : الجماعة من الناس . ٢١٦ سنة ١٧٠ يا أميرَ المؤمنين؛ ألاّ أدلُّك على وجه هو أعود عليك من هذا ؟ فقال : وما هو يا عمر ؟ قال : المظالم لم تنظر فيها منذ ثلاث ، قال : فأومأ إلى المطرِّقة أن يميلوا إلى دار المظالم ، ثم بعث إلى الخيزران بخادم من خدمه يعتذر إليها من تخلُّفه ، وقال : قل لها إن عمر بن بزيع أخبرنا منْ حقّ اللّه بما هو أوجب علينا من حقِّك ، فملنا إليه ونحن عائدون إليك فى غدٍ إن شاء الله . ٥٨٣/٣ وذكر عن عبد الله بن مالك، أنه قال: كنتُ أتولَّى الشُّرْطة للمهدىّ ، وكان المهدىّ يبعث إلى ندماء الهادى ومغنِّيه، ويأمرنى بضربهم ؛ وكان الهادى يسألى الرّفْق بهم والترفيهَ لهم ؛ ولا ألتفت إلى ذلك ، وأمضى لما أمرنى به المهدىّ . قال : فلمَّا ولى الهادى الخلافة أيقنت بالتلف ؛ فبعث إلىّ يوماً ، فدخلت عليه متكفناً متحنِّطًا؛ وإذا هو على كرسىّ، والسيف والنَّطَع بين يديه ، فسلّمت، فقال: لا سلم اللّه على الآخر ! تذكر يوم بعثت إليك فى أمر الحرَّانىّ، وما أمر أمير المؤمنين به من ضَرْبه وحبسه فلم تجبنى ؛ وفى فلان وفلان وجعل يعدد ندماءه .. فلم تلتفت إلى قولى، ولا أمرى ! قلت : نعم يا أمير المؤمنين، أفتأذن [لى](١) فى استيفاء الحجّة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين، أيسرّك أنك ولّيتسنى ما ولا نى أبوك، فأمرتَى بأمر ، فبعث إلىّ بعضُ بنيك بأمر يخالف به أمرك، فاتّبعت أمرَه وعصيتُ أمرك ؟ قال: لا ، قلت : فكذلك أنا لك ، وكذا كنت لأبيك . فاستدنانى ، فقبّلت يديه ، فأمر بيخلَعَ فصبَّت علىّ، وقال : قد ولّيتُك ما كنتَ تتولاه ، فامض راشداً . فخرجت من عنده فصرت إلى منزلى مفكراً فى أمرى وأمره ، وقلت : حَدَثٌ يشرب، والقوم الذين عصيته فى أمرهم ندماؤهووزراؤه وكتَّبه؛ فكأنى بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيته فى ، وحملوه من أمرى على ما كنت أكره وأتخوفه . قال: فإنّى لجالس وبين يدىّ بنيّةٌ لى فى وقتى ذلك ، والكانون بين يدىّ، ورقاق أشطُره بكامخ وأسخّنه وأضعه للصِّبْية؛ وإذا ضجة عظيمة، حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء ، فقلت: هاه ! كان والله ما ظننتُ، ووافانى من أمره ما تخوّفت ؛ فإذا الباب قد فتح ، وإذا الخدم قد دخلوا ، وإذا أمير المؤمنين الهادى على حمار فى وسطهم ؛ فلمّاً ٥٨٤/٣ (١) من ا. ٢١٧ سنة ١٧٠ رأيته وثبتُ عن مجلسى مبادراً ، فقبّلت يده ورجله وحافرَ حماره ، فقال لى : يا عبدَ الله، إنى فكرت فى أمرك، فقلت: يسبق إلى قلبك أنَّ إذا شربت وحولى أعداؤك، أزالوا ما حسُن من رأيى فيك، فأقلقتَك وأوحشتك ، فصرتُ إلى منزلك لأونسَك وأعلمك أنّ السخيمة قد زالت عن قلبى لك ، فهات فأطعمنى مما كنتَ تأكل ، وافعل فيه ما كنت تفعل ؛ لتعلم أنِّى قد تحرّمت بطعامك ، وأنست بمنزلك؛ فيزول خوفُك ووحشتُك. فأدنيت إليه ذلك الرّقاق والسكُرَّجة التى فيها الكامخ ، فأكل منها ثم قال: هاتوا الزُّلَّة التى أزلتها لعبد الله من مجلسى. فأدخلت إلىّ أربعمائة بغْل مُوقرة دراهم ، وقال: هذه زُلَّتُكَ، فاستعِنْ بها على أمرك، واحفظ لى هذه البغال عندك؛ لعلى أحتاج إليها يوماً لبعض أسفارى ، ثم قال : أظلك الله بخير ، وانصرف راجعًا. فذكر موسى بن عبد الله أن أباه أعطاه بستانه الذى كان وسط داره ، ثم بنى حوله معالف لتلك البغال ؛ وكان هو يتولّى النظر إليها والقيام عليها أيام حياة الهادى كلها . ٥٨٥/٣ وذكر محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود بن طهمان السُّمىّ ، قال : أخبرنى أبى ، قال : كان علىّ بن عيسى بن ماهان يغضب غضب الخليفة ، ويرضى رضا الخليفة؛ وكان أبى يقول: ما لعربىّ ولا لعجميّ عندى ما لعلىّ ابن عيسى ؛ فإنه دخل إلى الحبس وفى يده سوط ، فقال : أمرنى أمير المؤمنين موسى الهادى أن أضربك مائة سوط ، قال : فأقبل يضعه على يدى ومنكبی ؛ يمستُنى به مسًّا إلى أن عدّ مائة، وخرج . فقال له : ما صنعت بالرّجل ؟ قال : صنعتُ به ما أمرتَ . قال : فما حاله ؟ قال : مات ، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ويلك! فضحتنى واللّه عند الناس؛ هذا رجل صالح ، يقول الناس : قتّل يعقوب بن داود ! قال : فلما رأى شدّة جزعه، قال : هو حىّ يا أمير المؤمنين لم يُمُتْ، قال : الحمد لله على ذلك . قال : وكان الهادی قد استخلف على حجابته بعد الربيع ابنه الفضل، فقال له : لا تحجب عنى الناس؛ فإن ذلك يزيل عنِّى البركة، ولا تُلق إلىّ أمراً إذا كشفتُه أصبتُه باطلا ؛ فإن ذلك يوقع الملك ، ويضرّ بالرّعيَّة. ٢١٨ سنة ١٧٠ وقال موسى بن عبد اللّه : أتِىّ موسى برجل ، فجعل يقرّعه بذُنوبه ويتهدده ، فقال له الرجل: يا أميرَ المؤمنين، اعتذارى مما تُقرّعُنى به رَدّ عليك ، وإقرارى يوجب علىّ ذنبًا؛ ولكنى أقول: فإِن كنتَ ترجو فى العُقوبةِ رحمةً فلا تَزْهَدَنْ عندَ المُعافاة فى الأجر قال : فأمر بإطلاقه . ٥٨٦/٣ وذكر عمر بن شبّة أن سعيد بن سلم كان عند موسى الهادئ ، فدخل عليه وفد الرّوم وعلى سعيد بن سلم قتَلَنْسُوة - وكان قد صَلَعَ وهو حدث - فقال له موسى : ضع قلنسُوتك حتى تتشايخ بصلعتك . وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أنّ أباه حدّته ، قال : خرجت إلى عيساباذ أريد الفَضْل بن الربيع ، فلقيتُ موسى أمير المؤمنين وهو خليفة ؛ وأنا لا أعرفه ؛ فإذا هو فى غُلالة على فَرَس، وبيده قناة لا يدرك أحدًا إلا طعنه . فقال لى : يابن الفاعلة ! قال : فرأيت إنسانا كأنّه صم ، وكنت رأيته بالشأم ، وكان فخذاه كفخذى بعير ، فضربت يدى إلى قائم السيف ، فقال لى رجل : ويلك ! أمير المؤمنين، فحرّكت دابتى - وكان شِهْريًا (١) حملنى عليه الفضل بن الربيع ، وكان اشتراه بأربعة آلاف درهم - فدخلت دار محمد بن القاسم صاحب الحرس ، فوقف على الباب ، وبيده القناة ، وقال : اخرج يابن الفاعلة ! فلم أخرج ، ومرّ فمضى . قلت للفضل : فإنى رأيتُ أمير المؤمنين ؛ وكان من القصّة كذا وكذا ، فقال : لا أرى لك وجهاً إلا ببغداد ؛ إذا جئتُ أصاِّى الجمعة فالقَمی ، قال : فما دخلت عيساباذ حتى هلك الهادى . وذكر الهيثم بن عروة الأنصارىّ أن الحسين بن معاذ بن مسلم - وكان رضيع موسى الهادى - قال: لقد رأيتُنى أخلو مع موسى ، فلا أجد له هيبةٌ فى قلبى عند الخلوة ، لما كان يبسطنى . وربّما (٢) صارعنى فأصرعه غير هائب له ، وأضرب به الأرض ، فإذا تلبّس لبسة الخلافة ثم جلس مجلس الأمر والنهى (١) فى القاموس: ((الشهرية: ضرب من البراذين)). (٢) كذا فى ا، وهى ساقطة من ط . ٢١٩ سنة ١٧٠ قمتُ على رأسه ؛ فوالله ما أملك نفسى من الرِّعدة والهَيْبة له . ٥٨٧/٣ وذكر يحيى بن الحسن بن عبد الخالق أنّ محمد بن سعيد بن عمر بن مِهْرَان ، حدثه عن أبيه ، عن جدّه، قال : كانت المرتبة لإبراهيم بن سلْ ابن قتيبة عند الهادى ، فمات ابنٌ لإبراهيم يقال له سلم ، فأتاه موسى الهادى يعزِّيه عنه على حمار أشهب، لا يُمنع مُقْبلٌ ولا يُردّ عنه مُسَلِمٌ ؛ حتى نزل فى رواقه، فقال له: يا إبراهيم، سَرّك وهو عدوّ (١) وفتنة، وحَزَّلُك وهو صلاة ورحمة . فقال : يا أميرَ المؤمنين، ما بقى منّى(٢) جزء كان فيه حزن إلاّ وقد امتلأ عزاء . قال : فلما مات إبراهيم صارت المرتبة لسعيد بن سلْ بعده . وذكر عمر بن شبّة أن علىّ بن الحسين بن علىّ بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب كان يلقب بالجزرىّ (٣)، تزوج رُقيّة بنت عمرو العثمانية - وكانت تحت المهدىّ - فبلغ ذلك موسى الهادى فى أوّل خلافته، فأرسل إليه فجهله (٤) وقال : أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين ، فقال: ما حرّم الله على خلقه إلاّ نساء جدّى صلى اللّه عليه وسلم؛ فأما غيرُهنّ فلا ولا كرامة. فشجّه بمخْصَرة كانت فى يده ، وأمر بضربه خمسمائة سوط ، فضُرب، وأراده (٥) أن يطلّقَها فلم يفعل، فحمل من بين يديه فى نِطَع فألقِىَ ناحية؛ وكان فى يده خاتم سرىّ(٦) فرآه بعضُ الخدم وقد غُشِىَ عليه من الضرب ، فأهوى إلى الخاتم ، فقبض على يد الخادم فدقّها ، فصاح . وأتى موسى فأراه يده ، فاستشاط وقال : يُفعل هذا بخادمى ، مع استخفافه (٧) بأبى ، وقوله لى ! وبعث إليه : ما حملك على ما فعلت؟ قال: قْل له وسَلْه، ومُرْه أن يضع يده على رأسك وليصدُقُك . ففعل ذلك موسى ، فصدقه الخادمُ ، فقال : أحسن واللّه، أنا أشهدُ أنه ابنُ عمّى ؛ لو لم يفعل لانتفيتُ منه . وأمر بإطلاقه. ٥٨٨/٣ وذكر أبو إبراهيم المؤذّن، أنّ الهادىَ كان يثب على الدابَّة وعليه درعان، وكان المهدىّ يسمّه رَيْحانتى . (١) س: ((عدّوك)). (٣) ج: ((الحردى)). (٥) ج: ((وأداره)). (٧) س: ((استخفافك)). (٢) س: ((فىّ)). (٤) س: ((فحمل إليه)). (٦) ابن الأثير: ((نفيس)). ٢٢٠ سنة ١٧٠ وذكر محمد بن عطاء بن مقدَّمِ الواسطىّ، أن أباه حدّثه أنّ المهدىّ قال لموسى يومًاً- وقد قُدِّم إليه زنديق، فاستتابه، فأبى أن يتوب، فضرب عُنُقه وأمر بصلْه : يا بنىَّ ، إن صارلك(١) هذا الأمر فتجرّد لهذه العصابة - يعنى أصحاب مانى - فإنها فرقة تدعو الناس إلى ظاهرٍ حسن، كاجتناب الفواحش والزّهد فى الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومسّ الماء الطَّهور (٢) وترك قتل الهوام" تحرّجاً وتحوُّباً، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين: أحدهما النور والآخر الظلمة ، ثم تُبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق ، لتنقذهم من ضلال الظلمة إلى هداية النُّور ؛ فارْفع فيها الخشب ، وجَرَّد فيها السيف ، وتقرّب بأمرها إلى اللّه لا شريك له ؛ فإنى رأيتُ جدَّك العباس فى المنام قلَّدنِى بسيفين، وأمرنى بقتل أصحاب الاثنين . قال : فقال موسى بعد أن مضت من أيامه عشرة أشهر: أما والله لئن عشتُ لأقتلنّ هذه الفرقة كلّها حتى لا أترك منها عيناً تطرُف . ويقال : إنه أمر أن يهيّأ له ألف جِذْع ، فقال : هذا فى شهر كذا ، ومات بعد شهرين . ٥٨٩/٣ وذ کر أيوب بن عنابة أن موسى بن صالح بن شیخ ، حد ◌ّته أن عيسى ابن دأب كان أكثر أهل الحجاز أدبًا وأعذَبهم ألفاظًا ؛ وكان قد حَظِىَ عند الهادى حُظوةً لم تكن عنده لأحد؛ وكان يدعوله بمتكأ (٣)، وما كان يفعل ذلك بأحد غيره فى مجلسه . وكان يقول : ما استطلتُ بك يومًاً ولا ليلة ، ولا غبت (٤) عن عبنى إلاّ تمنّيتُ ألا أرى غيرك. وكان لذيذ المفاكهة طيّب المسامرة ، كثير النادرة ، جيد الشعر حسن الانتزاع له . قال : فأمر له ذات ليلة بثلاثين ألف دينار ؛ فلما أصبح ابنُ دأب وجّه قَهْرمانه إلى باب موسى، وقال له : الْقَ الحاجب، وقُلْ له: يوجه إلينا بهذا المال ، فلقى الحاجب ، فأبلغه رسالته ؛ فتبسم وقال: هذا ليس إلىّ ، فانطلق إلى صاحب (١) س: ((إليك)). (٣) ابن الأثير: ((بما يتكىء عليه)). (٢) س: ((الطهور)). (٤) س: ((وما غبت)).